منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

أخي الزائر انت غير مسجل يمكنك التسجيل والمساهمة معنا في إثراء المنتدى ...وأهلا وسهلا بك دوما ضيفا عزيزا علينا ...شكرا لك لاختيار منتدانا كما ندعوك لدعوة اصدقائك للاستفادة من المنتدى وإثرائه ..شكرا وبارك الله فيكم جميعا
منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

منتدى تلات عبد القادر للعلوم والمعارف والثقافات لكل الفئات العمرية والأطياف الفكرية

اخي الزائر شكرا لك على اختيارك لمنتدانا ..كما نرجو لك وقتا ممتعا واستفادة تامة من محتويات المنتدى..وندعوك زائرنا الكريم للتسجيل والمشاركة في إثراء المنتدى ولو برد جميل ...دمت لنا صديقاوفيا..وجزاك الله خيرا.

المواضيع الأخيرة

»  عرض: منهجية تسيير حصص الرياضيات للسنة الثالثة والرابعة الابتدائي حسب المناهج الجديدة
الثلاثاء 3 أكتوبر 2017 - 13:08 من طرف زائر

» رنات اسلامية Mp3 اجمل نغمة موبايل في العالم
الأحد 1 أكتوبر 2017 - 11:08 من طرف زائر

» رنات موبايل اسلامية الله اكبر
الأحد 1 أكتوبر 2017 - 11:04 من طرف زائر

» جديد رنات الهاتف دعاء الحمد لله 2015
الأحد 1 أكتوبر 2017 - 10:57 من طرف زائر

» تنزيل نغمات اسلامية رنة بدون موسيقى 2017
الأحد 1 أكتوبر 2017 - 10:56 من طرف زائر

» رنات الجوال تحميل نغمات أدعية Mp3 مجانا
الأحد 1 أكتوبر 2017 - 10:54 من طرف زائر

» ميادين اللغة العربية وتسيير حصصها في مناهج الجيل الثاني.
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:20 من طرف Admin

»  منهجية تسيير أسبوع الإدماج في مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية المدنية للسنة الأولى
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:18 من طرف Admin

» دفتر المعالجة البيداغوجية لجميع السنوات ومتوافق مع الجيل 2
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:11 من طرف Admin

» عروض كل مواد السنة الثالثة والسنة الرابعة وفق المناهج الجديدة مدعم بأنشطة تساعد على الفهم والإدراك
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:04 من طرف Admin

» New1 مفاهيم أساسية في المناهج الجديدة(للأستاذ عبد البارئ)
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:02 من طرف Admin

» ملخصات مستجدات المناهج في الطور الثاني
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:01 من طرف Admin

» التدرج السنوي لجميع المواد للسنة الثالثة ابتدائي 2018/2017- الجيل الثاني **
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:00 من طرف Admin

» التوقيت الأسبوعي للسنة الثالثة ابتدائي 2018/2017 بمنهاج الجيل الثاني
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 11:00 من طرف Admin

»  Hot News1 كتب السنة الثالثة الجيل الثاني
الأربعاء 6 سبتمبر 2017 - 10:59 من طرف Admin

التبادل الاعلاني

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

    قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    شاطر

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:18





















    اِفْتِـتَاحٌ




    الحَمْدُ
    للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْه

    (١-

    قوله: [ونتوب إليه] زيادة مدرجة في الحديث الوارد في خطبة الحاجة، والأولى
    ذكر الخطبة مع المحافظة على نصها الثابت.
    وقد اقتصر المصنف فيها على صدر الخطبة، وورد في نصها بعد قوله: "وأشهد أنَّ
    محمدا عبده ورسوله" ذكر الآيات مرتبة في الخطبة على الوجه التالي:
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
    تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
    ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن
    نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً
    كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ
    وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1].
    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً
    سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
    وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
    [الأحزاب:70- 71]
    )
    وَنَسْتَغْفِرُهُ، [وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا،
    وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا]
    (٢-
    ما بين المعقوفتين ساقط من نص المصنف
    )
    مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ
    هَادِيَ لَهُ، وَنَشْهَدُ
    (٣-

    أورد المصنف الفعل في الشهادتين بصيغة الجمع، وهو خلاف المنصوص عليه في
    الأحاديث المثبتة لها بصيغة المتكلم المفرد، فالأفعال في نص الأحاديث وردت
    بصيغة الجمع ما عدا الشهادتين قال ابن القيم رحمه الله في "تهذيب السنن"
    (6/149): [ "والأحاديث كلها متفقة على أنَّ: "نستعينه ونستغفره ونعوذ به"
    بالنون، والشهادتان بالإفراد، "وأشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ
    محمدا عبده ورسوله".
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد،
    و لاتقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها، ولما كانت الاستعانة والاستعاذة
    والاستغفار يقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره، ويستعين الله له، ويستعيذ بالله
    له، أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا يقول: "اللهم أعنا، وأعذنا، واغفر لنا. قال
    ذلك في حديث ابن مسعود، وليس فيه "نحمده"، وفي حديث ابن عباس"نحمده"
    بالنون ، مع أنَّ الحمد لا يتحمله أحد عن أحد، ولا يقبل النيابة، فإن كانت
    هذه اللفظة محفوظة فيه إلى ألفاظ الحمد والاستعانة على نسق واحد.
    وفيه معنى آخر، وهو أنَّ الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء،
    فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين، وأمَّا الشهادة فهي إخبار
    عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وهي خبر يطابق عقد القلب
    وتصديقه، وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن
    غيره، فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه، لا عن عقد قلبه. والله أعلم]
    )
    أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،
    وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.



    أَمَّا
    بَعْدُ:



    فَإِنَّ
    أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ
    مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ
    الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٍ
    [font=Traditional Arabic]
    (٤-

    أخرجه بهذا اللفظ مسلم: 6/153 في الجمعة، باب: خطبته صلى الله عليه وآله
    وسلم في الجمعة، وابن ماجه: 1/17 رقم (45)، وأحمد في مسنده برقم(5371)
    والبيهقي في الجمعة برقم (6010) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
    وفي صدره بلفظ: "فإنَّ خير الحديث". وفي رواية أخرى: "وإياكم ومحدثات
    الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" أخرجه أبو داود: 5/15 رقم
    (4607) والترمذي: 5/44 رقم (2676) وابن ماجه: 1/16 رقم(42)، وأحمد في مسنده
    برقم (17608) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال الترمذي: حديث
    حسن صحيح
    )
    نَّارِ (٥-

    ما بين المعقوفتين أخرجه النسائي: 3/188-189 في العيدين باب: كيف الخطبة،
    من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في: "صحيح
    سنن النسائي": 1/512 رقم (1577)
    )]
    (٦-

    هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمها أصحابه
    كما يعلمهم التشهد في الصلاة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح
    خُطَبه بها، وكان السلف الصالح يقدمونها بين يدي دروسهم، وكتبهم، ومختلف
    شئونهم، وقد دأب الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله هذه الصيغة عند
    افتتاح مجالسه العلمية العامرة، ودروسه العامة تأسيًّا بالنبي صلى الله
    عليه وآله وسلم، ولعل من آثار حصول النفع والفائدة من مجالسه حرصه على
    المحافظة عليها، ولا يخفى أنَّ خطبة الحاجة تتضمن الحمد والثناء على الله
    بما هو أهله، والتشهد الذي إن خلت الخطبة منه فإنها تعد كاليد المقطوعة
    التي لا طائل تحتها على ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
    "كل خطبة ليس فيها تشهد، فهي كاليد الجذماء" [أخرجه أبو داود: 5/173،
    وأحمد: 2/302-343، والبيهقي في "سننه الكبرى": 3/209 من حديث أبي هريرة رضي
    الله عنه، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: 3/189، وفي
    "السلسلة الصحيحة: 1/115 رقم: 169].
    لذلك يستحب المحافظة على نصها في افتتاح الخطب والدروس والمحاضرات، وفي
    طلائع الرسائل وصدور الكتب ومقدمة المصنفات، وعند عقود النكاح، تمسكا
    بالسنة وعملاً بالهدي المغني عن التعبيرات الكثيرة المختلفة التي يأتي بها
    الوعاظ وغيرهم، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
    ).






    قَوَاعِدُ
    الإِسْلاَمِ



    -بَيَانُ
    قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ
    وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ
    -





    قَالَ
    رَسُولُ اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "بُنِيَ
    الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِِلاَّ
    اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ
    الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ
    البَيْتِ

    (٧-

    متفق عليه: أخرجه البخاري: 1/49 في الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، ومسلم:
    1/177 في الإيمان: باب بيان أركان الإسلام، والترمذي: 5/5 في الإيمان، باب:
    ما جاء بُني الإسلام على خمس، والنسائي: 8/107 باب: على كم بني الإسلام،
    والبغوي في: "شرح السنة": 1/17، باب: بيان الأعمال، من حديث عبد الله بن
    عمر رضي الله عنهما.
    هذا، وقد وردت في رواية البخاري والنسائي تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى
    البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم (1/146) من رواية سعد ابن عبيدة عن ابن
    عمر بتقديم الصوم على الحج وفيه: "فقال رجل: الحج وصيام رمضان قال: لا،
    صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" قال
    ابن حجر في الفتح: (1/50): "ففي هذا إشعار بأنَّ رواية حنظلة التي في
    البخاري مروية بالمعنى"
    )"
    (٨-

    هذا الحديث هو أحد أركان الإسلام، ودعائمه العظام، وجوامع الأحكام ، إذ هو
    أصل في معرفة الدين، ومجمع أركانه التي عليها بني، وبها يقوم، وعليها
    اعتماده، وهذه القواعد والأركان منصوص عليها في القرآن الكريم، وليست هي كل
    الإسلام، لأنَّ شعب الإيمان كثيرة كما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم
    أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الحديث [أخرجه مسلم: 2/3 وغيره من حديث
    أبي هريرة رضي الله عنه]، وإنما خصَّ هذه بالذكر لأهميتها، ولم يذكر معها
    الجهاد مع أنه يظهر الدين، ويقمع عناد الكافرين، لأنَّ الجهاد فرض على
    الكفاية ولا يتعين إلاَّ في بعض الأحوال بخلاف هذه الخمس فهي فرض دائم لا
    يسقط بحال.
    والحديث يفيد أنَّ الإسلام عقيدة وعمل، وأنَّ هذه الأركان مرتبطة ومتماسكة،
    فمن حققها كاملة كان مسلما كامل الإيمان ومن لم يأت بالشهادتين، أو أنكر
    وجوب شيء من الأركان الأربعة، أو امتنع عن فعلها كبرًا وحسدًا أو بغضًا لله
    ورسوله أو بغضا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو كافر
    بالإجماع. [انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: 7/302، 609. 10/434. 20/97.
    22/40. 35/105].
    أما من أقر بوجوبها وأهمل شيئا من الأربعة غير الشهادتين كسلا وتهاونا، أو
    انشغالا عنها بأمور أخرى، فهذا موضع خلاف بين العلماء، بين مكفّر لتارك
    واحدة من الأربعة، وهو إحدى الروايات عن أحمد وهو مروي عن سعيد بن جبير،
    والحسن البصري، والسدي، وغيرهم [تفسير الطبري: 4/21، تفسير القرطبي: 4/153،
    كتاب الصلاة وحكم تاركها لابن القيم: 30].
    وبين مكفر لتارك الصلاة والزكاة فقط وهو مروي عن ابن مسعود رضي الله عنه
    وهي الرواية الثانية عن أحمد [انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: 7/303،
    الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 246] وذهبت طائفة من أصحاب مالك والشافعي ومن
    أصحاب أحمد إلى القول أنه لا يكفر بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن
    أحمد، لكن المشهور عند جمهور أهل العلم من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي
    وأحمد أنه لا يكفر بترك شيء من الأركان الأربعة وهي الرواية الرابعة عن
    الإمام أحمد [الأم للشافعي: 1/291، والبيان والتحصيل لابن رشد: 1/475-477،
    المغني لابن قدامة: 2/442، شرح مسلم للنووي: 2/70].
    وأهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب وإنما أرادوا به المعاصي كالزنا
    والشرب، أما المباني المتقدمة ففي تكفير تاركها النزاع السابق
    )



    الكَلاَمُ
    عَلىَ القَاعِدَةِ الأُولىَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا:




    أَوَّلاً: لاَ نَجَاةَ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللهِ تَعَالىَ إِلاَّ
    بِالدُّخُولِ فِي الإِسْلاَم
    ِ
    (٩-

    وتكملة للقاعدة الأولى أن يضاف إليها بعد قوله: "إلاّ بالدخول في الإسلام"
    عبارة: ولزومه له من غير مفارقة حتى الموت، ذلك لأن من عاش على شيء مات
    عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، وهذه العبارة المضافة تدل عليها الآية
    الثانية التي استشهد بها المصنف رحمه الله
    )
    لِقَوْلِهِ تَعَالىَ:
    ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً
    فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
    (١٠-

    آية 85 من سورة آل عمران، ومعنى الآية أن الإسلام هو المنهاج الذي أسلمنا
    الله تعالى بالإيمان به، والانقياد له، فهو دين الله تعالى وشريعته، فمن
    ابتغى غيره فعمله مردود عليه، وهو معدود من الخاسرين يوم القيامة
    )
    ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ
    تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
    (١١-

    جزء من آية 132 من سورة البقرة، قوله: " فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون" فيه
    إيجاز بليغ، والمراد الزموا الإسلام ولا تفارقوه حتى تموتوا، والمراد
    بالدين المصطفى في الآية الذي أوصى به يعقوب بنيه،كما أوصى إبراهيم بنيه،
    هو ملته التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وهي الملة التي جاء بها محمد
    صلى الله عليه وآله وسلم [فتح القدير للشوكاني: 1/145]
    )
    .




    ثَانِيًا:
    الإِسْلاَمُ هُوَ دِينُ اللهِ الذِي أَرْسَلَ بِهِ
    جَمِيعَ رُسُلِهِ،
    لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

    ﴿
    إِنَّ
    الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾
    (١٢-

    جزء من آية 19 من سورة آل عمران، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في
    "التفسير القيم": (201): [وقد دلّ قوله: "إن الدين عند الله الإسلام" على
    أنه دين أنبيائه ورسله وأتباعه من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن لله قط ولا
    يكون له دين سواه، قال أول الرسل نوح: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا
    سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ
    أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72]، وقال إبراهيم وإسماعيل:
    ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً
    مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: 128]، ﴿َوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ
    وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ
    تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون َ﴾ [البقرة: 132]، وقال يعقوب
    لبنيه عند الموت: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ
    إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
    إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133]وقال موسى
    لقومه:﴿ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم
    مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]، وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى
    مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ
    الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ
    بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]، وقالت ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي
    ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ
    الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].
    فالإسلام دين أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض، لا يقبل الله من
    أحد دينا سواه]
    )

    ،
    وَلِقَوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ
    نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ
    الْمُشْرِكِينَ﴾
    (١٣-
    آية 67 من سورة آل عمران
    )

    ، وَلِقَوْلِهِ
    تَعَالىَ: ﴿يَحْكُمُ
    بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾
    (١٤-
    جزء من آية 44 من سورة المائدة
    )


    وَلِقَوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿وَقَالُواْ
    لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى
    تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ
    صَادِقِينَ
    (١٥-

    استدل بهذه الآية على لزوم النافي للحكم الدليل كما يلزم المثبت، وهو قول
    الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين، والصواب أن الاستدلال بالآية على هذا
    الحكم لا يصح، لأن الله تعالى لم يطالبهم بدليل النفي المجرد، بل ادعوا
    دعوى مضمونها إثبات دخولهم الجنة، وأن غيرهم لن يدخلها، فطولبوا بالدليل
    الدال على هذه الدعوى المركبة من النفي والإثبات، وصاحب هذه الدعوى يلزمه
    الدليل باتفاق الناس، وإنما الخلاف في النفي المجرد، كما أفصح عن ذلك ابن
    القيم-رحمه الله- وحقق مسألة النافي هل عليه دليل؟ حيث يقول – رحمه الله –
    في[ بدائع الفوائد: 4/151-152]ما نصه: " إن النفي نوعان: -نوع مستلزم
    لإثبات ضد المنفي، فهذا يلزم النافي فيه الدليل، كمن نفى الإباحة فإنه
    يطالب بالدليل قطعا، لأن نفيها يستلزم ثبوت ضد من أضدادها، ولا بد من دليل،
    وكذلك نفي التعذيب بالنار بعد الأيام المعدودة يستلزم دخول الجنة والفوز
    بالنعيم ولابد من دليل.
    النوع الثاني: نفي لا يستلزم ثبوتا كنفي صحة عقد من العقود، أو شرط، أو
    عبادة في الشرعيات، ونفي إمكان شيء ما من الأشياء في العقليات، فالنافي إن
    نفى العلم به، لم يلزمه الدليل، وإن نفى المعلوم نفسه، وادّعى أنه منتف في
    نفس الأمر فلا بد له من دليل".
    )

    * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ
    أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ
    يَحْزَنُونَ﴾
    (١٦-
    آية 111-112 من سورة البقرة
    )
    .












    ١- قوله: [ونتوب إليه] زيادة مدرجة في الحديث الوارد في خطبة
    الحاجة، والأولى ذكر الخطبة مع المحافظة على نصها الثابت.




    وقد اقتصر المصنف فيها على صدر الخطبة، وورد في نصها بعد
    قوله: "وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله" ذكر الآيات مرتبة في
    الخطبة على الوجه التالي:





    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
    اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ
    وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
    [آل
    عمران: 102].





    ﴿يَا
    أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم
    مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
    وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً
    وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ
    وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾

    [النساء: 1].





    ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
    اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ
    لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن
    يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

    [الأحزاب:70- 71].







    ٢- ما بين المعقوفتين ساقط من نص المصنف.







    ٣- أورد المصنف الفعل في الشهادتين بصيغة الجمع، وهو خلاف
    المنصوص عليه في الأحاديث المثبتة لها بصيغة المتكلم
    المفرد، فالأفعال في نص الأحاديث وردت بصيغة الجمع ما عدا
    الشهادتين قال ابن القيم رحمه الله في "تهذيب السنن" (6/149): [ "والأحاديث كلها متفقة على أنَّ: "نستعينه
    ونستغفره ونعوذ به" بالنون، والشهادتان بالإفراد، "وأشهد
    أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله".




    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لما كانت كلمة الشهادة لا
    يتحملها أحد عن أحد، و لاتقبل النيابة بحال أفرد الشهادة
    بها، ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك
    فيستغفر الرجل لغيره، ويستعين الله له، ويستعيذ بالله له،
    أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا يقول: "اللهم أعنا، وأعذنا،
    واغفر لنا. قال ذلك في حديث ابن مسعود، وليس فيه "نحمده"،
    وفي حديث ابن عباس"نحمده" بالنون ، مع أنَّ الحمد لا
    يتحمله أحد عن أحد، ولا يقبل النيابة، فإن كانت هذه اللفظة
    محفوظة فيه إلى ألفاظ الحمد والاستعانة على نسق واحد.




    وفيه معنى آخر، وهو أنَّ الاستعانة والاستعاذة والاستغفار
    طلب وإنشاء، فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه
    المؤمنين، وأمَّا الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله
    بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وهي خبر يطابق عقد القلب
    وتصديقه، وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله
    بخلاف إخباره عن غيره، فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه، لا
    عن عقد قلبه. والله أعلم]
    .






    ٤- أخرجه بهذا اللفظ مسلم: 6/153 في
    الجمعة، باب: خطبته صلى الله عليه وآله وسلم في الجمعة،
    وابن ماجه: 1/17 رقم (45)، وأحمد في مسنده برقم(5371) والبيهقي في الجمعة برقم (6010) من حديث جابر بن عبد الله
    رضي الله عنهما، وفي صدره بلفظ: "فإنَّ خير الحديث". وفي
    رواية أخرى: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة،
    وكل بدعة ضلالة" أخرجه أبو داود: 5/15 رقم (4607)
    والترمذي: 5/44 رقم (2676) وابن ماجه: 1/16 رقم(42)، وأحمد
    في مسنده برقم (17608) من حديث العرباض بن سارية رضي الله
    عنه، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.








    ٥- ما بين المعقوفتين أخرجه النسائي:
    3/188-189 في العيدين باب: كيف الخطبة، من حديث جابر بن
    عبد الله رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في: "صحيح
    سنن النسائي": 1/512 رقم (1577).




    هذا، وللمحدث ناصر الدين الألباني رسالة قيمة في خطبة
    الحاجة تتبع طرقها وألفاظها من مختلف السنة المطهرة، وذكر
    جملة من فوائدها، وآخر طبعة للرسالة تولتها مكتبة المعارف
    للنشر والتوزيع بالرياض، سنة: 1421ﻫ/2000م.







    ٦- هذه خطبة الحاجة التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله
    وسلم يعلمها أصحابه كما يعلمهم التشهد في الصلاة، وكان
    النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح خُطَبه بها، وكان
    السلف الصالح يقدمونها بين يدي دروسهم، وكتبهم، ومختلف
    شئونهم، وقد دأب الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله هذه
    الصيغة عند افتتاح مجالسه العلمية العامرة، ودروسه العامة
    تأسيًّا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعل من آثار
    حصول النفع والفائدة من مجالسه حرصه على المحافظة عليها،
    ولا يخفى أنَّ خطبة الحاجة تتضمن الحمد والثناء على الله
    بما هو أهله، والتشهد الذي إن خلت الخطبة منه فإنها تعد
    كاليد المقطوعة التي لا طائل تحتها على ما أخبر به المصطفى
    صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "كل خطبة ليس فيها تشهد،
    فهي كاليد الجذماء" [أخرجه أبو داود: 5/173، وأحمد:
    2/302-343، والبيهقي في "سننه الكبرى": 3/209 من حديث أبي
    هريرة رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني في صحيح سنن
    أبي داود: 3/189، وفي "السلسلة الصحيحة: 1/115 رقم: 169].




    لذلك يستحب المحافظة على نصها في افتتاح الخطب والدروس
    والمحاضرات، وفي طلائع الرسائل وصدور الكتب ومقدمة
    المصنفات، وعند عقود النكاح، تمسكا بالسنة وعملاً بالهدي
    المغني عن التعبيرات الكثيرة المختلفة التي يأتي بها
    الوعاظ وغيرهم، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله
    وسلم.







    ٧- متفق عليه: أخرجه البخاري: 1/49 في الإيمان، باب: دعاؤكم
    إيمانكم، ومسلم: 1/177 في الإيمان: باب بيان أركان
    الإسلام، والترمذي: 5/5 في الإيمان، باب: ما جاء بُني
    الإسلام على خمس، والنسائي: 8/107 باب: على كم بني
    الإسلام، والبغوي في: "شرح السنة": 1/17، باب: بيان
    الأعمال، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.




    هذا، وقد وردت في رواية البخاري والنسائي تقديم الحج على
    الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن وقع في مسلم (1/146) من رواية سعد ابن عبيدة عن ابن عمر بتقديم الصوم
    على الحج وفيه: "فقال رجل: الحج وصيام رمضان قال: لا، صيام
    رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله
    وسلم" قال ابن حجر في الفتح: (1/50): "ففي هذا إشعار
    بأنَّ رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى".







    ٨- هذا الحديث هو أحد أركان الإسلام، ودعائمه العظام، وجوامع
    الأحكام ، إذ هو أصل في معرفة الدين، ومجمع أركانه التي
    عليها بني، وبها يقوم، وعليها اعتماده، وهذه القواعد
    والأركان منصوص عليها في القرآن الكريم، وليست هي كل
    الإسلام، لأنَّ شعب الإيمان كثيرة كما ثبت عنه صلى الله
    عليه وآله وسلم أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" الحديث
    [أخرجه مسلم: 2/3 وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]،
    وإنما خصَّ هذه بالذكر لأهميتها، ولم يذكر معها الجهاد مع
    أنه يظهر الدين، ويقمع عناد الكافرين، لأنَّ الجهاد فرض
    على الكفاية ولا يتعين إلاَّ في بعض الأحوال بخلاف هذه
    الخمس فهي فرض دائم لا يسقط بحال.




    والحديث يفيد أنَّ الإسلام عقيدة وعمل، وأنَّ هذه الأركان
    مرتبطة ومتماسكة، فمن حققها كاملة كان مسلما كامل الإيمان
    ومن لم يأت بالشهادتين، أو أنكر وجوب شيء من الأركان
    الأربعة، أو امتنع عن فعلها كبرًا وحسدًا أو بغضًا لله
    ورسوله أو بغضا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
    فهو كافر بالإجماع. [انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية:
    7/302، 609. 10/434. 20/97. 22/40. 35/105].




    أما من أقر بوجوبها وأهمل شيئا من الأربعة غير الشهادتين
    كسلا وتهاونا، أو انشغالا عنها بأمور أخرى، فهذا موضع خلاف
    بين العلماء، بين مكفّر لتارك واحدة من الأربعة، وهو إحدى
    الروايات عن أحمد وهو مروي عن سعيد بن جبير، والحسن
    البصري، والسدي، وغيرهم [تفسير الطبري: 4/21، تفسير
    القرطبي: 4/153، كتاب الصلاة وحكم تاركها لابن القيم: 30].




    وبين مكفر لتارك الصلاة والزكاة فقط وهو مروي عن ابن مسعود
    رضي الله عنه وهي الرواية الثانية عن أحمد [انظر: مجموع
    الفتاوى لابن تيمية: 7/303، الأحكام السلطانية لأبي يعلى:
    246] وذهبت طائفة من أصحاب مالك والشافعي ومن أصحاب أحمد
    إلى القول أنه لا يكفر بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة
    عن أحمد، لكن المشهور عند جمهور أهل العلم من أصحاب أبي
    حنيفة ومالك والشافعي وأحمد أنه لا يكفر بترك شيء من
    الأركان الأربعة وهي الرواية الرابعة عن الإمام أحمد [الأم
    للشافعي: 1/291، والبيان والتحصيل لابن رشد: 1/475-477،
    المغني لابن قدامة: 2/442، شرح مسلم للنووي: 2/70].




    وأهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب وإنما أرادوا به
    المعاصي كالزنا والشرب، أما المباني المتقدمة ففي تكفير
    تاركها النزاع السابق.






    ٩
    -
    وتكملة للقاعدة الأولى أن يضاف إليها بعد قوله: "إلاّ
    بالدخول في الإسلام" عبارة: ولزومه له من غير مفارقة حتى
    الموت، ذلك لأن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء
    بعث عليه، وهذه العبارة المضافة تدل عليها الآية الثانية
    التي استشهد بها المصنف رحمه الله.







    ١٠- آية 85 من سورة آل عمران، ومعنى الآية أن الإسلام هو
    المنهاج الذي أسلمنا الله تعالى بالإيمان به، والانقياد
    له، فهو دين الله تعالى وشريعته، فمن ابتغى غيره فعمله
    مردود عليه، وهو معدود من الخاسرين يوم القيامة.







    ١١- جزء من آية 132 من سورة البقرة، قوله: " فلا تموتن إلا
    وأنتم مسلمون" فيه إيجاز بليغ، والمراد الزموا الإسلام ولا
    تفارقوه حتى تموتوا، والمراد بالدين المصطفى في الآية الذي
    أوصى به يعقوب بنيه،كما أوصى إبراهيم بنيه، هو ملته التي
    لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وهي الملة التي جاء بها
    محمد صلى الله عليه وآله وسلم [فتح القدير للشوكاني: 1/145].







    ١٢- جزء من آية 19 من سورة آل عمران، قال ابن القيم رحمه الله
    تعالى فيما جمع له في "التفسير القيم": (201): [color=#cc0000]"إن
    الدين عند الله الإسلام" على أنه دين أنبيائه ورسله
    وأتباعه من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن لله قط ولا يكون
    له دين سواه، قال أول الرسل نوح: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم
    مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ
    وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
    [يونس:
    72]، وقال إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ
    لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾
    [البقرة:
    128]، ﴿َوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ
    وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ
    الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون َ﴾

    [البقرة: 132]، وقال يعقوب لبنيه عند الموت:
    ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ
    وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
    وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
    [البقرة:
    133]وقال موسى لقومه:﴿
    إِن
    كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن
    كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾
    [يونس:
    84]، وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ
    الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ
    الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ
    وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾

    [آل عمران: 52]، وقالت ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
    وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ
    الْعَالَمِينَ﴾

    [النمل: 44].




    فالإسلام دين أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض،
    لا يقبل الله من أحد دينا سواه].







    ١٣- آية 67 من سورة آل عمران.







    ١٤- جزء من آية 44 من سورة المائدة.






    ١٥- استدل بهذه
    الآية على لزوم النافي للحكم الدليل كما يلزم المثبت، وهو
    قول الأكثرين من الفقهاء والمتكلمين، والصواب أن الاستدلال
    بالآية على هذا الحكم لا يصح، لأن الله تعالى لم يطالبهم
    بدليل النفي المجرد، بل ادعوا دعوى مضمونها إثبات دخولهم
    الجنة، وأن غيرهم لن يدخلها، فطولبوا بالدليل الدال على
    هذه الدعوى المركبة من النفي والإثبات، وصاحب هذه الدعوى
    يلزمه الدليل باتفاق الناس، وإنما الخلاف في النفي المجرد،
    كما أفصح عن ذلك ابن القيم-رحمه الله- وحقق مسألة النافي
    هل عليه دليل؟ حيث يقول – رحمه الله – في[ بدائع الفوائد:
    4/151-152]ما نصه: " إن النفي نوعان: -نوع مستلزم لإثبات
    ضد المنفي، فهذا يلزم النافي فيه الدليل، كمن نفى الإباحة
    فإنه يطالب بالدليل قطعا، لأن نفيها يستلزم ثبوت ضد من
    أضدادها، ولا بد من دليل، وكذلك نفي التعذيب بالنار بعد
    الأيام المعدودة يستلزم دخول الجنة والفوز بالنعيم ولابد
    من دليل.
    النوع الثاني: نفي لا يستلزم ثبوتا كنفي صحة عقد من
    العقود، أو شرط، أو عبادة في الشرعيات، ونفي إمكان شيء ما
    من الأشياء في العقليات، فالنافي إن نفى العلم به، لم
    يلزمه الدليل، وإن نفى المعلوم نفسه، وادّعى أنه منتف في
    نفس الأمر فلا بد له من دليل".

    ١٦-
    آية
    111-112 من سورة البقرة.

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:19





    ثَالِثًا: وَمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ هُوَ الإِسْلاَمُ الَّذِي لاَنَجَاةَ لِأَحَدٍ إِلاَّ بِالدُّخُولِ فِيهِ (١- تخصيص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر في أنه جاء بالإسلام مع أنَّ الرسل الكرام كانت دعوتهم إليه، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، حيث أخبرنا تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72] وقول إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] وقول يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[يوسف: 101]وقول موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: 44]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111] فهؤلاء رسل الله بعثوا بالإسلام، متفاوتون بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا إلى أن نُسِخت بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي لا تُنسخ أبد الآبدين، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "الأَنْبِياَءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" [أخرجه البخاري: 6/478 في "أحاديث الأنبياء" برقم [3443] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. فدينهم واحد هو دين الإسلام في كل وقت وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإنمَّا تنوَّعت الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع فهي بمنزلة أولاد العلات وهم الإخوة من أب واحد وأمهاتهم شتَّى، قال ابن تيمية -رحمه الله- في "الاقتضاء" [2/380]: "فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد النسخ لم يكن مسلمًا"، ولأنَّ الدليل القاطع في إثبات نبوة الأنبياء قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منتف، فمن أنكر نبوته صلى الله عليه وآله وسلم مع دعوى الإيمان بنبوة غيره يكون متناقضًا من جهة أنَّ هذه النبوات ثبتت بدليل إعجاز القرآن الكريم المثبت لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فعدم التصديق به هو إنكار لأصل النبوات، ولهذا كان الكفر برسالة أي رسول يُعدُّ كفرًا برسالة الإسلام، لأنَّه يتضمَّن التكذيب ببعض ما جاء في القرآن العظيم) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢- آية: 162- 163 من سورة الأنعام)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣- آية 20 من سورة آل عمران).

    رَابِعًا: لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الإِسْلاَمَ إِلاَّ بِالِإيمَانِ بِالنَّبِيِّ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ (٤- لا يصير الكافر مسلمًا بمجرَّد شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلو قال: أنا أعلم أنَّه نبيٌّ ولا أتبعه، أو لا أدين بدينه لم يكن مسلمًا، لأنًَّ مجرَّد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا توجب الإسلام إلاَّ أن يلتزم طاعته ومتابعته، وهذا باتفاق الصحابة والتابعين وأئمة السنة، قال ابن القيم -رحمه الله- مبينًا ذلك في "مفتاح دار السعادة" [1/330]: "إنَّ الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرَّده، ولا معرفة القلب مع ذلك، بل لابدَّ فيه من عمل القلب وهو حبُّه لله ورسوله وانقيادُه لدينه، والتزامُه طاعته ومتابعة رسوله" وقد أحسن المصنف حيث أتى بلفظ "الإيمان بالنبي" لأنَّ مقتضى الإيمان التسليم المطلق فيما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أخبر عنه، وتصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه من غير ضيق أو حرج أو تعقيب أو جدال أو مناقشة، أو الأخذ بالبعض وترك البعض، فهذه نتيجة حتمية للإيمان به والرضى به رسولاً، إذ من التناقض أن يؤمن الرجل بالنَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثمَّ يتمرَّد على بعض ما جاء به، أو ينازعه في بعض ما جاء به أو لا يرضى بذلك، أو يُنصِّب نفسه معقِّبًا لبعض ما جاء به، ونحو ذلك ممَّا لا يتوافق جذريًّا مع مقتضى الإيمان به)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ (٥- آية 170 من سورة النساء)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيـِّي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٦- آية 158 من سورة الأعراف).

    وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَ لاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" (٧- أخرجه مسلم في كتاب"الإيمان" [2/186] باب في وجوب الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث دليل على أنَّ رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناسخة للملل كلِّها، كما أنَّ فيه تصريحًا فيمن سمع بالنَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أرسل به، وبلَّغه ذلك على الوجه الذي أنزله عليه ممن هو موجود في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم أو بعده إلى يوم القيامة، ثمَّ لم يؤمن به إلاَّ كان مصيره النار -والعياذ بالله- وذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما كالمجوسي أو لاديني، لأنَّ المنصوص بذكرهم خصَّصهم الحديث باعتبار الحقيقة الواقعة وهي كونهم أصحاب كتاب منزَّل يعلمون الحقَّ وهم يكتمونه، قال النووي: "لأنَّ اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أنَّ لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى" ، والحديث يدلُّ بمفهومه -أيضا- على أنَّ من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، جريًا على الأصل المتبع في أنه "لاحكم قبل ورود الشرع" على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنَّ الدليل الشرعي يثبت حكمه من ثواب وعقاب على من قامت عليه الحجة بالرسل والكتب، فلا يجوز إعطاء ما بعد الشرع حكم ما قبل الشرع" [انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية: 21/ 539، شرح مسلم للنووي: 2/188]) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨- هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري أحد الأئمة من حفاظ الحديث، تقوم شهرته ومكانته على كتابه "الجامع الصحيح" الذي يفضّله المغاربة على صحيح البخاري لما امتاز به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ من غير تقطيع ولا رواية بالمعنى.هذا، وقد كان مسلم من أوعية العلم، ثقة جليل القدر، له مؤلفات منها: "العلل" و"الأسماء والكنى" و"الطبقات" و"التاريخ" توفي سنة (261ﻫ) انظر ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (8/182). الفهرست للنديم: (286). تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: (13/100). اللباب لابن الأثير: (3/38). وفيات الأعيان لابن خلكان: (5/194). سير أعلام النبلاء للذهبي: (12/557). مرآة الجنان لليافعي: (2/174). البداية والنهاية لابن كثير: (11/33). شذرات الذهب لابن العماد: (2/144) ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (٩- هو الصحابي الجليل الحافظ عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليمني المعروف بكنيته، فهو أول المكثرين من رواية الحديث على الإطلاق، حدَّث عنه خلقٌ كثير من الصحابة والتابعين، ولي إمرة المدينة، وناب عن مروان في إمرتها، وله فضائل ومناقب، توفي سنة: 58ﻫ. انظر ترجمته في: التاريخ الصغير للبخاري: (1/125) وما بعدها، الطبقات الكبرى لابن سعد: (2/362). (4/325)، المعارف لابن قتيبة: (277)، الاستيعاب لابن عبد البر: (4/1768)، أسد الغابة لابن الأثير: (5/315)، سير أعلام النبلاء للذهبي: (2/578)، طبقات القراء للذهبي: (1/43)، البداية والنهاية لابن كثير: (8/103)، شذرات الذهب لابن العماد: (1/63). (1/63)).

    خَامِسًا: الدُّخُولُ فِي الإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ بِشَهَادَةِ (١٠- الشهادة تدلُّ على معنى العلم والمعرفة والبيان والإخبار، ويسمى شاهدًا لأنَّه يخبر بما علم ، والشهادة تتضمن معنى الإقرار والإذعان والاعتقاد، فإنَّ الشاهد يعتقد صحة ما يشهد به، فمن شهد بما لا يعتقده كانت شهادته كاذبة، لأنَّ إخباره لا يطابق اعتقاده كما قال تعالى في شأن المنافقين : ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] وسبب كذبهم عدم اعتقادهم بصحة ما يقولون وعدم اعتقادهم بما يقولون) أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله (١١- ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وهذا التوحيد هو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالدعوة إليه قال ابن القيم رحمه الله في:" إغاثة اللهفان": [ 2/135]:" الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الربِّ بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركون فاحتجَّ الله عليهم به، فإنَّه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية". - توحيد الربوبية: الذي أقرَّ به المشركون غالبًا، وجحده المعطلة فأنكروا وجود الله سبحانه، كالدهرية والملاحدة من الشيوعيين والعلمانيين في عصرنا الحالي، ولم ينكر توحيد الربوبية إلاَّ شواذ تظاهروا بالجحود. مع اعترافهم في الباطن وقرارة قلوبهم مكابرة منهم على الحق كما قال تعالى في شأن فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]، وقد خاطبه موسى عليه السلام كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ [الإسراء: 102]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: 14]. -أمّا توحيد الأسماء والصفات: فالمراد منه إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من صفات الكمال، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من صفات النقص على حدّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فهو توحيد شامل للنوعين: الربوبية والألوهية معا، ذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له سبحانه فمن جملة توحيد الربوبية: الرب، الخالق، الرازق، الملك، ، ومن جملة توحيد الألوهية: الله، الغفور، الرحيم، التوّاب، ، وإنّما جعل توحيد الأسماء والصفات قسما مستقلا لما كثر منكروه من الجهمية وتلامذتهم من المعتزلة والأشاعرة وروَّجوا الشبه حوله أُفرِد بالبحث وصُنِّفت فيه العديد من المصنفات. وهذه الأنواع الثلاثة تشكل بمجموعها جناب التوحيد فلا يكمل لأحد توحيده إلاّ باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات ربوبية الله تعالى مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية كما في قوله تعالى: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 21-22]، فتوحيد الربوبية لا يُدْخِلُ مَنْ آمن به في الإسلام قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" [1/23]: "فأما توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق وقرّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم"، كما لا يصح من جهة أخرى قيام توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًّا خالقا مالكا مدبِّرا، ولا يستقيم توحيد الربوبية والألوهية بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته فهي علاقة تلازم وتضمن وشمول، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا، فشهادة أن "لا إله إلا الله" التي دعا إليها الرسل على أنواع التوحيد الثلاثة، ففيها إثبات العبادة لله وحده ونفيها عما سواه وهذا معنى توحيد العبادة لا معبود بحق إلا الله، كما دلّت على توحيد الربوبية، لأن العاجز لا يكون إلها ولأن المعبود لا بدّ أن يكون خالقا مدبِّرا، كما دلت على توحيد الأسماء والصفات لأن فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غير كامل، ولا يَصْلُح مَنْ هذا حاله أن يكون إلها خالقا، فتبيَّن أن الخلل والانحراف في أيِّ نوع منها فهو خلل وانحراف في التوحيد كلِّه[انظر منهاج السنة لابن تيمية: 2/73، الكواشف الجلية للسلمان: 421، دعوة التوحيد للهراس: 73-74]. هذا، وكلمة "لا إله إلا الله" لها أسماء كثيرة منها: كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص، وسمِّيت بذلك لأنها تنفي الشرك وتثبت العبادة لله تعالى، ففيها إخلاص التوحيد وإخلاص العبادة، وتسمَّى كلمة التقوى في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26]، لأنها تقي مِن النار مَنْ قالها مخلصا، وتسمَّى العروة الوثقى كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: 256]، وهو الحبل الوثيق المحكم، وهي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقية في عَقِبِهِ لعلَّهم يرجعون [انظر تفسير كلمة التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب]. هذا، وتنحصر شروط "لا إله إلا الله" في سبعة وهي: 1- العلم المنافي للجهل. 2- اليقين المنافي للشك. 3- الإخلاص المنافي للشرك. 4- الصدق المنافي للكذب. 5- المحبة المنافية لضدها. 6- الانقياد المنافي للامتناع. 7- القبول المنافي للرد. ) وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ (١٢- شهادة أن محمدا رسول الله هي الركن الثاني في الشهادتين في الإسلام، ومعناها العلم والتصديق والاعتقاد الجازم بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يقتضي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، وأن يعظم أمره ونهيه، فلا يقدِّم عليه قول أحد ويسلِّم لحكمه، فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقية هي تجريد متابعته لشرعه، ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به من ربه إفراد الله بالعبادة بجميع أشكالها وصورها أي تحقيق معنى كلمة التوحيد، فطاعته في حقيقتها طاعة لله قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: 80]، وقال تعالى: ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62]، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65] وأمثال ذلك)لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (١٣- هو الصحابي أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري السلمي المدني، شهد العقبة وبدرا والمشاهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعثه إلى اليمن يعلم الناس القرآن والأحكام، وكان يردفه في الأسفار، وهو من فقهاء الصحابة ونجبائهم، له مناقب جمة، استشهد في طاعون عمواس بالأردن سنة 18ﻫ ، انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/347)، التاريخ الكبير للبخاري: (7/359)، المعارف لابن قتيبة: (245)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (8/244)، طبقات الفقهاء للشيرازي: (45)، الاستيعاب لابن عبد البر: (3/1402)، أسد الغابة لابن الأثير: (4/376)، سير أعلام النبلاء للذهبي: (1/443)، البداية والنهاية لابن كثير: (7/94)، الإصابة لابن حجر: 3/426، طبقات الحفاظ للسيوطي: (15)، شذرات الذهب لابن العماد: (1/92)) لَمَّا بَعَثَهُ لِلْيَمَنِ «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلىَ شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ وَأَنِّي رَسُولُ الله (١٤- قال الشيخ سليمان في "تيسير العزيز الحميد" [127]: "وفيه أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، قال شيخ الإسلام: فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر ظاهرا وباطنا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء")، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خمَْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِياَّكَ وَكَرَائِمَ(١٥- جمع كريمة وهي: الشيء النفيس الذي تتعلق به نفس مالكه ويختصُّه له، حيث هي جامعة للكمال الممكن في حقها[النهاية لابن الأثير: [4/167]، قال النووي في "شرح مسلم" [1/197]: "وفيه أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على ربّ المال إخراج شر المال، وفيه أن الزكاة لا تدفع إلى كافر ولا تدفع إلى غني من نصيب الفقراء") أََمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (١٦- في هذا الحديث عدة أحكام وفوائد ذكرها النووي في "شرح مسلم" [1/197]، وابن حجر في "فتح الباري"[3/359-360][13/349]منها: قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وفيه أن الوتر ليس بواجب لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقليل بعد الأمر بالوتر والعمل به، وفيه أن الكفار يدعون إلى التوحيد قبل القتال، وفيه أنه لا يحكم بإسلامه إلا بالنطق بالشهادتين وهو مذهب أهل السنة كما تقدم، وفيه أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة، وفيه بيان عظم تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي عليه أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى ويبالغ في نهيهم عن الظلم ويعرفهم قبح عاقبته، وفيه إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم قوله: "من أغنيائهم"، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير "في فقرائهم إلى المسلمين"، وأن الفقير لا زكاة عليه. تنبيه: الحديث لم يتعرض بالذكر لفريضة الصوم والحج، ومعاذ رضي الله عنه بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الأمر فأشكل ذلك على كثير من العلماء، وقد أجيب بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، ولا يخفى أن شأن الصلاة والزكاة ليس كسائر الفرائض لما علم أنهما عبادتان ظاهرتان يقاتل عليهما بخلاف الصوم فإنه أمر باطن وهو مما ائتمن عليه الناس فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة في الائتمان، لذلك لم يذكر في حديث معاذ الصيام لأنه تبع وهو باطن ولا ذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، وفيه توجيه آخر ذكره ابن حجر في "الفتح" [3/61]قال: "والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلا، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المغصوب") رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٧- متفق عليه:أخرجه البخاري في "الزكاة": 3/261، باب:وجوب الزكاة، ومسلم في"الإيمان": (1/195)، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، والترمذي في "الزكاة": 3/21، باب: ما جاء في كراهة أخذ خيار المال في الصدقة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. هذا، والمصنف رحمه الله استدل بالحديث لبيان أن الذي يقتصر على الاعتقاد بقلبه دين الإسلام وكان قادرا على النطق ولم يأت بالشهادتين لم يكن من أهل القبلة أصلا، لأن أول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل ذلك في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان قال النووي في "شرح مسلم" [1/149]: "واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الإسلام الذي يُحْكَمُ بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك فإنه يكون مؤمنا". قلت: وليس المراد بالنطق بالشهادتين مجرد قولها بل لابد مع اعتقاد القلب بها، والعمل بمقتضاها وتحقيق شروطها، وموالاة أهلها، ومعاداة من خالفها، ولا يشترط في صحة الإسلام النطق بالتَّبَرِّي من كل دين يخالف دين الإسلام، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ذلك)


    ١- تخصيص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر في أنه جاء بالإسلام مع أنَّ الرسل الكرام كانت دعوتهم إليه، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، حيث أخبرنا تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72] وقول إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132] وقول يوسف عليه السلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[يوسف: 101]وقول موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: 84]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: 44]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111] فهؤلاء رسل الله بعثوا بالإسلام، متفاوتون بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا إلى أن نُسِخت بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي لا تُنسخ أبد الآبدين، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "الأَنْبِياَءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ" [أخرجه البخاري: 6/478 في "أحاديث الأنبياء" برقم [3443] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    فدينهم واحد هو دين الإسلام في كل وقت وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإنمَّا تنوَّعت الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع فهي بمنزلة أولاد العلات وهم الإخوة من أب واحد وأمهاتهم شتَّى، قال ابن تيمية -رحمه الله- في "الاقتضاء" [2/380]: "فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد النسخ لم يكن مسلمًا"، ولأنَّ الدليل القاطع في إثبات نبوة الأنبياء قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منتف، فمن أنكر نبوته صلى الله عليه وآله وسلم مع دعوى الإيمان بنبوة غيره يكون متناقضًا من جهة أنَّ هذه النبوات ثبتت بدليل إعجاز القرآن الكريم المثبت لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فعدم التصديق به هو إنكار لأصل النبوات، ولهذا كان الكفر برسالة أي رسول يُعدُّ كفرًا برسالة الإسلام، لأنَّه يتضمَّن التكذيب ببعض ما جاء في القرآن العظيم.

    ٢- آية: 162- 163 من سورة الأنعام.

    ٣- آية 20 من سورة آل عمران.

    ٤- لا يصير الكافر مسلمًا بمجرَّد شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلو قال: أنا أعلم أنَّه نبيٌّ ولا أتبعه، أو لا أدين بدينه لم يكن مسلمًا، لأنًَّ مجرَّد الإقرار والإخبار بصحة رسالته لا توجب الإسلام إلاَّ أن يلتزم طاعته ومتابعته، وهذا باتفاق الصحابة والتابعين وأئمة السنة، قال ابن القيم -رحمه الله- مبينًا ذلك في "مفتاح دار السعادة" [1/330]: "إنَّ الإيمان لا يكفي فيه قول اللسان بمجرَّده، ولا معرفة القلب مع ذلك، بل لابدَّ فيه من عمل القلب وهو حبُّه لله ورسوله وانقيادُه لدينه، والتزامُه طاعته ومتابعة رسوله"

    وقد أحسن المصنف حيث أتى بلفظ "الإيمان بالنبي" لأنَّ مقتضى الإيمان التسليم المطلق فيما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أخبر عنه، وتصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه من غير ضيق أو حرج أو تعقيب أو جدال أو مناقشة، أو الأخذ بالبعض وترك البعض، فهذه نتيجة حتمية للإيمان به والرضى به رسولاً، إذ من التناقض أن يؤمن الرجل بالنَّبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثمَّ يتمرَّد على بعض ما جاء به، أو ينازعه في بعض ما جاء به أو لا يرضى بذلك، أو يُنصِّب نفسه معقِّبًا لبعض ما جاء به، ونحو ذلك ممَّا لا يتوافق جذريًّا مع مقتضى الإيمان به.

    ٥- آية 170 من سورة النساء.

    ٦- آية 158 من سورة الأعراف.

    ٧- أخرجه مسلم في كتاب"الإيمان" [2/186] باب في وجوب الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    والحديث دليل على أنَّ رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ناسخة للملل كلِّها، كما أنَّ فيه تصريحًا فيمن سمع بالنَّبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أرسل به، وبلَّغه ذلك على الوجه الذي أنزله عليه ممن هو موجود في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم أو بعده إلى يوم القيامة، ثمَّ لم يؤمن به إلاَّ كان مصيره النار -والعياذ بالله- وذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على من سواهما كالمجوسي أو لاديني، لأنَّ المنصوص بذكرهم خصَّصهم الحديث باعتبار الحقيقة الواقعة وهي كونهم أصحاب كتاب منزَّل يعلمون الحقَّ وهم يكتمونه، قال النووي: "لأنَّ اليهود والنصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أنَّ لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى" ، والحديث يدلُّ بمفهومه -أيضا- على أنَّ من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، جريًا على الأصل المتبع في أنه "لاحكم قبل ورود الشرع" على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأنَّ الدليل الشرعي يثبت حكمه من ثواب وعقاب على من قامت عليه الحجة بالرسل والكتب، فلا يجوز إعطاء ما بعد الشرع حكم ما قبل الشرع" [انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية: 21/ 539، شرح مسلم للنووي: 2/188].

    ٨- هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري أحد الأئمة من حفاظ الحديث، تقوم شهرته ومكانته على كتابه "الجامع الصحيح" الذي يفضّله المغاربة على صحيح البخاري لما امتاز به من جمع الطرق وجودة السياق والمحافظة على أداء الألفاظ من غير تقطيع ولا رواية بالمعنى.هذا، وقد كان مسلم من أوعية العلم، ثقة جليل القدر، له مؤلفات منها: "العلل" و"الأسماء والكنى" و"الطبقات" و"التاريخ" توفي سنة (261ﻫ)، انظر ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (8/182). الفهرست للنديم: (286). تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: (13/100). اللباب لابن الأثير: (3/38). وفيات الأعيان لابن خلكان: (5/194). سير أعلام النبلاء للذهبي: (12/557). مرآة الجنان لليافعي: (2/174). البداية والنهاية لابن كثير: (11/33). شذرات الذهب لابن العماد: (2/144).

    ٩- هو الصحابي الجليل الحافظ عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليمني المعروف بكنيته، فهو أول المكثرين من رواية الحديث على الإطلاق، حدَّث عنه خلقٌ كثير من الصحابة والتابعين، ولي إمرة المدينة، وناب عن مروان في إمرتها، وله فضائل ومناقب، توفي سنة: 58ﻫ.

    انظر ترجمته في: التاريخ الصغير للبخاري: (1/125) وما بعدها، الطبقات الكبرى لابن سعد: (2/362). (4/325)، المعارف لابن قتيبة: (277)، الاستيعاب لابن عبد البر: (4/1768)، أسد الغابة لابن الأثير: (5/315)، سير أعلام النبلاء للذهبي: (2/578)، طبقات القراء للذهبي: (1/43)، البداية والنهاية لابن كثير: (8/103)، شذرات الذهب لابن العماد: (1/63). (1/63).

    ١٠- الشهادة تدلُّ على معنى العلم والمعرفة والبيان والإخبار، ويسمى شاهدًا لأنَّه يخبر بما علم ، والشهادة تتضمن معنى الإقرار والإذعان والاعتقاد، فإنَّ الشاهد يعتقد صحة ما يشهد به، فمن شهد بما لا يعتقده كانت شهادته كاذبة، لأنَّ إخباره لا يطابق اعتقاده كما قال تعالى في شأن المنافقين : ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] وسبب كذبهم عدم اعتقادهم بصحة ما يقولون وعدم اعتقادهم بما يقولون.

    ١١- وشهادة "أن لا إله إلاَّ الله" هي الركن الأول من أركان الإسلام كما في حديث جبريل عليه السلام ومعناه: أنِّي أعلم وأقرُّ وأعتقد بأنَّ المعبود بحقِّ الذي لا يستحقُّ العبادة غيره هو الله تعالى وأن أبيِّن ذلك وأظهره بلساني وأفعالي وسلوكي، إذ لا يكفي النطق بها بل يلزم العلم بمعناها، والعمل بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86]، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19]، فأركان الشهادة اثنان: نفي وإثبات، وحدُّ النفي من الإثبات "لا إله" أي أنفي جميع ما يعبد من دون الله، والإثبات في قوله "إلاَّ الله" لأنَّ الاستثناء من النفي إثبات، أي أثبت العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريك في ملكه، فإفراد الله تعالى بالعبادة الذي يسمى بتوحيد الألوهية الذي يتضمن توحيد الربوبية بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى توحيد الألوهية، ومتعلق الربوبية الأمور الكونية: كالخلق والرزق والإحياء والإماتة فمدلول توحيد الربوبية علمي اعتقادي وهو توحيد المعرفة والإثبات أيضًا ومعناه: الاعتقاد والإقرار بأنَّ الله تعالى وحده هو رب العالمين، الخالق، الرزاق ذو القوة المتين، المحي المميت، وهذا التوحيد يستلزم توحيد الألوهية، بمعنى أنَّ توحيد الألوهية خارج عن توحيد الربوبية لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلاَّ بتوحيد الألوهية الذي يتعلَّق بالأوامر والنواهي، فمدلوله عملي طلبي، ويسمى أيضًا توحيد الإرادة والقصد، ولا يخفى أنَّ العملي متضمن للعلمي، فإذا علم العبد أنَّ ربَّه لا شريك له في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه وحده يكون قد اعترف أوَّلاً بأنَّ لا ربَّ غيره يشركه في خلقه وأمره، والعكس غير صحيح، لأنَّ أوَّل ما يتعلَّق القلب بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية، فصار التوحيد على نوعين:

    -توحيد الألوهية: الذي جحده أكثر الخلق من المشركين قديمًا وحديثًا من عباد الأحجار والأشجار والقبور والأضرحة وغيرها، وقد ذكر الله تعالى رفضهم لهذا التوحيد قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: 5]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وهذا التوحيد هو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالدعوة إليه قال ابن القيم رحمه الله في:" إغاثة اللهفان": [ 2/135]:" الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الربِّ بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركون فاحتجَّ الله عليهم به، فإنَّه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية".

    - توحيد الربوبية: الذي أقرَّ به المشركون غالبًا، وجحده المعطلة فأنكروا وجود الله سبحانه، كالدهرية والملاحدة من الشيوعيين والعلمانيين في عصرنا الحالي، ولم ينكر توحيد الربوبية إلاَّ شواذ تظاهروا بالجحود. مع اعترافهم في الباطن وقرارة قلوبهم مكابرة منهم على الحق كما قال تعالى في شأن فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]، وقد خاطبه موسى عليه السلام كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ﴾ [الإسراء: 102]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: 14].

    -أمّا توحيد الأسماء والصفات: فالمراد منه إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من صفات الكمال، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من صفات النقص على حدّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فهو توحيد شامل للنوعين: الربوبية والألوهية معا، ذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له سبحانه فمن جملة توحيد الربوبية: الرب، الخالق، الرازق، الملك، ، ومن جملة توحيد الألوهية: الله، الغفور، الرحيم، التوّاب، ، وإنّما جعل توحيد الأسماء والصفات قسما مستقلا لما كثر منكروه من الجهمية وتلامذتهم من المعتزلة والأشاعرة وروَّجوا الشبه حوله أُفرِد بالبحث وصُنِّفت فيه العديد من المصنفات.

    وهذه الأنواع الثلاثة تشكل بمجموعها جناب التوحيد فلا يكمل لأحد توحيده إلاّ باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات ربوبية الله تعالى مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية كما في قوله تعالى: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 21-22]، فتوحيد الربوبية لا يُدْخِلُ مَنْ آمن به في الإسلام قال ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" [1/23]: "فأما توحيد الربوبية الذي أقرَّ به الخلق وقرّره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم"، كما لا يصح من جهة أخرى قيام توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًّا خالقا مالكا مدبِّرا، ولا يستقيم توحيد الربوبية والألوهية بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته فهي علاقة تلازم وتضمن وشمول، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا، فشهادة أن "لا إله إلا الله" التي دعا إليها الرسل على أنواع التوحيد الثلاثة، ففيها إثبات العبادة لله وحده ونفيها عما سواه وهذا معنى توحيد العبادة لا معبود بحق إلا الله، كما دلّت على توحيد الربوبية، لأن العاجز لا يكون إلها ولأن المعبود لا بدّ أن يكون خالقا مدبِّرا، كما دلت على توحيد الأسماء والصفات لأن فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غير كامل، ولا يَصْلُح مَنْ هذا حاله أن يكون إلها خالقا، فتبيَّن أن الخلل والانحراف في أيِّ نوع منها فهو خلل وانحراف في التوحيد كلِّه[انظر منهاج السنة لابن تيمية: 2/73، الكواشف الجلية للسلمان: 421، دعوة التوحيد للهراس: 73-74].

    هذا، وكلمة "لا إله إلا الله" لها أسماء كثيرة منها: كلمة التوحيد، وكلمة الإخلاص، وسمِّيت بذلك لأنها تنفي الشرك وتثبت العبادة لله تعالى، ففيها إخلاص التوحيد وإخلاص العبادة، وتسمَّى كلمة التقوى في قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26]، لأنها تقي مِن النار مَنْ قالها مخلصا، وتسمَّى العروة الوثقى كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: 256]، وهو الحبل الوثيق المحكم، وهي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقية في عَقِبِهِ لعلَّهم يرجعون [انظر تفسير كلمة التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب].

    هذا، وتنحصر شروط "لا إله إلا الله" في سبعة وهي:

    1- العلم المنافي للجهل.

    2- اليقين المنافي للشك.

    3- الإخلاص المنافي للشرك.

    4- الصدق المنافي للكذب.

    5- المحبة المنافية لضدها.

    6- الانقياد المنافي للامتناع.

    7- القبول المنافي للرد.

    ١٢- شهادة أن محمدا رسول الله هي الركن الثاني في الشهادتين في الإسلام، ومعناها العلم والتصديق والاعتقاد الجازم بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يقتضي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، وأن يعظم أمره ونهيه، فلا يقدِّم عليه قول أحد ويسلِّم لحكمه، فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقية هي تجريد متابعته لشرعه، ولا يخفى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به من ربه إفراد الله بالعبادة بجميع أشكالها وصورها أي تحقيق معنى كلمة التوحيد، فطاعته في حقيقتها طاعة لله قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: 80]، وقال تعالى: ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62]، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65] وأمثال ذلك.

    ١٣- هو الصحابي أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو الأنصاري السلمي المدني، شهد العقبة وبدرا والمشاهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعثه إلى اليمن يعلم الناس القرآن والأحكام، وكان يردفه في الأسفار، وهو من فقهاء الصحابة ونجبائهم، له مناقب جمة، استشهد في طاعون عمواس بالأردن سنة 18ﻫ ، انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/347)، التاريخ الكبير للبخاري: (7/359)، المعارف لابن قتيبة: (245)، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: (8/244)، طبقات الفقهاء للشيرازي: (45)، الاستيعاب لابن عبد البر: (3/1402)، أسد الغابة لابن الأثير: (4/376)، سير أعلام النبلاء للذهبي: (1/443)، البداية والنهاية لابن كثير: (7/94)، الإصابة لابن حجر: 3/426، طبقات الحفاظ للسيوطي: (15)، شذرات الذهب لابن العماد: (1/92).

    ١٤- قال الشيخ سليمان في "تيسير العزيز الحميد" [127]: "وفيه أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، قال شيخ الإسلام: فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر ظاهرا وباطنا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير العلماء".

    ١٥- جمع كريمة وهي: الشيء النفيس الذي تتعلق به نفس مالكه ويختصُّه له، حيث هي جامعة للكمال الممكن في حقها[النهاية لابن الأثير: [4/167]، قال النووي في "شرح مسلم" [1/197]: "وفيه أنه يحرم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على ربّ المال إخراج شر المال، وفيه أن الزكاة لا تدفع إلى كافر ولا تدفع إلى غني من نصيب الفقراء".

    ١٦- في هذا الحديث عدة أحكام وفوائد ذكرها النووي في "شرح مسلم" [1/197]، وابن حجر في "فتح الباري"[3/359-360][13/349]منها: قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وفيه أن الوتر ليس بواجب لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقليل بعد الأمر بالوتر والعمل به، وفيه أن الكفار يدعون إلى التوحيد قبل القتال، وفيه أنه لا يحكم بإسلامه إلا بالنطق بالشهادتين وهو مذهب أهل السنة كما تقدم، وفيه أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة، وفيه بيان عظم تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي عليه أن يعظ ولاته ويأمرهم بتقوى الله تعالى ويبالغ في نهيهم عن الظلم ويعرفهم قبح عاقبته، وفيه إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون لعموم قوله: "من أغنيائهم"، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير "في فقرائهم إلى المسلمين"، وأن الفقير لا زكاة عليه.

    تنبيه: الحديث لم يتعرض بالذكر لفريضة الصوم والحج، ومعاذ رضي الله عنه بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الأمر فأشكل ذلك على كثير من العلماء، وقد أجيب بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، ولا يخفى أن شأن الصلاة والزكاة ليس كسائر الفرائض لما علم أنهما عبادتان ظاهرتان يقاتل عليهما بخلاف الصوم فإنه أمر باطن وهو مما ائتمن عليه الناس فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة في الائتمان، لذلك لم يذكر في حديث معاذ الصيام لأنه تبع وهو باطن ولا ذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، وفيه توجيه آخر ذكره ابن حجر في "الفتح" [3/61] قال: "والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلا، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المغصوب".

    ١٧- متفق عليه:أخرجه البخاري في "الزكاة": 3/261، باب:وجوب الزكاة، ومسلم في"الإيمان": (1/195)، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، والترمذي في "الزكاة": 3/21، باب: ما جاء في كراهة أخذ خيار المال في الصدقة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

    هذا، والمصنف رحمه الله استدل بالحديث لبيان أن الذي يقتصر على الاعتقاد بقلبه دين الإسلام وكان قادرا على النطق ولم يأت بالشهادتين لم يكن من أهل القبلة أصلا، لأن أول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه فقد دخل ذلك في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام دون باطن الإيمان قال النووي في "شرح مسلم" [1/149]: "واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يُحْكَمُ بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية أو لغير ذلك فإنه يكون مؤمنا".

    قلت: وليس المراد بالنطق بالشهادتين مجرد قولها بل لابد مع اعتقاد القلب بها، والعمل بمقتضاها وتحقيق شروطها، وموالاة أهلها، ومعاداة من خالفها، ولا يشترط في صحة الإسلام النطق بالتَّبَرِّي من كل دين يخالف دين الإسلام، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ذلك.



    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:20
























    سَادِسًا: أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِ مِنْ
    مُسْلِمٍ بَلَغَ، أَوْ كَافِرٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي
    الإِسْلاَمِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ،
    وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ


    (
    ١-

    التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما
    سواه هو أول ما يدخل به الإسلام - كما صرح به المصنف - وآخر ما يخرج به من
    الدنيا على ما أشار إليه بحديث وفاة أبي طالب، وقد قال صلى الله عليه وآله
    وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنة" [أخرجه أبو داود:
    3/486، والحاكم : 1/351، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. والحديث صحّحه
    الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم: (3116)].
    فالأمر بإخلاص العبادة لله تعالى أول ما دعت إليه الرسل عليهم السلام، قال
    تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي
    إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 26]،
    وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ
    اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 37]، قال ابن تيمية في
    مجموع الفتاوى [2/13]: "ففاتحة دعوة الرسول الأمر بالعبادة، قال تعالى:
    ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
    وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 21]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
    "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ
    إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، وذلك يتضمن
    الإقرار به وعبادته وحده، فإن الإله هو المعبود، ولم يقل حتى يشهدوا أن لا
    رب إلاّ الله، فإنّ اسم الله أدلّ على مقصود العبادة له، التي لها خلق
    الخلق وبها أمروا".
    فشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمّدًا رسول الله هي أول واجب، وآخر واجب،
    وتوحيد الإلهية هو أول الأمر وآخره.
    هذا والمصنف - رحمه الله - عبّر عن أوّل واجب على المكلّف بأن يعلم أن لا
    إله إلاّ الله وهي عبارة غير دقيقة لأنّ الشهادة من العلم كما قال تعالى:
    ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86]، والمراد
    بالشهادة العلم والنطق باللسان، لأنّ الشاهد مخبر عن علم فلا يكفي فيه مجرد
    الإخبار، بل لا بد من علم وإخبار وقبول وإقرار وانقياد، ولعل المصنف عنى
    بالعاجز عن النطق فإنه يكفيه العلم بها ليصير مسلمًا مع الإتيان بكل ما هو
    من خصائص الإسلام ومبانيه كالصلاة والزكاة والصوم والحج، أما مع القدرة على
    النطق فإنه لا يكفي الاعتقاد بقلبه وقد تقدم الإجماع المنقول من شيخ
    الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بأنه ليس بمسلم حتى ينطق بها،
    ذلك لأنّ كلمة "أشهد" تدلّ على الإخبار، والإخبار متضمن
    للنطق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه: "قل
    لا إله إلاّ الله" ولم يقل له: اعلم أو اعتقد أن لا إله
    إلاّ الله.هذا، وجدير بالبيان والتنبيه أنّ العلماء يختلفون في أوّل
    واجب على المكلّف على أقوال: وقول عامّة أهل الكلام من الأصوليين الذين
    أبطلوا إيمان المقلّد، وزعموا أنّ الإيمان لا يصحّ بالتسليم والانقياد
    لنصوص الشرع من غير استدلال عقلي بنوا مقالتهم على أنّ أوّل فرض على العباد
    هو النظر والاعتبار والاستدلال، على تفصيل فيما بينهم. [فتح الباري لابن
    حجر: 13/349].
    والصحيح ما قرّره المصنّف من أنّ أوّل ما يجب على المكلّف: «شهادة أن لا
    إله إلاّ الله» لا النظر ولا القصد إلى النظر، قال ابن أبي العزّ في «شرح
    العقيدة الطحاوية» [75]: «ولهذا كان الصحيح أنّ أوّل ما يجب على المكلّف:
    «شهادة أن لا إله إلاّ الله»، لا النظر ولا القصد إلى النظر، ولا
    الشكّ كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمّة السلف كلّهم
    متفقون على أنّ أوّل ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أنّ من فعل
    ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة
    إذا بلغ وميَّز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحد منهم على وليّه أن يخاطبه
    حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبًا باتفاق
    المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو أدّى هذا الواجب قبل ذلك».
    وإذا لم يكن النظر واجبًا وجوبًا عامًّا لعدم فعل السلف له وأمرهم به إلاّ
    أنه قد يجب على بعض الناس الذين قد يطرأ عليهم ما يفسد فطرتهم فيحتاجون إلى
    نظر يحصل لهم به معرفة الله تعالى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية
    مستدلاًّ بأنه لو كان النظر أول واجب لكان يجب على الرسل أن يدعو الناس أول
    ما يدعونهم إلى النظر، وهذا مما علم فساده من دين الإسلام، فإنّ كلّ كافر
    إذا أراد الدخول في دين الإسلام أول ما يؤمن بالشهادتين، فلو قال: أنا أقرّ
    بالخالق لم يكن مسلمًا، ولو قال: أنا أعرف الله أنه ربّ العالمين ورازقهم
    ومدبّرهم لم يصر بذلك مسلمًا. [مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية: 2/346 -
    348].
    هذا، وقد تفرّع على هذه المسألة أنّ الواجب على كلّ أحد معرفة الله بالأدلة
    الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك، والصحيح أنّ إيمان المقلّد
    معتبر غير مشروط فيه النظر والاستدلال، إذ لو كان واجبًا لفعله الصحابة
    وأمروا به، لكنّهم لم يفعلوا، ولو فعلوا لنقل عنهم، والاعتراض بأنّ الصحابة
    كانت معرفتهم بالعقائد مبنية على الدليل اكتفاءً لصفاء أذهانهم واعتمادهم
    على السليقة ومشاهدتهم الوحي يردّه أنّ الصحابة رضي الله عنهم لما فتحوا
    البلدان والأمصار قبلوا إيمان العجم والأعراب والعوام، وإن كان تحت السيف
    أو تبعًا لكبير منهم أسلم، ولم يأمروا أحدًا منهم بترديد النظر، ولا سألوه
    عن دليل تصديقه، ولا أرجؤوا أمره حتى ينظر، بل لم يقل النبي صلى الله عليه
    وآله وسلم لأحد: لا أقبل إسلامك حتى أعلم أنك نظرت واستدللت، قال ابن حزم
    في الفصل (5/244): «فإذا لم يقل عليه الصلاة والسلام ذلك فالقول به
    واعتقاده إفك وضلال، كذلك أجمع جميع الصحابة رضي الله عنهم على الدعاء إلى
    الإسلام وقبوله من كلّ أحد دون ذكر الاستدلال، ثمّ هكذا جيلاً فجيلاً حتى
    حدث من لا وزن له» ولأنّ الاستدلال والنظر ليس هو المقصود في نفسه، وإنما
    هو طريق إلى حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد، فمن حصل له هذا الاعتقاد
    الذي لا شكّ فيه من غير دلالة، فقد صار مؤمنًا وزال عنه كُلْفة طلب الأدلة،
    ولو كان النظر في معرفة الله واجبًا لأدّى إلى الدور لأنّ وجوب النظر
    المأمور به متوقّف على معرفة الله، ومعرفة الله متوقفة على النظر، ومن أنعم
    الله عليه بالاعتقاد الصافي من الشبه والشكوك فقد أنعم الله عليه بكلّ
    أنواع النعم وأجلّها، حتى لو لم يَكِلْهُ إلى النظر والاستدلال لا سيما
    العوام، فإنّ كثيرًا منهم تجد الإيمان في صدره كالجبال الراسيات أكثر ممّن
    شاهد ذلك بالأدلة، ومن كان هذا وصفه كان مقلّدًا في الدليل.


    )
    ،
    لِحَدِيثِ مُعَاذٍ

    رَضِيَ اللهُ عَنْهُ المُتَقَدِّمِ، وَلِحَدِيثِ وَفَاةِ
    أَبِي طَالِبٍ
    (٢-

    هو أبو طالب عبد المناف بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وآله
    وسلم، ومجيره والقائم دونه، كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عضدًا
    وناصرًا يذب عنه ويردّ كل ما يؤذيه وهو مقيم مع ذلك على دين قومه، من
    أولاده: جعفر، وعلي، وعقيل رضي الله عنهم، توفي أبو طالب في ذي القعدة قبل
    الهجرة بثلاث سنين وبعد خروج المسلمين من الشِّعب، وعمره بضع وثمانون سنة
    [انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم: 37، البداية والنهاية لابن كثير:
    3/122، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 2/90، الإصابة لابن حجر: 4/115، فتح
    الباري لابن حجر: 7/193، نهاية الأرب للقلقشندي: 311].

    )
    (٣-

    والثابت من الأحاديث أن أبا طالب مات كافرًا مشركًا خلافًا لما تعتقده
    الشيعة الرافضة من أنه مات مسلمًا، وقد جاء التصريح بموته مشركًا فيما رواه
    أبو داود: 3/547، والنسائي: 4/89، والبيهقي: 3/398، من حديث علي رضي الله
    عنه قال: لما مات أبو طالب قلت: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَمَّكَ
    الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، قَالَ اذْهَبْ فَوَارِهِ، قُلْتُ: إِنَّهُ
    مَاتَ مُشْرِكًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ"، والحديث صحّحه ابن حجر،
    والألباني في صحيح سنن أبي داود برقم [3214].
    قال ابن حجر في "الفتح" [7/195]: "ووقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر
    فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء،
    وبالله التوفيق، وقد لخصت ذلك في ترجمة أبي طالب من كتاب الإصابة [4/115]".
    ثمّ قال [7/196]: "من عجائب الاتفاق أن الذين أدركهم الإسلام من أعمام
    النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة: ولم يسلم منهم اثنان، وأسلم اثنان،
    وكان اسم من لم يسلم ينافي المسلمين، وهما أبو طالب واسمه عبد المناف وأبو
    لهب واسمه العزى بخلاف من أسلم حمزة والعباس رضي الله عنهما".
    )
    :



    «لََمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ
    الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله
    وسلم، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ
    (٤-

    هو أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، وكنيته أبو الحكم،
    وكناه المسلمون بأبي جهل، وكان أشدّ الناس عداوة
    للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأكثرهم أذى له ولأصحابه، وهو الذي
    قتل سميّة أم عمّار بن ياسر، وأفعاله مشهورة، وقتل ببدر، قتله ابنا عفراء،
    وأجهز عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. [انظر: جمهرة أنساب العرب لابن
    حزم: 145، البداية والنهاية لابن كثير: 3/278، الكامل لابن الأثير: 2/73].


    )

    وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ
    (٥-

    هو عبد الله بن أمية المخزومي، صهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم،
    وابن عمّته عاتكة، وأخو أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان
    شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ أسلم، وحسن إسلامه، وشهد
    مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة، وشهد حنينًا، واستشهد بسهم
    يوم الطائف، سنة ثمان من الهجرة. [انظر: الاستيعاب لابن عبد البر 3/868،
    الإصابة لابن حجر: 2/277، البداية والنهاية لابن كثير: 4/351، الكامل لابن
    الأثير: 2/76].

    )
    ،
    فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ
    وَسَلَّمَ: «يَا عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ،
    كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ، فَقَالَ أَبُو
    جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا أَبَا
    طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ؟!
    فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
    وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدَانِ
    عَلَيْه
    (٦-

    في البخاري: ويعودان، وفي مسلم: ويعيد له: قال النووي في "شرح مسلم"
    [1/314]: "فهكذا وقع في جميع الأصول "ويعيد له" يعني أبا طالب، وكذا نقله
    القاضي - رحمه الله - عن جميع الأصول والشيوخ، قال في نسخة "ويعيدان له"
    على التثنية لأبي جهل وابن أبي أمية. قال القاضي: وهذا أشبه".

    )

    تِلْكَ المَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا
    كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
    (٧-

    من أحسن الآداب والتصرفات: أنّ من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير
    الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع. [النووي في "شرح مسلم": 1/214].

    )
    ،
    وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ"
    (٨-

    أخرجه البخاري في "الجنائز": 3/222 باب إذا قال المشرك عند الموت: لا
    إله إلاّ الله، ومسلم في "الإيمان" 1/214 باب وفاة أبي طالب وما نزل في
    شأنه، من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه، وتمامه: "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
    صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمَا وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ
    لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ
    لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
    وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
    أَصْحَابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي
    طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:
    ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ
    وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56].
    قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" [7/553]: " وأبو طالب إنما كانت محبته
    للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لقرابته منه، لا لله، وإنما نصره وذب عنه
    لحمية النسب والقرابة، ولهذا لم يتقبل الله ذلك منه، وإلاّ فلو كان ذلك عن
    إيمان في القلب لتكلم بالشهادتين ضرورة، والسبب الذي أوجب نصره للنبي صلى
    الله عليه وآله وسلم - وهو الحمية - هو الذي أوجب امتناعه من الشهادتين".
    "وفي الحديث جواز زيارة القريب المشرك وعيادته، وأنّ التوبة مقبولة ولو في
    شدّة مرض الموت حتى يصل إلى المعاينة فلا يقبل لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ
    يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85]. وأنّ
    الكافر إذا شهد
    شهادة الحقّ نجا من العذاب، لأنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله" [فتح
    الباري لابن حجر: 7/196].


    )(٩-

    َذكر المصنّف في مطلع المسألة السادسة أن أول واجب على المكلف هو
    الشهادتان، واستشهد بحديث وفاة أبي طالب وليس فيه سوى شهادة واحدة عرضها
    عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتجلية في كلمة الإخلاص، ولعلّ جوابه
    أنه لم يقل فيها ّ[محمّد رسول الله] لأنّ الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة،
    ويحتمل - أيًضًا - أن يكون أبو طالب متحقِّقًا أنه رسول الله، غير أنه لم
    يقر بالتوحيد، فاقتصر على أمره له بقول: "لا إله إلاّ الله" فإذا أقرّ
    بالتوحيد لم يتوقف على الشهادة بالرسالة. [انظر: فتح الباري لابن حجر:
    7/196].

    )
    .




    وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:
    «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ
    لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ
    بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي
    دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا
    (١٠-

    في الحديث منع قتل من قال: "لا إله إلاّ الله" ولو لم يزد عليها،
    وعلى الصحيح من المذاهب أنه لا يصير مسلمًا بمجرّد قوله ذلك، بل يجب الكفّ
    عن قتله حتى يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم بأحكام الإسلام حكم بإسلامه،
    وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء لقوله: "إلاّ بحقّ الإسلام" قال ابن حجر في
    "الفتح" [12/279]: "قال البغوي: إنّ الكافر إذا كان وثنيًّا أو ثنويًّا لا
    يقرّ بالوحدانية، فإذا قال: "لا إله إلاّ الله" حكم بإسلامه، ثمّ يجبر على
    على قبول جميع أحكام الإسلام، ويبرأ من كلّ دين خالف دين الإسلام.
    أمّا من كان مقرًّا بالوحدانية، منكرًا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى
    يقول: "محمّد رسول الله" فإن كان يعتقد أنّ الرسالة المحمّدية للعرب خاصّة،
    فلا بدّ أن يقول: إلى جميع الخلق، فإن كان كفر بجحود واجب، واستباحةِ محرم
    فيحتاج أن يرجع عما اعتقده".


    )
    ،
    وَحِسَابُهُمْ عَلَى ال
    لهِ(١١-

    وفي قوله: "وحسابهم على الله" معناه فيما يستسرُّون به دون ما
    يُخِلُّون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر، فإن أخلوا بشيء مما
    يلزمهم في الظاهر يطالبون بموجبه. قال الخطابي في معالم السنن [2/206]:
    "وفيه دليل أنّ الكافر المستسر بكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهره الإسلام
    وتقبل توبته إذا أظهر الإنابة من كفر علم بإقراره إن كان يستسر به وهو قول
    أكثر أهل العلم، وذهب مالك بن أنس إلى أنّ توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك
    أيضًا عن أحمد بن حنبل".
    قال ابن حجر في الفتح [12/280]: "ومحلّ الخلاف إنما هو فيمن اطلع على
    معتقده الفاسد فأظهر الرجوع هل يقبل منه أو لا ؟ وأما من جهل أمره فلا خلاف
    في إجراء الأحكام الظاهرة عليه".
    هذا، وإذا كانت الأحكام تجري على الظاهر والله يتولى السرائر، فإنّ من أظهر
    شعار الدين أجري عليه حكمه وإن لم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما
    بين قتلى غُلْفٍ، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم
    بإسلامه، وفي الحديث أحكام وفوائد أخرى. [انظر: شرح السنّة للبغوي: 1/70،
    شرح مسلم للنووي: 1/212، فتح الباري لابن حجر 12/279].


    )
    »(١٢-

    حديث متفق عليه: أخرجه البخاري في "الزكاة" [3/262] باب وجوب الزكاة،
    وفي استتابة المرتدين 12/275 باب قتل من أبى قبول الفرائض، وفي الاعتصام
    [13/250] باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومسلم في
    الإيمان [1/200] باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله، من
    حديث أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ لمسلم.

    )(١٣-

    قال ابن حجر في "الفتح" [1/77]: فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من
    امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد ؟ فالجواب من أوجه:
    - أحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرًا عن هذه
    الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾
    [التوبة: 5].
    - ثانيها: أن يكون من العام الذي خصّ منه البعض، لأنّ المقصود من الأمر
    حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.
    ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص، فيكون المراد بالناس في
    قوله: "أقاتل الناس" أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدلّ عليه رواية
    النسائي بلفظ: "أمرت أن أقاتل المشركين". [أخرجه النسائي في تحريم الدماء
    [7/75] من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه].


    )
    .




    سَابِعًا: لاَ يَكْفِي النُّطْقُ بِكَلِمَتَيْ
    الشَّهَادَةِ إِذَا كَانَ النَّاطِقُ بِهِمَا لاَ يَفْهَمُ
    أَصْلَ مَعْنَاهُمَا
    (١٤-

    إنّ فهم الخطاب يستدعي القدرة على الفهم، ولا يتأتى إلاّ بسلامة
    العقل وكماله وارتفاع العوارض المانعة من إدراكه وقصد الامتثال والطاعة
    يستدعي القدرة على القصد ولا يتأتى إلاّ بالفهم والعلم، وعليه فلا تعتبر
    الشهادة إلاّ لمن تكلم بها عارفًا لمعناها عاملاً بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا،
    وقوله: "حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله.." والتلفظ بالشهادتين لكونهما
    صارت علمًا على ذلك، وقد تقدّم معنى لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله" قال
    ابن تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" [10/263]: "إنّ جميع الدين
    داخل في الشهادتين"، إذ مضمونهما أن لا نعبد إلاّ الله، وأن نطيع رسوله،
    و"الدين" كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله وطاعة رسوله، وكلّ ما
    يجب أو يستحب داخل في طاعة الله والرسول".

    )

    لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:
    «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن
    لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا
    جِئْتُ بِهِ»
    (١٥-

    أخرجه مسلم في "الإيمان" [1/210] باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا:
    "لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،
    ومقصود المصنف أنه لا يكفي النطق بكلمتي الشهادة، بل لا بد من أن يكون
    عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، فلا يكفي المقر بالتوحيد
    أن يقول: لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي
    الزكاة، بل لا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله
    عليه وآله وسلم، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه
    وزجر، وأن لا يعبد الله إلاّ بما شرع، وأن يعظم أمره ونهيه فلا يقدم عليه
    قول أحد كائنًا من كان كما جاء في هذه الرواية: "ويؤمنوا بي، وبما جئت به".


    )
    .




    ثَامِنًا: وَيَكْفِي لِلدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ مَا
    دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُمَا
    (١٦-

    حاصل القصة التي استدلّ بها المصنّف: أنّ خالد بن الوليد غزا بأمر
    النبي صلى الله عليه وآله وسلم قومًا فقالوا: "صبأنا" وأرادوا أسلمنا، فلم
    يقبل خالد ذلك منهم، وقتلهم بناءً على ظاهر اللفظ، فبلغ النبي صلى الله
    عليه وعلى آله وسلم ذلك فأنكره، فدلّ على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من
    لغتهم، ولهذا بوّب لها البخاري [6/274] باب: "إذ قالوا صبأنا ولم يحسنوا
    أسلمنا، وقال عمر: إذا قال: مَتَّرس فقد آمنه، إنّ الله يعلم الألسنة
    كلها"، قال ابن المنير: مقصود الترجمة أنّ المقاصد تعتبر بأدلّتها كيفما
    كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت" [فتح الباري لابن حجر:
    6/274].

    )
    ،
    لِحَدِيثِ بَنِي جَذِيمَةَ
    (١٧-
    نسبة إلى جذيمة بن عامر بن عبد مَناة بن كِنانة [جمهرة أنساب العرب لابن حزم: 187].

    )


    قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ
    (١٨-

    هو الصحابي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني
    الفقيه، أحد الأعلام في العلم والعمل ولد بعد المبعث بيسير، واستصغر يوم
    أحد، وأول مشاهده الخندق، وهو من أهل بيعة الرضوان، ومن المكثرين من رواية
    الحديث، وأحد العبادلة، وكان من أشدّ الناس اتباعًا للأثر، وله فضائل
    ومناقب جمة، منها ثناؤه صلى الله عليه وآله وسلم عليه، ووصفه بالصلاح، توفي
    سنة [73ﻫ].
    [انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد: [2/373 - 4/142]، التاريخ
    الكبير للبخاري: [5/2، 125]، الاستيعاب لابن عبد البر: [3/950]، وفيات
    الأعيان لابن خلكان: [3/28]، أسد الغابة لابن الأثير: [3/227]، جامع الأصول
    لابن الأثير: [9/64]، البداية والنهاية لابن كثير: [9/4]، سير أعلام
    النبلاء للذهبي [3/203]، مرآة الجنان لليافعي: [1/154]، الإصابة لابن حجر:
    [2/347]، طبقات الحفاظ للسيوطي: [18]، الرياض المستطابة للعامري: [194].


    )

    رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
    عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيد
    ِ
    (١٩-

    هو الصحابي أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي
    المكي رضي الله عنه سيف الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، وهو ابن
    أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، مناقب خالد رضي الله عنه غزيرة،
    وفتوحاته وشجاعته معلومة بالاستفاضة، توفي بحمص سنة [21ﻫ]. [انظر ترجمته
    في: المعارف لابن قتيبة: 19، 29، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: [3/356]،
    الاستيعاب لابن عبد البر: [2/427]، أسد الغابة لابن الأثير: [2/93]، سير
    أعلام النبلاء للذهبي [1/366]، البداية والنهاية لابن كثير: [7/113]، تهذيب
    التهذيب لابن حجر: [3/124]، الإصابة لابن حجر: [2/413]، شذرات الذهب لابن
    العماد: [1/232]، الرياض المستطابة للعامري: [62].

    )

    إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ
    فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا،
    فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ
    خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى
    كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُِ
    (٢٠-

    جملة [حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ
    رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ] ساقطة، ويومٌ بالتنوين أي: من الأيام، وكان
    تامّة.

    )
    :
    وَاللهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلاَ يَقْتُلُ أَحَدٌ
    مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى
    النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
    فَذَكَرْنَاهُ لَهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
    عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
    إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ
    (٢١-

    قال الخطّابي: "الحكمة في تبرئه صلى الله عليه وآله وسلم من فعل خالد مع
    كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدًا: أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية
    أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينـزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله" [فتح
    الباري لابن حجر: 13/182]، وقال أيضًا: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في
    أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا" [فتح الباري لابن حجر: 8/57]،
    وقال ابن تيمية في منهاج السنّة [4/487]: "لأنّ الأمير إذا جرى منه خطأ أو
    ذنب أمر بالرجوع عن ذلك، وأُقر على ولايته، ولم يكن خالد معاندًا للنبي صلى
    الله عليه وآله وسلم بل كان مطيعًا له، ولكن لم يكن في الفقه في الدين
    بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية"، وقال ابن حجر في "الفتح" [13/182]
    والذي يظهر أنّ التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم صاحبه، ولا إلزامه الغرامة،
    فإن إثم المخطئ مرفوع، وإن كان فعله ليس بمحمود".
    )

    مَرَّتَيْنِ»
    (٢٢-

    أخرجه البخاري [6/274] كتاب الجزية، باب إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا
    أسلمنا. [8/56] كتاب المغازي باب: بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد
    بن الوليد إلى بني جذيمة [11/141] كتاب الدعوات، باب: رفع الأيدي في الدعاء
    [13/181]، في كتاب الأحكام، باب: إذا قضى الحاكم بجَور أو خلاف أهل العلم
    فهو ردّ.
    كما أخرجه أحمد في مسنده: [2/150] والنسائي [8/236] في كتاب آداب القضاة،
    باب الرد على الحاكم إذا قضى بغير حقّ، كلهم من طريق الزهري عن سالم عن
    أبيه رضي الله عنهم.


    )
    .
    رَوَاهُ البُخَارِيُّ
    (٢٣-

    هو أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي، أمير المؤمنين في
    الحديث، شهد له الأئمة بعلو مَنْزلته وعظيم قدره، فأخباره مع شيوخه وأهل
    العلم، وأخبار حفظه وإتقانه كثيرة، له رحلتان، روى عن الإمام أحمد وغيره،
    وروى عنه مسلم والترمذي والنسائي وسواهم، شهرته تقوم على كتابه "الجامع
    الصحيح"، وقد اتفقت الأمّة على أنه أصحّ كتب الدين بعد المصحف الكريم،
    وللبخاري تصانيف أخرى منها: "التاريخ الكبير" و"التاريخ الأوسط" و"التاريخ
    الصغير" و"الأدب المفرد" و"الكنى"، توفي رحمه الله تعالى سنة [256ﻫ]. [انظر
    ترجمته في:
    الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: [7/191] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: [2/4،
    33]، وفيات الأعيان لابن خلّكان: [4/188]، اللباب لابن الأثير: [1/152]،
    دول الإسلام للذهبي: [1/155]، سير أعلام النبلاء للذهبي: [12/391]، البداية
    والنهاية لابن كثير: [11/24، 26]، التهذيب لابن حجر: [9/47]، طبقات
    المفسرين للداودي [2/104]، مرآة الجنان لليافعي [2/167]، شذرات الذهب لابن
    العماد [2/134]، الأعلام للزركلي [6/258]، معجم المؤلفين لكحالة [3/130]،
    الفضل المبين للقاسمي: [119]، الفكر السامي للحجوي: [2/80]، التراث العربي
    لسزكين: [1/173].


    )
    .

















    ١-

    التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا
    شريك له، وترك عبادة ما سواه هو أول ما يدخل به
    الإسلام - كما صرح به المصنف - وآخر ما يخرج به من
    الدنيا على ما أشار إليه بحديث وفاة أبي طالب، وقد
    قال صلى الله عليه وآله وسلم:
    "من كان آخر كلامه
    لا إله إلاّ الله دخل الجنة"
    [أخرجه أبو داود:
    3/486، والحاكم : 1/351، وقال: صحيح الإسناد،
    ووافقه الذهبي. والحديث صحّحه الألباني في صحيح
    سنن أبي داود برقم: (3116)].





    فالأمر بإخلاص العبادة لله تعالى أول ما دعت إليه
    الرسل عليهم السلام، قال تعالى:
    ﴿وَمَا
    أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إِلاَّ
    نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا
    فَاعْبُدُونِ

    [الأنبياء: 26]، وقوله تعالى:
    ﴿
    وَلَقَدْ
    بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ
    اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ

    [النحل: 37]، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى
    [2/13]: "ففاتحة دعوة الرسول الأمر بالعبادة، قال
    تعالى: ﴿
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا
    رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن
    قَبْلِكُمْ

    [البقرة: 21]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
    "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى
    يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ
    مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"
    ، وذلك يتضمن
    الإقرار به وعبادته وحده، فإن الإله هو المعبود،
    ولم يقل حتى يشهدوا أن لا رب إلاّ الله، فإنّ اسم
    الله أدلّ على مقصود العبادة له، التي لها خلق
    الخلق وبها أمروا".

    فشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمّدًا رسول
    الله هي أول واجب، وآخر واجب، وتوحيد الإلهية هو
    أول الأمر وآخره.





    هذا والمصنف - رحمه الله - عبّر عن أوّل واجب على
    المكلّف بأن يعلم أن لا إله إلاّ الله وهي عبارة
    غير دقيقة لأنّ الشهادة من العلم كما قال تعالى:
    ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
    [الزخرف: 86]، والمراد بالشهادة العلم والنطق
    باللسان، لأنّ الشاهد مخبر عن علم فلا يكفي فيه
    مجرد الإخبار، بل لا بد من علم وإخبار وقبول
    وإقرار وانقياد، ولعل المصنف عنى بالعاجز عن النطق
    فإنه يكفيه العلم بها ليصير مسلمًا مع الإتيان بكل
    ما هو من خصائص الإسلام ومبانيه كالصلاة والزكاة
    والصوم والحج، أما مع القدرة على النطق فإنه لا
    يكفي الاعتقاد بقلبه وقد تقدم الإجماع المنقول من
    شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بأنه ليس
    بمسلم حتى ينطق بها، ذلك لأنّ كلمة "أشهد" تدلّ
    على الإخبار، والإخبار متضمن للنطق، ولهذا قال
    النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه: "قل لا إله
    إلاّ الله" ولم يقل له: اعلم أو اعتقد أن لا إله
    إلاّ الله.



    هذا، وجدير بالبيان والتنبيه أنّ العلماء
    يختلفون في أوّل واجب على المكلّف على أقوال: وقول
    عامّة أهل الكلام من الأصوليين الذين أبطلوا إيمان
    المقلّد، وزعموا أنّ الإيمان لا يصحّ بالتسليم
    والانقياد لنصوص الشرع من غير استدلال عقلي بنوا
    مقالتهم على أنّ أوّل فرض على العباد هو النظر
    والاعتبار والاستدلال، على تفصيل فيما بينهم. [فتح
    الباري لابن حجر: 13/349].




    والصحيح ما قرّره المصنّف من أنّ أوّل ما يجب
    على المكلّف: «شهادة أن لا إله إلاّ الله» لا
    النظر ولا القصد إلى النظر، قال ابن أبي العزّ في
    «شرح العقيدة الطحاوية» [75]: «ولهذا كان الصحيح
    أنّ أوّل ما يجب على المكلّف: «شهادة أن لا إله
    إلاّ الله»، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا
    الشكّ كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمّة
    السلف كلّهم متفقون على أنّ أوّل ما يؤمر به العبد
    الشهادتان، ومتفقون على أنّ من فعل ذلك قبل البلوغ
    لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة
    والصلاة إذا بلغ وميَّز عند من يرى ذلك، ولم يوجب
    أحد منهم على وليّه أن يخاطبه حينئذ بتجديد
    الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبًا
    باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجوب الصلاة، لكن هو
    أدّى هذا الواجب قبل ذلك».




    وإذا لم يكن النظر واجبًا وجوبًا عامًّا لعدم
    فعل السلف له وأمرهم به إلاّ أنه قد يجب على بعض
    الناس الذين قد يطرأ عليهم ما يفسد فطرتهم
    فيحتاجون إلى نظر يحصل لهم به معرفة الله تعالى،
    وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلاًّ بأنه
    لو كان النظر أول واجب لكان يجب على الرسل أن يدعو
    الناس أول ما يدعونهم إلى النظر، وهذا مما علم
    فساده من دين الإسلام، فإنّ كلّ كافر إذا أراد
    الدخول في دين الإسلام أول ما يؤمن بالشهادتين،
    فلو قال: أنا أقرّ بالخالق لم يكن مسلمًا، ولو
    قال: أنا أعرف الله أنه ربّ العالمين ورازقهم
    ومدبّرهم لم يصر بذلك مسلمًا. [مجموعة الرسائل
    الكبرى لابن تيمية: 2/346 - 348].




    هذا، وقد تفرّع على هذه المسألة أنّ الواجب على
    كلّ أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا
    يكفي التقليد في ذلك، والصحيح أنّ إيمان المقلّد
    معتبر غير مشروط فيه النظر والاستدلال، إذ لو كان
    واجبًا لفعله الصحابة وأمروا به، لكنّهم لم
    يفعلوا، ولو فعلوا لنقل عنهم، والاعتراض بأنّ
    الصحابة كانت معرفتهم بالعقائد مبنية على الدليل
    اكتفاءً لصفاء أذهانهم واعتمادهم على السليقة
    ومشاهدتهم الوحي يردّه أنّ الصحابة رضي الله عنهم
    لما فتحوا البلدان والأمصار قبلوا إيمان العجم
    والأعراب والعوام، وإن كان تحت السيف أو تبعًا
    لكبير منهم أسلم، ولم يأمروا أحدًا منهم بترديد
    النظر، ولا سألوه عن دليل تصديقه، ولا أرجؤوا أمره
    حتى ينظر، بل لم يقل النبي صلى الله عليه وآله
    وسلم لأحد: لا أقبل إسلامك حتى أعلم أنك نظرت
    واستدللت، قال ابن حزم في الفصل (5/244): «فإذا لم
    يقل عليه الصلاة والسلام ذلك فالقول به واعتقاده
    إفك وضلال، كذلك أجمع جميع الصحابة رضي الله عنهم
    على الدعاء إلى الإسلام وقبوله من كلّ أحد دون ذكر
    الاستدلال، ثمّ هكذا جيلاً فجيلاً حتى حدث من لا
    وزن له» ولأنّ الاستدلال والنظر ليس هو المقصود في
    نفسه، وإنما هو طريق إلى حصول العلم حتى يصير بحيث
    لا يتردد، فمن حصل له هذا الاعتقاد الذي لا شكّ
    فيه من غير دلالة، فقد صار مؤمنًا وزال عنه كُلْفة
    طلب الأدلة، ولو كان النظر في معرفة الله واجبًا
    لأدّى إلى الدور لأنّ وجوب النظر المأمور به
    متوقّف على معرفة الله، ومعرفة الله متوقفة على
    النظر، ومن أنعم الله عليه بالاعتقاد الصافي من
    الشبه والشكوك فقد أنعم الله عليه بكلّ أنواع
    النعم وأجلّها، حتى لو لم يَكِلْهُ إلى النظر
    والاستدلال لا سيما العوام، فإنّ كثيرًا منهم تجد
    الإيمان في صدره كالجبال الراسيات أكثر ممّن شاهد
    ذلك بالأدلة، ومن كان هذا وصفه كان مقلّدًا في
    الدليل.








    ٢
    -

    هو أبو طالب عبد المناف بن عبد المطلب، عم
    النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومجيره والقائم
    دونه، كان للنبي

    صلى الله عليه وآله وسلم عضدًا وناصرًا يذب عنه
    ويردّ كل ما يؤذيه وهو مقيم مع ذلك على دين قومه،
    من أولاده: جعفر، وعلي، وعقيل رضي الله عنهم، توفي
    أبو طالب في ذي القعدة قبل الهجرة بثلاث سنين وبعد
    خروج المسلمين من الشِّعب، وعمره بضع وثمانون سنة
    [انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم: 37، البداية
    والنهاية لابن كثير: 3/122، الكامل في التاريخ
    لابن الأثير: 2/90، الإصابة لابن حجر: 4/115، فتح
    الباري لابن حجر: 7/193، نهاية الأرب للقلقشندي:
    311].








    ٣
    -

    والثابت من الأحاديث أن أبا طالب مات كافرًا
    مشركًا خلافًا لما تعتقده الشيعة الرافضة من أنه
    مات مسلمًا، وقد جاء التصريح بموته مشركًا فيما
    رواه أبو داود: 3/547، والنسائي: 4/89، والبيهقي:
    3/398، من حديث علي رضي الله عنه قال: لما مات أبو
    طالب قلت: "يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَمَّكَ
    الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ، قَالَ اذْهَبْ
    فَوَارِهِ، قُلْتُ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا،
    فَقَالَ: اذْهَبْ فَوَارِهِ"، والحديث صحّحه ابن
    حجر، والألباني في صحيح سنن أبي داود برقم [3214].




    قال ابن حجر في "الفتح" [7/195]: "ووقفت على
    جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث
    الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من
    ذلك شيء، وبالله التوفيق، وقد لخصت ذلك في ترجمة
    أبي طالب من كتاب الإصابة [4/115]".




    ثمّ قال [7/196]: "من عجائب الاتفاق أن الذين
    أدركهم الإسلام من أعمام النبي صلى الله عليه وآله
    وسلم أربعة: ولم يسلم منهم اثنان، وأسلم اثنان،
    وكان اسم من لم يسلم ينافي المسلمين، وهما أبو
    طالب واسمه عبد المناف وأبو لهب واسمه العزى بخلاف
    من أسلم حمزة والعباس رضي الله عنهما".








    ٤
    -

    هو أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي،
    وكنيته أبو الحكم، وكناه المسلمون بأبي جهل،
    وكان
    أشدّ الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم
    وأكثرهم أذى له ولأصحابه، وهو الذي قتل سميّة أم
    عمّار بن ياسر، وأفعاله مشهورة، وقتل ببدر، قتله
    ابنا عفراء، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود رضي
    الله عنه. [انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم:
    145، البداية والنهاية لابن كثير: 3/278، الكامل
    لابن الأثير: 2/73].








    ٥
    -

    هو عبد الله بن أمية المخزومي، صهر النبي صلى الله
    عليه وآله وسلم، وابن عمّته عاتكة، وأخو أم سلمة
    زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان شديد
    العداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ أسلم،
    وحسن إسلامه، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه
    وآله وسلم فتح مكة، وشهد حنينًا، واستشهد بسهم يوم
    الطائف، سنة ثمان من الهجرة. [انظر: الاستيعاب
    لابن عبد البر 3/868، الإصابة لابن حجر: 2/277،
    البداية والنهاية لابن كثير: 4/351، الكامل لابن
    الأثير: 2/76].








    ٦
    -

    في البخاري: ويعودان، وفي مسلم: ويعيد له: قال
    النووي في "شرح مسلم" [1/314]: "فهكذا وقع في جميع
    الأصول "ويعيد له" يعني أبا طالب، وكذا نقله
    القاضي - رحمه الله - عن جميع الأصول والشيوخ، قال
    في نسخة "ويعيدان له" على التثنية لأبي جهل وابن
    أبي أمية. قال القاضي: وهذا أشبه".








    ٧
    -

    من أحسن الآداب والتصرفات: أنّ من حكى قول غيره
    القبيح أتى به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه
    الواقع. [النووي في "شرح مسلم": 1/214].








    ٨
    -

    أخرجه البخاري في "الجنائز": 3/222 باب إذا قال
    المشرك عند الموت: لا إله إلاّ الله، ومسلم في
    "الإيمان" 1/214 باب وفاة أبي طالب وما نزل في
    شأنه، من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه، وتمامه:
    "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
    وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمَا وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ
    لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ
    عَزَّ وَجَلَّ: ﴿
    مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ
    وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا
    لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى
    مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
    أَصْحَابُ الجَحِيمِ

    [التوبة: 113]، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي
    أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ
    عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ:

    ﴿إِنَّكَ لاَ
    تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي
    مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ

    [القصص: 56].




    قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" [7/553]: "
    وأبو طالب إنما كانت محبته للنبي صلى الله عليه
    وآله وسلم لقرابته منه، لا لله، وإنما نصره وذب
    عنه لحمية النسب والقرابة، ولهذا لم يتقبل الله
    ذلك منه، وإلاّ فلو كان ذلك عن إيمان في القلب
    لتكلم بالشهادتين ضرورة، والسبب الذي أوجب نصره
    للنبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو الحمية - هو
    الذي أوجب امتناعه من الشهادتين".





    "وفي الحديث جواز زيارة القريب المشرك وعيادته،
    وأنّ التوبة مقبولة ولو في شدّة مرض الموت حتى يصل
    إلى المعاينة فلا يقبل لقوله تعالى:
    ﴿فَلَمْ يَكُ
    يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا
    بَأْسَنَا

    [غافر: 85]. وأنّ الكافر
    إذا شهد شهادة الحقّ نجا من
    العذاب، لأنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله" [فتح
    الباري لابن حجر: 7/196].








    ٩
    -

    َذكر المصنّف في مطلع المسألة السادسة أن أول واجب
    على المكلف هو الشهادتان، واستشهد بحديث وفاة أبي
    طالب وليس فيه سوى شهادة واحدة عرضها عليه النبي
    صلى الله عليه وآله وسلم المتجلية في كلمة
    الإخلاص، ولعلّ جوابه أنه لم يقل فيها ّ[محمّد
    رسول الله] لأنّ الكلمتين صارتا كالكلمة الواحدة،
    ويحتمل - أيًضًا - أن يكون أبو طالب متحقِّقًا أنه
    رسول الله، غير أنه لم يقر بالتوحيد، فاقتصر على
    أمره له بقول: "لا إله إلاّ الله" فإذا أقرّ
    بالتوحيد لم يتوقف على الشهادة بالرسالة. [انظر:
    فتح الباري لابن حجر: 7/196].








    ١٠
    -

    في الحديث منع قتل من قال: "لا إله إلاّ الله" ولو
    لم يزد عليها، وعلى الصحيح من المذاهب أنه لا يصير
    مسلمًا بمجرّد قوله ذلك، بل يجب الكفّ عن قتله حتى
    يختبر، فإن شهد بالرسالة والتزم بأحكام الإسلام
    حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء لقوله:
    "إلاّ بحقّ الإسلام" قال ابن حجر في "الفتح"
    [12/279]: "قال البغوي: إنّ الكافر إذا كان
    وثنيًّا أو ثنويًّا لا يقرّ بالوحدانية، فإذا قال:
    "لا إله إلاّ الله" حكم بإسلامه، ثمّ يجبر على على
    قبول جميع أحكام الإسلام، ويبرأ من كلّ دين خالف
    دين الإسلام.




    أمّا من كان مقرًّا بالوحدانية، منكرًا للنبوة
    فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: "محمّد رسول الله"
    فإن كان يعتقد أنّ الرسالة المحمّدية للعرب خاصّة،
    فلا بدّ أن يقول: إلى جميع الخلق، فإن كان كفر
    بجحود واجب، واستباحةِ محرم فيحتاج أن يرجع عما
    اعتقده".








    ١
    ١-

    وفي قوله: "وحسابهم على الله" معناه فيما
    يستسرُّون به دون ما يُخِلُّون به من الأحكام
    الواجبة عليهم في الظاهر، فإن أخلوا بشيء مما
    يلزمهم في الظاهر يطالبون بموجبه. قال الخطابي في
    معالم السنن [2/206]: "وفيه دليل أنّ الكافر
    المستسر بكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهره الإسلام
    وتقبل توبته إذا أظهر الإنابة من كفر علم بإقراره
    إن كان يستسر به وهو قول أكثر أهل العلم، وذهب
    مالك بن أنس إلى أنّ توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى
    ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل".




    قال ابن حجر في الفتح [12/280]: "ومحلّ الخلاف
    إنما هو فيمن اطلع على معتقده الفاسد فأظهر الرجوع
    هل يقبل منه أو لا ؟ وأما من جهل أمره فلا خلاف في
    إجراء الأحكام الظاهرة عليه".




    هذا، وإذا كانت الأحكام تجري على الظاهر والله
    يتولى السرائر، فإنّ من أظهر شعار الدين أجري عليه
    حكمه وإن لم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون
    فيما بين قتلى غُلْفٍ، عزل عنهم في المدفن، ولو
    وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه، وفي الحديث
    أحكام وفوائد أخرى. [انظر: شرح السنّة للبغوي:
    1/70، شرح مسلم للنووي: 1/212، فتح الباري لابن
    حجر 12/279].








    ١٢
    -

    حديث متفق عليه: أخرجه البخاري في "الزكاة"
    [3/262] باب وجوب الزكاة، وفي استتابة المرتدين
    12/275 باب قتل من أبى قبول الفرائض، وفي الاعتصام
    [13/250] باب الاقتداء بسنن الرسول صلى الله عليه
    وآله وسلم، ومسلم في الإيمان [1/200] باب الأمر
    بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله، من
    حديث أبي هريرة رضي الله عنه واللفظ لمسلم.








    ١٣
    -

    قال ابن حجر في "الفتح" [1/77]: فإن قيل: مقتضى
    الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك
    قتال مؤدي الجزية والمعاهد ؟ فالجواب من أوجه:




    -
    أحدها: دعوى النسخ بأن يكون الإذن بأخذ الجزية
    والمعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه
    متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ [التوبة: 5].




    - ثانيها: أن يكون من العام الذي خصّ منه
    البعض، لأنّ المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا
    تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم.




    ثالثها: أن يكون من العام الذي أريد به الخاص،
    فيكون المراد بالناس في قوله: "أقاتل الناس" أي
    المشركين من غير أهل الكتاب، ويدلّ عليه رواية
    النسائي بلفظ: "أمرت أن أقاتل المشركين". [أخرجه
    النسائي في تحريم الدماء [7/75] من حديث أنس بن
    مالك رضي الله عنه].








    ١٤
    -

    إنّ فهم الخطاب يستدعي القدرة على الفهم، ولا
    يتأتى إلاّ بسلامة العقل وكماله وارتفاع العوارض
    المانعة من إدراكه وقصد الامتثال والطاعة يستدعي
    القدرة على القصد ولا يتأتى إلاّ بالفهم والعلم،
    وعليه فلا تعتبر الشهادة إلاّ لمن تكلم بها عارفًا
    لمعناها عاملاً بمقتضاها ظاهرًا وباطنًا، وقوله:
    "حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله.." والتلفظ
    بالشهادتين لكونهما صارت علمًا على ذلك، وقد تقدّم
    معنى لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله" قال ابن
    تيمية - رحمه الله - في "مجموع الفتاوى" [10/263]:
    "إنّ جميع الدين داخل في الشهادتين"، إذ مضمونهما
    أن لا نعبد إلاّ الله، وأن نطيع رسوله، و"الدين"
    كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله وطاعة
    رسوله، وكلّ ما يجب أو يستحب داخل في طاعة الله
    والرسول".








    ١٥
    -

    أخرجه مسلم في "الإيمان" [1/210] باب الأمر بقتال
    الناس حتى يقولوا: "لا إله إلاّ الله محمّد رسول
    الله"، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومقصود
    المصنف أنه لا يكفي النطق بكلمتي الشهادة، بل لا
    بد من أن يكون عارفًا لمعناها، عاملاً بمقتضاها
    ظاهرًا وباطنًا، فلا يكفي المقر بالتوحيد أن يقول:
    لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدًا رسول الله، ويقيم
    الصلاة ويؤتي الزكاة، بل لا بد مع هذا من الإيمان
    بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله
    وسلم، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر،
    واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلاّ
    بما شرع، وأن يعظم أمره ونهيه فلا يقدم عليه قول
    أحد كائنًا من كان كما جاء في هذه الرواية:
    "ويؤمنوا بي، وبما جئت به".








    ١٦
    -

    حاصل القصة التي استدلّ بها المصنّف: أنّ خالد بن
    الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم
    قومًا فقالوا: "صبأنا" وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل
    خالد ذلك منهم، وقتلهم بناءً على ظاهر اللفظ، فبلغ
    النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك فأنكره،
    فدلّ على أنه يكتفي من كل قوم بما يعرف من لغتهم،
    ولهذا بوّب لها البخاري [6/274] باب: "إذ قالوا
    صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا، وقال عمر: إذا قال:
    مَتَّرس فقد آمنه، إنّ الله يعلم الألسنة كلها"،
    قال ابن المنير: مقصود الترجمة أنّ المقاصد تعتبر
    بأدلّتها كيفما كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية
    بأي لغة كانت" [فتح الباري لابن حجر: 6/274].








    ١٧
    -

    نسبة إلى جذيمة بن عامر بن عبد مَناة بن كِنانة
    [جمهرة أنساب العرب لابن حزم: 187].








    ١٨
    -

    هو الصحابي أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن
    الخطاب العدوي المدني الفقيه، أحد الأعلام في
    العلم والعمل ولد بعد المبعث بيسير، واستصغر يوم
    أحد، وأول مشاهده الخندق، وهو من أهل بيعة
    الرضوان، ومن المكثرين من رواية الحديث، وأحد
    العبادلة، وكان من أشدّ الناس اتباعًا للأثر، وله
    فضائل ومناقب جمة، منها ثناؤه صلى الله عليه وآله
    وسلم عليه، ووصفه بالصلاح، توفي سنة [73ﻫ].




    [انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد:
    [2/373 - 4/142]، التاريخ الكبير للبخاري: [5/2،
    125]، الاستيعاب لابن عبد البر: [3/950]، وفيات
    الأعيان لابن خلكان: [3/28]، أسد الغابة لابن
    الأثير: [3/227]، جامع الأصول لابن الأثير:
    [9/64]، البداية والنهاية لابن كثير: [9/4]، سير
    أعلام النبلاء للذهبي [3/203]، مرآة الجنان
    لليافعي: [1/154]، الإصابة لابن حجر: [2/347]،
    طبقات الحفاظ للسيوطي: [18]، الرياض المستطابة
    للعامري: [194].








    ١٩
    -

    هو الصحابي أبو سليمان خالد بن الوليد بن
    المغيرة القرشي المخزومي المكي رضي الله عنه سيف
    الله تعالى، وفارس الإسلام، وليث المشاهد، وهو ابن
    أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، مناقب خالد
    رضي الله عنه غزيرة، وفتوحاته وشجاعته معلومة
    بالاستفاضة، توفي بحمص سنة [21ﻫ]. [انظر ترجمته
    في: المعارف لابن قتيبة: 19، 29، الجرح والتعديل
    لابن أبي حاتم: [3/356]، الاستيعاب لابن عبد البر:
    [2/427]، أسد الغابة لابن الأثير: [2/93]، سير
    أعلام النبلاء للذهبي [1/366]، البداية والنهاية
    لابن كثير: [7/113]، تهذيب التهذيب لابن حجر:
    [3/124]، الإصابة لابن حجر: [2/413]، شذرات الذهب
    لابن العماد: [1/232]، الرياض المستطابة للعامري: [62].








    ٢٠
    -

    جملة [حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ
    خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا
    أَسِيرَهُ] ساقطة، ويومٌ بالتنوين أي: من الأيام،
    وكان تامّة.








    ٢١
    -

    قال الخطّابي: "الحكمة في تبرئه صلى الله عليه
    وآله وسلم من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك
    لكونه مجتهدًا: أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك
    خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينـزجر غير
    خالد بعد ذلك عن مثل فعله" [فتح الباري لابن حجر:
    13/182]، وقال أيضًا: أنكر عليه العجلة وترك
    التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم
    صبأنا" [فتح الباري لابن حجر: 8/57]، وقال ابن
    تيمية في منهاج السنّة [4/487]: "لأنّ الأمير إذا
    جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك، وأُقر على
    ولايته، ولم يكن خالد معاندًا للنبي صلى الله عليه
    وآله وسلم بل كان مطيعًا له، ولكن لم يكن في الفقه
    في الدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية"،
    وقال ابن حجر في "الفتح" [13/182] والذي يظهر أنّ
    التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم صاحبه، ولا إلزامه
    الغرامة، فإن إثم المخطئ مرفوع، وإن كان فعله ليس
    بمحمود".








    ٢٢
    -

    أخرجه البخاري [6/274] كتاب الجزية، باب
    إذا قالوا صبأنا ولم يحسنوا أسلمنا. [8/56] كتاب
    المغازي باب: بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم
    خالد بن الوليد إلى بني جذيمة [11/141] كتاب
    الدعوات، باب: رفع الأيدي في الدعاء [13/181]، في
    كتاب الأحكام، باب: إذا قضى الحاكم بجَور أو خلاف
    أهل العلم فهو ردّ.




    كما أخرجه أحمد في مسنده: [2/150] والنسائي
    [8/236] في كتاب آداب القضاة، باب الرد على الحاكم
    إذا قضى بغير حقّ، كلهم من طريق الزهري عن سالم عن
    أبيه رضي الله عنهم.








    ٢٣
    -

    هو أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي،
    أمير المؤمنين في الحديث، شهد له الأئمة بعلو
    مَنْزلته وعظيم قدره، فأخباره مع شيوخه وأهل
    العلم، وأخبار حفظه وإتقانه كثيرة، له رحلتان، روى
    عن الإمام أحمد وغيره، وروى عنه مسلم والترمذي
    والنسائي وسواهم، شهرته تقوم على كتابه "الجامع
    الصحيح"، وقد اتفقت الأمّة على أنه أصحّ كتب الدين
    بعد المصحف الكريم، وللبخاري تصانيف أخرى منها:
    "التاريخ الكبير" و"التاريخ الأوسط" و"التاريخ
    الصغير" و"الأدب المفرد" و"الكنى"، توفي رحمه الله
    تعالى سنة [256ﻫ]. [انظر ترجمته في:




    الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: [7/191] تاريخ
    بغداد للخطيب البغدادي: [2/4، 33]، وفيات الأعيان
    لابن خلّكان: [4/188]، اللباب لابن الأثير:
    [1/152]، دول الإسلام للذهبي: [1/155]، سير أعلام
    النبلاء للذهبي: [12/391]، البداية والنهاية لابن
    كثير: [11/24، 26]، التهذيب لابن حجر: [9/47]،
    طبقات المفسرين للداودي [2/104]، مرآة الجنان
    لليافعي [2/167]، شذرات الذهب لابن العماد
    [2/134]، الأعلام للزركلي [6/258]، معجم المؤلفين
    لكحالة [3/130]، الفضل المبين للقاسمي: [119]،
    الفكر السامي للحجوي: [2/80]، التراث العربي
    لسزكين: [1/173].













    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:21

    تاسِعًا: وَلاَ يَكْفِي النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَفَهْمُ مَعْنَاهُمَا إِلاَّ مَعَ التَّصْدِيقِ التَّامِّ وَالاِعْتِقَادِ الجَازِمِ بِهِ(١- فأصل الشهادة أنه يواطئ اللسان القلب، هذا بالنطق وذلك بالاعتقاد الجازم، فلا بد من التلازم بين الظاهر والباطن، فالظاهر دليل على إيمان القلب ثبوتًا وانتفاءً، وهو عنوان الباطن، وقد أفصح عن هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بيان أنّ الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب: من اعتقادات وإرادات وغيرها، وأمور ظاهرة: من أقوال أو أفعال: عبادات كانت أو عادات، حيث قال رحمه الله في: «الاقتضاء» [1/92]: «وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإنّ ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعورًا وأحوالاً». وقد ساير هذا المعنى أبو إسحاق الشاطبي عند بيانه أنّ المسبّبات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة والاعوجاج، حيث قال -رحمه الله- في «الموافقات» [1/233]: «فمن التفت إلى المسبّبات من حيث كانت علامة على الأسباب في الصحة أو الفساد، لا من جهة أخرى، فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على وزان ما شُرع أو على خلاف ذلك، ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلاً على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرمًا حكم على الباطن بذلك، أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًّا». هذا وقد استدلّ المصنّف على ذلك بما أكذب الله تعالى المنافقين وفضحهم بقوله: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، لأنه لم يواطئ قلوبهم ألسنتهم على تصديق رسول الله واعتقادهم أنه غير رسول، فهم كاذبون عند الله وعند من عرف حالهم، أو كاذبون عند أنفسهم، ذلك «لأنّ الشهادة أخصُّ من الخبر، ولأنهم ضمنوا شهادتهم التأكيد المشعر بالقسم الموحي بمطابقة القول لما في القلب ولا سيما في مقام الإيمان والتصديق، فأكذبهم الله في كون إخبارهم بصورة الشهادة، والحال أنهم لم يأتوا بالشهادة على وجهها: وهو عدم مطابقتها لاعتقادهم» [تتمة الأضواء لعطية محمّد سالم: 4/321]. قلت: وحال المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر تجري عليه أحكام الإسلام باعتبار ظاهره الذي أقرّ به في أحكام الدنيا، أمّا الحكم الأخروي فهو معدود من الكافرين. [انظر: الأم للشافعي: 1/295، 260، 6/157، 165، ومجموع الفتاوى لابن تيمية: 7/620، 621]. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾(٢- جزء آية 19 من سورة محمّد. هذا، والعلم المطلوب يلزم معه إقرار القلب ومعرفته والعمل بمقتضاه، والمراد بالعلم في الآية هو علم التوحيد، معرفته لازمة عينًا على كلّ فرد لا يسقط عن أحد كائنًا من كان، بل الكلّ مضطر إليه، ومسالك العلم بأنه: «لا إله إلاّ الله» وطرقه الموصلة إليه تعرض إليها المصنّف -كما سيأتي- والعلم مطلوب قبل القول والعمل، وقد بوّب له البخاري بذلك مستدلاًّ بالآية، قال ابن المنير: أراد أنّ العلم شرط في صحّة القول والعمل، فلا يعتبران إلاّ به، فهو متقدم عليهما، لأنه مصحّح للنية المصحّحة للعمل، فنبّه المصنّف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: «إن العلم لا ينفع إلاّ بالعمل» تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه». [فتح الباري لابن حجر: 1/160] )، وَلِقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾(٣- الآية: 1 من «سورة المنافقون». والآية تضمّنت أمر المنافق من اختلاف بين ظاهره وباطنه، إذ ما يستقرّ في القلب لا بد من ظهور موجبه في القول والعمل كما قال بعض السلف: «ما أسرّ أحد سريرة إلاّ أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه»، وقد قال تعالى -في المنافقين-: ﴿وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمّد: 30]، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/620]: «وأساس النفاق الذي بني عليه، وأن المنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10]، وقال: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] وأمثال ذلك كثير، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، وقال: ﴿لَّيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ـ إلى قوله تعالى ـ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]» ).

    عَاشِرًا: مَنْ حَصَلَ لَهُ اليَقِينُ بِإِخْبَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَفَاهُ ذَلِكَ اليَقِينُ لِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ(٤- هو ضمام بن ثعلبة من بني سعد بن بكر، قدم وافدًا على قومه سنة تسع من الهجرة، وسأل النبي صلى الله وعليه وآله وسلم عن شرائع الإسلام فأسلم ثمّ رجع إلى قومه وأظهر إسلامه، فما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل مشرك ولا امرأة مشركة، فما سمع بوافد قدم أفضل من ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه. انظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر: 2/751، البداية والنهاية لابن كثير: 5/60، أسد الغابة لابن الأثير: 3/42، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 2/290، الإصابة لابن حجر: 2/210 ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ أَنَسُ(٥- هو الصحابي أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري المدني ثمّ البصري، خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحد المكثرين من الرواية عنه، كان عالِمًا مقرئًا محدّثًا، له فضائل، وكان آخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم سنة 93ﻫ. انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد: 7/17، المعارف لابن قتيبة: 308، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 2/286، الاستيعاب لابن عبر البر: 1/109، البداية والنهاية لابن كثير: 9/88، سير أعلام النبلاء للذهبي: 3/395، الإصابة لابن حجر: 1/71، الرياض المستطابة للعامري: 33 ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَل فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ، ثمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقُلْنَا(٦- عند البخاري ]1/148]: «وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ»): هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِىءُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟(٧- فيه نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين: أنـا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب [فتح الباري لابن حجر: 1/153] ) فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ تَعَالَى(٨- في قوله: «أنشدك بالله» دليل على جواز القراءة والعَرْض على المحَدِّث، ثمّ الرواية عنه كما سمع منه، وهو قول جماعة من أئمة الحديث وأهل العلم. [شرح السنة للبغوي: 1/14]. ولفظ «تعالى» في المواضع الثلاثة من نص المصنّف مزيدة لا توجد في الروايات المخرّجة )، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ(٩- هم بنو سعد بن بكر بن هوازن ومنهم: حليمة السعدية ظئر النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أرضعته وأولادها: عبد الله، وأنيسة، والشَّيماء إخوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من الرضاعة، وقد جاءت الشَّيماء يوم حنين فطرح لها ناحية ردائه، وأعتق لها سبي قومها أجمعين. [انظر: الاشتقاق لابن دريد: 291، جمهرة أنساب العرب لابن حزم: 265، نهاية الأرب للقلقشدي: 268])»(١٠- وفي الحديث جملة من الفوائد والأحكام ذكرها النووي وابن حجر، أمّا ما يتّصل بهذا الموضوع فقال النووي في «شرح مسلم» [1/171]: «ففي هذا الحديث دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أنّ العوام المقلّدين مؤمنون وأنه يكتفى منهم بمجرّد اعتقاد الحقّ جزمًا من غير شكّ وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة وذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ومجرّد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية». قلت: وقد مضى بيانه مفصّلاً في القاعدة السادسة). رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا(١١- أخرجه البخاري في «العلم»: 1/148 باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ومسلم في «الإيمان»: 1/169 باب السؤال عن أركان الإسلام، وأبو داود في «الصلاة»: 1/326 باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد، والبغوي في «شرح السنّة»: 1/12 من كتاب الإيمان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه).

    الحَادِي عَشَرَ: يَجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ مَعَ تَصْدِيقِهِ وَجَزْمِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي آيَاتِ اللهِ، وَيَسْتَعْمِلَ عَقْلَهُ لِلْفَهْمِ(١٢- والمصنّف أراد بوجوب النظر -بعد تحصيل الإيمان والتصديق والاعتقاد الجازم- ذلك النظر المفيد للعلم المبني على دليل ينفع ويحصل به الهدى وهو قائم على التفكر والاعتقاد والاستحضار، وهي ضروب ذكر القلب: - فالقرآن الكريم يأمر بالتدبر في عظمة الله وجلاله، وفي جبروته وملكوته، وفي خلقه وتدبيره، والتفكير في آياته في أرضه وسماواته وجميع مخلوقاته، ويرشد إلى التأمّل في أنواع آلائه وعظيم نعمائه على خلقه عامة وعلى الإنسان خاصة بما سخر له منها وما يسَّر له من أسباب الانتفاع بها والاعتبار لما يعطيه من الثواب لأوليائه المؤمنين من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به التي تدلّ على التوحيد أعظم دلالة، والتي تبين وحدانيته في الربوبية وانفراده بالألوهية أتمّ بيان، وهذا الضرب هو أعظم الأذكار وأجلّها وأولاها وأحسنها، لأنّ العقيدة لا تثبت إلاّ بهذا التفكير، وبه يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد، ويحصل للناظر طمأنينة اليقين بحيث يكون كالجبال الراسيات لا تزلزله الشبه والخيالات، بل لا يزداد -على تكرر الباطل والشبه- إلاّ نموًّا وكمالاً، قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. - أمّا الاعتقاد فهو متفرع عن التفكير والاعتبار: وهو الاعتقاد الجازم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كلّه بالفهم والإدراك الصحيح، فهو اعتقاد يرسخ في النفوس وينطبع في العقول. - وأمّا استحضار عظمة الله وقدرته وفضله ووعده ووعيده وما ينبغي فعله استحقاقًا له فيما أذن فيه بقلب خالص لوجهه الكريم فهو أساس التقوى وسرّ الخشية، ولا يستمر دوامه إلاّ إذا كان قائمًا على عقيدة راسخة متولدة عن اطمئنان القلب ويقينه، لذلك كان الاستحضار متوقّفًا على الاعتقاد الجازم وعلى التأمل والتفكير الذي هو طريق العلم الذي يوجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال. فالعلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته، وتحصيل مقتضاه قولاً وعملاً )، كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الوَاجِبَاتِ فِي الإِسْلاَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(١٣- جزء من آية 101 من سورة «يونس». ومعنى الآية: إنّ الله يرشد عباده بالتفكر في آلائه، والاعتبار فيما خلق في السماوات والأرض والتأمّل لما فيها من الآيات الباهرة لذوي الألباب، الدالة على عظيم خالقها وكماله، وأنه المستحقّ للعبودية وحده لا شريك له، وقد أشار لمثل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصّلت: 53]، وقد توعّد سبحانه وتعالى من لم يمتثل لهذا الأمر بأنه قد يفاجؤه الموت ويقترب أجله قبل النظر فيما أمر الله أن ينظر فيه وهو في غفلة معرض فلا يتمكّن من استدراك الفارط، ففيه تنبيه على وجوب المبادرة في الامتثال إلى أمر الله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أََن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 185]. والظاهر أنّ هذه وغيرها التي استدلّ بها المصنّف على وجوب النظر والاستدلال إنما يحتجّ بها على الوجوب لمن طرأ على فطرته ما يفسدها أو يعكّر صفوها، أمّا غيره فالمعرفة حاصلة له بأصل الفطرة، لكن يستحبّ له النظر ويرغب فيه تثبيتًا للأصل وتفاديًا لأي طارئ مفسد على الفطرة أو معكّر لها )، ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾(١٤- آية 5 من سورة «الطارق»)، ﴿فَلْينَظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾(١٥- آية 24 من سورة «عبس»)، ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ؟ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ؟ وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ؟ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ؟﴾(١٦- آية 17، 18، 19، 20 من سورة «الغاشية»)(١٧- اقتصر المصنّف في استدلاله بالآيات على وجوب النظر بنوع طريق علم واحد الموصل إلى توحيد الله سبحانه، المتمثّل فيما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدلّ على التوحيد أعظم دلالة، وتشهد بلسان حالها على لطف صنعته وبديع حكمته وغرائب خلقه. غير أنه توجد أنواع طرق علم أخرى ترشد لتوحيده عزّ وجلّ، وأعظمها: تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله فإنها توجب تعلّق القلب به ومحبّته والتأله له وحده لا شريك له –كما تقدّم بيانه-. [انظر تفسير السعدي: 864] ).



    ۱- فأصل الشهادة أنه يواطئ اللسان القلب، هذا بالنطق وذلك بالاعتقاد الجازم، فلا بد من التلازم بين الظاهر والباطن، فالظاهر دليل على إيمان القلب ثبوتًا وانتفاءً، وهو عنوان الباطن، وقد أفصح عن هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بيان أنّ الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب: من اعتقادات وإرادات وغيرها، وأمور ظاهرة: من أقوال أو أفعال: عبادات كانت أو عادات، حيث قال رحمه الله في: «الاقتضاء» [1/92]: «وهذه الأمور الباطنة والظاهرة بينهما ارتباط ومناسبة، فإنّ ما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجب أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال يوجب للقلب شعورًا وأحوالاً».

    وقد ساير هذا المعنى أبو إسحاق الشاطبي عند بيانه أنّ المسبّبات في العادة تجري على وزان الأسباب في الاستقامة والاعوجاج، حيث قال -رحمه الله- في «الموافقات» [1/233]: «فمن التفت إلى المسبّبات من حيث كانت علامة على الأسباب في الصحة أو الفساد، لا من جهة أخرى، فقد حصل على قانون عظيم يضبط به جريان الأسباب على وزان ما شُرع أو على خلاف ذلك، ومن هنا جعلت الأعمال الظاهرة في الشرع دليلاً على ما في الباطن، فإن كان الظاهر منخرمًا حكم على الباطن بذلك، أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك أيضًا، وهو أصل عام في الفقه وسائر الأحكام العاديات والتجريبيات، بل الالتفات إليها من هذا الوجه نافع في جملة الشريعة جدًّا».

    هذا وقد استدلّ المصنّف على ذلك بما أكذب الله تعالى المنافقين وفضحهم بقوله: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، لأنه لم يواطئ قلوبهم ألسنتهم على تصديق رسول الله واعتقادهم أنه غير رسول، فهم كاذبون عند الله وعند من عرف حالهم، أو كاذبون عند أنفسهم، ذلك «لأنّ الشهادة أخصُّ من الخبر، ولأنهم ضمنوا شهادتهم التأكيد المشعر بالقسم الموحي بمطابقة القول لما في القلب ولا سيما في مقام الإيمان والتصديق، فأكذبهم الله في كون إخبارهم بصورة الشهادة، والحال أنهم لم يأتوا بالشهادة على وجهها: وهو عدم مطابقتها لاعتقادهم» [تتمة الأضواء لعطية محمّد سالم: 4/321].

    قلت: وحال المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر تجري عليه أحكام الإسلام باعتبار ظاهره الذي أقرّ به في أحكام الدنيا، أمّا الحكم الأخروي فهو معدود من الكافرين. [انظر: الأم للشافعي: 1/295، 260، 6/157، 165، ومجموع الفتاوى لابن تيمية: 7/620، 621].

    ۲- جزء آية 19 من سورة محمّد.

    هذا، والعلم المطلوب يلزم معه إقرار القلب ومعرفته والعمل بمقتضاه، والمراد بالعلم في الآية هو علم التوحيد، معرفته لازمة عينًا على كلّ فرد لا يسقط عن أحد كائنًا من كان، بل الكلّ مضطر إليه، ومسالك العلم بأنه: «لا إله إلاّ الله» وطرقه الموصلة إليه تعرض إليها المصنّف -كما سيأتي- والعلم مطلوب قبل القول والعمل، وقد بوّب له البخاري بذلك مستدلاًّ بالآية، قال ابن المنير: أراد أنّ العلم شرط في صحّة القول والعمل، فلا يعتبران إلاّ به، فهو متقدم عليهما، لأنه مصحّح للنية المصحّحة للعمل، فنبّه المصنّف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: «إن العلم لا ينفع إلاّ بالعمل» تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه». [فتح الباري لابن حجر: 1/160].

    ۳- الآية: 1 من «سورة المنافقون».

    والآية تضمّنت أمر المنافق من اختلاف بين ظاهره وباطنه، إذ ما يستقرّ في القلب لا بد من ظهور موجبه في القول والعمل كما قال بعض السلف: «ما أسرّ أحد سريرة إلاّ أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه»، وقد قال تعالى -في المنافقين-: ﴿وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمّد: 30]، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/620]: «وأساس النفاق الذي بني عليه، وأن المنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10]، وقال: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] وأمثال ذلك كثير، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، وقال: ﴿لَّيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ـ إلى قوله تعالى ـ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]».

    ٤- هو ضمام بن ثعلبة من بني سعد بن بكر، قدم وافدًا على قومه سنة تسع من الهجرة، وسأل النبي صلى الله وعليه وآله وسلم عن شرائع الإسلام فأسلم ثمّ رجع إلى قومه وأظهر إسلامه، فما أمسى ذلك اليوم في حاضره رجل مشرك ولا امرأة مشركة، فما سمع بوافد قدم أفضل من ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه.

    انظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر: 2/751، البداية والنهاية لابن كثير: 5/60، أسد الغابة لابن الأثير: 3/42، الكامل في التاريخ لابن الأثير: 2/290، الإصابة لابن حجر: 2/210.

    ٥- هو الصحابي أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي النجاري المدني ثمّ البصري، خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحد المكثرين من الرواية عنه، كان عالِمًا مقرئًا محدّثًا، له فضائل، وكان آخر من مات بالبصرة من الصحابة رضي الله عنهم سنة 93ﻫ.

    انظر ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد: 7/17، المعارف لابن قتيبة: 308، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 2/286، الاستيعاب لابن عبر البر: 1/109، البداية والنهاية لابن كثير: 9/88، سير أعلام النبلاء للذهبي: 3/395، الإصابة لابن حجر: 1/71، الرياض المستطابة للعامري: 33.

    ٦- عند البخاري ]1/148]: «وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ».

    ٧- فيه نسبة الشخص إلى جدّه إذا كان أشهر من أبيه، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين:

    أنـا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

    [فتح الباري لابن حجر: 1/153].

    ۸- في قوله: «أنشدك بالله» دليل على جواز القراءة والعَرْض على المحَدِّث، ثمّ الرواية عنه كما سمع منه، وهو قول جماعة من أئمة الحديث وأهل العلم. [شرح السنة للبغوي: 1/14].

    ولفظ «تعالى» في المواضع الثلاثة من نص المصنّف مزيدة لا توجد في الروايات المخرّجة.

    ٩- هم بنو سعد بن بكر بن هوازن ومنهم: حليمة السعدية ظئر النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي أرضعته وأولادها: عبد الله، وأنيسة، والشَّيماء إخوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من الرضاعة، وقد جاءت الشَّيماء يوم حنين فطرح لها ناحية ردائه، وأعتق لها سبي قومها أجمعين. [انظر: الاشتقاق لابن دريد: 291، جمهرة أنساب العرب لابن حزم: 265، نهاية الأرب للقلقشدي: 268].

    ۱۰- وفي الحديث جملة من الفوائد والأحكام ذكرها النووي وابن حجر، أمّا ما يتّصل بهذا الموضوع فقال النووي في «شرح مسلم» [1/171]: «ففي هذا الحديث دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أنّ العوام المقلّدين مؤمنون وأنه يكتفى منهم بمجرّد اعتقاد الحقّ جزمًا من غير شكّ وتزلزل، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة وذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرّر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ومجرّد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية». قلت: وقد مضى بيانه مفصّلاً في القاعدة السادسة.

    ۱۱- أخرجه البخاري في «العلم»: 1/148 باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ومسلم في «الإيمان»: 1/169 باب السؤال عن أركان الإسلام، وأبو داود في «الصلاة»: 1/326 باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد، والبغوي في «شرح السنّة»: 1/12 من كتاب الإيمان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

    ۱۲- والمصنّف أراد بوجوب النظر -بعد تحصيل الإيمان والتصديق والاعتقاد الجازم- ذلك النظر المفيد للعلم المبني على دليل ينفع ويحصل به الهدى وهو قائم على التفكر والاعتقاد والاستحضار، وهي ضروب ذكر القلب:

    - فالقرآن الكريم يأمر بالتدبر في عظمة الله وجلاله، وفي جبروته وملكوته، وفي خلقه وتدبيره، والتفكير في آياته في أرضه وسماواته وجميع مخلوقاته، ويرشد إلى التأمّل في أنواع آلائه وعظيم نعمائه على خلقه عامة وعلى الإنسان خاصة بما سخر له منها وما يسَّر له من أسباب الانتفاع بها والاعتبار لما يعطيه من الثواب لأوليائه المؤمنين من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به التي تدلّ على التوحيد أعظم دلالة، والتي تبين وحدانيته في الربوبية وانفراده بالألوهية أتمّ بيان، وهذا الضرب هو أعظم الأذكار وأجلّها وأولاها وأحسنها، لأنّ العقيدة لا تثبت إلاّ بهذا التفكير، وبه يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد، ويحصل للناظر طمأنينة اليقين بحيث يكون كالجبال الراسيات لا تزلزله الشبه والخيالات، بل لا يزداد -على تكرر الباطل والشبه- إلاّ نموًّا وكمالاً، قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

    - أمّا الاعتقاد فهو متفرع عن التفكير والاعتبار: وهو الاعتقاد الجازم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كلّه بالفهم والإدراك الصحيح، فهو اعتقاد يرسخ في النفوس وينطبع في العقول.

    - وأمّا استحضار عظمة الله وقدرته وفضله ووعده ووعيده وما ينبغي فعله استحقاقًا له فيما أذن فيه بقلب خالص لوجهه الكريم فهو أساس التقوى وسرّ الخشية، ولا يستمر دوامه إلاّ إذا كان قائمًا على عقيدة راسخة متولدة عن اطمئنان القلب ويقينه، لذلك كان الاستحضار متوقّفًا على الاعتقاد الجازم وعلى التأمل والتفكير الذي هو طريق العلم الذي يوجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال. فالعلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته، وتحصيل مقتضاه قولاً وعملاً.

    ۱۳- جزء من آية 101 من سورة «يونس».

    ومعنى الآية: إنّ الله يرشد عباده بالتفكر في آلائه، والاعتبار فيما خلق في السماوات والأرض والتأمّل لما فيها من الآيات الباهرة لذوي الألباب، الدالة على عظيم خالقها وكماله، وأنه المستحقّ للعبودية وحده لا شريك له، وقد أشار لمثل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصّلت: 53]، وقد توعّد سبحانه وتعالى من لم يمتثل لهذا الأمر بأنه قد يفاجؤه الموت ويقترب أجله قبل النظر فيما أمر الله أن ينظر فيه وهو في غفلة معرض فلا يتمكّن من استدراك الفارط، ففيه تنبيه على وجوب المبادرة في الامتثال إلى أمر الله، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أََن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 185].

    والظاهر أنّ هذه وغيرها التي استدلّ بها المصنّف على وجوب النظر والاستدلال إنما يحتجّ بها على الوجوب لمن طرأ على فطرته ما يفسدها أو يعكّر صفوها، أمّا غيره فالمعرفة حاصلة له بأصل الفطرة، لكن يستحبّ له النظر ويرغب فيه تثبيتًا للأصل وتفاديًا لأي طارئ مفسد على الفطرة أو معكّر لها.

    ١٤- آية 5 من سورة «الطارق».

    ١٥- آية 24 من سورة «عبس».

    ١٦- آية 17، 18، 19، 20 من سورة «الغاشية».

    ١٧- اقتصر المصنّف في استدلاله بالآيات على وجوب النظر بنوع طريق علم واحد الموصل إلى توحيد الله سبحانه، المتمثّل فيما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية التي تدلّ على التوحيد أعظم دلالة، وتشهد بلسان حالها على لطف صنعته وبديع حكمته وغرائب خلقه.

    غير أنه توجد أنواع طرق علم أخرى ترشد لتوحيده عزّ وجلّ، وأعظمها: تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلاله فإنها توجب تعلّق القلب به ومحبّته والتأله له وحده لا شريك له –كما تقدّم بيانه-. [انظر تفسير السعدي: 864].



    ... يتبع ...


    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:22

    الثَّانِي عَشَرَ: النَّظَرُ الوَاجِبُ عَلَى المُكَلَّفِ هُوَ: النَّظَرُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا القُرْآنُ، كَمَا فِي الآيَاتِ المُتَقَدِّمَةِ(١- المصنِّف أرشد إلى طريق آخر من النظر والاعتبار وذلك بالنظر في كتاب الله وتدبره، لأنّ ما يحصل به النور والهدى إنما هو بذكر الله وما نزل من الحقِّ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى: 52-53]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]. غير أن الناظر في المطالب العلمية يحتاج إلى أن يظفر بالدليل الهادي للتي هي أقوم، ولا يمكنه إلا إذا وضع الكلم مواضعه، وفهم مقصود الدليل ليهتدي بالقرآن، فإذا حاد عن فهم مقصوده أو حرَّف الكلم عن مواضعه فلا ينتفع به ولا يهتدي بل يزيغ به أو يضلّ ويكون ذلك من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]، وقال تعالى: ﴿هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124-125]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44]. قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [4/39]: «إنّ الطالب للعلم بالنظر والاستدلال، والتفكّر والتدبر لا يحصل له ذلك إن لم ينظر في دليل يفيده العلم بالمدلول عليه، ومتى كان العلم مستفادًا بالنظر، فلا بُدّ أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ما لا يحتاج حصوله إلى نظر، فيكون ذلك المعلوم أصلاً وسببًا للتفكّر الذي يطلب به معلومًا آخر، ولهذا كان الذكر متعلّقًا بالله لأنه سبحانه هو الحقّ المعلوم، وكان التفكّر في مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191] ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ(٢- جزء من آية 6 من سورة التوبة)﴾(٣- قال ابن العربي في أحكام القرآن: [2/905]: «ليس يريد بقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ مجرّد الإصغاء، فيحصل العلم له بظاهر القول، وإنما أراد به فهم المقصود من دلالته على النبوة، وفهم المقصود به من التكليف، ولم يكن يخفى على العرب وجه الإعجاز فيه، وطريق الدلالة على النبوة، لكونه خارجًا عن أساليب فصاحة العرب في النظم والنثر، والخطب والأراجيز، والسجع والأمثال، وأنواع فصل الخطاب، فإن خلق الله له العلم بذلك والقبول له صار من جملة المسلمين فإن صدّ بالطبع، ومنع بالختم، وحقّ عليه بالكفر القولُ ردّ إلى مأمنه». قلت: والتدبر في القرآن العظيم والتأمّل في آياته نظمًا ومعنى، فإنه يحصل به العلم بالتوحيد -من خلال تفاصيله وجُمله- ما لا يحصل في غيره فهو أفضل الأذكار من طريق النظر، فالقرآن تضمّن الذكر القلبي بضروبه واللساني والعلمي على أكمل بيان وأوضح برهان ).

    الثَالِثُ عَشَرَ: مَنْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى إِزَالَتِهَا بِالنَّظَرِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِسُؤَالِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ(٤- الذي يجب عليه إزالة الشبهة إذا عَرَضت عليه إنما هو الشاكّ الحائر الذي لم يعرف الحقّ من الضلال، وهو مريد للهدى ومؤثر له، وصادق في طلبه، فهذا الذي إذا تبيّن له الحقّ حَرِيّ باتباعه، إذ الشرع أمر بالعلم والتعلم وسؤال أهل الذكر، ويسَّر القرآن وبيَّنه لمن صلحت نيته وحسنت سريرته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 43-44]. وهذا بخلاف الشاكّ المُعرِض عن طلب الحقّ وغير مجتهد في السعي إلى معرفته، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فهذا لا يوفّق غالبًا لمعرفة الحقّ والانتفاع به. أمّا المعاند فليس بشاكّ لأنه يترك الحقّ بعد معرفته وعلمه به، ويرضى بما هو عليه من الباطل والضلالة، فهذا يستبعد رجوعه لتركه للحقّ بعد ما تبيّن له. [تفسير السعدي: 28] )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾(٥- جزء من آية 23 من سورة البقرة)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الكِتَابَ مِن قَبْلِكَ﴾(٦- جزء من آية 94 من سورة يونس)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٧- جزء من آية 43 من سورة النحل، وآية 7 من سورة الأنبياء).

    الرَّابِعَ عَشَرَ: مَنْ وَرَدَتْ عَلَى قَلْبِه خَطَرَاتٌ(٨- الخاطر هو ما يتحرّك في القلب من رأي أو معنى لا عمل للعبد فيه، قال الجرجاني في «التعريفات» [95]: «وما كان خطابًا فهو أربعة أقسام: رباني: وهو أول الخواطر، وهو لا يخطئ أبدًا، وقد يعرف بالقوّة والتسلّط وعدم الاندفاع، وملكي: وهو الباعث على مندوب أو مفروض ويسمّى إلهامًا، ونفساني: وهو ما فيه حظّ النفس ويسمّى هاجسًا، وشيطاني: وهو ما يدعو إلى مخالفة الحقّ، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاء﴾ [البقرة: 268]». قلت: والخطاب الشيطاني الوارد على القلب الداعي لمخالفة الحقّ واتباع الضلالة والباطل هو المقصود من نصّ المؤلّف ومهمّة العدوّ الشيطاني تكمن في الوسوسة بالتشكيك والذبذبة والتردّد الذي يقع في صدر المؤمن، وهو يسعى بالفساد والإغواء، لكن يدفع خطره بالإعراض عن الإصغاء إلى وسوسته، والمبادرة إلى قطعها بالاستعاذة منه بالله تعالى وبالذكر وما ثبت في السنة الصحيحة، لأن كيد الشيطان ضعيفٌ، وأعني بالعدو الشيطاني من الجنّ. أمّا العدوّ الشيطاني من الإنس فاتقاؤه يحتاج إلى مصانعة وصبر عليه بمقابلة إساءته بالإحسان إليه حتى تذهب عداوته وتكسب صداقته كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35] [انظر تفسير ابن باديس: 49]. هذا، وعمومات التكليف من الكتاب والسنة تأمر المسلم بالعزم واليقين والثبات عليهما لأنهما سبيل النجاة من خطر الوسواس الخناس من الجِنَّة والناس، فاليقين لا يزال بالشكّ، والعزم لا يثنيه التردّد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: 159]، وامتدح الله تعالى بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، لذلك كانت كلّ التكاليف مبنية على اليقين والعزم سواء في العقائد والعبادات التي رُكْنُها النية، والشرط في النية الجزم واليقين، وكذلك المعاملات مبناها الجزم سواء كانت في المعاملات المالية أو غير المالية، فيؤاخذ في البعض في الهزل والمزاح كالنكاح والطلاق والرجعة والعتاق. فالحاصل: أن قلب المؤمن يتجرّد من مجال الشكّ ويخلو من محل الذبذبة إذا حقّق شرط التكليف المتمثّل في العزم واليقين، فالقيام بهذا الشرط قضاءٌ لنوازع الوسوسة والتردّد )، مِنْ دُوْنِ شُبْهَةٍ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(٩- آية 36 من سورة فصلت)، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ»(١٠- متفق عليه: أخرجه البخاري في «بدء الخلق»: 6/336 باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم في «الإيمان»: 2/154، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن القيم في «الفوائد» [189]: «والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام، أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها، أو في باطل، أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوي عنه علمه، فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية، ولا يقف منها على نهاية، فيجعل ذلك مجال فكره، ومسرح وهمه. وجماع إصلاح ذلك: أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز فيها، وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرّك» )، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: «فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ وَرُسُلِهِ»(١١- أخرجه مسلم في «الإيمان»: 2/153، 154 باب الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال المازري في «المُعلم» [1/313]: «ظاهر الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها، والذي يقال في هذا المعنى: إنّ الخواطر على قسمين: فأمّا التي ليست بمستقرّة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة، فكأنه كان أمرًا طارئًا على غير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له ينظر فيه. وأمّا الخواطر المستقرّة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلاّ باستدلال ونظر في إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: «لاَ عَدْوَى» مع قول الأعرابي: فما بال الإبل الصحاح تجرب بدخول الجمل الأجرب فيها، وعلم صلى الله عليه وآله وسلم أنه اغتر بهذا المحسوس وأنّ الشبهة قدحت في نفسه فأزالها عليه السلام من نفسه بالدليل، فقال له: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ» [أخرجه البخاري في «الطب»: 10/215 باب لا هامة، ومسلم في «السلام»: 14/213 باب لا عدوى ولا طيرة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] ).



    ١- المصنِّف أرشد إلى طريق آخر من النظر والاعتبار وذلك بالنظر في كتاب الله وتدبره، لأنّ ما يحصل به النور والهدى إنما هو بذكر الله وما نزل من الحقِّ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾ [الشورى: 52-53]، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16].

    غير أن الناظر في المطالب العلمية يحتاج إلى أن يظفر بالدليل الهادي للتي هي أقوم، ولا يمكنه إلا إذا وضع الكلم مواضعه، وفهم مقصود الدليل ليهتدي بالقرآن، فإذا حاد عن فهم مقصوده أو حرَّف الكلم عن مواضعه فلا ينتفع به ولا يهتدي بل يزيغ به أو يضلّ ويكون ذلك من الشيطان، قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]، وقال تعالى: ﴿هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: 124-125]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44].

    قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [4/39]: «إنّ الطالب للعلم بالنظر والاستدلال، والتفكّر والتدبر لا يحصل له ذلك إن لم ينظر في دليل يفيده العلم بالمدلول عليه، ومتى كان العلم مستفادًا بالنظر، فلا بُدّ أن يكون عند الناظر من العلم المذكور الثابت في قلبه ما لا يحتاج حصوله إلى نظر، فيكون ذلك المعلوم أصلاً وسببًا للتفكّر الذي يطلب به معلومًا آخر، ولهذا كان الذكر متعلّقًا بالله لأنه سبحانه هو الحقّ المعلوم، وكان التفكّر في مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191].

    ٢- جزء من آية 6 من سورة التوبة.

    ۳- قال ابن العربي في أحكام القرآن: [2/905]: «ليس يريد بقوله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ مجرّد الإصغاء، فيحصل العلم له بظاهر القول، وإنما أراد به فهم المقصود من دلالته على النبوة، وفهم المقصود به من التكليف، ولم يكن يخفى على العرب وجه الإعجاز فيه، وطريق الدلالة على النبوة، لكونه خارجًا عن أساليب فصاحة العرب في النظم والنثر، والخطب والأراجيز، والسجع والأمثال، وأنواع فصل الخطاب، فإن خلق الله له العلم بذلك والقبول له صار من جملة المسلمين فإن صدّ بالطبع، ومنع بالختم، وحقّ عليه بالكفر القولُ ردّ إلى مأمنه».

    قلت: والتدبر في القرآن العظيم والتأمّل في آياته نظمًا ومعنى، فإنه يحصل به العلم بالتوحيد -من خلال تفاصيله وجُمله- ما لا يحصل في غيره فهو أفضل الأذكار من طريق النظر، فالقرآن تضمّن الذكر القلبي بضروبه واللساني والعلمي على أكمل بيان وأوضح برهان.

    ٤- الذي يجب عليه إزالة الشبهة إذا عَرَضت عليه إنما هو الشاكّ الحائر الذي لم يعرف الحقّ من الضلال، وهو مريد للهدى ومؤثر له، وصادق في طلبه، فهذا الذي إذا تبيّن له الحقّ حَرِيّ باتباعه، إذ الشرع أمر بالعلم والتعلم وسؤال أهل الذكر، ويسَّر القرآن وبيَّنه لمن صلحت نيته وحسنت سريرته، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 43-44].

    وهذا بخلاف الشاكّ المُعرِض عن طلب الحقّ وغير مجتهد في السعي إلى معرفته، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فهذا لا يوفّق غالبًا لمعرفة الحقّ والانتفاع به.

    أمّا المعاند فليس بشاكّ لأنه يترك الحقّ بعد معرفته وعلمه به، ويرضى بما هو عليه من الباطل والضلالة، فهذا يستبعد رجوعه لتركه للحقّ بعد ما تبيّن له. [تفسير السعدي: 28].

    ٥- جزء من آية 23 من سورة البقرة.

    ٦- جزء من آية 94 من سورة يونس.

    ۷- جزء من آية 43 من سورة النحل، وآية 7 من سورة الأنبياء.

    ۸- الخاطر هو ما يتحرّك في القلب من رأي أو معنى لا عمل للعبد فيه، قال الجرجاني في «التعريفات» [95]: «وما كان خطابًا فهو أربعة أقسام: رباني: وهو أول الخواطر، وهو لا يخطئ أبدًا، وقد يعرف بالقوّة والتسلّط وعدم الاندفاع، وملكي: وهو الباعث على مندوب أو مفروض ويسمّى إلهامًا، ونفساني: وهو ما فيه حظّ النفس ويسمّى هاجسًا، وشيطاني: وهو ما يدعو إلى مخالفة الحقّ، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالفَحْشَاء﴾ [البقرة: 268]».

    قلت: والخطاب الشيطاني الوارد على القلب الداعي لمخالفة الحقّ واتباع الضلالة والباطل هو المقصود من نصّ المؤلّف ومهمّة العدوّ الشيطاني تكمن في الوسوسة بالتشكيك والذبذبة والتردّد الذي يقع في صدر المؤمن، وهو يسعى بالفساد والإغواء، لكن يدفع خطره بالإعراض عن الإصغاء إلى وسوسته، والمبادرة إلى قطعها بالاستعاذة منه بالله تعالى وبالذكر وما ثبت في السنة الصحيحة، لأن كيد الشيطان ضعيفٌ، وأعني بالعدو الشيطاني من الجنّ.

    أمّا العدوّ الشيطاني من الإنس فاتقاؤه يحتاج إلى مصانعة وصبر عليه بمقابلة إساءته بالإحسان إليه حتى تذهب عداوته وتكسب صداقته كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35] [انظر تفسير ابن باديس: 49].

    هذا، وعمومات التكليف من الكتاب والسنة تأمر المسلم بالعزم واليقين والثبات عليهما لأنهما سبيل النجاة من خطر الوسواس الخناس من الجِنَّة والناس، فاليقين لا يزال بالشكّ، والعزم لا يثنيه التردّد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: 159]، وامتدح الله تعالى بعض الرسل بالعزم وأمر بالاقتداء بهم قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، لذلك كانت كلّ التكاليف مبنية على اليقين والعزم سواء في العقائد والعبادات التي رُكْنُها النية، والشرط في النية الجزم واليقين، وكذلك المعاملات مبناها الجزم سواء كانت في المعاملات المالية أو غير المالية، فيؤاخذ في البعض في الهزل والمزاح كالنكاح والطلاق والرجعة والعتاق.

    فالحاصل: أن قلب المؤمن يتجرّد من مجال الشكّ ويخلو من محل الذبذبة إذا حقّق شرط التكليف المتمثّل في العزم واليقين، فالقيام بهذا الشرط قضاءٌ لنوازع الوسوسة والتردّد.

    ٩- آية 36 من سورة فصلت.

    ١٠- متفق عليه: أخرجه البخاري في «بدء الخلق»: 6/336 باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم في «الإيمان»: 2/154، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    قال ابن القيم في «الفوائد» [189]: «والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان ودخل في الوجود لو كان على خلاف ذلك، وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أو فيما يملك الفكر فيه من أنواع الفواحش والحرام، أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها، أو في باطل، أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوي عنه علمه، فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية، ولا يقف منها على نهاية، فيجعل ذلك مجال فكره، ومسرح وهمه.

    وجماع إصلاح ذلك: أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه، وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار، وفي آفات الأعمال وطرق التحرز فيها، وفي باب الإرادات والعزوم أن تشغل نفسك بإرادة ما ينفعك إرادته وطرح إرادة ما يضرّك».

    ١١- أخرجه مسلم في «الإيمان»: 2/153، 154 باب الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    قال المازري في «المُعلم» [1/313]: «ظاهر الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها، والذي يقال في هذا المعنى: إنّ الخواطر على قسمين: فأمّا التي ليست بمستقرّة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى هذا يحمل الحديث، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة، فكأنه كان أمرًا طارئًا على غير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصل له ينظر فيه.

    وأمّا الخواطر المستقرّة التي أوجبتها الشبهة فإنها لا تدفع إلاّ باستدلال ونظر في إبطالها، ومن هذا المعنى حديث: «لاَ عَدْوَى» مع قول الأعرابي: فما بال الإبل الصحاح تجرب بدخول الجمل الأجرب فيها، وعلم صلى الله عليه وآله وسلم أنه اغتر بهذا المحسوس وأنّ الشبهة قدحت في نفسه فأزالها عليه السلام من نفسه بالدليل، فقال له: «فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ» [أخرجه البخاري في «الطب»: 10/215 باب لا هامة، ومسلم في «السلام»: 14/213 باب لا عدوى ولا طيرة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].



    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:22

    بيـانُ معنى الإسلام

    الخَامِس عَشَرَ: يَجِيءُ لَفْظُ الإِسْلاَمِ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ مُرَادًا بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ العَقَائِدِ وَالأَعْمَالِ وَالأَحْكَامِ(١- يُطْلَقُ لفظُ «الإسلام» على أحكام الدِّين جميعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وكذا الآيتان المستدلّ بهما، غير أنّ المصنِّف ساق حديث ابن عمر رضي الله عنهما وليس فيه دلالة على إرادة الدِّين كلِّه، وإنما أطلق فيه لفظ «الإسلام» على بعض أحكام الدين، ولعلّ قصد المصنّف عند إيرادها في هذا المقام النظرة المآلية لهذه الأحكام فأطلق الإسلام على هذه الخمس لوجود ميزة خاصّة بها وفضل باعتبار أنها قواعد الدين والسبيل المؤدّي إلى أحكامه، بمعنى أنّ من فعلها على وجهها الصحيح مكّنه الله من فعل غيرها من فرائض الإسلام الأخرى، فكانت عنوانًا لبقية الأحكام.)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾(٢- جزء من آية 19 من سورة آل عمران.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
    ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾(٣- جزء من آية 3 من سورة المائدة.)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ…» الحديث(٤- تقدّم تخريجه.).

    السَّادِس عَشَرَ: الإِسْلاَمُ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ الدِّينُ مَعْنَاهُ الاِنْقِيَادُ للهِ تَعَالَى ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالإِخْلاَصُ لَهُ فِيهِمَا(٥- لفظ «الإسلام» يتضمّن معنى الانقياد، والطاعة، والخضوعِ مع التجرّد والتعري من الآفات المعارضة لهذا الخضوع، فالإسلام لله تعالى معناه الانقياد لأمر الله والتبرؤ من الأنداد، وهو معنى شهادة أن لا إله إلاّ الله -كما تقدّم- لذلك كان لفظ الإسلام نقيضًا للفظ «الشرك» كما أنّ الإيمان ضدّه الكفر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]، أي: أن يكون بقلبٍ سليمٍ من الأنداد والنظائر، مخلصٍ لله تعالى.) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
    ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾(٦- آية 125 من سورة النساء.)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(٧- آية 112 من سورة البقرة.)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾(٨- جزء من آية 20 من سورة آل عمران.).

    السَّابِع عَشَرَ: الدِّينُ كُلُّهُ اِنْقِيَادٌ للهِ وَإِخْلاَصٌ لَهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ إِسْلاَمًا(٩- إنّ مَن أَخْلَصَ النيةَ لله وعقدها على قَبول كلِّ ما يبلغه من عقائد الإسلام وأعماله وأحكامِه وتبرَّأ من الأنداد والشركاء فإنّ جهله ببعض معاني الإسلام لا ينفي عنه صفةَ الإسلام ولا يتأثّر بمقدار فهمه لأحكام الإسلام وشرائعه وحجم شعوره بحقائق الإيمان كالخشوع والتوكّل وغيرهما؛ لأنّ فقه هذه المعاني والحقائق إنما يتم تدريجيًّا كما لا يخرجه من الإسلام ارتكابُ المعاصي واقترافُ الذنوب إذا كان عالِمًا بصحّة أمر الله تعالى، معترفًا بسوء فِعله، قال الخطابي في «معالم السنن» [5/61]: «إنّ المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكلّ مؤمنٍ مسلم وليس كلُّ مسلم مؤمنًا.. وأصلُ الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، ولا يكون صادق الباطن غير منقاد في الظاهر». وعليه يتَّضح أنّ كلَّ من رضي بدِين الله انقيادًا وإخلاصًا وباعتقاد منه جازم فهو مسلم ولا يخرج إلى الكفر إلاّ إذا لم يستسلم في الاعتقاد لشيء من الدِّين بعد قيام الحُجَّة عليه، أو أتى بناقض من نواقض الإيمان القولية والعملية مع انتفاء المانع. ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
    ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾(١٠- آية 5 من سورة البينة.).

    الثَّامِن عَشَرَ: وَيِجِيءُ الإِسْلاَمُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ(١١- والمقصود باللسان: اللغة لا القوة النطقية القائمة بالجارحة ولا الجارحة نفسها، ومثله لسان العرب أي: لغتهم، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: 58]، ولسان الشرع: الخطاب الإلهي، وهو الحقيقة الشرعية.) أَيْضًا بِمَعْنَى الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ الدَّالَّةِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ عَلَى الانْقِيَادِ وَالإِذْعَانِ المَبْنِيَّةِ عَلَى التَّصْدِيقِ التَّامِّ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرِنِي عَنِ الإِسْلاَمِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، قَالَ جِبْرِيلُ: صَدَقْتَ»(١٢- في هذا الحديث بيّن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم معنى الإسلام والإيمان والإحسان، وجعل الإسلامَ اسمًا أطلقه لِمَا ظهر من الأعمال، والإيمان لِمَا بطن من الاعتقاد، والإحسان بمعنى الإخلاص وهو شرط في صحّة الإيمان والإسلام معًا، وهذا تفصيلٌ لجملة أحكام، كلُّها شيء واحد وهي جِماعها الدِّين، لذلك لا يفهم من هذا التفصيل أنّ الأعمالَ ليست من الإيمان، وأنّ التصديقَ بالقلب ليس من الإسلام، فالتصديق والعملُ يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا، ويدلّ عليه قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في آخر الحديث: «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» ففيه أنّ الإسلام والإيمان والإحسانَ تسمى دينًا، وقد بيّن المصنّف أنّ لفظ الإسلام قد يجيء مُرادًا به الدين كلّه الذي جاء به محمّد صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من العقائد والأعمال والأحكام. وسيأتي المزيد من التفصيل في هذه المسألة عند بيان معنى الإيمان. ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ(١٣- أخرجه مسلم في «الإيمان» [1/150] باب بيان الإسلام والإحسان، وأبوداود في «السنة» [5/69] باب القدر، والترمذي في «الإيمان» [5/6] باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الإيمان والإحسان، وابن ماجه في «المقدمة» [1/24] باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأخرجه البخاري في «الإيمان» [1/114] باب سؤال جبريل النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفي «التفسير» [8/513] باب «إنّ الله عنده علم الساعة»، ومسلم في «الإيمان» [1/161] باب إثبات القدر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ).

    التَّاسِع عَشَرَ: وَيَجِيءُ الإِسْلاَمُ بِمَعْنَى الاسْتِسْلاَمِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ إِيمَانٍ فِي القَلْبِ، وَهَذَا لاَ يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾(١٤- جزء من آية 14 من سورة الحجرات.)، وَلِحَدِيثِ سَعْدٍ(١٥- هو الصحابيُّ الجليلُ أبو إسحاقٍ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ بنِ أهيب القرشيُّ الزهريُّ المكيُّ، أحدُ السبعة السابقين بالإسلام، وأحدُ العشرةِ المبشَّرين بالجنَّة، وأحدُ الستةِ أصحابِ الشورى، شهد بدرًا وما بعدها، وله مناقبُ وفضائلُ وجملةٌ من الأحاديث، توفي سنة 55ﻫ. [انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد: 3/137، «التاريخ الكبير» للبخاري: 4/43، «المعارف لابن قتيبة»: 241، «الاستيعاب» لابن عبد البر: 2/606، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي: 1/144، «أسد الغابة» لابن الأثير: 2/290، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: 1/92، «البداية والنهاية» لابن كثير: 8/72، «الإصابة» لابن حجر: 2/33، «شذرات الذهب» لابن العماد: 1/61، «الرياض المستطابة» للعامري: 91]. ): «أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا(١٦- الرهط: هم عشيرة الرجل وأهلُه، أو قومُه وقَبيلته، والرهط: عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه، ويجمع على أَرْهُط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع. (انظر: «النهاية» لابن الأثير: 2/283، «لسان العرب» لابن منظور: 5/343).) -وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ- قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ(١٧- لفظ «فلان» كناية عن اسم مبهم، وهو الرجل المتروك العطية، واسمه: جعيل بن سراقة الضمري، سمّاه الواقدي في «المغازي» [«فتح الباري» لابن حجر: 1/80].)؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَوْ مُسْلِمًا؟ فَسَكَتُّ قَلِيلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَوْ مُسْلِمًا؟ فَسَكَتُّ قليلاً ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَالَكَ عَنْ فُلاَنٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَوْ مُسْلِمًا؟ إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ»(١٨- استدلّ المصنّف –رحمه الله- بالآية والحديث على أنّ الإسلام المعرى عن الإيمان لا ينفع صاحبَه؛ لأنّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فهو كافر، فالأعراب المذكورون في الآية منافقون؛ لأنهم مسلمون في الظاهر وهم كفار في الباطن، وهو أحد القولين المشهورين للسلف والخلف، واختاره البخاري ومحمّد بن منصور المروزي، واستظهره محمّد الأمين الشنقيطي. أمّا ما عليه جمهور أهل السنّة فيقرّرون الثواب على إسلامهم، ويخرجهم إسلامُهم من الكفر والنفاق، وهو قولٌ مرويٌّ عن الحسن وابن سيرين وإبراهيمَ النخعيِّ وأبي جعفر الباقر، وبه قال حمّاد بن زيد وأحمدُ بن حنبل وسهلُ بن عبد الله التستري وأبو طالب المكي وغيرهم، وهو الصحيح الراجح خلافًا لِمَا رجّحه المصنّف: - لأنّ الله تعالى أثبت إسلامهم ووصفهم بوصف كريم بقوله: ﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، والمعلوم أنّ الله تعالى لا يثبت إسلام أحد إلاّ إذا صحّ إسلامه وكان موجبًا ذلك لدخول الجنة، وإلحاقهم برتبة المنافقين غير سليم؛ لأنّ الله تعالى ذكر المنافقين في آيات متعدّدة ولم يقرّر إسلامهم، بل نفى عنهم الإسلام نفيًا قاطعًا، وأثبت لهم الكفر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [التوبة: 74]، وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة : 107]، وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]، وقال سبحانه في شأن المنافقين من الأعراب: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ [التوبة: 98]. - ولأنّ حرف ﴿لَمَّا﴾ في الآية ينفي به ما قرب وجوده وينتظر ويتوقّع حصوله ولو لم يوجد بعد، فالإيمان منهم منتظر، ومن دخل في الإسلام يحتاج إلى عقد النية على الإخلاص لله تعالى والاعتقاد بكلّ ما يبلغه من دين الله تعالى وما يرد في القلب من حقائق الإيمان الكثيرة إنما يثبت بالرفق والتدريج، وقد حصر الله تعالى الإيمان في آية الحجرات بأهل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله وهي مرتبة الصادقين فتعيَّن في هذا الموضع إطلاق غير الإيمان على الذين دخلوا في الإسلام ولكن لم يصلوا بَعْدُ إلى مرتبة الإيمان، ومن هنا يتبيّن أنّ الذين وُصِفُوا بالإسلام دون الإيمان قد لا يكونون كفارًا في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول؛ لأن الإسلام لا يرادف الإيمان مطلقًا ولا يخالفه مطلقًا، إذ الإسلام أوسع من الإيمان، فكُلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا، فالإيمان أخصّ من الإسلام، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعمّ، ولأنّ من الأعراب منافقون –كما تقدّم- وأنّ منهم من ليس كذلك وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 99]، وأنّ فيهم قسمًا ثالثًا ليس هو منافقًا محضًا ولا هو من المؤمنين حقًّا بل هو فاسق مِلٍّيٌّ وهو المعني في آية الحجرات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/478]: «فدلّ البيانُ على أنّ الإيمان المنفيَّ عن هؤلاء الأعرابِ هو هذا الإيمانُ الذي نفي عن فُسَّاق أهلِ القِبلة الذين لا يخلّدون في النار، بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرّة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلّد صاحبه في النار. وبتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أنّ في المسلمين قسمًا ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 4]، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًّا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعاتٌ ومعاصٍ وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار. وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الـمِلِّي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحُكمه، والخلاف فيه أولُ خلافٍ ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين». [انظر تقريرَ هذا الأصل في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/461]. «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز: 392، «أضواء البيان» للشنقيطي: 7/636]. ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١٩- أخرجه مسلم بهذا اللفظ في «الإيمان» [2/180] باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، وفي «الزكاة» [7/148] باب إعطاء المؤلفة ومن يخاف على إيمانه. والحديث أخرجه البخاري في «الإيمان» [1/79] باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، وفي «الزكاة» [3/340] باب لا يسألون الناس إلحافًا، وأبوداود في «السنة» [5/60] باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، من حديث سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه. قال ابن حجر في «الفتح» [1/80]: «ومحصل القصة أنّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان يوسع العطاء لِمَنْ أظهر الإسلام تألفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة قلوبهم وترك جعيلاً وهو من المهاجرين مع أنَّ الجميع سألوه، خاطبه سعدٌ في أمره؛ لأنه كان يرى أنّ جعيلاً أحقّ منهم لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة، فأرشده النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إلى أمرين: أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيل مع كونه أحب إليه ممّن أعطى؛ لأنه لو ترك إعطاء المؤلفة لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النار. ثانيهما: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فوضح بهذا فائدة ردّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم على سعد، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأولى، والآخر عن طريق الاعتذار». قلت: ومما وجّهت به الآية السابقة: وكذا من محصل القصة من حديث سعد رضي الله عنه يتبيّن عدم نهوض الاحتجاج بهما فيما قرّره المصنّف لأنّ نفي الإيمان المطلق لا يلزم انتفاء مطلق الإيمان. والعلم عند الله تعالى. هذا، وفي فقه الحديث ومعانيه أحكامٌ وفوائدُ ذكرها النووي في «شرح مسلم» [2/180] و[7/148] وابن حجر في «فتح الباري» [1/80] ومن بينها: ترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم ينصّ عليه، وفيه ردّ على الكرامية وغلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان، وهذا خطأ ظاهر يردّه إجماع المسلمين والنصوص في إكفار المنافقين، وفيه جواز الشفاعة عند الإمام فيما ليس بمحرّم، أو يعتقد الشافع جوازه ومراجعة المشفوع إليه أو المسئول في الأمر إذا لم يؤدّ إلى مفسدة، وأنّ الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان كما أشارت إليه رواية البخاري في «الزكاة» [3/340] «فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَارَرْتُهُ». ).



    ١- يُطْلَقُ لفظُ «الإسلام» على أحكام الدِّين جميعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، وكذا الآيتان المستدلّ بهما، غير أنّ المصنِّف ساق حديث ابن عمر رضي الله عنهما وليس فيه دلالة على إرادة الدِّين كلِّه، وإنما أطلق فيه لفظ «الإسلام» على بعض أحكام الدين، ولعلّ قصد المصنّف عند إيرادها في هذا المقام النظرة المآلية لهذه الأحكام فأطلق الإسلام على هذه الخمس لوجود ميزة خاصّة بها وفضل باعتبار أنها قواعد الدين والسبيل المؤدّي إلى أحكامه، بمعنى أنّ من فعلها على وجهها الصحيح مكّنه الله من فعل غيرها من فرائض الإسلام الأخرى، فكانت عنوانًا لبقية الأحكام.

    ٢- جزء من آية 19 من سورة آل عمران.

    ٣- جزء من آية 3 من سورة المائدة.

    أخبر الله عزّ وجلّ أنّ الدين الذي رَضِيَهُ، ويقبله من عباده هو الإسلام، وهو المنهاج الذي أسلمنا لله تعالى بالإيمان به والانقياد له، فهو دين الله الذي أرسل به جميع رسله، ولن يكون الدين في محلّ القَبول والرضى إلاّ بانضمام التصديق إلى العمل [شرح السنة للبغوي: 1/11].

    ٤- تقدّم تخريجه.

    ٥- لفظ «الإسلام» يتضمّن معنى الانقياد، والطاعة، والخضوعِ مع التجرّد والتعري من الآفات المعارضة لهذا الخضوع، فالإسلام لله تعالى معناه الانقياد لأمر الله والتبرؤ من الأنداد، وهو معنى شهادة أن لا إله إلاّ الله -كما تقدّم- لذلك كان لفظ الإسلام نقيضًا للفظ «الشرك» كما أنّ الإيمان ضدّه الكفر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]، أي: أن يكون بقلبٍ سليمٍ من الأنداد والنظائر، مخلصٍ لله تعالى.

    ٦- آية 125 من سورة النساء.

    ٧- آية 112 من سورة البقرة.

    ۸- جزء من آية 20 من سورة آل عمران.

    ٩- إنّ مَن أَخْلَصَ النيةَ لله وعقدها على قَبول كلِّ ما يبلغه من عقائد الإسلام وأعماله وأحكامِه وتبرَّأ من الأنداد والشركاء فإنّ جهله ببعض معاني الإسلام لا ينفي عنه صفةَ الإسلام ولا يتأثّر بمقدار فهمه لأحكام الإسلام وشرائعه وحجم شعوره بحقائق الإيمان كالخشوع والتوكّل وغيرهما؛ لأنّ فقه هذه المعاني والحقائق إنما يتم تدريجيًّا كما لا يخرجه من الإسلام ارتكابُ المعاصي واقترافُ الذنوب إذا كان عالِمًا بصحّة أمر الله تعالى، معترفًا بسوء فِعله، قال الخطابي في «معالم السنن» [5/61]: «إنّ المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكلّ مؤمنٍ مسلم وليس كلُّ مسلم مؤمنًا.. وأصلُ الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، ولا يكون صادق الباطن غير منقاد في الظاهر».

    وعليه يتَّضح أنّ كلَّ من رضي بدِين الله انقيادًا وإخلاصًا وباعتقاد منه جازم فهو مسلم ولا يخرج إلى الكفر إلاّ إذا لم يستسلم في الاعتقاد لشيء من الدِّين بعد قيام الحُجَّة عليه، أو أتى بناقض من نواقض الإيمان القولية والعملية مع انتفاء المانع.

    ١٠- آية 5 من سورة البينة.

    والإخلاصُ المعني في الآية هو الدِّين الذي بعث الله به الرسلَ جميعًا، وطالبتْ به الرسلُ الأممَ التي أُرسلت إليها، فكان محورَ دعوةِ الرسلِ والأنبياءِ ولُـبَّهَا؛ ذلك لأنّ اللهَ تعالى المعبودَ المتَّصفَ بصفات الجلال والكمال هو الخالقُ الهادي المنعم المتفضِّلُ بيده الأمر كلُّه، وهو على كلّ شيء قديرٌ منه المبتدأ وإليه المنتهى، وله الحمد في الأولى والآخرة، ومن اتصف بهذه الصفات فهو وحده المستحقُّ بأن يُقْصَدَ ويُعْبَدَ دون سواه، فكان الإخلاصُ هو غاية المكلَّف في عبادته، ولا يراد بالإخلاص التوجّه إلى الله تعالى في عمل من الأعمال، وإنما المقصود أن يكون المسلم كلُّه لله في كلّ ميادين الحياة، أعماله وأقواله وتصرّفاته ومحياه ومماته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام : 162-163]، وكلّ عمل لا يتوجّه به إلى الله تعالى، ولا يَقْصِدُهُ المكلَّف في عبادته يقع باطلاً لا قيمةَ له شرعًا، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ». [أخرجه النسائي في «الجهاد»: 6/25 باب من غزا يلتمس الأجر والذكر، من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، والحديث حسّنه العراقي في «تخريج الإحياء»: 4/328، والألباني في «صحيح سنن النسائي»: 2/384، وفي «أحكام الجنائز» برقم: (63)، وفي «السلسلة الصحيحة» برقم: 52].

    قال ابن تيمية في «الأعمال بالنيات» [8]: «وأصل العمل الصالح هو إخلاص العبد في نيته، فإنه سبحانه إنما أنزل الكتب وأرسلَ الرسلَ وخلق الخلقَ لعبادته، وهي دعوة الرسل لكافة بريته، كما ذكر ذلك في كتابه على ألسنة رسله بأوضح دلالته».

    ١١- والمقصود باللسان: اللغة لا القوة النطقية القائمة بالجارحة ولا الجارحة نفسها، ومثله لسان العرب أي: لغتهم، قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [الدخان: 58]، ولسان الشرع: الخطاب الإلهي، وهو الحقيقة الشرعية.

    ١٢- في هذا الحديث بيّن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم معنى الإسلام والإيمان والإحسان، وجعل الإسلامَ اسمًا أطلقه لِمَا ظهر من الأعمال، والإيمان لِمَا بطن من الاعتقاد، والإحسان بمعنى الإخلاص وهو شرط في صحّة الإيمان والإسلام معًا، وهذا تفصيلٌ لجملة أحكام، كلُّها شيء واحد وهي جِماعها الدِّين، لذلك لا يفهم من هذا التفصيل أنّ الأعمالَ ليست من الإيمان، وأنّ التصديقَ بالقلب ليس من الإسلام، فالتصديق والعملُ يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا، ويدلّ عليه قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في آخر الحديث: «ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» ففيه أنّ الإسلام والإيمان والإحسانَ تسمى دينًا، وقد بيّن المصنّف أنّ لفظ الإسلام قد يجيء مُرادًا به الدين كلّه الذي جاء به محمّد صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم من العقائد والأعمال والأحكام.

    وسيأتي المزيد من التفصيل في هذه المسألة عند بيان معنى الإيمان.

    ١٣- أخرجه مسلم في «الإيمان» [1/150] باب بيان الإسلام والإحسان، وأبوداود في «السنة» [5/69] باب القدر، والترمذي في «الإيمان» [5/6] باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الإيمان والإحسان، وابن ماجه في «المقدمة» [1/24] باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وأخرجه البخاري في «الإيمان» [1/114] باب سؤال جبريل النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفي «التفسير» [8/513] باب «إنّ الله عنده علم الساعة»، ومسلم في «الإيمان» [1/161] باب إثبات القدر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    ١٤- جزء من آية 14 من سورة الحجرات.

    ١٥- هو الصحابيُّ الجليلُ أبو إسحاقٍ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ بنِ أهيب القرشيُّ الزهريُّ المكيُّ، أحدُ السبعة السابقين بالإسلام، وأحدُ العشرةِ المبشَّرين بالجنَّة، وأحدُ الستةِ أصحابِ الشورى، شهد بدرًا وما بعدها، وله مناقبُ وفضائلُ وجملةٌ من الأحاديث، توفي سنة 55ﻫ.

    [انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد: 3/137، «التاريخ الكبير» للبخاري: 4/43، «المعارف لابن قتيبة»: 241، «الاستيعاب» لابن عبد البر: 2/606، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي: 1/144، «أسد الغابة» لابن الأثير: 2/290، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: 1/92، «البداية والنهاية» لابن كثير: 8/72، «الإصابة» لابن حجر: 2/33، «شذرات الذهب» لابن العماد: 1/61، «الرياض المستطابة» للعامري: 91].

    ١٦- الرهط: هم عشيرة الرجل وأهلُه، أو قومُه وقَبيلته، والرهط: عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه، ويجمع على أَرْهُط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع. (انظر: «النهاية» لابن الأثير: 2/283، «لسان العرب» لابن منظور: 5/343).

    ١٧- لفظ «فلان» كناية عن اسم مبهم، وهو الرجل المتروك العطية، واسمه: جعيل بن سراقة الضمري، سمّاه الواقدي في «المغازي» [«فتح الباري» لابن حجر: 1/80].

    ١٨- استدلّ المصنّف –رحمه الله- بالآية والحديث على أنّ الإسلام المعرى عن الإيمان لا ينفع صاحبَه؛ لأنّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فهو كافر، فالأعراب المذكورون في الآية منافقون؛ لأنهم مسلمون في الظاهر وهم كفار في الباطن، وهو أحد القولين المشهورين للسلف والخلف، واختاره البخاري ومحمّد بن منصور المروزي، واستظهره محمّد الأمين الشنقيطي.

    أمّا ما عليه جمهور أهل السنّة فيقرّرون الثواب على إسلامهم، ويخرجهم إسلامُهم من الكفر والنفاق، وهو قولٌ مرويٌّ عن الحسن وابن سيرين وإبراهيمَ النخعيِّ وأبي جعفر الباقر، وبه قال حمّاد بن زيد وأحمدُ بن حنبل وسهلُ بن عبد الله التستري وأبو طالب المكي وغيرهم، وهو الصحيح الراجح خلافًا لِمَا رجّحه المصنّف:

    - لأنّ الله تعالى أثبت إسلامهم ووصفهم بوصف كريم بقوله: ﴿وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، والمعلوم أنّ الله تعالى لا يثبت إسلام أحد إلاّ إذا صحّ إسلامه وكان موجبًا ذلك لدخول الجنة، وإلحاقهم برتبة المنافقين غير سليم؛ لأنّ الله تعالى ذكر المنافقين في آيات متعدّدة ولم يقرّر إسلامهم، بل نفى عنهم الإسلام نفيًا قاطعًا، وأثبت لهم الكفر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [التوبة: 74]، وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة : 107]، وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]، وقال سبحانه في شأن المنافقين من الأعراب: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ [التوبة: 98].

    - ولأنّ حرف ﴿لَمَّا﴾ في الآية ينفي به ما قرب وجوده وينتظر ويتوقّع حصوله ولو لم يوجد بعد، فالإيمان منهم منتظر، ومن دخل في الإسلام يحتاج إلى عقد النية على الإخلاص لله تعالى والاعتقاد بكلّ ما يبلغه من دين الله تعالى وما يرد في القلب من حقائق الإيمان الكثيرة إنما يثبت بالرفق والتدريج، وقد حصر الله تعالى الإيمان في آية الحجرات بأهل الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله وهي مرتبة الصادقين فتعيَّن في هذا الموضع إطلاق غير الإيمان على الذين دخلوا في الإسلام ولكن لم يصلوا بَعْدُ إلى مرتبة الإيمان، ومن هنا يتبيّن أنّ الذين وُصِفُوا بالإسلام دون الإيمان قد لا يكونون كفارًا في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول؛ لأن الإسلام لا يرادف الإيمان مطلقًا ولا يخالفه مطلقًا، إذ الإسلام أوسع من الإيمان، فكُلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا، فالإيمان أخصّ من الإسلام، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعمّ، ولأنّ من الأعراب منافقون –كما تقدّم- وأنّ منهم من ليس كذلك وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 99]، وأنّ فيهم قسمًا ثالثًا ليس هو منافقًا محضًا ولا هو من المؤمنين حقًّا بل هو فاسق مِلٍّيٌّ وهو المعني في آية الحجرات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/478]: «فدلّ البيانُ على أنّ الإيمان المنفيَّ عن هؤلاء الأعرابِ هو هذا الإيمانُ الذي نفي عن فُسَّاق أهلِ القِبلة الذين لا يخلّدون في النار، بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرّة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلّد صاحبه في النار.

    وبتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أنّ في المسلمين قسمًا ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 4]، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًّا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعاتٌ ومعاصٍ وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار. وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الـمِلِّي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحُكمه، والخلاف فيه أولُ خلافٍ ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين». [انظر تقريرَ هذا الأصل في «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/461]. «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز: 392، «أضواء البيان» للشنقيطي: 7/636].

    ١٩- أخرجه مسلم بهذا اللفظ في «الإيمان» [2/180] باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، وفي «الزكاة» [7/148] باب إعطاء المؤلفة ومن يخاف على إيمانه.

    والحديث أخرجه البخاري في «الإيمان» [1/79] باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل، وفي «الزكاة» [3/340] باب لا يسألون الناس إلحافًا، وأبوداود في «السنة» [5/60] باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، من حديث سعد بن أبي الوقاص رضي الله عنه.

    قال ابن حجر في «الفتح» [1/80]: «ومحصل القصة أنّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كان يوسع العطاء لِمَنْ أظهر الإسلام تألفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة قلوبهم وترك جعيلاً وهو من المهاجرين مع أنَّ الجميع سألوه، خاطبه سعدٌ في أمره؛ لأنه كان يرى أنّ جعيلاً أحقّ منهم لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع فيه أكثر من مرة، فأرشده النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إلى أمرين: أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جعيل مع كونه أحب إليه ممّن أعطى؛ لأنه لو ترك إعطاء المؤلفة لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النار. ثانيهما: إرشاده إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فوضح بهذا فائدة ردّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم على سعد، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه، بل كان أحد الجوابين على طريق المشورة بالأولى، والآخر عن طريق الاعتذار».

    قلت: ومما وجّهت به الآية السابقة: وكذا من محصل القصة من حديث سعد رضي الله عنه يتبيّن عدم نهوض الاحتجاج بهما فيما قرّره المصنّف لأنّ نفي الإيمان المطلق لا يلزم انتفاء مطلق الإيمان. والعلم عند الله تعالى.

    هذا، وفي فقه الحديث ومعانيه أحكامٌ وفوائدُ ذكرها النووي في «شرح مسلم» [2/180] و[7/148] وابن حجر في «فتح الباري» [1/80] ومن بينها:

    ترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم ينصّ عليه، وفيه ردّ على الكرامية وغلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان، وهذا خطأ ظاهر يردّه إجماع المسلمين والنصوص في إكفار المنافقين، وفيه جواز الشفاعة عند الإمام فيما ليس بمحرّم، أو يعتقد الشافع جوازه ومراجعة المشفوع إليه أو المسئول في الأمر إذا لم يؤدّ إلى مفسدة، وأنّ الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان كما أشارت إليه رواية البخاري في «الزكاة» [3/340] «فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَارَرْتُهُ».



    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:23

    بيـانُ معنى الإيمـان

    العِشْرُونَ: الإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ(١- الإيمانُ في الاشتقاق اللغوي: مصدرُ آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن، وأصل آمن: أأمن بهمزتين لُيِّنَت الثانية، وهو من الأمن ضدّ الخوف. [تهذيب اللغة للأزهري: 15/513، الصحاح للجوهري: 5/2071، القاموس المحيط للفيروزآبادي: 1518]. قال الراغب الأصفهاني قي «المفردات» (35): «أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف». وفي التحقيق إنما يكون معناه التأمين أي: إعطاء الأمان إذا تعدّى بنفسه، فآمنته ضدّ أخفته، قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 5]، ﴿وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: 3]، أي: الآمن يعني مكة، وفي الحديث: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبْتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي فَإِذا ذَهَبَتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ». [رواه مسلم في فضائل الصحابة (16/83) باب أنّ بقاء النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة، من حديث أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه]، والأمنة في الحديث جمع أمين وهو الحافظ، والأمنة والأمان نقيض الخيانة، وفي الحديث: «المُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» [أخرجه أبو داود في الصلاة (1/356) باب ما يجب على المؤذّن، وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصحّحه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند: 1/450، والألباني في «إرواء الغليل»: 1/231]، أي: الذي يثقون فيه ويتخذونه أمينًا حافظًا. والمؤمن من أسماء الله تعالى، قال ابن الأثير في «النهاية» [1/69، 71]: «..وهو الذي يصدق عباده وعده فهو من الإيمان التصديق، أو يؤمنهم في القيامة عذابه، فهو من الأمان ضدّ الخوف». وقد يتعدّى لفظ الإيمان بالباء أو اللام فيكون معناه التصديق، كما في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 285]، ولقوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهٌ لٌوطٌ﴾ [العنكبوت: 26]، والإيمان كما يكون بالقلب يكون باللسان كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 61]، أي: يصدّق الله، ويَصْدُق المؤمنين، ويكون بالجوارح –أيضًا- ومنه قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» [أخرجه البخاري في «الاستئذان»: (11/25) باب زنا الجوارح دون الفرج، ومسلم في «القدر» (16/205) باب قدّر على ابن آدم حظه من الزنا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه] ): التَّصْدِيقُ(٢- الإيمان في اللغة يدور معناه على التصديق والثقة والطمأنينة والإقرار، واختار المصنّف -رحمه الله- التصديق لِما عليه عامّة أهل اللغة قال ابن منظور في «اللسان» [1/224]: «اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرِهم أنّ الإيمان معناه التصديق»، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنّ تعريفه بالإقرار من جهة اللغة أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ الأخرى التي فسّر بها الإيمان. وقد نبّه شيخ الإسلام إلى فوارق هامّة لفظًا ومعنى تدفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق من جهة اللغة منها: 1 - إنّ الإيمان ليس مرادفًا للتصديق في المعنى فلا يستعمل الإيمان إلاّ فيما يؤتمن فيها المخبر كالأمور الغيبية ونحوها مما يدخلها الريب لكونه مشتقًّا من الأمن، أما المشاهدات المحسوسة فلا تستخدم فيها لفظة: آمن وإنما يقال فيها: صدّق، فإن كلّ مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له: صدقت كما يقال له: كذبت، أمّا لفظ الإيمان فلا يستعمل إلاّ في الخبر عن غائب. 2 - إنّ لفظ «الإيمان» في اللغة لا يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكلّ مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختصّ بالتكذيب. 3 – من جهة التعدّي فإنّ لفظ آمن يختلف عن لفظ صدّق، فإن آمن لا تتعدّى إلاّ بالباء أو اللام –كما تقدّم- فيقال: آمن به وآمن له، ولا يقال: آمنه إلاّ من الأمان الذي هو ضدّ الإخافة، بينما لفظ صدّق فإنه يصحّ تعديته بنفسه فيقال: صدّقه. وعليه، فالإيمان ليس هو مجرّد التصديق فحسب مع خلوّه من طمأنينة وأمن والتزام وانقياد فإن هذا لا يعكس بصدق حقيقة الإيمان، إذ لو أخبر غيره بخبر لا يتضمّن طمأنينة إلى المخبر ولا الثقة به فلا يقال فيه: آمن له، وكذلك إذا تضمّن خبره طاعة المستمع له مع حصول الطمأنينة إلى صدقه، فإنه لا يكون مؤمنًا للخبر إلاّ بالتزام طاعته مع تصديقه، فإن صدّقه دون التزام بطاعته فإن هذا يسمى تصديقًا ولا يسمى إيمانًا. لذلك كان لفظ الإقرار يوافق –من جهة اللغة- الإيمان المشتقّ من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقرّ في القلب التصديق والانقياد، أي: متضمّن للالتزام بالمؤمن به سواء كان خبرًا أو إنشاءً، ووجه تضمّن لفظ الإقرار للالتزام من جهتين: الأولى: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار. والثانية: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]، وليس هو هنا الخبر المجرّد فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾، فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام بخلاف لفظ التصديق المجرّد فإنه يطابق الخبر فقط بينما الإقرار يطابق الخبر والأمر، فكان الإقرار أصدق في الدلالة على معنى الإيمان لتضمّنه قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمة: 7/290-293، 7/529-534، 7/637-638]. - فالحاصل أنه لا ينبغي أن يتوهّم بأنّ الإيمان في اللغة هو مُطلق التصديق مجرّدًا عن معنى زائد، فمثل هذا التجريد للألفاظ العربية لا يوجد إلاّ في المعاجم والقواميس التي تكتفي بذِكر المعنى المشترك اقتصارًا دون بيان الزيادات واللوازم التي يقتضيها الاستعمال بُغية اختصار المعنى وتسهيل الفهم على القارئ، وإنما الألفاظ في لغة العرب لا توجد إلاّ ضمن كلام مفيد مقيّدة بقيود يقتضيها الاستعمال. ومنه يتبيّن أنّ الإيمان يتضمّن معنى زائد على مجرّد التصديق وهو الإقرار المستلزم لقبول الأخبار والإذعان للأحكام )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾(٣- جزء من آية 17 من سورة يوسف. فإنّ لفظ الإيمان في الآية يتضمّن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدلّ عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِؤُمْنٍ لَنَا﴾ أي: لا تقرُّ بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئنّ إليه ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم. [مجموع الفتاوى لابن تيمية: 7/292]. قلت: ويؤيّد هذا المعنى أصلان: الأول: إنّ الأصل في الألفاظ أن تكون متباينة لا مترادفة. الثاني: إنّ التأسيس (وهو اللفظ الذي يفيد معنى لم يُفِدْه اللفظُ السابق له) مُقدَّمٌ على التأكيد (وهو اللفظ الذي يقصد به تقرير وتقوية لفظٍ سابق) ).

    الحَادِي وَالعِشْرُونَ: مَحَلُّ الإِيمَانِ بِمَعْنَى التَّصْدِيقُ الجَازِمُ هُوَ القَلْبُ(٤- تقرّر في الشريعة أنّ محلّ الإيمان والعقل والفقه والزيغ ونحو ذلك هو القلب لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: 22]، ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، وكذلك الآيات التي استدلّ بها المصنّف على أنّ محلّ الإيمان في القلب، وإلى هذا المحلّ أضاف الله تعالى العقل والفقه والزيغ، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]، وقوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 87]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، كما أنّ النية محلّها القلب باتفاق العلماء على ما نقله عنهم ابن تيمة –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» [7/262]. هذا، والقلب الذي يعنيه الله تعالى في هذه الآيات إنما محله الصدر وقد جاء التنصيص عليه صراحة في قوله تعالى: ﴿َلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]. فهذا الإيمان المتعلق بالقلب قائم على أصلين: قول القلب وعمله. فأمّا قول القلب فهو: التصديق بالحقّ واعتقاده، فلا بدّ من تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما أخبر به، فتصديق القلب شرط في اعتقاد بقية الأجزاء وكونها نافعة، ومعنى ذلك أنه إذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء. أما عمل القلب فهو: محبة الحقّ وإرادته مثل الإخلاص والحبّ والخوف والرجاء والتعظيم والانقياد والتوكل وغيرها من أعمال القلوب، فإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فإنّ أهل السُّنَّة مُجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب. [انظر: كتاب الصلاة لابن القيم: 54]. قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/537]: «وفي الجملة فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحبّ الله رسوله، وإلاّ فمجرّد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله ليس إيمانًا باتفاق المسلمين». وقال ابن القيم في «مختصر الصواعق المرسلة» [2/420]: «كلّ مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنّوا أنه مجرّد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإنّ كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم غير شاكّين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حبّ ما جاء به والرضا وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تهمل هذا الموضوع فإنه مهمٌّ جدًّا، به تعرف حقيقة الإيمان» )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾(٥- جزء من آية 14 من سورة الحجرات. قال الزجاج الإسلام: إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي وبذلك يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن. [فتح القدير للشوكاني: 5/68])، ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾(٦- آية 45 من سورة التوبة).

    وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي(٧- هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، مفتي المدينة، أبو سعيد الخدري، وهو مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها، وأول مشاهده الخندق، وغزا مع رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم اثنتي عشرة غزوة، وكان رضي الله عنه من أفاضل الصحابة ونجباء الأنصار وعلمائهم، حفظ عن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم سننًا كثيرة، وله في كتب الحديث ألف ومائة وسبعون حديثًًا، توفي أبو سعيد يوم الجمعة سنة 74ﻫ، ودفن بالبقيع. انظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر: 2/44، أسد الغابة لابن الأثير: 2/289، سير أعلام النبلاء للذهبي: 3/168، دول الإسلام للذهبي: 1/54، البداية والنهاية لابن كثير: 9/3، تهذيب التهذيب لابن حجر: 3/479، الإصابة لابن حجر: 2/32، شذرات الذهب لابن العماد: 1/81، الرياض المستطابة للعامري: 100 ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَيُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ(٨- قال ابن حجر في «الفتح» [1/73]: «والمراد بحبة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد لقوله في الرواية الأخرى: «أَخْرِجُوا مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَعَمِلَ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً». قلت: ولعلّ هذا المقدار الضئيل من العمل خاصّ بمن وسعه القيام به واقتدر عليه دون بقية شرائع الإسلام التي مَنَع من أدائها مانعٌ فاستحقّ دخول النار لذنوب اقترفها لا يجهل حكمها ثمّ يخرجه الله تعالى منها. وفي الحديث دليل على أنّ الإيمان يتبعض ويتفاضل ويتفاوت بالزيادة والنقصان، فإذا ذهب بعضه فيبقى بعضه وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وسائر أهل السُّنَّة والجماعة خلافًا للمرجئة والمعتزلة وغيرهم فإنّ الإيمان -عندهم- كلٌّ واحد لا يتجزّأ إذا ذهب بعضه ذهب كلّه، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص، وسيأتي كشف زيف هذه الشبهة وبطلانها. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/562 وما بعدها، 18/270، والأعمال بالنيات لابن تيمية: 38 – 39] ) فَأَخْرِجُوهُ» رَوَاهٌُ مُسْلِمٌ(٩- متفق عليه: أخرجه البخاري في «الإيمان» [1/72] باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، وفي «الرقاق» [11/416] باب صفة الجنة والنار، ومسلم في «الإيمان» [3/35] باب الشفاعة وإخراج الموحّدين من النار من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وتمامه: «فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الحَيَاةِ أَوْ الحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الحَبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً»).

    الثَّانِي وَالعِشْرُونَ: وَيَجِيءُ لَفْظُ الإِيمَانِ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ مُرَادًا بِهِ التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِه وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ(١٠- فالإيمان بالقلب هو التصديق والإقرار بكلّ ما أخبر به النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن ربه من غيبيات وغيرها،وتأتي في طليعتها أركان الإيمان الستة التي ذكرها المصنّف واستدلّ لها: - فالإيمان بالله تعالى هو التصديق الجازم الواثق الذي لا يخالطه شكّ أو ريب، ويستقرُّ في القلب استقرارًا لا يزحزحه شيء، والنطق باللسان الذي يواطئ القلب ويوافقه في التصديق، فيقر ويعترف بوحدانيته سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتنزيهه سبحانه عن الشريك والنظير والشبيه، والولد والوالد والصاحبة. - والإيمان بالملائكة هو التصديق الجازم والإقرار بوجودهم، وأنهم عباد مكرمون، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره، والإيمان بأصنافهم وأعمالهم وبفضلهم ومكانتهم عند الله عزّ وجلّ بحسب ما جاء في الكتاب والسنة. - والإيمان بالكتب الإلهية هو التصديق الجازم والإقرار بأنها حقّ وصدقٌ، وهي كلام الله عزّ وجلّ، أنزله رحمة بعباده لحاجة البشرية إليه، والتصديق الجازم بما سمّى من كتب وهي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وما لم يسم منها، ذلك لأنّ لله كتبًا لا يعلمها إلاّ هو سبحانه. - والإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بهم وبرسالتهم والإقرار بنبوتهم، وأنهم صادقون فيما أخبروا عن الله تعالى، وبلغوا الرسالات، وبينوا للناس ما لا يسع لأحد جهله، وأنهم بعثَهم الله مبشرين ومنذرين لإقامة الحجة على الناس، وآخر الرسل محمّد صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم البشير النذير والسراج المنير الهادي إلى صراط مستقيم، أنزل عليه القرآن، وشرع له أحسن دين وأقومه. - والإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، يبعث الله تعالى الموتى بعد موتهم كما بدأهم أول مرّة بأرواحهم وأبدانهم ذلك يوم الدين، والوعد الحقّ، والفَزَع الأكبر، والراجفة، والقارعة، والواقعة، والطامة، والصاخة، والآزفة، ويوم الحساب، كلها أسماء تدلّ على عظم شأن ذلك اليوم وشدّة هوله، وهو يوم تشخص فيه الأبصار، وتطير القلوب عن أماكنها حتى تبلغ الحناجر، وفيه يحاسبهم الله تعالى على ما عملوا ويجزيهم على أعمالهم، فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، واليوم الآخر مسبوق بعلامات تدلّ على قرب وقوعه، وهي أشراط الساعة، فالإيمان بها واجب وهي من صلب العقيدة. - والإيمان بالقدر خيره وشرّه هو التصديق الجازم بأنّ مقادير الأمور بيد الله سبحانه ومصدرها عن قضائه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يمكن أن يحدث شيء في هذا الكون إلاّ إذا أراده سبحانه وتعالى، وكلّ شيء حادث في هذا الكون من المخلوقات فإنه مخلوق موجود بإذن الله تعالى وقضائه ومشيئته، والقدر على درجات ومراتب يجب الإيمان بها. كما يجب الإيمان بأنّ الله تعالى يهدي من يشاء بفضله، ويضلّ من يشاء بعدله، وكلّ إنسان ميسّر لما خلق له، ولا يكون شيء في الكون بغير قضاء الله تعالى، ولا يستغني أحد عن الله تعالى، وهو سبحانه خالق الناس وأعمالهم، ومقدر السكنات والحركات )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾(١١- آية 285 من سورة البقرة)، وَلِحَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَلْيِه السَّلاَمُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسِلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ»(١٢- تقدم تخريجه في التصفيف السادس).



    ١- الإيمانُ في الاشتقاق اللغوي: مصدرُ آمن يؤمن إيمانًا فهو مؤمن، وأصل آمن: أأمن بهمزتين لُيِّنَت الثانية، وهو من الأمن ضدّ الخوف. [تهذيب اللغة للأزهري: 15/513، الصحاح للجوهري: 5/2071، القاموس المحيط للفيروزآبادي: 1518].

    قال الراغب الأصفهاني قي «المفردات» (35): «أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف».

    وفي التحقيق إنما يكون معناه التأمين أي: إعطاء الأمان إذا تعدّى بنفسه، فآمنته ضدّ أخفته، قال تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 5]، ﴿وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: 3]، أي: الآمن يعني مكة، وفي الحديث: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبْتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي فَإِذا ذَهَبَتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ». [رواه مسلم في فضائل الصحابة (16/83) باب أنّ بقاء النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة، من حديث أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه]، والأمنة في الحديث جمع أمين وهو الحافظ، والأمنة والأمان نقيض الخيانة، وفي الحديث: «المُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» [أخرجه أبو داود في الصلاة (1/356) باب ما يجب على المؤذّن، وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصحّحه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند: 1/450، والألباني في «إرواء الغليل»: 1/231]، أي: الذي يثقون فيه ويتخذونه أمينًا حافظًا. والمؤمن من أسماء الله تعالى، قال ابن الأثير في «النهاية» [1/69، 71]: «..وهو الذي يصدق عباده وعده فهو من الإيمان التصديق، أو يؤمنهم في القيامة عذابه، فهو من الأمان ضدّ الخوف».

    وقد يتعدّى لفظ الإيمان بالباء أو اللام فيكون معناه التصديق، كما في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 285]، ولقوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهٌ لٌوطٌ﴾ [العنكبوت: 26]، والإيمان كما يكون بالقلب يكون باللسان كما في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 61]، أي: يصدّق الله، ويَصْدُق المؤمنين، ويكون بالجوارح –أيضًا- ومنه قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» [أخرجه البخاري في «الاستئذان»: (11/25) باب زنا الجوارح دون الفرج، ومسلم في «القدر» (16/205) باب قدّر على ابن آدم حظه من الزنا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    ۲- الإيمان في اللغة يدور معناه على التصديق والثقة والطمأنينة والإقرار، واختار المصنّف -رحمه الله- التصديق لِما عليه عامّة أهل اللغة قال ابن منظور في «اللسان» [1/224]: «اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرِهم أنّ الإيمان معناه التصديق»، ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنّ تعريفه بالإقرار من جهة اللغة أصدق في الدلالة على معنى الإيمان من غيرها من الألفاظ الأخرى التي فسّر بها الإيمان. وقد نبّه شيخ الإسلام إلى فوارق هامّة لفظًا ومعنى تدفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق من جهة اللغة منها:

    1 - إنّ الإيمان ليس مرادفًا للتصديق في المعنى فلا يستعمل الإيمان إلاّ فيما يؤتمن فيها المخبر كالأمور الغيبية ونحوها مما يدخلها الريب لكونه مشتقًّا من الأمن، أما المشاهدات المحسوسة فلا تستخدم فيها لفظة: آمن وإنما يقال فيها: صدّق، فإن كلّ مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له: صدقت كما يقال له: كذبت، أمّا لفظ الإيمان فلا يستعمل إلاّ في الخبر عن غائب.

    2 - إنّ لفظ «الإيمان» في اللغة لا يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكلّ مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختصّ بالتكذيب.

    3 – من جهة التعدّي فإنّ لفظ آمن يختلف عن لفظ صدّق، فإن آمن لا تتعدّى إلاّ بالباء أو اللام –كما تقدّم- فيقال: آمن به وآمن له، ولا يقال: آمنه إلاّ من الأمان الذي هو ضدّ الإخافة، بينما لفظ صدّق فإنه يصحّ تعديته بنفسه فيقال: صدّقه.

    وعليه، فالإيمان ليس هو مجرّد التصديق فحسب مع خلوّه من طمأنينة وأمن والتزام وانقياد فإن هذا لا يعكس بصدق حقيقة الإيمان، إذ لو أخبر غيره بخبر لا يتضمّن طمأنينة إلى المخبر ولا الثقة به فلا يقال فيه: آمن له، وكذلك إذا تضمّن خبره طاعة المستمع له مع حصول الطمأنينة إلى صدقه، فإنه لا يكون مؤمنًا للخبر إلاّ بالتزام طاعته مع تصديقه، فإن صدّقه دون التزام بطاعته فإن هذا يسمى تصديقًا ولا يسمى إيمانًا.

    لذلك كان لفظ الإقرار يوافق –من جهة اللغة- الإيمان المشتقّ من الأمن الذي هو الإقرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقرّ في القلب التصديق والانقياد، أي: متضمّن للالتزام بالمؤمن به سواء كان خبرًا أو إنشاءً، ووجه تضمّن لفظ الإقرار للالتزام من جهتين:

    الأولى: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.

    والثانية: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]، وليس هو هنا الخبر المجرّد فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾، فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام بخلاف لفظ التصديق المجرّد فإنه يطابق الخبر فقط بينما الإقرار يطابق الخبر والأمر، فكان الإقرار أصدق في الدلالة على معنى الإيمان لتضمّنه قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمة: 7/290-293، 7/529-534، 7/637-638].

    - فالحاصل أنه لا ينبغي أن يتوهّم بأنّ الإيمان في اللغة هو مُطلق التصديق مجرّدًا عن معنى زائد، فمثل هذا التجريد للألفاظ العربية لا يوجد إلاّ في المعاجم والقواميس التي تكتفي بذِكر المعنى المشترك اقتصارًا دون بيان الزيادات واللوازم التي يقتضيها الاستعمال بُغية اختصار المعنى وتسهيل الفهم على القارئ، وإنما الألفاظ في لغة العرب لا توجد إلاّ ضمن كلام مفيد مقيّدة بقيود يقتضيها الاستعمال. ومنه يتبيّن أنّ الإيمان يتضمّن معنى زائد على مجرّد التصديق وهو الإقرار المستلزم لقبول الأخبار والإذعان للأحكام.

    ٣- جزء من آية 17 من سورة يوسف. فإنّ لفظ الإيمان في الآية يتضمّن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدلّ عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِؤُمْنٍ لَنَا﴾ أي: لا تقرُّ بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئنّ إليه ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم. [مجموع الفتاوى لابن تيمية: 7/292].

    قلت: ويؤيّد هذا المعنى أصلان:

    الأول: إنّ الأصل في الألفاظ أن تكون متباينة لا مترادفة.

    الثاني: إنّ التأسيس (وهو اللفظ الذي يفيد معنى لم يُفِدْه اللفظُ السابق له) مُقدَّمٌ على التأكيد (وهو اللفظ الذي يقصد به تقرير وتقوية لفظٍ سابق).

    ٤- تقرّر في الشريعة أنّ محلّ الإيمان والعقل والفقه والزيغ ونحو ذلك هو القلب لقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: 22]، ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، وكذلك الآيات التي استدلّ بها المصنّف على أنّ محلّ الإيمان في القلب، وإلى هذا المحلّ أضاف الله تعالى العقل والفقه والزيغ، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46]، وقوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 87]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، كما أنّ النية محلّها القلب باتفاق العلماء على ما نقله عنهم ابن تيمة –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» [7/262].

    هذا، والقلب الذي يعنيه الله تعالى في هذه الآيات إنما محله الصدر وقد جاء التنصيص عليه صراحة في قوله تعالى: ﴿َلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].

    فهذا الإيمان المتعلق بالقلب قائم على أصلين: قول القلب وعمله.

    فأمّا قول القلب فهو: التصديق بالحقّ واعتقاده، فلا بدّ من تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما أخبر به، فتصديق القلب شرط في اعتقاد بقية الأجزاء وكونها نافعة، ومعنى ذلك أنه إذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء.

    أما عمل القلب فهو: محبة الحقّ وإرادته مثل الإخلاص والحبّ والخوف والرجاء والتعظيم والانقياد والتوكل وغيرها من أعمال القلوب، فإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فإنّ أهل السُّنَّة مُجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب. [انظر: كتاب الصلاة لابن القيم: 54]. قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/537]: «وفي الجملة فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحبّ الله رسوله، وإلاّ فمجرّد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله ليس إيمانًا باتفاق المسلمين».

    وقال ابن القيم في «مختصر الصواعق المرسلة» [2/420]: «كلّ مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه، وذلك عمل بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنّوا أنه مجرّد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإنّ كثيرًا من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم غير شاكّين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حبّ ما جاء به والرضا وإرادته، والموالاة والمعاداة عليه، فلا تهمل هذا الموضوع فإنه مهمٌّ جدًّا، به تعرف حقيقة الإيمان».

    ٥- جزء من آية 14 من سورة الحجرات. قال الزجاج الإسلام: إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي وبذلك يحقن الدم فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن. [فتح القدير للشوكاني: 5/68].

    ٦- آية 45 من سورة التوبة.

    ٧- هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، مفتي المدينة، أبو سعيد الخدري، وهو مشهور بكنيته، استصغر بأحد، واستشهد أبوه بها، وأول مشاهده الخندق، وغزا مع رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم اثنتي عشرة غزوة، وكان رضي الله عنه من أفاضل الصحابة ونجباء الأنصار وعلمائهم، حفظ عن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم سننًا كثيرة، وله في كتب الحديث ألف ومائة وسبعون حديثًًا، توفي أبو سعيد يوم الجمعة سنة 74ﻫ، ودفن بالبقيع.

    انظر ترجمته في: الاستيعاب لابن عبد البر: 2/44، أسد الغابة لابن الأثير: 2/289، سير أعلام النبلاء للذهبي: 3/168، دول الإسلام للذهبي: 1/54، البداية والنهاية لابن كثير: 9/3، تهذيب التهذيب لابن حجر: 3/479، الإصابة لابن حجر: 2/32، شذرات الذهب لابن العماد: 1/81، الرياض المستطابة للعامري: 100.

    ٨- قال ابن حجر في «الفتح» [1/73]: «والمراد بحبة الخردل هنا ما زاد من الأعمال على أصل التوحيد لقوله في الرواية الأخرى: «أَخْرِجُوا مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَعَمِلَ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً».

    قلت: ولعلّ هذا المقدار الضئيل من العمل خاصّ بمن وسعه القيام به واقتدر عليه دون بقية شرائع الإسلام التي مَنَع من أدائها مانعٌ فاستحقّ دخول النار لذنوب اقترفها لا يجهل حكمها ثمّ يخرجه الله تعالى منها.

    وفي الحديث دليل على أنّ الإيمان يتبعض ويتفاضل ويتفاوت بالزيادة والنقصان، فإذا ذهب بعضه فيبقى بعضه وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وسائر أهل السُّنَّة والجماعة خلافًا للمرجئة والمعتزلة وغيرهم فإنّ الإيمان -عندهم- كلٌّ واحد لا يتجزّأ إذا ذهب بعضه ذهب كلّه، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص، وسيأتي كشف زيف هذه الشبهة وبطلانها. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/562 وما بعدها، 18/270، والأعمال بالنيات لابن تيمية: 38 – 39].

    ٩- متفق عليه: أخرجه البخاري في «الإيمان» [1/72] باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، وفي «الرقاق» [11/416] باب صفة الجنة والنار، ومسلم في «الإيمان» [3/35] باب الشفاعة وإخراج الموحّدين من النار من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وتمامه: «فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الحَيَاةِ أَوْ الحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الحَبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً».

    ١٠- فالإيمان بالقلب هو التصديق والإقرار بكلّ ما أخبر به النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن ربه من غيبيات وغيرها،وتأتي في طليعتها أركان الإيمان الستة التي ذكرها المصنّف واستدلّ لها:

    - فالإيمان بالله تعالى هو التصديق الجازم الواثق الذي لا يخالطه شكّ أو ريب، ويستقرُّ في القلب استقرارًا لا يزحزحه شيء، والنطق باللسان الذي يواطئ القلب ويوافقه في التصديق، فيقر ويعترف بوحدانيته سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وتنزيهه سبحانه عن الشريك والنظير والشبيه، والولد والوالد والصاحبة.

    - والإيمان بالملائكة هو التصديق الجازم والإقرار بوجودهم، وأنهم عباد مكرمون، خلقهم الله لعبادته وتنفيذ أوامره، والإيمان بأصنافهم وأعمالهم وبفضلهم ومكانتهم عند الله عزّ وجلّ بحسب ما جاء في الكتاب والسنة.

    - والإيمان بالكتب الإلهية هو التصديق الجازم والإقرار بأنها حقّ وصدقٌ، وهي كلام الله عزّ وجلّ، أنزله رحمة بعباده لحاجة البشرية إليه، والتصديق الجازم بما سمّى من كتب وهي: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وما لم يسم منها، ذلك لأنّ لله كتبًا لا يعلمها إلاّ هو سبحانه.

    - والإيمان بالرسل هو التصديق الجازم بهم وبرسالتهم والإقرار بنبوتهم، وأنهم صادقون فيما أخبروا عن الله تعالى، وبلغوا الرسالات، وبينوا للناس ما لا يسع لأحد جهله، وأنهم بعثَهم الله مبشرين ومنذرين لإقامة الحجة على الناس، وآخر الرسل محمّد صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم البشير النذير والسراج المنير الهادي إلى صراط مستقيم، أنزل عليه القرآن، وشرع له أحسن دين وأقومه.

    - والإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، يبعث الله تعالى الموتى بعد موتهم كما بدأهم أول مرّة بأرواحهم وأبدانهم ذلك يوم الدين، والوعد الحقّ، والفَزَع الأكبر، والراجفة، والقارعة، والواقعة، والطامة، والصاخة، والآزفة، ويوم الحساب، كلها أسماء تدلّ على عظم شأن ذلك اليوم وشدّة هوله، وهو يوم تشخص فيه الأبصار، وتطير القلوب عن أماكنها حتى تبلغ الحناجر، وفيه يحاسبهم الله تعالى على ما عملوا ويجزيهم على أعمالهم، فيثيب المحسن ويعاقب المسيء، واليوم الآخر مسبوق بعلامات تدلّ على قرب وقوعه، وهي أشراط الساعة، فالإيمان بها واجب وهي من صلب العقيدة.

    - والإيمان بالقدر خيره وشرّه هو التصديق الجازم بأنّ مقادير الأمور بيد الله سبحانه ومصدرها عن قضائه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يمكن أن يحدث شيء في هذا الكون إلاّ إذا أراده سبحانه وتعالى، وكلّ شيء حادث في هذا الكون من المخلوقات فإنه مخلوق موجود بإذن الله تعالى وقضائه ومشيئته، والقدر على درجات ومراتب يجب الإيمان بها.

    كما يجب الإيمان بأنّ الله تعالى يهدي من يشاء بفضله، ويضلّ من يشاء بعدله، وكلّ إنسان ميسّر لما خلق له، ولا يكون شيء في الكون بغير قضاء الله تعالى، ولا يستغني أحد عن الله تعالى، وهو سبحانه خالق الناس وأعمالهم، ومقدر السكنات والحركات.

    ١١- آية 285 من سورة البقرة.

    ١٢- تقدم تخريجه في التصفيف السادس.



    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:23

    بيـانُ معنى الإيمـان
    "تابع"


    السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ: الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الأَعْمَالِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصِهَا(١- عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ يزيد وينقص، وهو الذي دلّت عليه نصوصُ الكتاب والسنّة وإجماعُ السلف الصالح، والإيمانُ يزيد بالطاعة حتى يكون كالجبال، وينقص بالمعصية حتى لا يبقى منه شيء، ومن ترك شيئًا من الطاعات نقص إيمانُه بقدر ما ترك، فإن اعتقد بقلبه ونطق بالشهادتين فهو مسلم فإن مات قبل تمكّنه من العمل مات مؤمنًا وتحقّق إيمانه بالاعتقاد والقول لعدم تمكّنه من العمل، أمّا إن ترك العمل بالكلية مع تمكّنه منه وقدرته عليه وعدم وجود المانع لأدائه، وحصلت له المهلة لذلك، انعدم ما في قلبه من الإيمان وانقلب كافرًا تأسيسًا على أنّ الإيمان –عند أهل السنّة- لا يتحقّق إلاّ بالاعتقاد والقول والعمل، إذ لا يصحّ إيمانه إلاّ بعمل ظاهر يدلّ على صحّة دعواه. وعقائدُ طوائفِ المرجئة –وإن وافقت أهل السنة- في أنّ الإيمان الكاملَ الذي ينفع في الدارين لا بد فيه من اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح؛ إلاّ أنّ من وجوه الفَرْقِ بينهما أنّ المرجئة جعلت العملَ ركنًا من الإيمان الكامل لا ركنًا من أصل الإيمان الذي لا نجاة من الخلود في النار إلاّ به، فوافقت المرجئة أهلَ السُّنَّةِ في القول بالزيادة والنقصان من جهة الأعمال الظاهرة وهذا محلّ اتفاق، وخالفت في تفاضل الأعمال بالإيمان بالنظر إلى أنّ طوائف المرجئة مُجمعة على عدم دخول العمل في مسمّى الإيمان –كما تقدّم في تعريفهم للإيمان- وحكى الفضيل بنُ عياض عنهم أنهم قالوا: «إنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان» [«السُّـنَّة» لعبد الله بن أحمد: 1/375]، وقال ابن تيمية في [«مجموع الفتاوى»: 7/562] في بيان هذه الحقيقة بقوله: «والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعدّدة، أحدها: الأعمال الظاهرة، فإنّ الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمّى الإيمان»، وقال في موضع آخر من [«مجموع الفتاوى»: 6/479]: «وأمّا زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه». قلت: وليس المقصود بأعمال الجوارح ترك المحرّمات فقط، وإنما فعلُ المباني وأداء الواجبات، أمّا أعمال القلوب فإنّ عامّة فِرَقِ المرجئة تُدخلها في الإيمان كما نقله أهلُ المقالات عنهم. [انظر: «مقالات الإسلاميين» للأشعري: 197، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/543]. ويظهر من خلال أهل المقالات أنّ طوائف المرجئة تعتقد أنّ الأعمال ليست من الإيمان؛ لأنّ الله فَرَّق بين الإيمان والأعمال في كتابه، فإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما يجري التفاضل في غير الإيمان من الأعمال بالزيادة والنقصان وهو وجه المخالفة مع أهل السُّنَّة، ومع ذلك فالزيادة والنقصان عند المرجئة ليستا على حدّ سواء فتجوز الزيادة –من جهة الأعمال- مطلقة من غير تقييد، ويجب تقييد النقصان بحدّ أدنى، لذلك كانت المرجئة «تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/404، «توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم» لأحمد بن إبراهيم: 2/146]، وهذا وجه آخر يخالفون به أهل السنة من جهة أنّ الإيمان –عندهم- لا يتوقّف نقصانه إلى حدّ معيّن بل نصّوا على أنّ الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء. وبناء على ما تقدّم فإنّ المرجئة لم تنازع في الحكم، وإنما نازعت في الاسم، فيجوز على الشخص أن يكون مثابًا معاقبًا، محمودًا مذمومًا، لكن لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان دون بعض، قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (7/354): «وأمّا أهلُ السنّةِ والجماعةِ والصحابةُ والتابعون، وسائرُ طوائفِ المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية والكلابية والأشعرية والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إنّ الشخص الواحد قد يعذّبه الله بالنار ثمّ يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا الشخص الذي له سيّئات عذّب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق؛ فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه». وأصل ضلالهم اعتقادهم أنّ الإيمان شيء واحد لا يتبعّض ولا يتجزّأ فمتى ذهب بعضُه ذهب سائره، وهو الأصل الذي التزمه –أيضًا- الخوارج والمعتزلة، غير أنّ الفَرْقَ بينهما في النتيجة يظهر في أنّ المرجئة أخذوا بشِّقِّ نصوص الوعد في عدم خلود أصحاب الكبائر مع إهمالهم للشِّقِّ الآخر المتمثّل في نصوص الوعيد الدالة على زوال الاسم المطلق عنهم والخلود في النار الذي أخذ به الخوارج والمعتزلة على تفصيل سابق. وهذا الأصل باطل كان له الأثر البليغ في مخالفتهم لأهل السنّة في الاسم دون الحكم، حيث قرّروا أن إيمان الفاسق كاملٌ لا تؤثّر فيه الذنوب، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل مع موافقتهم أهل السنّة في حكمه بأنه مستحقّ للعقاب، فلا تلازم -عند المرجئة- بين الاسم والحكم في حقّ الفاسق؛ لأنّ المرجئة لا تنازع في أنّ الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة، والطاعة من ثمراته ونتائجه ولكن تنازع هل يستلزم الطاعة؟ واعتقادهم انتفاء التلازم بين الأعمال والإيمان، إذ أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًّا بدون شيء من الأعمال، فالأعمال –عندهم- ثمرة للإيمان بمنزلة السبب مع المسبّب أي: أنّ الإيمان الباطن قد يكون سببًا وقد يكون الباطن تامًّا كاملاً وهي لم توجد، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» [7/204]: «والتحقيق أنّ إيمان القلب التامّ يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تامّ بدون عمل ظاهر». قلت: ومن هنا ظهرت وسطيةُ أهلِ السُّنَّة في مرتكب الكبيرة بين من يجعله كاملَ الإيمان وبين من يجعله ذاهبَ الإيمان، وإنما الفاسق الملي ناقصُ الإيمان فهو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته. هذا، والمصنّف استدلّ على مذهب أهل السنّة والجماعة بالآيات القرآنية الدالّة على زيادة الإيمان صراحةً وعلى نقصه باللزوم؛ ذلك لأنّ كلّ دليل يدلّ على الزيادة فهو يدلّ على النقصان وبالعكس، فالزيادة والنقص متلازمان فلا يعقل أحدهما دون الآخر، وقد احتجّ على هذا المعنى علماء أهل السنّة، فقد قيل لسفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص قال: أليس تقرؤون: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ في غير موضع، قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلاّ وهو ينقص» [رواه الآجري في «الشريعة» (114) انظر «تهذيب السنن» لابن القيم: (12/450). وقال البيهقي في «شعب الإيمان» [1/160] عند تناوله للآيات المصرِّحة بزيادة الإيمان: «فثبت بهذه الآيات أنّ الإيمان قابل للزيادة، وإذا كان قابلاً للزيادة فعدمت الزيادة كان عدمها نقصانًا». وقال ابن حزم في «الفصل» [3/237] بعد أن قرّر وجود الزيادة في الإيمان: «فبالضرورة ندري أنّ الزيادة تقتضي النقص ضرورة ولا بدّ؛ لأنّ معنى الزيادة إنما هي عدد مضاف إلى عدد، وإذا كان ذلك، فذلك العدد المضاف إليه هو بيقين ناقص عند عدم الزيادة فيه». وقال البغدادي في «أصول الدين [253]: «…وإذا صحّت الزيادة فيه كان الذي زاد إيمانه قبل الازدياد أنقص إيمانًا منه في حال الازدياد». ونقل النووي في «شرح مسلم» [1/146] عن ابن بطال أنه قال: «فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص». وعليه، فالآيات القرآنية المصرِّحة بزيادة الإيمان استدلّ بها المصنّف على وجه التنصيص بزيادة الإيمان بالمنطوق، وعلى النقصان باللزوم، فكانت دليلاً عليهما معًا. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾(٢- جزء من آية 2 من سورة الأنفال.)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(٣- آية 173 من سورة آل عمران.)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»(٤- الحديث يدلّ على زيادة الإيمان ونقصانه حيث بيّن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مراتب إنكار المنكر، وأنّ الناس يتفاضلون في الإيمان بحسب الاستطاعة في القيام بهذه المراتب بالتغيير باليد أو باللسان أو بالقلب، فيزداد إيمان من ينكر المنكر بيده في حين يضعف إيمان من يكرهه بقلبه، وقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وذلك أضعف الإيمان» دليل صريح على أنّ الإيمان ينقص بنقص الطاعة وارتكاب المعصية، كما أنه في المقابل يزيد بفعل الطاعة والابتعاد عن المعصية. هذا، ويعدّ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أحد الأدلة من السُّنَّة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله، وقد بوّب له النسائي في «سننه» (8/111) «باب تفاضل أهل الإيمان»، والنووي في «شرح مسلم» [2/21] «باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص»، وابن منده في «الإيمان» [1/341] «ذكر خبر يدلّ على أنّ الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص». وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه –وإن لم يظهر فيه التصريح بأنّ مراتب الإنكار هي من الإيمان، ولا ورد التصريح بأنّ الإنكار القلبي هو آخر حدود الإيمان- إلاّ أنّ ما رواه مسلم في صحيحه (2/27) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»، أفاد ما أفاده الحديث السابق مع زيادة التصريح بالفائدتين السابقتين. وحقيق بالتنبيه أنه ليس المراد من قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلّم: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل» نفي أصل الإيمان عمّن لم ينكر المنكر، وإنما المراد به أنه ليس وراء مرتبة القلب من الإنكار ما يصلح أن يدخل في مسمى الإيمان حتى يقوم به المؤمن، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/52]: «أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر حبة من خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء، ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء». كما يجدر التنبيه -أيضًا- أنّ كلّ الروايات الواردة في أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهي باطلة وموضوعة -بلا ريب- أي: مكذوبة على رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، قال ابن القيم في «المنار المنيف» [119]: «وكلّ حديث فيه أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق»، وهذا بغضّ النظر عن مصادمته لنصوص الكتاب والسنّة المصرّحة بزيادة الإيمان ونقصانه. )، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ(٥- الحديث لم يخرجه البخاري –وهو وهم من المصنّف- وإنما رواه مسلم في «الإيمان» [2/22] باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان. وأبو داود في «الملاحم» [4/511] باب الأمر والنهي، والترمذي في «الفتن» [1/470-471] باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنسائي في «الإيمان» [8/111، 112]، باب تفاضل أهل الإيمان، وابن ماجه في «إقامة الصلاة» [1/406]، باب ما جاء في صلاة العيدين، وفي «الفتن» [2/1330]، باب الأمر بالمعروف، وأحمد في «مسنده»: 3/10، 20، 52، 92. من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ...

    ١- عقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ يزيد وينقص، وهو الذي دلّت عليه نصوصُ الكتاب والسنّة وإجماعُ السلف الصالح، والإيمانُ يزيد بالطاعة حتى يكون كالجبال، وينقص بالمعصية حتى لا يبقى منه شيء، ومن ترك شيئًا من الطاعات نقص إيمانُه بقدر ما ترك، فإن اعتقد بقلبه ونطق بالشهادتين فهو مسلم فإن مات قبل تمكّنه من العمل مات مؤمنًا وتحقّق إيمانه بالاعتقاد والقول لعدم تمكّنه من العمل، أمّا إن ترك العمل بالكلية مع تمكّنه منه وقدرته عليه وعدم وجود المانع لأدائه، وحصلت له المهلة لذلك، انعدم ما في قلبه من الإيمان وانقلب كافرًا تأسيسًا على أنّ الإيمان –عند أهل السنّة- لا يتحقّق إلاّ بالاعتقاد والقول والعمل، إذ لا يصحّ إيمانه إلاّ بعمل ظاهر يدلّ على صحّة دعواه.

    وعقائدُ طوائفِ المرجئة –وإن وافقت أهل السنة- في أنّ الإيمان الكاملَ الذي ينفع في الدارين لا بد فيه من اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح؛ إلاّ أنّ من وجوه الفَرْقِ بينهما أنّ المرجئة جعلت العملَ ركنًا من الإيمان الكامل لا ركنًا من أصل الإيمان الذي لا نجاة من الخلود في النار إلاّ به، فوافقت المرجئة أهلَ السُّنَّةِ في القول بالزيادة والنقصان من جهة الأعمال الظاهرة وهذا محلّ اتفاق، وخالفت في تفاضل الأعمال بالإيمان بالنظر إلى أنّ طوائف المرجئة مُجمعة على عدم دخول العمل في مسمّى الإيمان –كما تقدّم في تعريفهم للإيمان- وحكى الفضيل بنُ عياض عنهم أنهم قالوا: «إنما يتفاضل الناس بالأعمال ولا يتفاضلون بالإيمان» [«السُّـنَّة» لعبد الله بن أحمد: 1/375]، وقال ابن تيمية في [«مجموع الفتاوى»: 7/562] في بيان هذه الحقيقة بقوله: «والتفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعدّدة، أحدها: الأعمال الظاهرة، فإنّ الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمّى الإيمان»، وقال في موضع آخر من [«مجموع الفتاوى»: 6/479]: «وأمّا زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه».

    قلت: وليس المقصود بأعمال الجوارح ترك المحرّمات فقط، وإنما فعلُ المباني وأداء الواجبات، أمّا أعمال القلوب فإنّ عامّة فِرَقِ المرجئة تُدخلها في الإيمان كما نقله أهلُ المقالات عنهم. [انظر: «مقالات الإسلاميين» للأشعري: 197، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/543].

    ويظهر من خلال أهل المقالات أنّ طوائف المرجئة تعتقد أنّ الأعمال ليست من الإيمان؛ لأنّ الله فَرَّق بين الإيمان والأعمال في كتابه، فإيمان الخلق متماثل لا متفاضل، وإنما يجري التفاضل في غير الإيمان من الأعمال بالزيادة والنقصان وهو وجه المخالفة مع أهل السُّنَّة، ومع ذلك فالزيادة والنقصان عند المرجئة ليستا على حدّ سواء فتجوز الزيادة –من جهة الأعمال- مطلقة من غير تقييد، ويجب تقييد النقصان بحدّ أدنى، لذلك كانت المرجئة «تنفر من لفظ النقص أعظم من نفورها من لفظ الزيادة» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية: 7/404، «توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة ابن القيم» لأحمد بن إبراهيم: 2/146]، وهذا وجه آخر يخالفون به أهل السنة من جهة أنّ الإيمان –عندهم- لا يتوقّف نقصانه إلى حدّ معيّن بل نصّوا على أنّ الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء.

    وبناء على ما تقدّم فإنّ المرجئة لم تنازع في الحكم، وإنما نازعت في الاسم، فيجوز على الشخص أن يكون مثابًا معاقبًا، محمودًا مذمومًا، لكن لا يجوز أن يكون معه بعض الإيمان دون بعض، قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (7/354): «وأمّا أهلُ السنّةِ والجماعةِ والصحابةُ والتابعون، وسائرُ طوائفِ المسلمين من أهل الحديث والفقهاء وأهل الكلام من مرجئة الفقهاء والكرامية والكلابية والأشعرية والشيعة مرجئهم وغير مرجئهم، فيقولون: إنّ الشخص الواحد قد يعذّبه الله بالنار ثمّ يدخله الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا الشخص الذي له سيّئات عذّب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية وطاعة باتفاق؛ فإن هؤلاء الطوائف لم يتنازعوا في حكمه، لكن تنازعوا في اسمه».

    وأصل ضلالهم اعتقادهم أنّ الإيمان شيء واحد لا يتبعّض ولا يتجزّأ فمتى ذهب بعضُه ذهب سائره، وهو الأصل الذي التزمه –أيضًا- الخوارج والمعتزلة، غير أنّ الفَرْقَ بينهما في النتيجة يظهر في أنّ المرجئة أخذوا بشِّقِّ نصوص الوعد في عدم خلود أصحاب الكبائر مع إهمالهم للشِّقِّ الآخر المتمثّل في نصوص الوعيد الدالة على زوال الاسم المطلق عنهم والخلود في النار الذي أخذ به الخوارج والمعتزلة على تفصيل سابق.

    وهذا الأصل باطل كان له الأثر البليغ في مخالفتهم لأهل السنّة في الاسم دون الحكم، حيث قرّروا أن إيمان الفاسق كاملٌ لا تؤثّر فيه الذنوب، وإيمانه كإيمان جبريل وميكائيل مع موافقتهم أهل السنّة في حكمه بأنه مستحقّ للعقاب، فلا تلازم -عند المرجئة- بين الاسم والحكم في حقّ الفاسق؛ لأنّ المرجئة لا تنازع في أنّ الإيمان الذي في القلب يدعو إلى فعل الطاعة، والطاعة من ثمراته ونتائجه ولكن تنازع هل يستلزم الطاعة؟ واعتقادهم انتفاء التلازم بين الأعمال والإيمان، إذ أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًّا بدون شيء من الأعمال، فالأعمال –عندهم- ثمرة للإيمان بمنزلة السبب مع المسبّب أي: أنّ الإيمان الباطن قد يكون سببًا وقد يكون الباطن تامًّا كاملاً وهي لم توجد، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» [7/204]: «والتحقيق أنّ إيمان القلب التامّ يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تامّ بدون عمل ظاهر».

    قلت: ومن هنا ظهرت وسطيةُ أهلِ السُّنَّة في مرتكب الكبيرة بين من يجعله كاملَ الإيمان وبين من يجعله ذاهبَ الإيمان، وإنما الفاسق الملي ناقصُ الإيمان فهو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته.

    هذا، والمصنّف استدلّ على مذهب أهل السنّة والجماعة بالآيات القرآنية الدالّة على زيادة الإيمان صراحةً وعلى نقصه باللزوم؛ ذلك لأنّ كلّ دليل يدلّ على الزيادة فهو يدلّ على النقصان وبالعكس، فالزيادة والنقص متلازمان فلا يعقل أحدهما دون الآخر، وقد احتجّ على هذا المعنى علماء أهل السنّة، فقد قيل لسفيان بن عيينة: الإيمان يزيد وينقص قال: أليس تقرؤون: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ في غير موضع، قيل: ينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلاّ وهو ينقص» [رواه الآجري في «الشريعة» (114) انظر «تهذيب السنن» لابن القيم: (12/450). وقال البيهقي في «شعب الإيمان» [1/160] عند تناوله للآيات المصرِّحة بزيادة الإيمان: «فثبت بهذه الآيات أنّ الإيمان قابل للزيادة، وإذا كان قابلاً للزيادة فعدمت الزيادة كان عدمها نقصانًا».

    وقال ابن حزم في «الفصل» [3/237] بعد أن قرّر وجود الزيادة في الإيمان: «فبالضرورة ندري أنّ الزيادة تقتضي النقص ضرورة ولا بدّ؛ لأنّ معنى الزيادة إنما هي عدد مضاف إلى عدد، وإذا كان ذلك، فذلك العدد المضاف إليه هو بيقين ناقص عند عدم الزيادة فيه». وقال البغدادي في «أصول الدين [253]: «…وإذا صحّت الزيادة فيه كان الذي زاد إيمانه قبل الازدياد أنقص إيمانًا منه في حال الازدياد». ونقل النووي في «شرح مسلم» [1/146] عن ابن بطال أنه قال: «فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص».

    وعليه، فالآيات القرآنية المصرِّحة بزيادة الإيمان استدلّ بها المصنّف على وجه التنصيص بزيادة الإيمان بالمنطوق، وعلى النقصان باللزوم، فكانت دليلاً عليهما معًا.

    ٢- جزء من آية 2 من سورة الأنفال.

    وفي معرض ذكر هذه الآية، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/228]: «وهذه زيادة إذا تليت عليهم الآيات، أي: وقت تليت ليس هو تصديقهم بها عند النزول، وهذا أمر يجده المؤمن إذا تليت عليه الآيات زاد في قلبه بفهم القرآن ومعرفة معانيه من علم الإيمان ما لم يكن، حتى كأنه لم يسمع الآية إلاّ حينئذٍ، ويحصل في قلبه من الرغبة في الخير والرهبة من الشرّ ما لم يكن، فزاد علمه بالله ومحبّته لطاعته، وهذه زيادة الإيمان».

    ٣- آية 173 من سورة آل عمران.

    قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/228] عند هذه الآية: «فهذه الزيادة عند تخويفهم بالعدوّ لم تكن عند آية نزلت فازدادوا يقينًا وتوكّلاً على الله، وثباتًا على الجهاد، وتوحيدًا بألاّ يخافوا المخلوق بل يخافون الخالق وحده».

    وقال الآلوسي في «روح المعاني» [9/165] عند تفسيره لهذه الآية: «وهذا أحد أدلّة من ذهب إلى أنّ الإيمان يزيد وينقص، وهو مذهب الجمّ الغفير من الفقهاء والمحدّثين والمتكلّمين وبه أقوال، لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنّة من غير معارض لها عقلاً، بل قد احتجّ عليه بعضهم بالعقل أيضًا، وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمّة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساويًا لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، واللازم باطل فكذا الملزوم».

    قلت: وقد اكتفى المصنّف في هذا المقام بالاستدلال بآيتين وحديث وإلاّ فلزيادة الإيمان ونقصانه أدلّة كثيرة، عقد اللآجري في «الشريعة» [116] واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» [3/18] بابًا سيقت فيه جملة من الأدلة من الكتاب والسنة والآثار الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه.

    ٤- الحديث يدلّ على زيادة الإيمان ونقصانه حيث بيّن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مراتب إنكار المنكر، وأنّ الناس يتفاضلون في الإيمان بحسب الاستطاعة في القيام بهذه المراتب بالتغيير باليد أو باللسان أو بالقلب، فيزداد إيمان من ينكر المنكر بيده في حين يضعف إيمان من يكرهه بقلبه، وقوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وذلك أضعف الإيمان» دليل صريح على أنّ الإيمان ينقص بنقص الطاعة وارتكاب المعصية، كما أنه في المقابل يزيد بفعل الطاعة والابتعاد عن المعصية.

    هذا، ويعدّ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أحد الأدلة من السُّنَّة على زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله، وقد بوّب له النسائي في «سننه» (8/111) «باب تفاضل أهل الإيمان»، والنووي في «شرح مسلم» [2/21] «باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص»، وابن منده في «الإيمان» [1/341] «ذكر خبر يدلّ على أنّ الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد وينقص».

    وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه –وإن لم يظهر فيه التصريح بأنّ مراتب الإنكار هي من الإيمان، ولا ورد التصريح بأنّ الإنكار القلبي هو آخر حدود الإيمان- إلاّ أنّ ما رواه مسلم في صحيحه (2/27) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»، أفاد ما أفاده الحديث السابق مع زيادة التصريح بالفائدتين السابقتين.

    وحقيق بالتنبيه أنه ليس المراد من قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلّم: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردل» نفي أصل الإيمان عمّن لم ينكر المنكر، وإنما المراد به أنه ليس وراء مرتبة القلب من الإنكار ما يصلح أن يدخل في مسمى الإيمان حتى يقوم به المؤمن، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» [7/52]: «أي: ليس وراء هذه الثلاث ما هو من الإيمان، ولا قدر حبة من خردل. والمعنى: هذا آخر حدود الإيمان ما بقي بعد هذا من الإيمان شيء، ليس مراده أنه من لم يفعل ذلك لم يبق معه من الإيمان شيء».

    كما يجدر التنبيه -أيضًا- أنّ كلّ الروايات الواردة في أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهي باطلة وموضوعة -بلا ريب- أي: مكذوبة على رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، قال ابن القيم في «المنار المنيف» [119]: «وكلّ حديث فيه أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص فكذب مختلق»، وهذا بغضّ النظر عن مصادمته لنصوص الكتاب والسنّة المصرّحة بزيادة الإيمان ونقصانه.

    ٥- الحديث لم يخرجه البخاري –وهو وهم من المصنّف- وإنما رواه مسلم في «الإيمان» [2/22] باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان. وأبو داود في «الملاحم» [4/511] باب الأمر والنهي، والترمذي في «الفتن» [1/470-471] باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنسائي في «الإيمان» [8/111، 112]، باب تفاضل أهل الإيمان، وابن ماجه في «إقامة الصلاة» [1/406]، باب ما جاء في صلاة العيدين، وفي «الفتن» [2/1330]، باب الأمر بالمعروف، وأحمد في «مسنده»: 3/10، 20، 52، 92. من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.



    ... يتبع ...


    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:24

    بيـانُ معنى الإيمـان
    «تابع»


    الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ: التَّصْدِيقُ الَّذِي هُوَ الجُزْءُ الأَصْلِيُّ فِي الإِيمَانِ يَقْوَى وَيَضْعُفُ، يَقْوَى بِالنَّظَرِ فِي الآيَاتِ الكَوْنِيَّةِ، وَالتَّدَبُّرِ فِي الآيَاتِ السَّمْعِيَّةِ، وَالتَّقَرُّبِ بِالعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ(١- ذكر المصنِّفُ -رحمه الله- أنّ التصديقَ بالقلب هو الجزءُ الأصليُّ في الإيمان؛ لأنه بزواله لم تنفع أجزاءُ الإيمان باتفاق المسلمين، أمّا زوال عمل القلب فأهل السُّنَّة مجمعون على زواله خلافًا للمرجئة -كما تقدَّم-، والقلبُ هو الأصلُ ورأسُ الأمر، وأعمالُه يشترط في قَبولها الإخلاص بها لله تعالى، وهو عملٌ قلبيٌّ، بل هي من أهمِّ المطالب، إذ لا تُقبل الأعمالُ الظاهرةُ إن خَلَتْ من الأعمال القلبية، ولا عِبرةَ بصلاح الظاهر مع فساد الباطن، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ». [أخرجه البخاري في «الإيمان» (1/126) باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه، ومسلم في «المساقاة» (11/27) باب لعن آكل الرِّبا وموكله، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما». لذلك وجب على المسلم العناية بإصلاح باطنه بتطهير قلبه مما يُدنِّسُه من الآفات والمكروهات، وعمارتِهِ بمحبَّة اللهِ عزّ وجلَّ ومحبّةِ ما يحبُّه اللهُ عزّ وجلّ، والعملِ على تقوية إيمانه، والخشيةِ من كلّ ما يباعد منه. ثمّ بيّن المصنِّفُ -رحمه الله- أنّ الله تعالى جعل للإيمان أسبابًا كثيرةً تزيده وتقوِّيه، ومظاهرَ تجلبه وتنمِّيه منها: ■ النظر في الآيات الكونية مما خلقه اللهُ سبحانه في السمٰوات والأرض، فإنّ في تدبّرها وإمعان النظر فيها من أعظم ما يعود على الإنسان بالنَّفع في تقوية إيمانه وتثبيته، ولذلك رغّب الله سبحانه عبادَه في كتابه الكريم في التأمّل في آياته الكونية الدالَّة على وحدانية الخالق وتفرّده وقدرتِه ومشيئتِه وعلمِه وكرمِه ولُطفِه وكماله سبحانه، وقد ندب إلى النظر والتفكُّر ليزدادَ العبدُ حبَّه لله وتعظيمه له وإجلاله وطاعته وانقياده وخضوعه وملازمة ذكره، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء: 12]، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 18-20]، فالنظرُ في آياته ومفعولاتِه الدالَّة على عَظَمة خالقِها وعظمة سلطانه وشمول قدرته وما فيها من الإِِحكام والإتقان، وبديعِ الصنيع ولطائف الفعل، فإنّ من أعظم ثمرات هذا النظر ما ينعكس على القلب بتعلّقه بخالقه البديع، ومحبّته وشكره وتعظيمه، وبذل الجهد في مرضاته وعدم الاشراك به، قال ابن القيم -رحمه الله- في «مفتاح دار السعادة» [2/5]: «وإذا تأمَّلت إلى ما دعا الله سبحانه في كتابه عبادَه إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى، وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته، وإحسانه وبِرِّه، ولطفه وعدله، ورضاه وغضبه، وثوابِه وعقابِه، فبهذا تَعَرَّفَ إلى عباده ونَدبهم إلى التفكُّر في آياته». والمصنّف -رحمه الله- بعدما تعرّض إلى أسباب زيادة الإيمان وثباته بالتفكُّر في آياته المرئية المشهودة، ذكر: ■ التدبّرَ في آياته المسموعة، فكان التفكر والتدبُّر في آياته السمعية على نوعين على ما قال ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» [1/554]: «تفكُّرٌ فيه ليقع على مراد الربِّ تعالى منه، وتفكّر في معاني ما دعا عباده إلى التفكُّرِ فيه، فالأوَّل: تَفَكُّرٌ في الدليل القرآني، والثاني: تفكر في الدليل العِياني، الأول: تفكر في آياته المسموعة، والثاني: تفَكُّر في آياته المشهودة، ولهذا أنزل الله القرآن ليُتدبَّر ويُتفكَّر فيه، ويُعْمَلَ به، لا لمجرَّدِ تلاوته مع الإعراضِ عنه». وقراءة القرآن وتدبّر آياته السمعية من أسباب تقوية الإيمان وتنميته، وقد جعله اللهُ مباركًا وهدًى ورحمة للعالمين، وبشرى وذكرى للذاكرين، يهدي للتي هي أقوم، ويشفي من الأسقام وأمراض القلوب من شبهات وشهوات، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. وقد أمر الله تعالى عباده بالعناية بالقرآن الكريم حفظًا وتلاوةً وعلمًا وسلوكًا وحثَّهم على تدبُّره، وأخبرهم أنه يزيد في إيمانهم إذا قرؤوه وتدبّروا معانيه، وعاتب كلّ من لم يخشع من المؤمنين عند سماع القرآن، وحذَّرهم من مشابهة الكفار في تركهم لذكر الله تعالى حتى قست قلوبهم، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمّد: 24]، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16]. هذا، وإنما يرفع الله بالقرآن الكريم ويزيدُ به الإيمان من اعتنى بقراءته وتدبّره وفهم لمعانيه، وكيفية الاستفادة منه وعمل بمقتضاه، فإنه يتمّ لهذا المعتني النفع به، ويكون حجّة له، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ». [رواه مسلم في «صلاة المسافرين» (6/98) باب فضل من يقوم بالقرآن وتعلّمه، وابن ماجه في «المقدّمة» (1/79)، باب فضل من تعلّم القرآن وعمله، والدارمي في «فضائل القرآن» (2/443) باب إنّ الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه]. وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ». [أخرجه مسلم في «الطهارة» (3/100) باب فضل الوضوء، والترمذي في «الدعوات» (5/535)، والنسائي في «الزكاة» (5/5) باب وجوب الزكاة من حيث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه]. قال الآجُرِّي في «أخلاق حملة القرآن» [10]: «ومَن تدبَّر كلامه عرف الربَّ عزّ وجلَّ، وعرف عظيمَ سلطانه وقدرته، وعظيمَ تفضّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذّره مولاه الكريم، فرغب فيما رغبه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن، وعند استماعه من غيره كان القرآن له شفاء فاستغنى بلا مال، وعزَّ بلا عشيرة، وأنس مما يستوحش منه غيره، وكان همّه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها متى اتعظ بما أتلو، ولم يكن مراده متى أختم السورة، وإنما مراده متى أعقل عن الله الخطاب، متى أزدجِرُ، متى أعتبر؛ لأنّ تلاوة القرآن عبادة، لا تكون بغفلة، واللهُ الموفِّق لذلك». ثمّ ذكر المصنِّف -رحمه الله- أنّ من أسباب تقوية الإيمان وزيادته: التقرّب بالعبادات الشرعية سواء كانت باطنةً أو ظاهرةً، وهذه العبودية الشرعية منقسمة على: ● القلب: كالإخلاص والمحبَّة والتوكُّل والإنابة والخوف والرجاء والخشية والرضى والصبر وغيرها من الأعمال القلبية التي هي رأس الأمر وأساس الأعمال الظاهرة -كما تقدّم- إذ صلاح حركات العبد الظاهرة متوقِّف على صفة حركات قلبه، ولا ينفع عند الله إلاَّ إذا كان قلبه سليمًا من كلِّ تعكير بالآفات والأمراض والشبهات والمكروهات وكلّ ما يباعد عن الله تعالى ليس في قلبه إلاّ محبة الله تعالى ومحبة ما يحبّ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. ● واللسان: كالشهادة والذِّكْرِ من تلاوة القرآن، والتسبيح والتحميد، والتكبير والاستغفار، والأذان وغيرها ممَّا ورد الحثّ على الإكثار منه بالنصوص الشرعية، وتبين فضله، قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ، قِيلَ: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ». [أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار»: [17/4] باب الحثّ على ذكر الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ». [أخرجه البخاري في «الدعوات»: [11/208] باب فضل ذكر الله عزّ وجلّ، ومسلم في «صلاة المسافرين»: [6/68] باب استحباب صلاة النافلة في البيت، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه]. وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ». [أخرجه البخاري في «التوحيد» (3/384) باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾، ومسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار»: (17/3) باب الحث على ذكر الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. ● والجوارح: كالوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحجِّ والجهاد وغيرها من أعمال الجوارح التي ندب الله تعالى عباده إليها، وهي من أعظم أسباب زيادة الإيمان وتقويته، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 1-11]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إنّ الله تبارك وتعالى قال: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْتُهُ، فَكُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا…». [أخرجه البخاري في «الرقاق» [11/340] باب التواضع، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. هذا، والمصنِّف أشار إلى ما يقوي الإيمان من النظر في الآيات الكونية، والتدبُّر في الآيات السمعية، والتقرُّب بالعبادات الشرعية، وهي ثلاثة أسباب ذكرها تمثيلاً لا حصرًا، حيث يضيف العلماءُ أسبابًا أخرى نجملها في النقاط التالية منها: ■ تعلُّم العلم الشرعي وتحصيله والعمل بمقتضاه؛ لأنَّ التوفيق للفقه في الدِّين من أعظم أسباب زيادة الإيمان، والمراد بالعلم الشرعي هو الذي يفيد ما يجب على المكلَّف من أمر دينه، ومعرفةِ خالقه سبحانه وصفاتِه، وما يجب له من القيام بأمره، وتَنْزيهه عن النقائص، ومن النصوصِ الشرعيةِ المبيِّنةِ لِـمَنْزِلَةِ العلم ومكانةِ أهلِه، قولُه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]، وقولُه تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، وقولُه تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54]، وقولُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهٌ فِي الدِّينِ». [أخرجه البخاري في «العلم»: (1/164) باب من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يفقِّهه في الدِّين، ومسلم في «الزكاة»: (7/128) باب النهي عن المسألة، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما]. ■ العمل على إدراك عِظم الدِّين الإسلامي وجلال محاسنه بالتمعُّن في شرائعه وأحكامه وأعماله، والتأمُّلِ في عقائده وأخلاقه وآدابه، لكونه سبيل اطمئنان القلب وتذوقه لحلاوة الإيمان، فيَتَزَيَّنُ الباطنُ بحقيقة الإيمان ويزيدُه تمسُّكًا بأصوله وثباتًا على عقيدته، ويتزيَّنُ الظاهرُ بأعمال الإيمان ويزيدُهُ طاعةً، قال تعالى -ممتنًّا على خيار خلقه-: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7]، قال ابن القيم -رحمه الله- في «مفتاح دار السعادة» (2/343): «والمقصود أنَّ خواصَّ الأُمَّة ولبابَها لما شهدت عقولهم حُسْن هذا الدِّين وجلالَتَه وكمالَه، وشهدت قبحَ ما خالفه ونقصَه ورداءَته، خالط الإيمانُ به ومحبَّتُهُ بشاشةَ قلوبهم، فلو خُيِّرَ بين أن يُلقى في النار وبين أن يختارَ دينًا غيرَه لاختار أن يُقذَف في النَّار وتُقَطَّعَ أعضاؤه ولا يختار دينًا غيرَه. وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرَّتْ أقدامُهم في الإيمان، وهم أبعدُ الناس عن الارتدادِ عنه، وأحقُّهم بالثَّباتِ عليه إلى يوم لقاء الله». ■ دراسة سيرةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وسُنَّتِه، ومختلفِ معاملاته مع أزواجه وأصحابه وأقربائه وعموم المؤمنين، والتأمُّل في نعوته الشريفة وخصاله الكريمة وشمائله الحميدة وما يتمتَّع به من رفيع الأخلاق وحسن الآداب، وقد أثنى الله تعالى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، ووصفه سبحانه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، فإنّ المتأمِّلَ في سيرة رسولِ اللهِ وسلوكِه وأخلاقِه يُورثه زيادةَ محبةٍ لنبيِّه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وهي زيادةٌ في الإيمان تدفعه إلى تجريد المتابعة له وتحقيقِها بالقول والعمل ينتج عنه استقامة في الدِّين وصلاحٌ في العمل، وهو من أعظم سُبُل الهداية إذ أنَّ معرفتَه توجب للعبد المبادرةَ للإيمان ممَّن لم يؤمن، وزيادة إيمان من آمن به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، قال ابن القيم -رحمه الله- في «مفتاح دار السعادة» (2/342): «ومنهم مَن يهتدي بمعرفته بحاله صَلَّى اللهُ عليه وسلم، وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأنَّ عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي مَن كان بهذه المثابة كما قالت أُمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها له صَلَّى الله عليه وسلم: «أَبْشِرْ فَوَاللهِ لَنْ يُخْزِيَكَ اللهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ وَتُقْرِي الضَّيفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ». [أخرجه البخاري في «بدء الوحي»: (1/22) باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ومسلم في «الإيمان» (2/197) باب بدء الوحي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، من حديث عائشة رضي الله عنها]. ■ الدعوة إلى الله تعالى بما تحصّل من علوم الدِّين والالتزام بشرائعه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين مع التواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، والتزام أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة والرفق والصبر على المدعوين مع بصيرة تامَّة بما يدعوهم إليه متّخذًا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قدوةً له في الدعوة بفهم حملةِ هذا الدِّين من هُدَاةِ الأنام وحماة الإسلام، أهل المواقف والمشاهد العظام: صحابته الكرام، الذين خاطبهم اللهُ بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: 110]، ومن سلك سبيلهم واقتدى آثارهم من دعاة الهدى ومصابيح الدجى، فإن القيام بالدعوة على هذا الوجه والاتصاف بهم خُلُقًا وسلوكًا ودعوةً لهي من أعظم بركة الداعية في لقائه والاجتماع به، ذلك النفع العظيم الذي تنعكس ثمراته بزيادة إيمانه وإيمان المدعوين، قال ابن القيم في «رسالة إلى كلِّ مسلم» (5/6): «ومن بركة الرجل أن يكون مُعلِّمًا للخير، داعيًا إلى الله، مذكِّرًا به، مرغِّبًا في طاعته، ومن خلا من هذا فقد خلاَ من البركة، ومُحِقَتْ بركةُ لقائه والاجتماع به». ■ مجالسة الصالحين من أهل الإيمان والعلم والتقوى المتبعين للسُّنَّة الملتزمين لهدي النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قولاً وفعلاً فإنَّ مجالستَهم والانتفاعَ بعلمهم ودعائِهم والاستماعَ إلى وعظهم ونصائحهم في الترغيب في طاعة الله وطاعةِ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، والتحذيرِ من الوقوع في المعاصي والذنوب والأضرارِ، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق والآداب الحسنة، ومشاهدة أعمالهم الصالحة، فضلاً عن توجيههم إلى الإعانة على فعل الخيرات، وتذكيرِهم بوعد الله لأوليائه ووعيده لأعدائه، وغيرِ ذلك من أسباب حصول النَّفْعِ وزيادة الإيمان من جرَّاء مجالستِهم والاختلاط بهم والاجتماعِ معهم، وفوائد صحبة الأخيار غيرُ حاصلة أبدًا في صحبة الأشرار. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُلُ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ». [أخرجه أبو داود في «الأدب»: (5/167) باب من يؤمر أن يجالس، والترمذي في «الزهد»: (4/600) باب ما جاء في صحبة المؤمن، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو حديث حسن كما في «صحيح الجامع» للألباني (6/158- برقم: 7218)]. قال الخطابي في «معالم السنن» (5/168): «وإنما حذَّر من صُحبة من ليس بتقيٍّ، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإنَّ المطاعمة توقعُ الألفةَ والمودَّة في القلوب» )…



    ١- ذكر المصنِّفُ -رحمه الله- أنّ التصديقَ بالقلب هو الجزءُ الأصليُّ في الإيمان؛ لأنه بزواله لم تنفع أجزاءُ الإيمان باتفاق المسلمين، أمّا زوال عمل القلب فأهل السُّنَّة مجمعون على زواله خلافًا للمرجئة -كما تقدَّم-، والقلبُ هو الأصلُ ورأسُ الأمر، وأعمالُه يشترط في قَبولها الإخلاص بها لله تعالى، وهو عملٌ قلبيٌّ، بل هي من أهمِّ المطالب، إذ لا تُقبل الأعمالُ الظاهرةُ إن خَلَتْ من الأعمال القلبية، ولا عِبرةَ بصلاح الظاهر مع فساد الباطن، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ». [أخرجه البخاري في «الإيمان» (1/126) باب فضل من استبرأ لدينه وعرضه، ومسلم في «المساقاة» (11/27) باب لعن آكل الرِّبا وموكله، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما».

    لذلك وجب على المسلم العناية بإصلاح باطنه بتطهير قلبه مما يُدنِّسُه من الآفات والمكروهات، وعمارتِهِ بمحبَّة اللهِ عزّ وجلَّ ومحبّةِ ما يحبُّه اللهُ عزّ وجلّ، والعملِ على تقوية إيمانه، والخشيةِ من كلّ ما يباعد منه.

    ثمّ بيّن المصنِّفُ -رحمه الله- أنّ الله تعالى جعل للإيمان أسبابًا كثيرةً تزيده وتقوِّيه، ومظاهرَ تجلبه وتنمِّيه منها:

    ■ النظر في الآيات الكونية مما خلقه اللهُ سبحانه في السمٰوات والأرض، فإنّ في تدبّرها وإمعان النظر فيها من أعظم ما يعود على الإنسان بالنَّفع في تقوية إيمانه وتثبيته، ولذلك رغّب الله سبحانه عبادَه في كتابه الكريم في التأمّل في آياته الكونية الدالَّة على وحدانية الخالق وتفرّده وقدرتِه ومشيئتِه وعلمِه وكرمِه ولُطفِه وكماله سبحانه، وقد ندب إلى النظر والتفكُّر ليزدادَ العبدُ حبَّه لله وتعظيمه له وإجلاله وطاعته وانقياده وخضوعه وملازمة ذكره، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 190-191]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء: 12]، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 18-20]، فالنظرُ في آياته ومفعولاتِه الدالَّة على عَظَمة خالقِها وعظمة سلطانه وشمول قدرته وما فيها من الإِِحكام والإتقان، وبديعِ الصنيع ولطائف الفعل، فإنّ من أعظم ثمرات هذا النظر ما ينعكس على القلب بتعلّقه بخالقه البديع، ومحبّته وشكره وتعظيمه، وبذل الجهد في مرضاته وعدم الاشراك به، قال ابن القيم -رحمه الله- في «مفتاح دار السعادة» [2/5]: «وإذا تأمَّلت إلى ما دعا الله سبحانه في كتابه عبادَه إلى الفكر فيه أوقعك على العلم به سبحانه وتعالى، وبوحدانيته، وصفات كماله، ونعوت جلاله، من عموم قدرته وعلمه، وكمال حكمته ورحمته، وإحسانه وبِرِّه، ولطفه وعدله، ورضاه وغضبه، وثوابِه وعقابِه، فبهذا تَعَرَّفَ إلى عباده ونَدبهم إلى التفكُّر في آياته».

    والمصنّف -رحمه الله- بعدما تعرّض إلى أسباب زيادة الإيمان وثباته بالتفكُّر في آياته المرئية المشهودة، ذكر:

    ■ التدبّرَ في آياته المسموعة، فكان التفكر والتدبُّر في آياته السمعية على نوعين على ما قال ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» [1/554]: «تفكُّرٌ فيه ليقع على مراد الربِّ تعالى منه، وتفكّر في معاني ما دعا عباده إلى التفكُّرِ فيه، فالأوَّل: تَفَكُّرٌ في الدليل القرآني، والثاني: تفكر في الدليل العِياني، الأول: تفكر في آياته المسموعة، والثاني: تفَكُّر في آياته المشهودة، ولهذا أنزل الله القرآن ليُتدبَّر ويُتفكَّر فيه، ويُعْمَلَ به، لا لمجرَّدِ تلاوته مع الإعراضِ عنه».

    وقراءة القرآن وتدبّر آياته السمعية من أسباب تقوية الإيمان وتنميته، وقد جعله اللهُ مباركًا وهدًى ورحمة للعالمين، وبشرى وذكرى للذاكرين، يهدي للتي هي أقوم، ويشفي من الأسقام وأمراض القلوب من شبهات وشهوات، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82].

    وقد أمر الله تعالى عباده بالعناية بالقرآن الكريم حفظًا وتلاوةً وعلمًا وسلوكًا وحثَّهم على تدبُّره، وأخبرهم أنه يزيد في إيمانهم إذا قرؤوه وتدبّروا معانيه، وعاتب كلّ من لم يخشع من المؤمنين عند سماع القرآن، وحذَّرهم من مشابهة الكفار في تركهم لذكر الله تعالى حتى قست قلوبهم، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمّد: 24]، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].

    هذا، وإنما يرفع الله بالقرآن الكريم ويزيدُ به الإيمان من اعتنى بقراءته وتدبّره وفهم لمعانيه، وكيفية الاستفادة منه وعمل بمقتضاه، فإنه يتمّ لهذا المعتني النفع به، ويكون حجّة له، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ آخَرِينَ». [رواه مسلم في «صلاة المسافرين» (6/98) باب فضل من يقوم بالقرآن وتعلّمه، وابن ماجه في «المقدّمة» (1/79)، باب فضل من تعلّم القرآن وعمله، والدارمي في «فضائل القرآن» (2/443) باب إنّ الله يرفع بهذا القرآن أقوامًا، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه]. وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ». [أخرجه مسلم في «الطهارة» (3/100) باب فضل الوضوء، والترمذي في «الدعوات» (5/535)، والنسائي في «الزكاة» (5/5) باب وجوب الزكاة من حيث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه].

    قال الآجُرِّي في «أخلاق حملة القرآن» [10]: «ومَن تدبَّر كلامه عرف الربَّ عزّ وجلَّ، وعرف عظيمَ سلطانه وقدرته، وعظيمَ تفضّله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته، فألزم نفسه الواجب، فحذر مما حذّره مولاه الكريم، فرغب فيما رغبه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن، وعند استماعه من غيره كان القرآن له شفاء فاستغنى بلا مال، وعزَّ بلا عشيرة، وأنس مما يستوحش منه غيره، وكان همّه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها متى اتعظ بما أتلو، ولم يكن مراده متى أختم السورة، وإنما مراده متى أعقل عن الله الخطاب، متى أزدجِرُ، متى أعتبر؛ لأنّ تلاوة القرآن عبادة، لا تكون بغفلة، واللهُ الموفِّق لذلك».

    ثمّ ذكر المصنِّف -رحمه الله- أنّ من أسباب تقوية الإيمان وزيادته: التقرّب بالعبادات الشرعية سواء كانت باطنةً أو ظاهرةً، وهذه العبودية الشرعية منقسمة على:

    ● القلب: كالإخلاص والمحبَّة والتوكُّل والإنابة والخوف والرجاء والخشية والرضى والصبر وغيرها من الأعمال القلبية التي هي رأس الأمر وأساس الأعمال الظاهرة -كما تقدّم- إذ صلاح حركات العبد الظاهرة متوقِّف على صفة حركات قلبه، ولا ينفع عند الله إلاَّ إذا كان قلبه سليمًا من كلِّ تعكير بالآفات والأمراض والشبهات والمكروهات وكلّ ما يباعد عن الله تعالى ليس في قلبه إلاّ محبة الله تعالى ومحبة ما يحبّ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].

    ● واللسان: كالشهادة والذِّكْرِ من تلاوة القرآن، والتسبيح والتحميد، والتكبير والاستغفار، والأذان وغيرها ممَّا ورد الحثّ على الإكثار منه بالنصوص الشرعية، وتبين فضله، قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ، قِيلَ: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ». [أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار»: [17/4] باب الحثّ على ذكر الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ». [أخرجه البخاري في «الدعوات»: [11/208] باب فضل ذكر الله عزّ وجلّ، ومسلم في «صلاة المسافرين»: [6/68] باب استحباب صلاة النافلة في البيت، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه]. وقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ». [أخرجه البخاري في «التوحيد» (3/384) باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾، ومسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار»: (17/3) باب الحث على ذكر الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    ● والجوارح: كالوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحجِّ والجهاد وغيرها من أعمال الجوارح التي ندب الله تعالى عباده إليها، وهي من أعظم أسباب زيادة الإيمان وتقويته، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ العَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 1-11]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إنّ الله تبارك وتعالى قال: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْتُهُ، فَكُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا…». [أخرجه البخاري في «الرقاق» [11/340] باب التواضع، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    هذا، والمصنِّف أشار إلى ما يقوي الإيمان من النظر في الآيات الكونية، والتدبُّر في الآيات السمعية، والتقرُّب بالعبادات الشرعية، وهي ثلاثة أسباب ذكرها تمثيلاً لا حصرًا، حيث يضيف العلماءُ أسبابًا أخرى نجملها في النقاط التالية منها:

    ■ تعلُّم العلم الشرعي وتحصيله والعمل بمقتضاه؛ لأنَّ التوفيق للفقه في الدِّين من أعظم أسباب زيادة الإيمان، والمراد بالعلم الشرعي هو الذي يفيد ما يجب على المكلَّف من أمر دينه، ومعرفةِ خالقه سبحانه وصفاتِه، وما يجب له من القيام بأمره، وتَنْزيهه عن النقائص، ومن النصوصِ الشرعيةِ المبيِّنةِ لِـمَنْزِلَةِ العلم ومكانةِ أهلِه، قولُه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]، وقولُه تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، وقولُه تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54]، وقولُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهٌ فِي الدِّينِ». [أخرجه البخاري في «العلم»: (1/164) باب من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يفقِّهه في الدِّين، ومسلم في «الزكاة»: (7/128) باب النهي عن المسألة، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما].

    ■ العمل على إدراك عِظم الدِّين الإسلامي وجلال محاسنه بالتمعُّن في شرائعه وأحكامه وأعماله، والتأمُّلِ في عقائده وأخلاقه وآدابه، لكونه سبيل اطمئنان القلب وتذوقه لحلاوة الإيمان، فيَتَزَيَّنُ الباطنُ بحقيقة الإيمان ويزيدُه تمسُّكًا بأصوله وثباتًا على عقيدته، ويتزيَّنُ الظاهرُ بأعمال الإيمان ويزيدُهُ طاعةً، قال تعالى -ممتنًّا على خيار خلقه-: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7]، قال ابن القيم -رحمه الله- في «مفتاح دار السعادة» (2/343): «والمقصود أنَّ خواصَّ الأُمَّة ولبابَها لما شهدت عقولهم حُسْن هذا الدِّين وجلالَتَه وكمالَه، وشهدت قبحَ ما خالفه ونقصَه ورداءَته، خالط الإيمانُ به ومحبَّتُهُ بشاشةَ قلوبهم، فلو خُيِّرَ بين أن يُلقى في النار وبين أن يختارَ دينًا غيرَه لاختار أن يُقذَف في النَّار وتُقَطَّعَ أعضاؤه ولا يختار دينًا غيرَه. وهذا الضرب من الناس هم الذين استقرَّتْ أقدامُهم في الإيمان، وهم أبعدُ الناس عن الارتدادِ عنه، وأحقُّهم بالثَّباتِ عليه إلى يوم لقاء الله».

    ■ دراسة سيرةِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وسُنَّتِه، ومختلفِ معاملاته مع أزواجه وأصحابه وأقربائه وعموم المؤمنين، والتأمُّل في نعوته الشريفة وخصاله الكريمة وشمائله الحميدة وما يتمتَّع به من رفيع الأخلاق وحسن الآداب، وقد أثنى الله تعالى عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، ووصفه سبحانه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]، فإنّ المتأمِّلَ في سيرة رسولِ اللهِ وسلوكِه وأخلاقِه يُورثه زيادةَ محبةٍ لنبيِّه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وهي زيادةٌ في الإيمان تدفعه إلى تجريد المتابعة له وتحقيقِها بالقول والعمل ينتج عنه استقامة في الدِّين وصلاحٌ في العمل، وهو من أعظم سُبُل الهداية إذ أنَّ معرفتَه توجب للعبد المبادرةَ للإيمان ممَّن لم يؤمن، وزيادة إيمان من آمن به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، قال ابن القيم -رحمه الله- في «مفتاح دار السعادة» (2/342): «ومنهم مَن يهتدي بمعرفته بحاله صَلَّى اللهُ عليه وسلم، وما فطر عليه من كمال الأخلاق والأوصاف والأفعال، وأنَّ عادة الله أن لا يخزي من قامت به تلك الأوصاف والأفعال لعلمه بالله ومعرفته به، وأنه لا يخزي مَن كان بهذه المثابة كما قالت أُمّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها له صَلَّى الله عليه وسلم: «أَبْشِرْ فَوَاللهِ لَنْ يُخْزِيَكَ اللهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ وَتُقْرِي الضَّيفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ». [أخرجه البخاري في «بدء الوحي»: (1/22) باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ومسلم في «الإيمان» (2/197) باب بدء الوحي إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، من حديث عائشة رضي الله عنها].

    ■ الدعوة إلى الله تعالى بما تحصّل من علوم الدِّين والالتزام بشرائعه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين مع التواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، والتزام أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة والرفق والصبر على المدعوين مع بصيرة تامَّة بما يدعوهم إليه متّخذًا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قدوةً له في الدعوة بفهم حملةِ هذا الدِّين من هُدَاةِ الأنام وحماة الإسلام، أهل المواقف والمشاهد العظام: صحابته الكرام، الذين خاطبهم اللهُ بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: 110]، ومن سلك سبيلهم واقتدى آثارهم من دعاة الهدى ومصابيح الدجى، فإن القيام بالدعوة على هذا الوجه والاتصاف بهم خُلُقًا وسلوكًا ودعوةً لهي من أعظم بركة الداعية في لقائه والاجتماع به، ذلك النفع العظيم الذي تنعكس ثمراته بزيادة إيمانه وإيمان المدعوين، قال ابن القيم في «رسالة إلى كلِّ مسلم» (5/6): «ومن بركة الرجل أن يكون مُعلِّمًا للخير، داعيًا إلى الله، مذكِّرًا به، مرغِّبًا في طاعته، ومن خلا من هذا فقد خلاَ من البركة، ومُحِقَتْ بركةُ لقائه والاجتماع به».

    ■ مجالسة الصالحين من أهل الإيمان والعلم والتقوى المتبعين للسُّنَّة الملتزمين لهدي النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قولاً وفعلاً فإنَّ مجالستَهم والانتفاعَ بعلمهم ودعائِهم والاستماعَ إلى وعظهم ونصائحهم في الترغيب في طاعة الله وطاعةِ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، والتحذيرِ من الوقوع في المعاصي والذنوب والأضرارِ، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق والآداب الحسنة، ومشاهدة أعمالهم الصالحة، فضلاً عن توجيههم إلى الإعانة على فعل الخيرات، وتذكيرِهم بوعد الله لأوليائه ووعيده لأعدائه، وغيرِ ذلك من أسباب حصول النَّفْعِ وزيادة الإيمان من جرَّاء مجالستِهم والاختلاط بهم والاجتماعِ معهم، وفوائد صحبة الأخيار غيرُ حاصلة أبدًا في صحبة الأشرار. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ يَأْكُلُ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ». [أخرجه أبو داود في «الأدب»: (5/167) باب من يؤمر أن يجالس، والترمذي في «الزهد»: (4/600) باب ما جاء في صحبة المؤمن، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وهو حديث حسن كما في «صحيح الجامع» للألباني (6/158- برقم: 7218)]. قال الخطابي في «معالم السنن» (5/168): «وإنما حذَّر من صُحبة من ليس بتقيٍّ، وزجر عن مخالطته ومؤاكلته، فإنَّ المطاعمة توقعُ الألفةَ والمودَّة في القلوب».



    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:24

    بيـانُ معنى الإيمـان
    «تابع»


    وَيَضْعُفُ بِضِدِّ ذَلِكَ(١- ذكر المصنِّف –رحمه الله- أنّ الإيمان «يضعف بضدِّ ذلك» أي بترك النظر في الآيات الكونية والتدبّر في الآيات السمعية والتقرُّب بالعبادات الشرعية، واستشهد على ذلك بالنصوص الشرعية من الكتاب والسُّنَّة، والمعلوم أنّ كلَّ دليل دلَّ على زيادة الإيمان فهو يدلُّ على نقصانه باللزوم؛ لأنََّ الزيادة تستلزم النقص ولا تكون إلاَّ منه، وبالعكس -أيضًا- فإنَّ ما دلّ على نقصان الإيمان فهو يدلّ على زيادته. هذا، وتَرِدُ أسبابٌ أخرى غير التي ذكرها المصنِّف لها تأثير في الإيمان بالنقصان، ومن أعظمها: الجهل المضادّ للعلم؛ لأنَّ الجهل وفساد العلم يفضيان بالضرورة إلى فساد الأعمال ونقص الإيمان، ومنها: الأعداء الباطنيون: كالشيطان ووسوسته، والهوى والنفس الأمارة بالسوء، ومنها: اللهو واللعب والغفلة والنسيان والإعراض وارتكاب الذنوب وفعل المعاصي، ومنها: الاشتغال بعرض الحياة الدنيا، والانهماك في طلبها، والسعي في فتنتها، والجري خلف ملذاتها ومغرياتها، ومنها: مخالطة الأشرار وصحبة قرناء السوء، فهذه الأسباب وغيرها من أعظم المؤثرات على نقص الإيمان، بل قد يضعف إلى حالة الاضمحلال والتلاشي. والمسلم مطالب بأن يعرف هذه الأسباب ليكون على حذر منها، وليجاهد نفسه، ويبعدها عن الوقوع فيها )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾(٢- جزء من آية 260 من سورة البقرة. والآية في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ تدلّ على ازدياد اليقين وتقوية الإيمان بالرؤية البصرية والمشاهدة الواقعية لكيفية إحياء الموتى، وذلك معدود من آيات الله الكونية. قال ابن حجر في «فتح الباري» (1/47): «روى ابن جرير بسند صحيح إلى سعيد قال: قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: يزداد يقيني، وعن مجاهد قال: لأزداد إيمانًا إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم عليه السلام –مع أنّ نبيّنا صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد أمر باتباع ملّته- كان كأنّه ثبت عن نبيّنا صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ذلك». والآية تدلّ على مرتبتي اليقين حيث أراد إبراهيم الخليل عليه السلام أن ينتقل من علم اليقين الذي يعلمه الإنسان بالدليل الشرعي، أو العقلي إلى عين اليقين الذي يحصل بمشاهدة الشيء بعد العلم اليقيني به، وهذا الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين هو الذي سمّاه النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم شكًّا في قوله: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾». [أخرجه البخاري في «الأنبياء» [6/410، 411] باب قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، ومسلم في «الفضائل» [15/122] باب فضائل إبراهيم الخليل عليه السلام، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. ولليقين مرتبة ثالثة تحصل بمباشرة الشيء بعد العلم اليقيني به ومشاهدته وتسمَّى هذه المرتبة بحقِّ اليقين )، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَـٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾(٣- آية: 75 من سورة الأنعام)، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَنْ مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتِ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ(٤- كذا في رواية مسلم، وفي النسخة المطبوعة [فيما بينهم] وهي غير مثبتة في المرويات المخرجة) إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ(٥- كذا في رواية مسلم: [بطَّأ] من التبطئة، وفي المطبوعة: [أبطأ] كما ثبتت في رواية الترمذي وابن ماجه والطبراني، من الإبطاء، وهما ضِدّ التعجّل، والبطوء نقيض السرعة. [انظر: «تحفة الأحوذي للمباركفوري: (8/269)، قال النووي في «شرح مسلم»: (17/22): «معناه من كان عمله ناقصًا لم يُلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل») بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٦- أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء» (17/21) باب فضل الإجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، كما أخرجه الترمذي في «القراءات» (5/195) باب (12) وابن ماجه في «المقدمة» (1/82) باب: فضل العلماء والحثّ على طلب العلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. هذا، والحديث استدلّ به المصنّف على تقوية الجزء الأصلي في الإيمان وهو: التصديق بالتقرب بالطاعات، ومنها: طلب العلم الشرعي، وما يجني من ثمرات مجالسة الصالحين من أهل التقوى والإيمان المتبعين للهدي الملتزمين بالسنة، وما يحصل من فضل مجالس الذِّكر والذاكرين المشتملة على تلاوة القرآن وتدبّره ومدارسته، وما تحويه من عموم الذكر الوارد من تسبيح وتكبير وتهليل وغيرها، وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وقراءة الحديث النبوي، ودراسة العلم الشرعي والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى. [انظر: «فتح الباري» لابن حجر: (11/212)] على أن تكون هذه المجالس منعقدة على الوجه الشرعي، ومقيّدة باتباع النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حتى تتصف بالصلاح ويجنى منها الخير والبركة، عملاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: 31]، قال ابن كثير في «تفسيره» (1/369): «هذه الآية الكريمة حاكمة على كلّ من ادّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمّدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمّدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». [أخرجه مسلم في «الأقضية» (12/16) باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور من حديث عائشة رضي الله عنها] ). وَلِحَدِيثِ حَنْظَلَةَ(٧- هو الصحابي أبو ربعي حنظلة بن الربيع الصيفي الأُسيِّدي التميمي يقال له: الكاتب، وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وروى عنه، وشهد القادسية، ونزل الكوفة، وتخلّف عن علي رضي الله عنه في قتال أهل البصرة يوم الجمل، وتوفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم ولا عقب له. [انظر ترجمته في «الاستيعاب» لابن عبد البر: (1/379)، «أسد الغابة»: (2/58)، «الإصابة» لابن حجر: (1/359)، «الرياض المستطابة» للعامري: (56) ) الأُسَيِّدِيِّ(٨- الأُسيِّدي: نسبة إلى أُسَيِّد بن عمرو بن تميم، وهم من أشراف بني تميم العدنانية. [انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم: (210)، «نهاية الأرب» للقلقشدي: (49-50)، «اللُّباب» لابن الأثير: (1/61)) رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ! قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟! قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا(٩- من المعافسة: المُعالجة والممارسة والمُلاعبة. [«النهاية» لابن الأثير: (3/263)]. قال النووي في «شرح مسلم» (17/66): «ومعناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به، أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا، والضيعات: جمع ضيعة، وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة» ) الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا! فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ [فَـ]نَسِينَا(١٠- كذا في الأصل، وفي مسلم: [نسينا]، وعند الترمذي: [ونسينا]) كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي فِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ المَلاَئِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلِكْنْ يَا حَنْظَلَةُ: سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١١- أخرجه مسلم في «التوبة» [17/65-67] باب: فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، وأخرجه الترمذي في «صفة القيامة» [4/666] باب: [59]. وابن ماجه في «الزهد» [2/1416] باب: المداومة على العمل، وابن حبان في «صحيحه» في «البر والإحسان» [2/55] باب ما جاء في الطاعات وثوابها، من حديث حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدي رضي الله عنه. ووجه استدلال المصنف -رحمه الله- بهذا الحديث أن حنظلة بن الربيع رضي الله عنه خاف من النفاق، والخوف إنما حصل له بعد أن كان في مجلس رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يزداد إيمانه بالذكر وشدة التفكر والاعتبار والمراقبة والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالأزواج والأولاد ومعاش الدنيا، الأمر الذي أشعره بضعف في إيمانه إذا ما قوبل بما كان عليه في مجلس الذكر، فخاف أن يكون ذلك نفاقًا، فأعلمه النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه ليس بنفاق، إذ ليس في مقدوره الدوام على درجة واحدة من الإيمان، لكونه متفاوت الدرجات، فساعة يزيد إيمانه إذا حصلت أسباب الزيادة، وساعة يضعف إذا حصلت أسباب النقص ).



    ١- ذكر المصنِّف –رحمه الله- أنّ الإيمان «يضعف بضدِّ ذلك» أي بترك النظر في الآيات الكونية والتدبّر في الآيات السمعية والتقرُّب بالعبادات الشرعية، واستشهد على ذلك بالنصوص الشرعية من الكتاب والسُّنَّة، والمعلوم أنّ كلَّ دليل دلَّ على زيادة الإيمان فهو يدلُّ على نقصانه باللزوم؛ لأنََّ الزيادة تستلزم النقص ولا تكون إلاَّ منه، وبالعكس -أيضًا- فإنُّ ما دلّ على نقصان الإيمان فهو يدلّ على زيادته.

    هذا، وتَرِدُ أسبابٌ أخرى غير التي ذكرها المصنِّف لها تأثير في الإيمان بالنقصان، ومن أعظمها: الجهل المضادّ للعلم؛ لأنَّ الجهل وفساد العلم يفضيان بالضرورة إلى فساد الأعمال ونقص الإيمان، ومنها: الأعداء الباطنيون: كالشيطان ووسوسته، والهوى والنفس الأمارة بالسوء، ومنها: اللهو واللعب والغفلة والنسيان والإعراض وارتكاب الذنوب وفعل المعاصي، ومنها: الاشتغال بعرض الحياة الدنيا، والانهماك في طلبها، والسعي في فتنتها، والجري خلف ملذاتها ومغرياتها، ومنها: مخالطة الأشرار وصحبة قرناء السوء، فهذه الأسباب وغيرها من أعظم المؤثرات على نقص الإيمان، بل قد يضعف إلى حالة الاضمحلال والتلاشي. والمسلم مطالب بأن يعرف هذه الأسباب ليكون على حذر منها، وليجاهد نفسه، ويبعدها عن الوقوع فيها.

    ٢- جزء من آية 260 من سورة البقرة.

    والآية في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ تدلّ على ازدياد اليقين وتقوية الإيمان بالرؤية البصرية والمشاهدة الواقعية لكيفية إحياء الموتى، وذلك معدود من آيات الله الكونية.

    قال ابن حجر في «فتح الباري» (1/47): «روى ابن جرير بسند صحيح إلى سعيد قال: قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: يزداد يقيني، وعن مجاهد قال: لأزداد إيمانًا إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم عليه السلام –مع أنّ نبيّنا صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قد أمر باتباع ملّته- كان كأنّه ثبت عن نبيّنا صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ذلك».

    والآية تدلّ على مرتبتي اليقين حيث أراد إبراهيم الخليل عليه السلام أن ينتقل من علم اليقين الذي يعلمه الإنسان بالدليل الشرعي، أو العقلي إلى عين اليقين الذي يحصل بمشاهدة الشيء بعد العلم اليقيني به، وهذا الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين هو الذي سمّاه النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم شكًّا في قوله: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾». [أخرجه البخاري في «الأنبياء» [6/410، 411] باب قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، ومسلم في «الفضائل» [15/122] باب فضائل إبراهيم الخليل عليه السلام، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    ولليقين مرتبة ثالثة تحصل بمباشرة الشيء بعد العلم اليقيني به ومشاهدته وتسمَّى هذه المرتبة بحقِّ اليقين .

    ٣- آية: 75 من سورة الأنعام.

    ومعنى الآية أنَّ الله تعالى وفّق إبراهيم الخليل عليه السلام للتوحيد ليرى بنظره إلى بديع صنعه وعظيم ملكوته وما اشتمل عليه من الأدلة الساطعة على وحدانية الله تعالى في ملكه وخلقه فيحصل له اليقين ويزداد له الإيمان بحسب التأمّل في تلك الآيات الكونية الظاهرة، وهذا من فوائد العلم الذي «يثمر اليقين الذي هو أعظم حياة القلب، وبه طمأنينته وقوته ونشاطه وسائر لوازم الحياة»، كما قال ابن القيم في «مفتاح دار السعادة» (1/476).

    ٤- كذا في رواية مسلم، وفي النسخة المطبوعة [فيما بينهم] وهي غير مثبتة في المرويات المخرجة.

    ٥- كذا في رواية مسلم: [بطَّأ] من التبطئة، وفي المطبوعة: [أبطأ] كما ثبتت في رواية الترمذي وابن ماجه والطبراني، من الإبطاء، وهما ضِدّ التعجّل، والبطوء نقيض السرعة. [انظر: «تحفة الأحوذي للمباركفوري: (8/269)، قال النووي في «شرح مسلم»: (17/22): «معناه من كان عمله ناقصًا لم يُلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي أن لا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل».

    ٦- أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء» (17/21) باب فضل الإجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، كما أخرجه الترمذي في «القراءات» (5/195) باب (12) وابن ماجه في «المقدمة» (1/82) باب: فضل العلماء والحثّ على طلب العلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    هذا، والحديث استدلّ به المصنّف على تقوية الجزء الأصلي في الإيمان وهو: التصديق بالتقرب بالطاعات، ومنها: طلب العلم الشرعي، وما يجني من ثمرات مجالسة الصالحين من أهل التقوى والإيمان المتبعين للهدي الملتزمين بالسنة، وما يحصل من فضل مجالس الذِّكر والذاكرين المشتملة على تلاوة القرآن وتدبّره ومدارسته، وما تحويه من عموم الذكر الوارد من تسبيح وتكبير وتهليل وغيرها، وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وقراءة الحديث النبوي، ودراسة العلم الشرعي والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى. [انظر: «فتح الباري» لابن حجر: (11/212)] على أن تكون هذه المجالس منعقدة على الوجه الشرعي، ومقيّدة باتباع النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حتى تتصف بالصلاح ويجنى منها الخير والبركة، عملاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: 31]، قال ابن كثير في «تفسيره» (1/369): «هذه الآية الكريمة حاكمة على كلّ من ادّعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمّدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمّدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». [أخرجه مسلم في «الأقضية» (12/16) باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور من حديث عائشة رضي الله عنها].

    ٧- هو الصحابي أبو ربعي حنظلة بن الربيع الصيفي الأُسيِّدي التميمي يقال له: الكاتب، وهو أحد الذين كتبوا لرسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وروى عنه، وشهد القادسية، ونزل الكوفة، وتخلّف عن علي رضي الله عنه في قتال أهل البصرة يوم الجمل، وتوفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم ولا عقب له.

    [انظر ترجمته في «الاستيعاب» لابن عبد البر: (1/379)، «أسد الغابة»: (2/58)، «الإصابة» لابن حجر: (1/359)، «الرياض المستطابة» للعامري: (56).

    ٨- الأُسيِّدي: نسبة إلى أُسَيِّد بن عمرو بن تميم، وهم من أشراف بني تميم العدنانية. [انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم: (210)، «نهاية الأرب» للقلقشدي: (49-50)، «اللُّباب» لابن الأثير: (1/61).

    ٩- من المعافسة: المُعالجة والممارسة والمُلاعبة. [«النهاية» لابن الأثير: (3/263)].

    قال النووي في «شرح مسلم» (17/66): «ومعناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به، أي: عالجنا معايشنا وحظوظنا، والضيعات: جمع ضيعة، وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة».

    ١٠- كذا في الأصل، وفي مسلم: [نسينا]، وعند الترمذي: [ونسينا].

    ١١- أخرجه مسلم في «التوبة» [17/65-67] باب: فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، وأخرجه الترمذي في «صفة القيامة» [4/666] باب: [59]. وابن ماجه في «الزهد» [2/1416] باب: المداومة على العمل، وابن حبان في «صحيحه» في «البر والإحسان» [2/55] باب ما جاء في الطاعات وثوابها، من حديث حنظلة بن الربيع الأُسَيِّدي رضي الله عنه.

    ووجه استدلال المصنف -رحمه الله- بهذا الحديث أن حنظلة بن الربيع رضي الله عنه خاف من النفاق، والخوف إنما حصل له بعد أن كان في مجلس رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يزداد إيمانه بالذكر وشدة التفكر والاعتبار والمراقبة والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالأزواج والأولاد ومعاش الدنيا، الأمر الذي أشعره بضعف في إيمانه إذا ما قوبل بما كان عليه في مجلس الذكر، فخاف أن يكون ذلك نفاقًا، فأعلمه النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أنه ليس بنفاق، إذ ليس في مقدوره الدوام على درجة واحدة من الإيمان، لكونه متفاوت الدرجات، فساعة يزيد إيمانه إذا حصلت أسباب الزيادة، وساعة يضعف إذا حصلت أسباب النقص.



    ... يتبع ...


    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:25

    بيـانُ معنى الإيمـان
    «تابع»


    التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ: مَنْ عُدِمَ مِنْ إِيمَانِهِ اليَقِينُ خَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ المُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الكَافِرِينَ، وَلَوْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَعَمِلَ أَعْمَالَ المُؤْمِنِينَ(١- اليقين هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، واستقرار العلم فيه بحيث لا يتطرق إليه شك ولا احتمال، وسببه شيئان: أحدهما: قوة الأدلة وكثرتها، والآخر: نور من الله يضعه في قلب من يشاء. [انظر: «مجموع الفتاوى» (3/329)، «القوانين الفقهية» لابن جزي: (321)]، فاليقين من زيادة الإيمان، وينتظم بأمرين: علم القلب، وعمل القلب، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (16/337): «فإنّ اليقين يراد به العلم المستقر في القلب، ويراد به العمل بهذا العلم، فلا يطلق الموقن إلاّ على من استقرّ في قلبه العلم والعمل»، وقال ابن القيم –رحمه الله- في «الفوائد» (256): «واليقين استقرار الإيمان في القلب علمًا أو عملاً»، وقال –رحمه الله- في «مدارج السالكين» (2/63): «اليقين روح الأعمال وعمودها وذروة سنامها»، وقال في موضع آخر من «مدارج السالكين» (2/397): «اليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة صديقية، وهو قطب الشأن الذي عليه مداره… ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كلّ ريب وشكّ وسخط وهمٍّ وغمٍّ فامتلأ محبة لله، وخوفًا منه، ورضى به، وشكرًا له، وتوكلاًّ عليه، وإنابة إليه». ويوجد ترابط بين اليقين والإحسان، فمنتهى اليقين وغايته هو الإحسان، غير أنّ الإحسان في عمل الجوارح واليقين في عمل القلب، قال ابن القيم –رحمه الله- في «مدارج السالكين» (2/399) –عند تعرضه لتعريفات اليقين- بأنه: «ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين فلا يبقى معه شكّ ولا ريب أصلاً، وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان». كما يوجد ترابط بين اليقين والعلم، إذ العلم أول اليقين وغايته الإحسان –كما تقدّم-. هذا، وليس مقصود المصنِّف –رحمه الله- التعرّض إلى اليقين من حيث منزلته وأنواعه ودرجاته، وإنما مراده أن يبيّن اليقين الذي يعدّ شرطًا في الإيمان ولا نجاة في الآخرة إلاّ به، فهو اليقين الذي يقابله الشكّ وينافيه، فالشكّ نقيض اليقين، بحيث يتردّد الشاكّ بين وجود الشيء وعدمه، سواء استوى الاحتمالان أو ترجّح أحدهما، فالصدق والكذب سواء، كمن لا يجزم بصدق الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا بعدم وقوعه، أو شكّ في شيء من القرآن أو في حكم من أحكام الله أو خبر من أخباره، أو شكّ في كفر الكافر ونحو ذلك، فاليقين المنافي للشكّ شرط من شروط «لا إله إلاّ الله»، ومَن شكَّ في الله أو في رسوله أو ما جاء به عن الله فهو كافر لا شهادة له ولا إيمان إجماعًا، قال القاضي عياض في «الشفا» (2/ 1101)، النسيم الرياض للخفاجي (4/ 554): «اعلم أن من استخفّ بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه، أو سبَّهما، أو جحده، أو حرفًا منه أو آية، أو كذّب به أو بشيء منه، أو كذّب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم بذلك، أو شكّ في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع»، وقال –رحمه الله- في موضع آخر (2/1069): «وكذلك من أضاف إلى نبينا الكذب فيما بلّغه وأخبر به، أو شكّ في صدقه، أو سبّه… فهو كافر بإجماع». قلت: وإنما كفر الشك إذا بقي شكه مستمرًّا مع إعراضه عن الأدلة الموجبة للعلم، وامتناعه عن النظر فيما يزيل شكَّه، قال ابن القيم في «مدارج السالكين» (1/338): «أما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكّه إلاّ إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، أمّا مع التفاته إليها ونظره فيها، فإنه لا يبقى معه شكّ». فكفر الشك يشبه كفر الإعراض مع وجود فرق دقيق بينهما، فكفر الإعراض هو: أن يعرض بسمعه وقلبه عما جاء الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة مع ترك الإيمان به وإن لم يعتقد تكذيبه، فهو الكفر البسيط المتعلق بعمل القلب، وليس من اللازم أن يكون صاحبه جاهلاً، بخلاف كفر الشكّ فهو: الذي لا يجزم صاحبه بصدق الرسول ولا يكذبه بل يشك في أمره فكفره يتعلق بقول القلب، وهو التصديق الجازم بكلّ ما أخبر به النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ويقع كفر الشكّ بسبب اختلال شرط العلم، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (2/79): «وليس كل كافر مكذّبًا، بل قد يكون مرتابًا، إن كان ناظرًا فيه أو معرضًا عنه بعد أن لم يكن ناظرًا فيه». وحقيق بالتنبيه أنه يوجد فرق –أيضًا- بين الريب والشك، وبين الشك والوسوسة. أمّا الريب فهو أعمّ من الشكّ؛ لأنّ الريب على نوعين: نوع يكون شكًّا بسبب الإخلال بشرط العلم، ونوع يكون اضطرابًا في طمأنينة القلب وعمله، وبهذا الاعتبار فالشكّ أخص من الريب، ووصف اليقين إنما ينعت به المتصف بالاطمئنان على عمومه سواء من جهة علم القلب الذي هو أصل قول القلب، أو من جهة عمل القلب الذي هو أصل عمل الجوارح، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/281): «والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشكّ، فإنه لا يكون إلاّ في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلاّ من اطمأنّ قلبه علمًا وعملاً». أمّا الوسوسة فهي: الإلقاء الخفي الذي يهجم على القلب ولا اختيار للعبد فيه، فإن كان ما ألقي في النفس مما تشهد له النصوص الشرعية من أنه من شرع الله وتقواه فذلك إلهام محمود، وإن دلا على أنه فسق وفجور وعصيان فتلك وسوسة مذمومة، سواء كان من الشيطان بهمسه بإغوائه في القلب أو من النفس الأمارة بالسوء والفحشاء. قال ابن تيمة –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (17/529): «فيكون الفرق بين الإلهام المحمود وبين الوسوسة المذمومة هو الكتاب والسنة، فإن كان مما ألقي في النفس مما دلّ الكتاب والسنة على أنه من تقوى الله فهو من الإلهام المحمود، وإن كان مما دلّ على أنه فجور فهو من الوسواس المذموم، وهذا الفرق مطرد لا ينتقض». والعبد إن كره الوسوسة الإغوائية المذمومة ودفعها ونفاها كانت كراهته من صريح الإيمان، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/282): «والمؤمن مبتلى بوساوس الشيطان وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قالت الصحابة: يا رسول الله، إنّ أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخرّ من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلّم به، فقال: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»، وفي رواية: «ما يتعاظم أن يتكلم به» قال: «الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة» أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له ودفعه عن القلب، وهو من صريح الإيمان كالمجاهد الذي جاء العدو فدافعه حتى غلبه، فهذا أعظم الجهاد». أمّا الشاكّ في صدق الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ومما جاء به فهو تارك للإيمان الذي لا نجاة له إلاّ به فافترقا. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾(٢- جزء من آية 136 من سورة النساء.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾(٣- آية 150، 151 من سورة النساء.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾(٤- آية 1 من سورة المنافقون. وقد استدلّ المصنِّف –رحمه الله- بهذه الآيات القرآنية التي لا يظهر فيها كفر الشكّ بجلاء ووضوح، ولأهل العلم أدلّة شرعية أخرى استدلّوا بها على أن يكون ناطق الشهادتين مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة، فإن الإيمان الجازم لا يغني فيه إلاّ علم اليقين لا علم الظنّ، فمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، قال الحكمي في «معارج القبول» (5/419) في دلالة الآية: «فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، فأمّا المرتاب فهو من المنافقين –والعياذ بالله- الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 45]، ومنها: قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ» [أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/224) باب الدليل على أنّ من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، وفي رواية: «لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِمَا فَيُحْجَبُ عَنِ الجَنَّةِ» [أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/226) باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. ومنها: قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لأبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمْنَ لَقِيتَهُ مِنْ وَرَاءِ الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» [أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/239) باب الدليل على أنّ من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. وهذه الأحاديث إنما هي فيمن قال بالشهادتين ومات عليها غير أنها مشروطة بمن أتى بهما مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها كما جاءت في أحاديث أخرى مقيدة بمن قالها خالصًا من قلبه وبصدق ويقين دخل الجنة ولم يحجب عنها، ولا يخفى أن الشرط إذا انتفى ينتفي معه المشروط لأنه يلزم من عدمه العدم. ).


    ١- اليقين هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء، واستقرار العلم فيه بحيث لا يتطرق إليه شك ولا احتمال، وسببه شيئان: أحدهما: قوة الأدلة وكثرتها، والآخر: نور من الله يضعه في قلب من يشاء. [انظر: «مجموع الفتاوى» (3/329)، «القوانين الفقهية» لابن جزي: (321)]، فاليقين من زيادة الإيمان، وينتظم بأمرين: علم القلب، وعمل القلب، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (16/337): «فإنّ اليقين يراد به العلم المستقر في القلب، ويراد به العمل بهذا العلم، فلا يطلق الموقن إلاّ على من استقرّ في قلبه العلم والعمل»، وقال ابن القيم –رحمه الله- في «الفوائد» (256): «واليقين استقرار الإيمان في القلب علمًا أو عملاً»، وقال –رحمه الله- في «مدارج السالكين» (2/63): «اليقين روح الأعمال وعمودها وذروة سنامها»، وقال في موضع آخر من «مدارج السالكين» (2/397): «اليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة صديقية، وهو قطب الشأن الذي عليه مداره… ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كلّ ريب وشكّ وسخط وهمٍّ وغمٍّ فامتلأ محبة لله، وخوفًا منه، ورضى به، وشكرًا له، وتوكلاًّ عليه، وإنابة إليه».

    ويوجد ترابط بين اليقين والإحسان، فمنتهى اليقين وغايته هو الإحسان، غير أنّ الإحسان في عمل الجوارح واليقين في عمل القلب، قال ابن القيم –رحمه الله- في «مدارج السالكين» (2/399) –عند تعرضه لتعريفات اليقين- بأنه: «ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين فلا يبقى معه شكّ ولا ريب أصلاً، وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان».

    كما يوجد ترابط بين اليقين والعلم، إذ العلم أول اليقين وغايته الإحسان –كما تقدّم-.

    هذا، وليس مقصود المصنِّف –رحمه الله- التعرّض إلى اليقين من حيث منزلته وأنواعه ودرجاته، وإنما مراده أن يبيّن اليقين الذي يعدّ شرطًا في الإيمان ولا نجاة في الآخرة إلاّ به، فهو اليقين الذي يقابله الشكّ وينافيه، فالشكّ نقيض اليقين، بحيث يتردّد الشاكّ بين وجود الشيء وعدمه، سواء استوى الاحتمالان أو ترجّح أحدهما، فالصدق والكذب سواء، كمن لا يجزم بصدق الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا بعدم وقوعه، أو شكّ في شيء من القرآن أو في حكم من أحكام الله أو خبر من أخباره، أو شكّ في كفر الكافر ونحو ذلك، فاليقين المنافي للشكّ شرط من شروط «لا إله إلاّ الله»، ومَن شكَّ في الله أو في رسوله أو ما جاء به عن الله فهو كافر لا شهادة له ولا إيمان إجماعًا، قال القاضي عياض في «الشفا» (2/ 1101)، النسيم الرياض للخفاجي (4/ 554): «اعلم أن من استخفّ بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه، أو سبَّهما، أو جحده، أو حرفًا منه أو آية، أو كذّب به أو بشيء منه، أو كذّب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم بذلك، أو شكّ في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع»، وقال –رحمه الله- في موضع آخر (2/1069): «وكذلك من أضاف إلى نبينا الكذب فيما بلّغه وأخبر به، أو شكّ في صدقه، أو سبّه… فهو كافر بإجماع».

    قلت: وإنما كفر الشك إذا بقي شكه مستمرًّا مع إعراضه عن الأدلة الموجبة للعلم، وامتناعه عن النظر فيما يزيل شكَّه، قال ابن القيم في «مدارج السالكين» (1/338): «أما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكّه إلاّ إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، أمّا مع التفاته إليها ونظره فيها، فإنه لا يبقى معه شكّ».

    فكفر الشك يشبه كفر الإعراض مع وجود فرق دقيق بينهما، فكفر الإعراض هو: أن يعرض بسمعه وقلبه عما جاء الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة مع ترك الإيمان به وإن لم يعتقد تكذيبه، فهو الكفر البسيط المتعلق بعمل القلب، وليس من اللازم أن يكون صاحبه جاهلاً، بخلاف كفر الشكّ فهو: الذي لا يجزم صاحبه بصدق الرسول ولا يكذبه بل يشك في أمره فكفره يتعلق بقول القلب، وهو التصديق الجازم بكلّ ما أخبر به النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ويقع كفر الشكّ بسبب اختلال شرط العلم، قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (2/79): «وليس كل كافر مكذّبًا، بل قد يكون مرتابًا، إن كان ناظرًا فيه أو معرضًا عنه بعد أن لم يكن ناظرًا فيه».

    وحقيق بالتنبيه أنه يوجد فرق –أيضًا- بين الريب والشك، وبين الشك والوسوسة.

    أمّا الريب فهو أعمّ من الشكّ؛ لأنّ الريب على نوعين: نوع يكون شكًّا بسبب الإخلال بشرط العلم، ونوع يكون اضطرابًا في طمأنينة القلب وعمله، وبهذا الاعتبار فالشكّ أخص من الريب، ووصف اليقين إنما ينعت به المتصف بالاطمئنان على عمومه سواء من جهة علم القلب الذي هو أصل قول القلب، أو من جهة عمل القلب الذي هو أصل عمل الجوارح، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/281): «والريب يكون في علم القلب وفي عمل القلب، بخلاف الشكّ، فإنه لا يكون إلاّ في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين إلاّ من اطمأنّ قلبه علمًا وعملاً».

    أمّا الوسوسة فهي: الإلقاء الخفي الذي يهجم على القلب ولا اختيار للعبد فيه، فإن كان ما ألقي في النفس مما تشهد له النصوص الشرعية من أنه من شرع الله وتقواه فذلك إلهام محمود، وإن دلا على أنه فسق وفجور وعصيان فتلك وسوسة مذمومة، سواء كان من الشيطان بهمسه بإغوائه في القلب أو من النفس الأمارة بالسوء والفحشاء. قال ابن تيمة –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (17/529): «فيكون الفرق بين الإلهام المحمود وبين الوسوسة المذمومة هو الكتاب والسنة، فإن كان مما ألقي في النفس مما دلّ الكتاب والسنة على أنه من تقوى الله فهو من الإلهام المحمود، وإن كان مما دلّ على أنه فجور فهو من الوسواس المذموم، وهذا الفرق مطرد لا ينتقض».

    والعبد إن كره الوسوسة الإغوائية المذمومة ودفعها ونفاها كانت كراهته من صريح الإيمان، قال ابن تيمية –رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/282): «والمؤمن مبتلى بوساوس الشيطان وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره، كما قالت الصحابة: يا رسول الله، إنّ أحدنا ليجد في نفسه ما لئن يخرّ من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلّم به، فقال: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ»، وفي رواية: «ما يتعاظم أن يتكلم به» قال: «الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة» أي حصول هذا الوسواس مع هذه الكراهة العظيمة له ودفعه عن القلب، وهو من صريح الإيمان كالمجاهد الذي جاء العدو فدافعه حتى غلبه، فهذا أعظم الجهاد».

    أمّا الشاكّ في صدق الرسول صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ومما جاء به فهو تارك للإيمان الذي لا نجاة له إلاّ به فافترقا.

    ٢- جزء من آية 136 من سورة النساء.

    ٣- آية 150، 151 من سورة النساء.

    ٤- آية 1 من سورة المنافقون.

    وقد استدلّ المصنِّف -رحمه الله- بهذه الآيات القرآنية التي لا يظهر فيها كفر الشكّ بجلاء ووضوح، ولأهل العلم أدلّة شرعية أخرى استدلّوا بها على أن يكون ناطق الشهادتين مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة، فإن الإيمان الجازم لا يغني فيه إلاّ علم اليقين لا علم الظنّ، فمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]، قال الحكمي في «معارج القبول» (5/419) في دلالة الآية: «فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، فأمّا المرتاب فهو من المنافقين –والعياذ بالله- الذي قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: 45]، ومنها: قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ» [أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/224) باب الدليل على أنّ من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، وفي رواية: «لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِمَا فَيُحْجَبُ عَنِ الجَنَّةِ» [أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/226) باب الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    ومنها: قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لأبي هريرة رضي الله عنه في حديث طويل: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمْنَ لَقِيتَهُ مِنْ وَرَاءِ الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ» [أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/239) باب الدليل على أنّ من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    وهذه الأحاديث إنما هي فيمن قال بالشهادتين ومات عليها غير أنها مشروطة بمن أتى بهما مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها كما جاءت في أحاديث أخرى مقيدة بمن قالها خالصًا من قلبه وبصدق ويقين دخل الجنة ولم يحجب عنها، ولا يخفى أن الشرط إذا انتفى ينتفي معه المشروط لأنه يلزم من عدمه العدم.



    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:26

    بيـانُ معنى الإيمـان
    «تابع»


    الثَّلاَثُونَ: مَنْ عُدِمَ مِنْهُ النُّطْقُ إِبَايَةً وَعِنَادًا لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ(١- بعدما تعرَّض المصنِّف -رحمه الله- إلى بعض نواقض الإيمان الاعتقادية التي ينعدم فيها اليقين، تناول في هذه القاعدة والتي تليها نواقضَ إيمانية أخرى يوجد معها اليقين لكن يتخلف النطق بالإيمان والانقياد للحقِّ لمانع الإباية والعناد، ولا يخفى أنَّ انتفاء تصديق القلب مع العلم بصدق الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فكفره كفر الجحود والكتمان، وهو من نواقض الإيمان الاعتقادية المتعلِّقة بقول القلب، الذي هو نوع العلم والقول، أمَّا إذا انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفره كفر عناد واستكبار، وهو من نواقض الإيمان الاعتقادية المتعلِّقة بعمل القلب الذي أساسه الانقياد وهو نوع الإرادة والعمل. ولا تلازم تام يربط بين الإباء والاستكبار والامتناع في كلِّ الأحوال، فقد يوجد إباء وامتناع مع استكبار، وقد يوجد إباء وامتناع بدون استكبار كمن امتنع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة. هذا، والمصنِّف إذ مثَّل لهذا النوع من الكفر بالآية فإنَّ التمثيل بها يصدق على الحالتين: من كفر الجحود والكتمان، ومن كفر العناد والاستكبار وهما نواقض الإيمان سواء المتعلِّقة بقول القلب أو عمله مع مراعاة معيار التفرقة بينهما، وكذلك تصدق على الحالتين صور كفر الإباء والامتناع والتكبر التالية: - كفر إبليس -عدو الله-، فإنه لم يجحد أمرَ الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، قال تعالى في حكاية حال إبليس لما أمر بالسجود: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]، فإبليس لم يجحد ربَّه بل أقسم له بعِزته أن يغوي خلقه أجمعين إلاَّ عباده المخلصين كما في آيات أخرى، فكان غير شاكٍّ في الله، وإنما كان على يقين بالله ووحدانيته ونفاذ قدرته، وإيمانه بالبعث، ولهذا: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36]، وقد علم قسم ربه ليملأنَّ جهنَّم منه ومن أتباعه، فآثر خلوده في النار فكان كفره إباءً واستكبارً وعنادًا محضًا لا كفر جهل. - كفر فرعون وقومه، فقد أخبر الله تعالى أنَّ تكذيبهم وكفرهم كان عن يقين ظلمًا واستكبارًا وعلوًّا، وقد استدلَّ المصنِّف -رحمه الله- بكفر فرعون وعناده بما أخبر الله عنه وعن قومه بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 13-14]. - كفر من عرف صدق الرسول وأنه جاء بالحقِّ من عند الله ولم ينقد له إباءً واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، فقد قال سبحانه وتعالى في شأن عاد وثمود: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: 38]، فكانوا على بصيرةٍ وعلم، ووصف الله سبحانه ثمود في آية أخرى، بأنها كفرت عن علم وبصيرة بالحقِّ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: 59]، وقال سبحانه إخبارًا عن ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، فالآية أوجبت له البصيرة، وعرفوا الحقَّ وتيقَّنوه، وآثروا الضلال والعمى على الحقِّ عن علم ويقين علوًّا واستكبارًا لا عن جهل وخفاء. ومثله كفر اليهود ونحوهم -كما سيأتي لا حقًا-. قال ابن تيمية -رحمه الله- عن هذا الكفر في «مجموع الفتاوى» [7/534]: «وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإنَّ إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين،فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا». قلت: ووجه جعل الإباء والاستكبار كفرًا مناقضته للانقياد والاستسلام الذي هو أساس عمل القلب وأصله، «والتصديق هو نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين، فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا». [«الصارم المسلول» لابن تيمية: (520)]. قال الحكمي في «معارج القبول» [2/594]: «ومن هنا يتبيَّن لك أنَّ من قال من أهل السُّنَّة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرًا وباطنًا بلا شكّ، لم يعنوا مجرَّد التصديق، فإنَّ إبليس لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفرًا واستكبارًا، واليهود كانوا يعتقدون صدق الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولم يتبعوه، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد بل جحد بآيات الله ظلمًا وعلوًّا، فأين هذا من تصديق من قال الله تعالى فيه: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33]. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾(٢- جزء من آية 14 من سورة النمل.).

    الحَادِي وَالثَّلاَثُونَ: مَنْ لَمْ يُخْضِعْ قَلْبَهُ لِمَا عَرَفَهُ مِنْ عَقَائِدِ الإِسْلاَمِ لَمْ تُفِدْهُ تِلْكَ المَعْرِفَةُ، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا مِنَ المُسْلِمِينَ(٣- ما ذكره المصنِّف -رحمه الله- في هذا التقرير إنما هو امتدادٌ لما قبله، حيث يوجد مع القلب علم ويقين، لكن يمنع من الإيمان مانع الكبر والحسد، أو مانع الرئاسة والسيادة والملك، أو مانع متابعة من يعاديه من الناس ونحو ذلك، وبيَّن أنَّ حصول المعرفة والعلم بعقائد الإسلام والتصديق بها لا تفيده إذا لم ينقد لأمر الله ويستسلم لما عرفه من عقائد الإسلام ويخضع قلبه لها. ومثَّل المصنِّف -رحمه الله- بتخلُّف الإيمان عن اليهود الذي شاهدوا رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وعرفوا صِحَّة نبوته، وقد ذكر الله تعالى هذه المعرفة عن أهل الكتاب في القبلة في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 145-146]، وهذه المعرفة موجودة في التوحيد في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ﴾ [الأنعام: 19-20]، وهي موجودة في الكتاب أنه مُنْزل من عند الله، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 114]، وقال تعالى عن اليهود: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ثمَّ قال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: 89-90]، فكان كفرهم عن علم ويقين ولم يكن شكًّا واشتباهًا، ولكن تخلف إيمانهم لوجود مانع الحسد والبغي منهم حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل. هذا، والمتتبِّع لسيرة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مع قومه ومع اليهود وغيرهم عَلِم أنهم كانوا جازمين بصدقه لكنهم اختاروا الضلال والكفر على الإيمان، وصدّهم عن الإيمان موانع مختلفة: فقد تخلف الإيمان عن أبي جهل وسائر المشركين الذين لمن يكونوا مرتابين في صدقه لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر، وقد يتخلف إيمانهم لمانع الرئاسة والمُلك والسيادة من غير أن يقوم بصاحبه كبر ولا حسد عن الانقياد للحقِّ والإذعان له، بحيث لا يمكنه الجمع بين الانقياد والرئاسة والملك، كما هو أمر «هرقل» تيقَّن أنه رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ولم يشكَّ فيه، لكنه آثر الضلال والكفر استبقاءً لملكه، وهو حال غيره من ملوك الكفار الذي أقرُّوا بنُبُوَّته باطنًا لكنهم لم ينقادوا خوفًا على ملكهم، وقد ترد موانع أخرى تحجبه وتعميه عن الحقِّ كمانع الشهوة والمال من زنا وخمر وفواحش وأموال يخشى انقطاعها بالانقياد، وقد يكون المانع من الانقياد للحقِّ تخيل المدعو أنَّ في الإسلام ومتابعة الرسول طعنًا منه في آبائه وأجداده وذمًّا لهم، وهو الحال الذي منع أبا طالب وأمثاله وصدهم عن الإسلام، وقد يكون المانع متابعة من يعادي المدعو من الناس للرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ويسبقه إلى الدخول في دينه ويقرِّبه منه، كما جرى لليهود مع الأنصار، فإنهم كانوا أعداءهم، وكانوا يتواعدونهم بخروج النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأنهم يتبعونه ويقاتلونهم معه، فلمَّا أسلم الأنصار وسبقوهم إليه حملهم معاداتهم على البقاء على يهوديتهم وإيثار كفرهم على الإيمان به، وغيرها من الموانع الحاجبة عن الحقِّ ابعد ظهوره له، فإن رده ولم يقبله عوقب صاحبه، بفساد قلبه وعقله ورأيه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]، فعاقبهم الله بإزاغة قلوبهم عن الحقّ لما زاغوا عنه ابتداءً، والجزاء من جنس العمل. وفي معرض بيان أنَّ كفر غالب اليهود متعلّق بعمل القلب قال الحكمي في «معارج القبول» [2/594]: «وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس وكفر غالبِ اليهود الذين شهدوا أنَّ الرسول حقٌّ ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، محال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب». )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(٤- آية 146 من سورة البقرة.).



    ١- بعدما تعرَّض المصنِّف -رحمه الله- إلى بعض نواقض الإيمان الاعتقادية التي ينعدم فيها اليقين، تناول في هذه القاعدة والتي تليها نواقضَ إيمانية أخرى يوجد معها اليقين لكن يتخلف النطق بالإيمان والانقياد للحقِّ لمانع الإباية والعناد، ولا يخفى أنَّ انتفاء تصديق القلب مع العلم بصدق الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فكفره كفر الجحود والكتمان، وهو من نواقض الإيمان الاعتقادية المتعلِّقة بقول القلب، الذي هو نوع العلم والقول، أمَّا إذا انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفره كفر عناد واستكبار، وهو من نواقض الإيمان الاعتقادية المتعلِّقة بعمل القلب الذي أساسه الانقياد وهو نوع الإرادة والعمل.

    ولا تلازم تام يربط بين الإباء والاستكبار والامتناع في كلِّ الأحوال، فقد يوجد إباء وامتناع مع استكبار، وقد يوجد إباء وامتناع بدون استكبار كمن امتنع عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة.

    هذا، والمصنِّف إذ مثَّل لهذا النوع من الكفر بالآية فإنَّ التمثيل بها يصدق على الحالتين: من كفر الجحود والكتمان، ومن كفر العناد والاستكبار وهما نواقض الإيمان سواء المتعلِّقة بقول القلب أو عمله مع مراعاة معيار التفرقة بينهما، وكذلك تصدق على الحالتين صور كفر الإباء والامتناع والتكبر التالية:

    - كفر إبليس -عدو الله-، فإنه لم يجحد أمرَ الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، قال تعالى في حكاية حال إبليس لما أمر بالسجود: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]، فإبليس لم يجحد ربَّه بل أقسم له بعِزته أن يغوي خلقه أجمعين إلاَّ عباده المخلصين كما في آيات أخرى، فكان غير شاكٍّ في الله، وإنما كان على يقين بالله ووحدانيته ونفاذ قدرته، وإيمانه بالبعث، ولهذا: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36]، وقد علم قسم ربه ليملأنَّ جهنَّم منه ومن أتباعه، فآثر خلوده في النار فكان كفره إباءً واستكبارً وعنادًا محضًا لا كفر جهل.

    - كفر فرعون وقومه، فقد أخبر الله تعالى أنَّ تكذيبهم وكفرهم كان عن يقين ظلمًا واستكبارًا وعلوًّا، وقد استدلَّ المصنِّف -رحمه الله- بكفر فرعون وعناده بما أخبر الله عنه وعن قومه بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: 13-14].

    - كفر من عرف صدق الرسول وأنه جاء بالحقِّ من عند الله ولم ينقد له إباءً واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، فقد قال سبحانه وتعالى في شأن عاد وثمود: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: 38]، فكانوا على بصيرةٍ وعلم، ووصف الله سبحانه ثمود في آية أخرى، بأنها كفرت عن علم وبصيرة بالحقِّ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: 59]، وقال سبحانه إخبارًا عن ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، فالآية أوجبت له البصيرة، وعرفوا الحقَّ وتيقَّنوه، وآثروا الضلال والعمى على الحقِّ عن علم ويقين علوًّا واستكبارًا لا عن جهل وخفاء.

    ومثله كفر اليهود ونحوهم -كما سيأتي لا حقًا-.

    قال ابن تيمية -رحمه الله- عن هذا الكفر في «مجموع الفتاوى» [7/534]: «وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإنَّ إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين،فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًّا».

    قلت: ووجه جعل الإباء والاستكبار كفرًا مناقضته للانقياد والاستسلام الذي هو أساس عمل القلب وأصله، «والتصديق هو نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين، فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا». [«الصارم المسلول» لابن تيمية: (520)].

    قال الحكمي في «معارج القبول» [2/594]: «ومن هنا يتبيَّن لك أنَّ من قال من أهل السُّنَّة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة أنهم إنما عنوا التصديق الإذعاني المستلزم للانقياد ظاهرًا وباطنًا بلا شكّ، لم يعنوا مجرَّد التصديق، فإنَّ إبليس لم يكذب في أمر الله تعالى له بالسجود وإنما أبى عن الانقياد كفرًا واستكبارًا، واليهود كانوا يعتقدون صدق الرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم ولم يتبعوه، وفرعون كان يعتقد صدق موسى ولم ينقد بل جحد بآيات الله ظلمًا وعلوًّا، فأين هذا من تصديق من قال الله تعالى فيه: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 33].

    ٢- جزء من آية 14 من سورة النمل.

    ٣- ما ذكره المصنِّف -رحمه الله- في هذا التقرير إنما هو امتدادٌ لما قبله، حيث يوجد مع القلب علم ويقين، لكن يمنع من الإيمان مانع الكبر والحسد، أو مانع الرئاسة والسيادة والملك، أو مانع متابعة من يعاديه من الناس ونحو ذلك، وبيَّن أنَّ حصول المعرفة والعلم بعقائد الإسلام والتصديق بها لا تفيده إذا لم ينقد لأمر الله ويستسلم لما عرفه من عقائد الإسلام ويخضع قلبه لها.

    ومثَّل المصنِّف -رحمه الله- بتخلُّف الإيمان عن اليهود الذي شاهدوا رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، وعرفوا صِحَّة نبوته، وقد ذكر الله تعالى هذه المعرفة عن أهل الكتاب في القبلة في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 145-146]، وهذه المعرفة موجودة في التوحيد في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ﴾ [الأنعام: 19-20]، وهي موجودة في الكتاب أنه مُنْزل من عند الله، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 114]، وقال تعالى عن اليهود: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ثمَّ قال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: 89-90]، فكان كفرهم عن علم ويقين ولم يكن شكًّا واشتباهًا، ولكن تخلف إيمانهم لوجود مانع الحسد والبغي منهم حيث صارت النبوة في ولد إسماعيل.

    هذا، والمتتبِّع لسيرة النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مع قومه ومع اليهود وغيرهم عَلِم أنهم كانوا جازمين بصدقه لكنهم اختاروا الضلال والكفر على الإيمان، وصدّهم عن الإيمان موانع مختلفة: فقد تخلف الإيمان عن أبي جهل وسائر المشركين الذين لمن يكونوا مرتابين في صدقه لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر، وقد يتخلف إيمانهم لمانع الرئاسة والمُلك والسيادة من غير أن يقوم بصاحبه كبر ولا حسد عن الانقياد للحقِّ والإذعان له، بحيث لا يمكنه الجمع بين الانقياد والرئاسة والملك، كما هو أمر «هرقل» تيقَّن أنه رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ولم يشكَّ فيه، لكنه آثر الضلال والكفر استبقاءً لملكه، وهو حال غيره من ملوك الكفار الذي أقرُّوا بنُبُوَّته باطنًا لكنهم لم ينقادوا خوفًا على ملكهم، وقد ترد موانع أخرى تحجبه وتعميه عن الحقِّ كمانع الشهوة والمال من زنا وخمر وفواحش وأموال يخشى انقطاعها بالانقياد، وقد يكون المانع من الانقياد للحقِّ تخيل المدعو أنَّ في الإسلام ومتابعة الرسول طعنًا منه في آبائه وأجداده وذمًّا لهم، وهو الحال الذي منع أبا طالب وأمثاله وصدهم عن الإسلام، وقد يكون المانع متابعة من يعادي المدعو من الناس للرسول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ويسبقه إلى الدخول في دينه ويقرِّبه منه، كما جرى لليهود مع الأنصار، فإنهم كانوا أعداءهم، وكانوا يتواعدونهم بخروج النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وأنهم يتبعونه ويقاتلونهم معه، فلمَّا أسلم الأنصار وسبقوهم إليه حملهم معاداتهم على البقاء على يهوديتهم وإيثار كفرهم على الإيمان به، وغيرها من الموانع الحاجبة عن الحقِّ ابعد ظهوره له، فإن رده ولم يقبله عوقب صاحبه، بفساد قلبه وعقله ورأيه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]، فعاقبهم الله بإزاغة قلوبهم عن الحقّ لما زاغوا عنه ابتداءً، والجزاء من جنس العمل.

    وفي معرض بيان أنَّ كفر غالب اليهود متعلّق بعمل القلب قال الحكمي في «معارج القبول» [2/594]: «وإن انتفى عمل القلب وعمل الجوارح مع المعرفة بالقلب والاعتراف باللسان فكفر عناد واستكبار، ككفر إبليس وكفر غالبِ اليهود الذين شهدوا أنَّ الرسول حقٌّ ولم يتبعوه أمثال حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف وغيرهم، وكفر من ترك الصلاة عنادًا واستكبارًا، محال أن ينتفي انقياد الجوارح بالأعمال الظاهرة مع ثبوت عمل القلب».

    ٤- آية 146 من سورة البقرة.



    ... يتبع ...

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:27

    بيـانُ معنى الإيمـان
    «تابع»


    الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ: مَنْ ضَيَّعَ الأَعْمَالَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ دَائِرَةِ الإِيمَانِ(١- المصنِّف -رحمه الله- أراد بالأعمال خصوصَ ركوب المعاصي والمحارم كالقتل والزنا وشرب الخمر، أنه لم يخرج مرتكبها من دائرة الإيمان، بل يبقى معه مُطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، وأهل السُّنَّة متفقون على أنه لا يكفر بذنب، ويقصدون بذلك المعاصي لا المباني، فلا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر. وقد استدلَّ المصنِّف -رحمه الله- على أنَّ فاعل كبيرة القتل لا يخرجه من الإيمان بالآية والحديث –كما سيأتي- أمَّا إن أراد جنس الأعمال فإنَّ لفظة «إضاعة» مجملة، فقد يُراد بها ترك الأعمال كلية، وهو ما يُعبَّر عنه ﺒ «الترك المطلق»، وقد يراد بها عدم المحافظة عليها، وذلك بترك القيام بها على وجه التمام والكمال، وهو ما يعبر عنه ﺒ «مطلق الترك». والفرق بينهما: أنَّ «الترك المطلق»: هو ما دخلت عليه اللام التي تفيد العموم والشمول ثمَّ وصف بالإطلاق، يمعنى أنه لم يتقيَّد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة أو غيرهما، فهو عامٌّ متناول لكلِّ فرد من أفراد العام، فكان معنى الترك المطلق هو ترك بالجملة للصلاة وسائر الأعمال. أمَّا «مطلق الترك» فالإضافة فيه ليست للعموم، بل للتمييز فهو قدر مشترك مطلق لا عام فيصدق بفرد من أفراده، فكان معنى الترك عدم المحافظة على عمل أو أعمال وعدم القيام بها على وجه التمام والكمال. ويبيِّن هذا الفرق بين الإطلاقين قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم -في شأن الصلاة- من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «سمعت رسول اللهَ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يقول: خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ»، وفي رواية: «فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ..». [أخرجه مالك في «الموطأ» في «صلاة الليل» (1/145)، باب الأمر بالوتر، وأحمد في «مسنده» (5/319)، وأبو داود في «الصلاة» (2/129)، باب فيمن لم يوتر. من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، والحديث صحّحه النووي في «المجموع» (3/17)، والعراقي في «طرح التثريب» (2/148)، والألباني في «الجامع الصغير» (3/114)]. فهذا الحديث صريح في الفرق بين الترك المطلق وبين مطلق الترك، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/615): فالنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها..»، وقال في (7/616): «فإنَّ كثيرًا من الناس بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة». هذا، والمصنِّف -رحمه الله- كان دقيقًا في اختيار لفظة «الإضاعة» بدلاً من «الترك» لما فيها من معنى مطلق الترك، حيث إنَّ عدم المحافظة على الأعمال بالقيام بها على وجه الكمال والتمام أو بفعلها تارة وتركها أخرى مع الإقرار بوجوبها وفرضيتها فإنَّ هذا لا يعدّ تاركًا لها، وإنما غير محافظ عليها، أمَّا من ضيع أو ترك شيئًا من شعائر الإسلام وفرائضه الظاهرة جحودًا لوجوبها ومنكرًا لفرضيتها فهو كافر بالإجماع. [انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (7/614)، «المجموع» للنووي (3/14)]. وفي معرض قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره (11/123) -بعد إيراد أقوال العلماء في معنى تضييع الصلاة-: «وجملة القول في هذا الباب أنَّ من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها، فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أنَّ من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه، ولا دين لمن لا صلاة له». أمَّا ترك المباني من الأعمال متعمِّدًا من غير جهل ففي تكفير تاركها نزاع مشهور، وما عليه أهل السنة والجماعة أنَّ جنس العمل هو من حقيقة الإيمان وليس شرطًا فقط، فالإيمان هو قول وعمل واعتقاد لا يصحّ بها إلا مجتمعة، والفرق بين الخوارج والمعتزلة الذين يقررون أنّ الإيمان: قول وعمل واعتقاد، أنّ الإيمان –عندهم- يزول بزوال العمل مطلقًا بخلاف أهل السنة ففيه من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله سواء كان تركًا، كترك الشهادتين، أو جنس العمل اتفاقًا، أو ترك الصلاة على اختلاف بين أهل السنة، أو كان فعلاً كالذبح لغير الله والسجود للصنم ونحو ذلك، والعمل في هذا القسم شرط في صحَّته، وفيه من العمل ما ينقص الإيمان بزواله ولا يزول كليًّا، أي يبقى معه مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، مثل الذنوب وارتكاب المحارم من غير استحلال ودون الكفر، فالعمل في هذا القسم شرط في كماله، قال الحكمي في «معارج القبول» (2/602): «إنَّ السلف لم يجعلوا كلَّ الأعمال شرطًا في الصحة، بل جعلوا كثيرًا منها شرطًا في الكمال، كما قال عمر بن عبد العزيز فيها: «فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان»، والمعتزلة جعلوها كلَّها شرطًا في الصحة». فخلُوُّ إيمان القلب الواجب من جميع أعمال الجوارح ممتنع وغير متصوَّر، وضمن هذا التقرير يصرِّح ناشر مذهب السلف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/616) بقوله: «إنَّ جنس الأعمال من لوازم الإيمان، وإن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءًا من الإيمان». وعليه، فإنّ الإيمان مركب من أجزاء، والأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ومسماه، وأنَّ الإيمان قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلاَّ بالآخر، وأنه كما لا يكون إسلام بلا إيمان، لا يكون إيمان بلا إسلام، فلا يقبل قول إلاَّ بعمل، ولا يقبل عمل إلاَّ بقول، وأنَّ ترك الفرائض ليس بمَنْزلة ركوب المحارم، وأعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب ولازمة لها فيزيد بها الإيمان وينقص. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾(٢- الآية 9 من سورة الحجرات. استدلَّ المصنِّف بالآية على أنَّ المقتتلين من المؤمنين، والمعلوم أنَّ قتال المؤمن للمؤمن كفر، ومع ذلك أمر الله تعالى بالصلح بينهما للطائفة الثالثة التي لم تشارك في القتال، فقال سبحانه: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 9-10]، فجعل الله تعالى الطائفة المصلحة إخوة للطائفتين المقتتلتين، فكان ذلك دليلاً على أنَّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنَّ الله سمّاهم مؤمنين مع كونهم باغين، وفيه دليل على أنَّ الكبائر لا تخرج من الإيمان بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي. قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره (4/211): «..فسمَّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدلَّ البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: إنَّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى، ويقول: إنَّ هذا سيِّد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فكان كما قال صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة». )، وَلِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(٣- هو أبو بكرة نُفَيع بن الحارث، وقيل: نُفَيع بن مَسْرُوح الثقفي الطائي، تدلَّى في حصار الطائف ببَكرة، فاشتهر بأبي بكرة، وكان من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم، وسكن البصرة وأنجب أولادًا لهم شهرة، وروى عن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وروى عنه أولاده، وتوفي سنة 51ﻫ. [انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد»: (7/15)، «المعارف» لابن قتيبة: (288)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم: (8/489)، «الاستيعاب» لابن عبر البر: (4/1614)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/151)، «الكامل» لابن الأثير (3/489)، «البداية والنهاية» لابن كثير (8/57)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: (3/5)، «الإصابة» لابن حجر: (3/571)، «شذرات الذهب» لابن العماد: (1/58)]. ) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». رواه مسلم(٤- متفق عليه: أخرجه البخاري في «الإيمان» (1/84) باب ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وفي «الديات» (12/192) باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، وفي «الفتن» (13/31) باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما. وأخرجه مسلم في «الفتن» (18/10) باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما. من حديث الحسن عن الأَحْنَفِ بن قيس عن أبي بكرة رضي الله عنه. والمصنف -رحمه الله- استدلَّ بالحديث على أنّ النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم سمَّاهما مسلمين مع التوعُّد بالنار، قال ابن حجر في «الفتح» (13/33): «ومعنى كونهما في النار أنهما يستحقَّان ذلك، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثمَّ أخرجهما من النار كسائر الموحِّدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلاً، وقيل: هو محمول على من استحلّ ذلك، ولا حجّة فيه للخوارج، ومن قال من المعتزلة بأنَّ أهل المعاصي مخلَّدون في النار لأنه لا يلزم من قوله: فهما في النار استمرار بقائهما فيها». وجدير بالتنبيه أنَّ مقتضى ما يدلُّ عليه الحديث المذكور من ترك المقاتلة في فتن المسلمين وعدم الدخول في معتركها، إنما يعمل به عندما تكون المقاتلة بغير تأويل سائغ، أو عند الضعف عن القتال، أو لم يظهر صاحب الحق من المبطل أو كانت الطائفتان ظالمتين؛ لأنَّ الأصل وجوب نصر الحق وقتال الباغين وبهذا قال جمهور الصحابة والتابعين. قال النووي في «شرح مسلم» (18/10): «وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحقِّ في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي..﴾ الآية، وهذا هو الصحيح، وتتأوَّل الأحاديث على من لم يظهر له المحقُّ أو على طائفتين ظالمتين، لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون». وقال ابن حجر في «فتح الباري» (13/34): «لو كان الواجب في كلِّ اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوَجَد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرَّمات من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نهينا عن القتال فيها، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء» ).



    ١- المصنِّف -رحمه الله- أراد بالأعمال خصوصَ ركوب المعاصي والمحارم كالقتل والزنا وشرب الخمر، أنه لم يخرج مرتكبها من دائرة الإيمان، بل يبقى معه مُطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، وأهل السُّنَّة متفقون على أنه لا يكفر بذنب، ويقصدون بذلك المعاصي لا المباني، فلا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر.

    وقد استدلَّ المصنِّف -رحمه الله- على أنَّ فاعل كبيرة القتل لا يخرجه من الإيمان بالآية والحديث –كما سيأتي- أمَّا إن أراد جنس الأعمال فإنَّ لفظة «إضاعة» مجملة، فقد يُراد بها ترك الأعمال كلية، وهو ما يُعبَّر عنه ﺒ «الترك المطلق»، وقد يراد بها عدم المحافظة عليها، وذلك بترك القيام بها على وجه التمام والكمال، وهو ما يعبر عنه ﺒ «مطلق الترك».

    والفرق بينهما: أنَّ «الترك المطلق»: هو ما دخلت عليه اللام التي تفيد العموم والشمول ثمَّ وصف بالإطلاق، يمعنى أنه لم يتقيَّد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة أو غيرهما، فهو عامٌّ متناول لكلِّ فرد من أفراد العام، فكان معنى الترك المطلق هو ترك بالجملة للصلاة وسائر الأعمال.

    أمَّا «مطلق الترك» فالإضافة فيه ليست للعموم، بل للتمييز فهو قدر مشترك مطلق لا عام فيصدق بفرد من أفراده، فكان معنى الترك عدم المحافظة على عمل أو أعمال وعدم القيام بها على وجه التمام والكمال.

    ويبيِّن هذا الفرق بين الإطلاقين قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم -في شأن الصلاة- من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: «سمعت رسول اللهَ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يقول: خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ»، وفي رواية: «فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ..». [أخرجه مالك في «الموطأ» في «صلاة الليل» (1/145)، باب الأمر بالوتر، وأحمد في «مسنده» (5/319)، وأبو داود في «الصلاة» (2/129)، باب فيمن لم يوتر. من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، والحديث صحّحه النووي في «المجموع» (3/17)، والعراقي في «طرح التثريب» (2/148)، والألباني في «الجامع الصغير» (3/114)].

    فهذا الحديث صريح في الفرق بين الترك المطلق وبين مطلق الترك، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/615): فالنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها..»، وقال في (7/616): «فإنَّ كثيرًا من الناس بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة».

    هذا، والمصنِّف -رحمه الله- كان دقيقًا في اختيار لفظة «الإضاعة» بدلاً من «الترك» لما فيها من معنى مطلق الترك، حيث إنَّ عدم المحافظة على الأعمال بالقيام بها على وجه الكمال والتمام أو بفعلها تارة وتركها أخرى مع الإقرار بوجوبها وفرضيتها فإنَّ هذا لا يعدّ تاركًا لها، وإنما غير محافظ عليها، أمَّا من ضيع أو ترك شيئًا من شعائر الإسلام وفرائضه الظاهرة جحودًا لوجوبها ومنكرًا لفرضيتها فهو كافر بالإجماع. [انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (7/614)، «المجموع» للنووي (3/14)].

    وفي معرض قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره (11/123) -بعد إيراد أقوال العلماء في معنى تضييع الصلاة-: «وجملة القول في هذا الباب أنَّ من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها، فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أنَّ من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه، ولا دين لمن لا صلاة له».

    أمَّا ترك المباني من الأعمال متعمِّدًا من غير جهل ففي تكفير تاركها نزاع مشهور، وما عليه أهل السنة والجماعة أنَّ جنس العمل هو من حقيقة الإيمان وليس شرطًا فقط، فالإيمان هو قول وعمل واعتقاد لا يصحّ بها إلا مجتمعة، والفرق بين الخوارج والمعتزلة الذين يقررون أنّ الإيمان: قول وعمل واعتقاد، أنّ الإيمان –عندهم- يزول بزوال العمل مطلقًا بخلاف أهل السنة ففيه من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله سواء كان تركًا، كترك الشهادتين، أو جنس العمل اتفاقًا، أو ترك الصلاة على اختلاف بين أهل السنة، أو كان فعلاً كالذبح لغير الله والسجود للصنم ونحو ذلك، والعمل في هذا القسم شرط في صحَّته، وفيه من العمل ما ينقص الإيمان بزواله ولا يزول كليًّا، أي يبقى معه مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، مثل الذنوب وارتكاب المحارم من غير استحلال ودون الكفر، فالعمل في هذا القسم شرط في كماله، قال الحكمي في «معارج القبول» (2/602): «إنَّ السلف لم يجعلوا كلَّ الأعمال شرطًا في الصحة، بل جعلوا كثيرًا منها شرطًا في الكمال، كما قال عمر بن عبد العزيز فيها: «فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان»، والمعتزلة جعلوها كلَّها شرطًا في الصحة».

    فخلُوُّ إيمان القلب الواجب من جميع أعمال الجوارح ممتنع وغير متصوَّر، وضمن هذا التقرير يصرِّح ناشر مذهب السلف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/616) بقوله: «إنَّ جنس الأعمال من لوازم الإيمان، وإن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءًا من الإيمان».

    وعليه، فإنّ الإيمان مركب من أجزاء، والأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ومسماه، وأنَّ الإيمان قول وعمل قرينان، لا ينفع أحدهما إلاَّ بالآخر، وأنه كما لا يكون إسلام بلا إيمان، لا يكون إيمان بلا إسلام، فلا يقبل قول إلاَّ بعمل، ولا يقبل عمل إلاَّ بقول، وأنَّ ترك الفرائض ليس بمَنْزلة ركوب المحارم، وأعمال الجوارح تابعة لأعمال القلوب ولازمة لها فيزيد بها الإيمان وينقص.

    ٢- الآية 9 من سورة الحجرات.

    استدلَّ المصنِّف بالآية على أنَّ المقتتلين من المؤمنين، والمعلوم أنَّ قتال المؤمن للمؤمن كفر، ومع ذلك أمر الله تعالى بالصلح بينهما للطائفة الثالثة التي لم تشارك في القتال، فقال سبحانه: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 9-10]، فجعل الله تعالى الطائفة المصلحة إخوة للطائفتين المقتتلتين، فكان ذلك دليلاً على أنَّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنَّ الله سمّاهم مؤمنين مع كونهم باغين، وفيه دليل على أنَّ الكبائر لا تخرج من الإيمان بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي.

    قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره (4/211): «..فسمَّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدلَّ البخاري وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: إنَّ رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى، ويقول: إنَّ هذا سيِّد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فكان كما قال صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة».

    ٣- هو أبو بكرة نُفَيع بن الحارث، وقيل: نُفَيع بن مَسْرُوح الثقفي الطائي، تدلَّى في حصار الطائف ببَكرة، فاشتهر بأبي بكرة، وكان من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم، وسكن البصرة وأنجب أولادًا لهم شهرة، وروى عن النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وروى عنه أولاده، وتوفي سنة 51ﻫ.

    [انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد»: (7/15)، «المعارف» لابن قتيبة: (288)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم: (8/489)، «الاستيعاب» لابن عبر البر: (4/1614)، «أسد الغابة» لابن الأثير (5/151)، «الكامل» لابن الأثير (3/489)، «البداية والنهاية» لابن كثير (8/57)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: (3/5)، «الإصابة» لابن حجر: (3/571)، «شذرات الذهب» لابن العماد: (1/58)].

    ٤- متفق عليه: أخرجه البخاري في «الإيمان» (1/84) باب ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وفي «الديات» (12/192) باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، وفي «الفتن» (13/31) باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما. وأخرجه مسلم في «الفتن» (18/10) باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما. من حديث الحسن عن الأَحْنَفِ بن قيس عن أبي بكرة رضي الله عنه.

    والمصنف -رحمه الله- استدلَّ بالحديث على أنّ النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم سمَّاهما مسلمين مع التوعُّد بالنار، قال ابن حجر في «الفتح» (13/33): «ومعنى كونهما في النار أنهما يستحقَّان ذلك، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثمَّ أخرجهما من النار كسائر الموحِّدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلاً، وقيل: هو محمول على من استحلّ ذلك، ولا حجّة فيه للخوارج، ومن قال من المعتزلة بأنَّ أهل المعاصي مخلَّدون في النار لأنه لا يلزم من قوله: فهما في النار استمرار بقائهما فيها».

    وجدير بالتنبيه أنَّ مقتضى ما يدلُّ عليه الحديث المذكور من ترك المقاتلة في فتن المسلمين وعدم الدخول في معتركها، إنما يعمل به عندما تكون المقاتلة بغير تأويل سائغ، أو عند الضعف عن القتال، أو لم يظهر صاحب الحق من المبطل أو كانت الطائفتان ظالمتين؛ لأنَّ الأصل وجوب نصر الحق وقتال الباغين وبهذا قال جمهور الصحابة والتابعين.

    قال النووي في «شرح مسلم» (18/10): «وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحقِّ في الفتن، والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي..﴾ الآية، وهذا هو الصحيح، وتتأوَّل الأحاديث على من لم يظهر له المحقُّ أو على طائفتين ظالمتين، لا تأويل لواحدة منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون».

    وقال ابن حجر في «فتح الباري» (13/34): «لو كان الواجب في كلِّ اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد ولا أبطل باطل، ولوَجَد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرَّمات من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم عنهم بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نهينا عن القتال فيها، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء».

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:27

    بيـانُ معنى الإيمـان
    «تابع»


    الثَّالِثُ وَالثَّلاَثُونَ: مَنِ ارْتَكَبَ المَعَاصِي سُمِّيَ فَاسِقًا حَتَّى يَتُوبَ(١- الفُسوق هو: الخروج عن الطاعة والميلُ عن الاستقامة، وهو ينقسم إلى فِسق أكبرَ مخرجٍ عن المِلَّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: 20]، وفِسقٍ أصغر غير مخرج من الإسلام، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6]. ومرادُ المصنِّف -رحمه الله- بالفاسق هو المنتسب إلى مِلَّة الإسلام الذي لم يخرج عنها، ولكن خرج عن طاعة الله ورسوله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرار على الصغيرة، ويُعرف بالفاسق الـمِلِّي. والفسق يكون تارةً بترك الفرائض وتارةً بفعل المحرَّمات، وهو في عرف الشرع أشدُّ من العصيان. - فمن حيث التسميةُ فإنَّ أهل السنَّة والجماعة لا يسلبون الفاسقَ الملي الإسلام بالكلية، ولا يعطونه صفةَ الإيمان المطلق، يخاطب باسم الإيمان أو الإسلام، ويعامل معاملة المسلمين، فهو مؤمنٌ ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم. - أمَّا من حيث الحكم في الآخرة فالفاسق الملي واقعٌ تحت مشيئة الله عزَّ وجلَّ إن شاء غفر له ابتداءً برحمته، وإن شاء عذَّبه بعدله، ولا يُخلَّد في النار إن عُذِّب، بل يخرج منها بعد أن يَلبَث فيها ما شاء الله أن يبقى، ثمَّ يدخله الجنة، كما وردت في ذلك أحاديث الشفاعة وخروج الموحِّدين من النار. هذا مذهب السلف في التسمية والحكم، وهو المذهب الوسط العدل، للآيات الكثيرة التي يخاطب الله بها الفساقَ والمذنبين باسم الإيمان أو الإسلام كالتي استدلَّ بها المصنِّف في الموضع السابق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178]، فالآيةُ تنفي بمفهومها عن القاتل الكفرَ حيث سمَّى المقتولَ أخًا للقاتِل، مع أنَّ قَتْلَ المؤمن كبيرةٌ من كبائر الذنوب. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم﴾ [الممتحنة: 1]، وقد نزلت هذه الآية في شأن حاطب بن بلتعة رضي الله عنه لما حاول إخبار قريش بخروج النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم. [«تفسير ابن كثير»: (4/344)]. هذا، وقد خالف معتقد السلف طوائفُ تتجلَّى مخالفتُها من حيث التسمية والحكم وهي: - الخوارج الذين يُكفِّرون مرتكبَ الكبيرة على مذهب جمهورهم، ومن الخوارج من يكفِّر بالذنوب عامةً كبيرها وصغيرها مع الإصرار عليها، فمن حيث التسمية فمرتكب الكبيرة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومن حيث حكمه فهو مخلد في النار، ومعظم الخوارج يجعلونه مباح الدم والمال والعِرض. وقريب من هذا المعتقد مذهب المعتزلة الذين وافقوا الخوارج في الحكم وخالفوهم في التسمية، فقالوا: هو في مَنْزِلة بين المَنْزِلتين بين الكفر والإيمان، لا مؤمن ولا كافر، فيعاملونه في الدنيا معاملةَ المسلمين، ويحكمون عليه في الآخرة بالخلود في النار. وقد بنى الخوارج والمعتزلة معتقدَهم على نصوص الوعيد، وقرَّروا أنَّ الله تعالى وَصَف المؤمنَ بالطاعة والاستقامة، والخارج عن هذه الصفة خارج عن الإيمان بالكلية، فأقفلوا بابَ الرجاء وَسِعَةَ رحمةِ الله في وجه العصاة والمذنبين، الأمرُ الذي يترتَّب عليه من اليأس والقنوط من رحمة الله وعفوه ومغفرته ما لا يخفى. - وعلى طرف نقيض: مذهب غلاة المرجئة الذين نظروا إلى النصوص المخاطِبة للفُسَّاق إنما كانت باسم الإيمان أو الإسلام، فأسبغوا على الفاسق المنحرِف اسمَ الإيمان المطلق، فقالوا بأنَّ المعاصي مهما كانت لا تؤثِّر في إيمانه ولا تنقصه، أي: لا يضرُّ مع الإيمان معصيةٌ، كما لا ينفعُ مع الكفر طاعةٌ، فَبَنَوْا مُعتقدَهم على نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد، وهي كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. وهذا المعتقد ظاهرُ البطلان كسابقه، وإذا كان المخالفون لهم من الخوارج والمعتزلة قد أغلقوا بابَ الرجاء وَسِعَةَ رحمةِ الله فإنَّ المرجئةَ فَتَحَتْ البابَ على مصرعيه لانتهاك حُرُمات الله والتعدِّي بالقبائح والانغماس في الرذائل واقتراف الموبقات وارتكاب المعاصي. فكان موقفُ أهلِ السُّنَّة وَسَطًا بين الإفراط والتفريط والغُلُوِّ والجَفَاء حيث كان مبنى موقفهم على الأدلة الشاملة لجميع زوايا موضوع الفاسق الملي، ونظروا إلى النصوص مجتمعةً، فلم يغفلوا جوانبَ، ويأخذوا بأخرى كما هو صنيع طرفي النقيض: الخوارج والمعتزلة من جهة، وما يقابلهما المرجئة، فهدى الله الذين آمنوا لما اخْتُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنه، واللهُ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. هذا، والمسلم العاصي الذي يُهمل الواجبات، ويفعل بعض المحرَّمات التي لا تصل إلى الكفر الأكبر، فإنه يستصحب في حقِّه وصف الفِسق مع ثبوت الإيمان، ويبقى فِسقه متعلِّقًا به إلاَّ أن يتوب، فلا يستحقُّ الولاءَ المطلق، إذ مُستحِقُّه المؤمن حقًّا الذي آمن بالله ورسوله، وقام بشعائر دينه من القيام بالواجبات واجتناب المحرَّمات صادِقًا ومُخلِصًا له الدِّين، كما لا يستحقُّ البراءَ المطلَق؛ لأنَّ مُستحِقَّه هو المشرِك والكافر، سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا ونحو ذلك، ويشمل الحكم فيمن فعل مكفِّرًا من المسلمين اقتضى ردَّته. وإنما المسلم العاصي يستحقُّ الولاء من جهة إيمانه والبراء من جهة معصيته، ومرتبته -من جهة الولاية- ظالم لنفسه تأتي بعد مرتبة السابق بالخيرات: وهو مَن فعل الواجباتِ واجتنبَ المحظوراتِ، وحافظَ على المسنونات، وتورَّع عن المكروهات، وبعد مرتبة المقتصد: وهو مَنِ اكتفى بفعل الواجبات، واجتناب المحظورات، وإن لم يحافظ على المسنونات، ولم يتورَّع عن المكروهات، ويجمع ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(٢- آية 11 من سورة الحجرات. والاسم في الآية بمعنى الذكر، وقد تضمَّنت الآية النهي عن تلقيب بعضِهم بعضًا على وجهٍ يسوءُ الشخصَ سماعها، كأن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي يا نصراني، أو أن يقول له: يا كلب يا حمار يا خِنْزير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئاتِ ثُمَّ تاب، فنهى أن يُعَيَّرَ بما سلف». [«تفسير القرطبي»: (16/331)]. فالحاصل أنَّ من فعل ما نهى عنه من السخرية والهمز والنبز فذلك فسوق يلزم صاحبه إذا لم يتب عمَّا نهى الله عنه، وقد وصف الله فاعلَه بالظلم لارتكابه ما نهى الله عنه وامتناعه من التوبة، فظَلَمَ من سخر منه ومن همزه ولقَّبه، وظَلَم نفسَه بما لزمها من الإثم. [انظر: «تفسير ابن كثير»: (4/212)، «فتح القدير» للشوكاني: (5/64)]. )، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٣- آية 4، 5 من سورة النور. والآية التي استدلَّ بها المصنِّف تضمنت ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، وردّ شهادته أبدًا، وفسقه. والاستثناءُ غير عامل في جلده بإجماع، وعاملٌ في فسقه بإجماع، وردُّ شهادته التي لا تُقبل مدة عمره خلاف، وما عليه عامَّة الفقهاء أنَّ الاستثناء عاملٌ في ردّ شهادته؛ لأنَّ ردَّها كان لعِلَّة الفِسق، فإذا زال بالتوبة قُبِلَتْ شهادتُه مُطلقًا قبل الحدِّ وبعده، وخالف في ذلك سفيان الثوري وأبو حنيفة، فلا يعمل الاستثناء -عندهم- في ردِّ شهادته وإنما يزول فِسقه عند الله، وبهذا قال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن البصري. [انظر: «تفسير القرطبي»: (12/178-179)]. ومنشأ الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى عمل الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو، هل في جميعها لما هو عليه مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أم يعمل الاستثناء في أقرب مذكور، وهو مذهب الأحناف أم يُسلك فيه بمذهب الوقف وهو مذهب الباقلاني؟ وأصل الخلاف سببان: الأول: هل الجمل في حكم جملة واحدة، أم لكلِّ جملةٍ حكم بنفسها في الاستقلال؟ والثاني: تشبُّهُ الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدِّمة؛ فإنه يعود على جميعِها عند الفقهاء أو لا يُشبَّه به؛ لأنه من باب القياس في اللغة. [انظر مذاهب العلماء وأدلتهم في مؤلفي «الإنارة شرح كتاب الإشارة» للإمام أبي الوليد الباجي (ص: 150)، والمصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب «الإشارة» من تحقيقي (ص 214)]. والظاهر أنَّ مذهب الجمهور في هذه المسألة أصحُّ لاتفاق أهل اللغة أنَّ تَكرار الاستثناء عَقِبَ كُلِّ جملة تلزمه الركاكة في الاستعمال، والركاكة قبحٌ يتخلص منه كلام العرب؛ ولأنَّ الاستثناء صالح لأَنْ يعود إلى كُلِّ واحدةٍ من الجمل، ولم ينفرد فيه ما يمنعه، وليست جملةٌ أولى من أختها، فوجب اشتراكهم في عود الاستثناء إلى الجميع، ويؤيِّد ذلك أنَّ آيةَ المحاربة يعود فيها الاستثناء إلى الجميع باتفاق؛ ولأنَّ الأُمَّة أجمعت على أنَّ التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى. [انظر «تفسير القرطبي»: (12/180-1891)]. ).



    ١- الفُسوق هو: الخروج عن الطاعة والميلُ عن الاستقامة، وهو ينقسم إلى فِسق أكبرَ مخرجٍ عن المِلَّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: 20]، وفِسقٍ أصغر غير مخرج من الإسلام، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: 6].

    ومرادُ المصنِّف -رحمه الله- بالفاسق هو المنتسب إلى مِلَّة الإسلام الذي لم يخرج عنها، ولكن خرج عن طاعة الله ورسوله بارتكاب الكبيرة التي من جملتها الإصرار على الصغيرة، ويُعرف بالفاسق الـمِلِّي.

    والفسق يكون تارةً بترك الفرائض وتارةً بفعل المحرَّمات، وهو في عرف الشرع أشدُّ من العصيان.

    - فمن حيث التسميةُ فإنَّ أهل السنَّة والجماعة لا يسلبون الفاسقَ الملي الإسلام بالكلية، ولا يعطونه صفةَ الإيمان المطلق، يخاطب باسم الإيمان أو الإسلام، ويعامل معاملة المسلمين، فهو مؤمنٌ ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يُعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم.

    - أمَّا من حيث الحكم في الآخرة فالفاسق الملي واقعٌ تحت مشيئة الله عزَّ وجلَّ إن شاء غفر له ابتداءً برحمته، وإن شاء عذَّبه بعدله، ولا يُخلَّد في النار إن عُذِّب، بل يخرج منها بعد أن يَلبَث فيها ما شاء الله أن يبقى، ثمَّ يدخله الجنة، كما وردت في ذلك أحاديث الشفاعة وخروج الموحِّدين من النار.

    هذا مذهب السلف في التسمية والحكم، وهو المذهب الوسط العدل، للآيات الكثيرة التي يخاطب الله بها الفساقَ والمذنبين باسم الإيمان أو الإسلام كالتي استدلَّ بها المصنِّف في الموضع السابق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178]، فالآيةُ تنفي بمفهومها عن القاتل الكفرَ حيث سمَّى المقتولَ أخًا للقاتِل، مع أنَّ قَتْلَ المؤمن كبيرةٌ من كبائر الذنوب.

    ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم﴾ [الممتحنة: 1]، وقد نزلت هذه الآية في شأن حاطب بن بلتعة رضي الله عنه لما حاول إخبار قريش بخروج النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم. [«تفسير ابن كثير»: (4/344)].

    هذا، وقد خالف معتقد السلف طوائفُ تتجلَّى مخالفتُها من حيث التسمية والحكم وهي:

    - الخوارج الذين يُكفِّرون مرتكبَ الكبيرة على مذهب جمهورهم، ومن الخوارج من يكفِّر بالذنوب عامةً كبيرها وصغيرها مع الإصرار عليها، فمن حيث التسمية فمرتكب الكبيرة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومن حيث حكمه فهو مخلد في النار، ومعظم الخوارج يجعلونه مباح الدم والمال والعِرض.

    وقريب من هذا المعتقد مذهب المعتزلة الذين وافقوا الخوارج في الحكم وخالفوهم في التسمية، فقالوا: هو في مَنْزِلة بين المَنْزِلتين بين الكفر والإيمان، لا مؤمن ولا كافر، فيعاملونه في الدنيا معاملةَ المسلمين، ويحكمون عليه في الآخرة بالخلود في النار.

    وقد بنى الخوارج والمعتزلة معتقدَهم على نصوص الوعيد، وقرَّروا أنَّ الله تعالى وَصَف المؤمنَ بالطاعة والاستقامة، والخارج عن هذه الصفة خارج عن الإيمان بالكلية، فأقفلوا بابَ الرجاء وَسِعَةَ رحمةِ الله في وجه العصاة والمذنبين، الأمرُ الذي يترتَّب عليه من اليأس والقنوط من رحمة الله وعفوه ومغفرته ما لا يخفى.

    - وعلى طرف نقيض: مذهب غلاة المرجئة الذين نظروا إلى النصوص المخاطِبة للفُسَّاق إنما كانت باسم الإيمان أو الإسلام، فأسبغوا على الفاسق المنحرِف اسمَ الإيمان المطلق، فقالوا بأنَّ المعاصي مهما كانت لا تؤثِّر في إيمانه ولا تنقصه، أي: لا يضرُّ مع الإيمان معصيةٌ، كما لا ينفعُ مع الكفر طاعةٌ، فَبَنَوْا مُعتقدَهم على نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد، وهي كثيرة منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]. وهذا المعتقد ظاهرُ البطلان كسابقه، وإذا كان المخالفون لهم من الخوارج والمعتزلة قد أغلقوا بابَ الرجاء وَسِعَةَ رحمةِ الله فإنَّ المرجئةَ فَتَحَتْ البابَ على مصرعيه لانتهاك حُرُمات الله والتعدِّي بالقبائح والانغماس في الرذائل واقتراف الموبقات وارتكاب المعاصي. فكان موقفُ أهلِ السُّنَّة وَسَطًا بين الإفراط والتفريط والغُلُوِّ والجَفَاء حيث كان مبنى موقفهم على الأدلة الشاملة لجميع زوايا موضوع الفاسق الملي، ونظروا إلى النصوص مجتمعةً، فلم يغفلوا جوانبَ، ويأخذوا بأخرى كما هو صنيع طرفي النقيض: الخوارج والمعتزلة من جهة، وما يقابلهما المرجئة، فهدى الله الذين آمنوا لما اخْتُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنه، واللهُ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

    هذا، والمسلم العاصي الذي يُهمل الواجبات، ويفعل بعض المحرَّمات التي لا تصل إلى الكفر الأكبر، فإنه يستصحب في حقِّه وصف الفِسق مع ثبوت الإيمان، ويبقى فِسقه متعلِّقًا به إلاَّ أن يتوب، فلا يستحقُّ الولاءَ المطلق، إذ مُستحِقُّه المؤمن حقًّا الذي آمن بالله ورسوله، وقام بشعائر دينه من القيام بالواجبات واجتناب المحرَّمات صادِقًا ومُخلِصًا له الدِّين، كما لا يستحقُّ البراءَ المطلَق؛ لأنَّ مُستحِقَّه هو المشرِك والكافر، سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا ونحو ذلك، ويشمل الحكم فيمن فعل مكفِّرًا من المسلمين اقتضى ردَّته. وإنما المسلم العاصي يستحقُّ الولاء من جهة إيمانه والبراء من جهة معصيته، ومرتبته -من جهة الولاية- ظالم لنفسه تأتي بعد مرتبة السابق بالخيرات: وهو مَن فعل الواجباتِ واجتنبَ المحظوراتِ، وحافظَ على المسنونات، وتورَّع عن المكروهات، وبعد مرتبة المقتصد: وهو مَنِ اكتفى بفعل الواجبات، واجتناب المحظورات، وإن لم يحافظ على المسنونات، ولم يتورَّع عن المكروهات، ويجمع ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32].

    ٢- آية 11 من سورة الحجرات.

    والاسم في الآية بمعنى الذكر، وقد تضمَّنت الآية النهي عن تلقيب بعضِهم بعضًا على وجهٍ يسوءُ الشخصَ سماعها، كأن يقول لأخيه المسلم: يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم: يا يهودي يا نصراني، أو أن يقول له: يا كلب يا حمار يا خِنْزير، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئاتِ ثُمَّ تاب، فنهى أن يُعَيَّرَ بما سلف». [«تفسير القرطبي»: (16/331)].

    فالحاصل أنَّ من فعل ما نهى عنه من السخرية والهمز والنبز فذلك فسوق يلزم صاحبه إذا لم يتب عمَّا نهى الله عنه، وقد وصف الله فاعلَه بالظلم لارتكابه ما نهى الله عنه وامتناعه من التوبة، فظَلَمَ من سخر منه ومن همزه ولقَّبه، وظَلَم نفسَه بما لزمها من الإثم. [انظر: «تفسير ابن كثير»: (4/212)، «فتح القدير» للشوكاني: (5/64)].

    ٣- آية 4، 5 من سورة النور.

    والآية التي استدلَّ بها المصنِّف تضمنت ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، وردّ شهادته أبدًا، وفسقه.

    والاستثناءُ غير عامل في جلده بإجماع، وعاملٌ في فسقه بإجماع، وردُّ شهادته التي لا تُقبل مدة عمره خلاف، وما عليه عامَّة الفقهاء أنَّ الاستثناء عاملٌ في ردّ شهادته؛ لأنَّ ردَّها كان لعِلَّة الفِسق، فإذا زال بالتوبة قُبِلَتْ شهادتُه مُطلقًا قبل الحدِّ وبعده، وخالف في ذلك سفيان الثوري وأبو حنيفة، فلا يعمل الاستثناء -عندهم- في ردِّ شهادته وإنما يزول فِسقه عند الله، وبهذا قال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن البصري. [انظر: «تفسير القرطبي»: (12/178-179)].

    ومنشأ الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى عمل الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو، هل في جميعها لما هو عليه مذهب مالك والشافعي وأصحابهما أم يعمل الاستثناء في أقرب مذكور، وهو مذهب الأحناف أم يُسلك فيه بمذهب الوقف وهو مذهب الباقلاني؟

    وأصل الخلاف سببان:

    الأول: هل الجمل في حكم جملة واحدة، أم لكلِّ جملةٍ حكم بنفسها في الاستقلال؟

    والثاني: تشبُّهُ الاستثناء بالشرط في عوده إلى الجمل المتقدِّمة؛ فإنه يعود على جميعِها عند الفقهاء أو لا يُشبَّه به؛ لأنه من باب القياس في اللغة. [انظر مذاهب العلماء وأدلتهم في مؤلفي «الإنارة شرح كتاب الإشارة» للإمام أبي الوليد الباجي (ص: 150)، والمصادر الأصولية المثبتة على هامش كتاب «الإشارة» من تحقيقي (ص 214)].

    والظاهر أنَّ مذهب الجمهور في هذه المسألة أصحُّ لاتفاق أهل اللغة أنَّ تَكرار الاستثناء عَقِبَ كُلِّ جملة تلزمه الركاكة في الاستعمال، والركاكة قبحٌ يتخلص منه كلام العرب؛ ولأنَّ الاستثناء صالح لأَنْ يعود إلى كُلِّ واحدةٍ من الجمل، ولم ينفرد فيه ما يمنعه، وليست جملةٌ أولى من أختها، فوجب اشتراكهم في عود الاستثناء إلى الجميع، ويؤيِّد ذلك أنَّ آيةَ المحاربة يعود فيها الاستثناء إلى الجميع باتفاق؛ ولأنَّ الأُمَّة أجمعت على أنَّ التوبة تمحو الكفر، فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى. [انظر «تفسير القرطبي»: (12/180-1891)].

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:28

    بَيَانُ مَعْنَى الإِحْسَانِ



    الرَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ: الإِحْسَانُ فِي اللُّغَةِ: الإِتْيَانُ بِمَا هُوَ حَسَنٌ(١- الإحسانُ في اللغة هو ضِدُّ الإساءة، وهو فِعل ما ينفع به نفسه أو غيرَه بحيث يصير حسنًا به، كإطعام الجائع وكسوة العريان، ومن هنا يظهر الفرق بينه وبين الإنعام، فالإحسان فعلُ ما هو حَسَنٌ لنفس الإنسان ولغيره، تقول: أحسنت إلى نفسي، والإنعام لا يكون إلاَّ لغيره. [«لسان العرب» لابن منظور: (3/179-180)، «الكليات» لأبي البقا: (53)]. ويظهر عموم الإحسان -أيضًا- وزيادته على العدل الذي هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، بينما الإحسان هو أن يعطي أكثر ممَّا عليه ويأخذ أقلَّ ممَّا له، فالإحسان زائدٌ على العدل، فتحرِّي العدل واجبٌ، وتحرِّي الإحسان ندبٌ وتطوُّعٌ. [«الكليات» لأبي البقا: (640)]. وبهذا المعنى اللغوي فسَّر الشوكاني -رحمه الله- في «فتح القدير» (3/188) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، حيث قال: «والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي، وهو التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمعنى أمره بالعدل: أن يكون عباده في الدِّين على حالة متوسِّطة، ليست بمائلةٍ إلى جانب الإفراط وهو الغلوّ المذموم في الدِّين، ولا إلى جانب التفريط وهو: الإخلال بشيءٍ ممَّا هو من الدِّين. وأمَّا الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضُّل بما لم يجب كصدقة التطوُّع». هذا، وللفائدة فإنه لا يلزم من وجود الإحسان وجود الرحمة أو بالعكس؛ «لأنَّ الرحمة قد توجد وافرة في حقِّ من لا يتمكَّن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها، وقد يوجد الإحسان ممَّن لا رحمةَ له في طبعه كالملِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائه لمصلحة مُلكه». [«الكليات» لأبي البقا: (667)]. )، وَالإِحْسَانُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ الإِتْيَانُ بِالحَسَنَاتِ، وَالحَسَنَاتُ هِيَ: فِعْلُ الوَاجِبَاتِ وَالمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرْكُ المُحَرَّمَاتِ وَالمَكْرُوهَاتِ، وَفِعْلُ أَوْ تَرْكُ المُبَاحَاتِ لأَنَّهَا مُبَاحَاتٌ، مَعَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ للهِ تَعَالَى وَالإِخْلاَصُ لَهُ فِيهِ، وَمَعَ اسْتِحْضَارِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَاطِّلاَعِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ(٢- والمصنِّف -رحمه الله- عند تناوله لتعريف الإحسان ذكر له ثلاثة معانٍ مجتمعة، ومن بينها معنى «التصديق بذلك لله تعالى والإخلاص له فيه» فمن هذه الزاوية تظهر سعة الإحسان وعموميته عن الإيمان من جهة نفسه وخصوصيته من جهة أهله، وهو ما ترجم معناه ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/10) بقوله: «وأمَّا الإحسان فهو أعمُّ من جهة نفسه، وأخصُّ من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصُّ من المؤمنين، والمؤمنون أخصُّ من المسلمين». قلت: ومن زاويةٍ أخرى فقد أوضح المصنِّف -رحمه الله- في تعريفه الشرعي أنَّ الإحسان يجمع بين عبادة إتيان الحسنات، والإيمان وكمال الإخلاص، مع استحضار القلب بمراقبة الله تعالى. والظاهر أنَّ هذا التعريف بمعانيه الثلاثة غير جامع لاقتصاره على أحد نوعي الإحسان، وهو: إحسان في عبادة الخالق سبحانه بالفعل الحسن الذي يحبُّه، دون شموله للإحسان في حقوق الخلق الذي يتبلور فيه معنى الإنعام على الناس ببذل أنواع المنافع ومختلف المصالح لأي مخلوق يكون، وهو النوع الثاني للإحسان. قال ابن جُزَي -رحمه الله- في «التسهيل في علوم التَّنْزيل» (1/19) -في معرض ذِكر الإحسان-: «له ثلاث معانٍ فعل الحسنات، والإنعام على الناس، ومراقبة الله تعالى المشار إليها في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ». وقال السعدي -رحمه الله- في «بهجة قلوب الأبرار» (234) -مُبيِّنًا الإحسان- أنه: «نوعان: إحسان في عبادة الخالق بأن يعبد اللهَ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وإحسان في حقوق الخلق، وهو: بذل المنافع من أي نوعٍ كان لأيِّ مخلوقٍ يكون». )، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾(٣- آية 110 من سورة الكهف.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(٤- آية 112 من سورة البقرة.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٥- آية 90 من سورة يوسف. وذِكْرُ الصبر لازمٌ بالتقوى؛ لأنَّ في إتيان الحسنات حَبْسٌ للنفس على ما تكرهه من عبادة الله تعالى، فيحملها على التقوى، ويلزمها بالطاعة، كما يحبسها عن اقتراف المعاصي التي تشتهيها نفسه، فيمنعها من الاقتراب، ويصدُّها عن الارتكاب، ذاكرًا لوعد الله تعالى لأهل طاعته ووعيده لأهل معصيته، كما يحبس نفسه على البلاء الذي نزل به، فلا يجزع ولا يسخط، بل يحتمل المكروه والأذى في ذات الله تعالى بالرضى والتسليم، لعلمه بأنَّ أقدار الله جارية، وأنّ قضاءه عدل، وحكمه نافذ، فكان الصبر بضاعةَ الصِّدِّيقين المتقين المؤمنين، وشعارَ المحسنين. )، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، لَمَّا فَسَّرَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الإِحْسَانَ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»(٦- فجملة الآيات التي استدلَّ بها المصنِّف على الإحسان يظهر فيها ما قرَّره في تعريفه الشرعيِّ من المعاني، ذلك لأنَّ ثوابَ الله المرجو على إتيان الحسنات وترك السيئات إنما يكون جزاؤه الصالح على عمله الموافق للشرع، وهو ذاك الفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى، لكن لا يكون العمل محلَّ قَبولٍ ورِضًى إلاَّ بانضمام التصديق مع كمال الإخلاص إلى العمل، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125]، كما لا يتمُّ تقوى الله وخشيته إلاَّ بمعرفة الله واستحضار رؤية الله له واطلاعه على ظاهره وباطنه، وهذا من إحسان عبادة الخالق سبحانه بالتقوى والمراقبة كما بيَّنه حديث جبريل عليه السلام.) رواه البخاري ومسلم(٧- أخرجه مسلم في «الإيمان» [1/150] باب بيان الإسلام والإحسان، وأبوداود في «السنة» [5/69] باب القدر، والترمذي في «الإيمان» [5/6] باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الإيمان والإحسان، وابن ماجه في «المقدمة» [1/24] باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأخرجه البخاري في «الإيمان» [1/114] باب سؤال جبريل النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفي «التفسير» [8/513] باب «إنّ الله عنده علم الساعة»، ومسلم في «الإيمان» [1/161] باب إثبات القدر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ).... (يتبع).



    ١- الإحسانُ في اللغة هو ضِدُّ الإساءة، وهو فِعل ما ينفع به نفسه أو غيرَه بحيث يصير حسنًا به، كإطعام الجائع وكسوة العريان، ومن هنا يظهر الفرق بينه وبين الإنعام، فالإحسان فعلُ ما هو حَسَنٌ لنفس الإنسان ولغيره، تقول: أحسنت إلى نفسي، والإنعام لا يكون إلاَّ لغيره. [«لسان العرب» لابن منظور: (3/179-180)، «الكليات» لأبي البقا: (53)].

    ويظهر عموم الإحسان -أيضًا- وزيادته على العدل الذي هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، بينما الإحسان هو أن يعطي أكثر ممَّا عليه ويأخذ أقلَّ ممَّا له، فالإحسان زائدٌ على العدل، فتحرِّي العدل واجبٌ، وتحرِّي الإحسان ندبٌ وتطوُّعٌ. [«الكليات» لأبي البقا: (640)].

    وبهذا المعنى اللغوي فسَّر الشوكاني -رحمه الله- في «فتح القدير» (3/188) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، حيث قال: «والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي، وهو التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمعنى أمره بالعدل: أن يكون عباده في الدِّين على حالة متوسِّطة، ليست بمائلةٍ إلى جانب الإفراط وهو الغلوّ المذموم في الدِّين، ولا إلى جانب التفريط وهو: الإخلال بشيءٍ ممَّا هو من الدِّين.

    وأمَّا الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضُّل بما لم يجب كصدقة التطوُّع».

    هذا، وللفائدة فإنه لا يلزم من وجود الإحسان وجود الرحمة أو بالعكس؛ «لأنَّ الرحمة قد توجد وافرة في حقِّ من لا يتمكَّن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها، وقد يوجد الإحسان ممَّن لا رحمةَ له في طبعه كالملِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائه لمصلحة مُلكه». [«الكليات» لأبي البقا: (667)].

    ٢- والمصنِّف -رحمه الله- عند تناوله لتعريف الإحسان ذكر له ثلاثة معانٍ مجتمعة، ومن بينها معنى «التصديق بذلك لله تعالى والإخلاص له فيه» فمن هذه الزاوية تظهر سعة الإحسان وعموميته عن الإيمان من جهة نفسه وخصوصيته من جهة أهله، وهو ما ترجم معناه ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/10) بقوله: «وأمَّا الإحسان فهو أعمُّ من جهة نفسه، وأخصُّ من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصُّ من المؤمنين، والمؤمنون أخصُّ من المسلمين».

    قلت: ومن زاويةٍ أخرى فقد أوضح المصنِّف -رحمه الله- في تعريفه الشرعي أنَّ الإحسان يجمع بين عبادة إتيان الحسنات، والإيمان وكمال الإخلاص، مع استحضار القلب بمراقبة الله تعالى. والظاهر أنَّ هذا التعريف بمعانيه الثلاثة غير جامع لاقتصاره على أحد نوعي الإحسان، وهو: إحسان في عبادة الخالق سبحانه بالفعل الحسن الذي يحبُّه، دون شموله للإحسان في حقوق الخلق الذي يتبلور فيه معنى الإنعام على الناس ببذل أنواع المنافع ومختلف المصالح لأي مخلوق يكون، وهو النوع الثاني للإحسان.

    قال ابن جُزَي -رحمه الله- في «التسهيل في علوم التَّنْزيل» (1/19) -في معرض ذِكر الإحسان-: «له ثلاث معانٍ فعل الحسنات، والإنعام على الناس، ومراقبة الله تعالى المشار إليها في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ».

    وقال السعدي -رحمه الله- في «بهجة قلوب الأبرار» (234) -مُبيِّنًا الإحسان- أنه: «نوعان: إحسان في عبادة الخالق بأن يعبد اللهَ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وإحسان في حقوق الخلق، وهو: بذل المنافع من أي نوعٍ كان لأيِّ مخلوقٍ يكون».

    ٣- آية 110 من سورة الكهف.

    ٤- آية 112 من سورة البقرة.

    ٥- آية 90 من سورة يوسف.

    وذِكْرُ الصبر لازمٌ بالتقوى؛ لأنَّ في إتيان الحسنات حَبْسٌ للنفس على ما تكرهه من عبادة الله تعالى، فيحملها على التقوى، ويلزمها بالطاعة، كما يحبسها عن اقتراف المعاصي التي تشتهيها نفسه، فيمنعها من الاقتراب، ويصدُّها عن الارتكاب، ذاكرًا لوعد الله تعالى لأهل طاعته ووعيده لأهل معصيته، كما يحبس نفسه على البلاء الذي نزل به، فلا يجزع ولا يسخط، بل يحتمل المكروه والأذى في ذات الله تعالى بالرضى والتسليم، لعلمه بأنَّ أقدار الله جارية، وأنّ قضاءه عدل، وحكمه نافذ، فكان الصبر بضاعةَ الصِّدِّيقين المتقين المؤمنين، وشعارَ المحسنين.

    ٦- فجملة الآيات التي استدلَّ بها المصنِّف على الإحسان يظهر فيها ما قرَّره في تعريفه الشرعيِّ من المعاني، ذلك لأنَّ ثوابَ الله المرجو على إتيان الحسنات وترك السيئات إنما يكون جزاؤه الصالح على عمله الموافق للشرع، وهو ذاك الفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى، لكن لا يكون العمل محلَّ قَبولٍ ورِضًى إلاَّ بانضمام التصديق مع كمال الإخلاص إلى العمل، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125]، كما لا يتمُّ تقوى الله وخشيته إلاَّ بمعرفة الله واستحضار رؤية الله له واطلاعه على ظاهره وباطنه، وهذا من إحسان عبادة الخالق سبحانه بالتقوى والمراقبة كما بيَّنه حديث جبريل عليه السلام.

    ٧- أخرجه مسلم في «الإيمان» [1/150] باب بيان الإسلام والإحسان، وأبوداود في «السنة» [5/69] باب القدر، والترمذي في «الإيمان» [5/6] باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الإيمان والإحسان، وابن ماجه في «المقدمة» [1/24] باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وأخرجه البخاري في «الإيمان» [1/114] باب سؤال جبريل النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفي «التفسير» [8/513] باب «إنّ الله عنده علم الساعة»، ومسلم في «الإيمان» [1/161] باب إثبات القدر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:29

    بَيَانُ مَعْنَى الإِحْسَانِ



    الرَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ: الإِحْسَانُ فِي اللُّغَةِ: الإِتْيَانُ بِمَا هُوَ حَسَنٌ(١- الإحسانُ في اللغة هو ضِدُّ الإساءة، وهو فِعل ما ينفع به نفسه أو غيرَه بحيث يصير حسنًا به، كإطعام الجائع وكسوة العريان، ومن هنا يظهر الفرق بينه وبين الإنعام، فالإحسان فعلُ ما هو حَسَنٌ لنفس الإنسان ولغيره، تقول: أحسنت إلى نفسي، والإنعام لا يكون إلاَّ لغيره. [«لسان العرب» لابن منظور: (3/179-180)، «الكليات» لأبي البقا: (53)]. ويظهر عموم الإحسان -أيضًا- وزيادته على العدل الذي هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، بينما الإحسان هو أن يعطي أكثر ممَّا عليه ويأخذ أقلَّ ممَّا له، فالإحسان زائدٌ على العدل، فتحرِّي العدل واجبٌ، وتحرِّي الإحسان ندبٌ وتطوُّعٌ. [«الكليات» لأبي البقا: (640)]. وبهذا المعنى اللغوي فسَّر الشوكاني -رحمه الله- في «فتح القدير» (3/188) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، حيث قال: «والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي، وهو التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمعنى أمره بالعدل: أن يكون عباده في الدِّين على حالة متوسِّطة، ليست بمائلةٍ إلى جانب الإفراط وهو الغلوّ المذموم في الدِّين، ولا إلى جانب التفريط وهو: الإخلال بشيءٍ ممَّا هو من الدِّين. وأمَّا الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضُّل بما لم يجب كصدقة التطوُّع». هذا، وللفائدة فإنه لا يلزم من وجود الإحسان وجود الرحمة أو بالعكس؛ «لأنَّ الرحمة قد توجد وافرة في حقِّ من لا يتمكَّن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها، وقد يوجد الإحسان ممَّن لا رحمةَ له في طبعه كالملِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائه لمصلحة مُلكه». [«الكليات» لأبي البقا: (667)]. )، وَالإِحْسَانُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ الإِتْيَانُ بِالحَسَنَاتِ، وَالحَسَنَاتُ هِيَ: فِعْلُ الوَاجِبَاتِ وَالمُسْتَحَبَّاتِ، وَتَرْكُ المُحَرَّمَاتِ وَالمَكْرُوهَاتِ، وَفِعْلُ أَوْ تَرْكُ المُبَاحَاتِ لأَنَّهَا مُبَاحَاتٌ، مَعَ التَّصْدِيقِ بِذَلِكَ للهِ تَعَالَى وَالإِخْلاَصُ لَهُ فِيهِ، وَمَعَ اسْتِحْضَارِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَاطِّلاَعِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ(٢- والمصنِّف -رحمه الله- عند تناوله لتعريف الإحسان ذكر له ثلاثة معانٍ مجتمعة، ومن بينها معنى «التصديق بذلك لله تعالى والإخلاص له فيه» فمن هذه الزاوية تظهر سعة الإحسان وعموميته عن الإيمان من جهة نفسه وخصوصيته من جهة أهله، وهو ما ترجم معناه ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/10) بقوله: «وأمَّا الإحسان فهو أعمُّ من جهة نفسه، وأخصُّ من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصُّ من المؤمنين، والمؤمنون أخصُّ من المسلمين». قلت: ومن زاويةٍ أخرى فقد أوضح المصنِّف -رحمه الله- في تعريفه الشرعي أنَّ الإحسان يجمع بين عبادة إتيان الحسنات، والإيمان وكمال الإخلاص، مع استحضار القلب بمراقبة الله تعالى. والظاهر أنَّ هذا التعريف بمعانيه الثلاثة غير جامع لاقتصاره على أحد نوعي الإحسان، وهو: إحسان في عبادة الخالق سبحانه بالفعل الحسن الذي يحبُّه، دون شموله للإحسان في حقوق الخلق الذي يتبلور فيه معنى الإنعام على الناس ببذل أنواع المنافع ومختلف المصالح لأي مخلوق يكون، وهو النوع الثاني للإحسان. قال ابن جُزَي -رحمه الله- في «التسهيل في علوم التَّنْزيل» (1/19) -في معرض ذِكر الإحسان-: «له ثلاث معانٍ فعل الحسنات، والإنعام على الناس، ومراقبة الله تعالى المشار إليها في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ». وقال السعدي -رحمه الله- في «بهجة قلوب الأبرار» (234) -مُبيِّنًا الإحسان- أنه: «نوعان: إحسان في عبادة الخالق بأن يعبد اللهَ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وإحسان في حقوق الخلق، وهو: بذل المنافع من أي نوعٍ كان لأيِّ مخلوقٍ يكون». )، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾(٣- آية 110 من سورة الكهف.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(٤- آية 112 من سورة البقرة.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٥- آية 90 من سورة يوسف. وذِكْرُ الصبر لازمٌ بالتقوى؛ لأنَّ في إتيان الحسنات حَبْسٌ للنفس على ما تكرهه من عبادة الله تعالى، فيحملها على التقوى، ويلزمها بالطاعة، كما يحبسها عن اقتراف المعاصي التي تشتهيها نفسه، فيمنعها من الاقتراب، ويصدُّها عن الارتكاب، ذاكرًا لوعد الله تعالى لأهل طاعته ووعيده لأهل معصيته، كما يحبس نفسه على البلاء الذي نزل به، فلا يجزع ولا يسخط، بل يحتمل المكروه والأذى في ذات الله تعالى بالرضى والتسليم، لعلمه بأنَّ أقدار الله جارية، وأنّ قضاءه عدل، وحكمه نافذ، فكان الصبر بضاعةَ الصِّدِّيقين المتقين المؤمنين، وشعارَ المحسنين. )، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، لَمَّا فَسَّرَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الإِحْسَانَ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»(٦- فجملة الآيات التي استدلَّ بها المصنِّف على الإحسان يظهر فيها ما قرَّره في تعريفه الشرعيِّ من المعاني، ذلك لأنَّ ثوابَ الله المرجو على إتيان الحسنات وترك السيئات إنما يكون جزاؤه الصالح على عمله الموافق للشرع، وهو ذاك الفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى، لكن لا يكون العمل محلَّ قَبولٍ ورِضًى إلاَّ بانضمام التصديق مع كمال الإخلاص إلى العمل، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125]، كما لا يتمُّ تقوى الله وخشيته إلاَّ بمعرفة الله واستحضار رؤية الله له واطلاعه على ظاهره وباطنه، وهذا من إحسان عبادة الخالق سبحانه بالتقوى والمراقبة كما بيَّنه حديث جبريل عليه السلام.) رواه البخاري ومسلم(٧- أخرجه مسلم في «الإيمان» [1/150] باب بيان الإسلام والإحسان، وأبوداود في «السنة» [5/69] باب القدر، والترمذي في «الإيمان» [5/6] باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الإيمان والإحسان، وابن ماجه في «المقدمة» [1/24] باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وأخرجه البخاري في «الإيمان» [1/114] باب سؤال جبريل النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفي «التفسير» [8/513] باب «إنّ الله عنده علم الساعة»، ومسلم في «الإيمان» [1/161] باب إثبات القدر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ).... (يتبع).



    ١- الإحسانُ في اللغة هو ضِدُّ الإساءة، وهو فِعل ما ينفع به نفسه أو غيرَه بحيث يصير حسنًا به، كإطعام الجائع وكسوة العريان، ومن هنا يظهر الفرق بينه وبين الإنعام، فالإحسان فعلُ ما هو حَسَنٌ لنفس الإنسان ولغيره، تقول: أحسنت إلى نفسي، والإنعام لا يكون إلاَّ لغيره. [«لسان العرب» لابن منظور: (3/179-180)، «الكليات» لأبي البقا: (53)].

    ويظهر عموم الإحسان -أيضًا- وزيادته على العدل الذي هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، بينما الإحسان هو أن يعطي أكثر ممَّا عليه ويأخذ أقلَّ ممَّا له، فالإحسان زائدٌ على العدل، فتحرِّي العدل واجبٌ، وتحرِّي الإحسان ندبٌ وتطوُّعٌ. [«الكليات» لأبي البقا: (640)].

    وبهذا المعنى اللغوي فسَّر الشوكاني -رحمه الله- في «فتح القدير» (3/188) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، حيث قال: «والأولى تفسير العدل بالمعنى اللغوي، وهو التوسُّط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمعنى أمره بالعدل: أن يكون عباده في الدِّين على حالة متوسِّطة، ليست بمائلةٍ إلى جانب الإفراط وهو الغلوّ المذموم في الدِّين، ولا إلى جانب التفريط وهو: الإخلال بشيءٍ ممَّا هو من الدِّين.

    وأمَّا الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضُّل بما لم يجب كصدقة التطوُّع».

    هذا، وللفائدة فإنه لا يلزم من وجود الإحسان وجود الرحمة أو بالعكس؛ «لأنَّ الرحمة قد توجد وافرة في حقِّ من لا يتمكَّن من الإحسان كالوالدة العاجزة ونحوها، وقد يوجد الإحسان ممَّن لا رحمةَ له في طبعه كالملِك القاسي، فإنه قد يُحسِنُ إلى بعض أعدائه لمصلحة مُلكه». [«الكليات» لأبي البقا: (667)].

    ٢- والمصنِّف -رحمه الله- عند تناوله لتعريف الإحسان ذكر له ثلاثة معانٍ مجتمعة، ومن بينها معنى «التصديق بذلك لله تعالى والإخلاص له فيه» فمن هذه الزاوية تظهر سعة الإحسان وعموميته عن الإيمان من جهة نفسه وخصوصيته من جهة أهله، وهو ما ترجم معناه ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (7/10) بقوله: «وأمَّا الإحسان فهو أعمُّ من جهة نفسه، وأخصُّ من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصُّ من المؤمنين، والمؤمنون أخصُّ من المسلمين».

    قلت: ومن زاويةٍ أخرى فقد أوضح المصنِّف -رحمه الله- في تعريفه الشرعي أنَّ الإحسان يجمع بين عبادة إتيان الحسنات، والإيمان وكمال الإخلاص، مع استحضار القلب بمراقبة الله تعالى. والظاهر أنَّ هذا التعريف بمعانيه الثلاثة غير جامع لاقتصاره على أحد نوعي الإحسان، وهو: إحسان في عبادة الخالق سبحانه بالفعل الحسن الذي يحبُّه، دون شموله للإحسان في حقوق الخلق الذي يتبلور فيه معنى الإنعام على الناس ببذل أنواع المنافع ومختلف المصالح لأي مخلوق يكون، وهو النوع الثاني للإحسان.

    قال ابن جُزَي -رحمه الله- في «التسهيل في علوم التَّنْزيل» (1/19) -في معرض ذِكر الإحسان-: «له ثلاث معانٍ فعل الحسنات، والإنعام على الناس، ومراقبة الله تعالى المشار إليها في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ».

    وقال السعدي -رحمه الله- في «بهجة قلوب الأبرار» (234) -مُبيِّنًا الإحسان- أنه: «نوعان: إحسان في عبادة الخالق بأن يعبد اللهَ كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه، وإحسان في حقوق الخلق، وهو: بذل المنافع من أي نوعٍ كان لأيِّ مخلوقٍ يكون».

    ٣- آية 110 من سورة الكهف.

    ٤- آية 112 من سورة البقرة.

    ٥- آية 90 من سورة يوسف.

    وذِكْرُ الصبر لازمٌ بالتقوى؛ لأنَّ في إتيان الحسنات حَبْسٌ للنفس على ما تكرهه من عبادة الله تعالى، فيحملها على التقوى، ويلزمها بالطاعة، كما يحبسها عن اقتراف المعاصي التي تشتهيها نفسه، فيمنعها من الاقتراب، ويصدُّها عن الارتكاب، ذاكرًا لوعد الله تعالى لأهل طاعته ووعيده لأهل معصيته، كما يحبس نفسه على البلاء الذي نزل به، فلا يجزع ولا يسخط، بل يحتمل المكروه والأذى في ذات الله تعالى بالرضى والتسليم، لعلمه بأنَّ أقدار الله جارية، وأنّ قضاءه عدل، وحكمه نافذ، فكان الصبر بضاعةَ الصِّدِّيقين المتقين المؤمنين، وشعارَ المحسنين.

    ٦- فجملة الآيات التي استدلَّ بها المصنِّف على الإحسان يظهر فيها ما قرَّره في تعريفه الشرعيِّ من المعاني، ذلك لأنَّ ثوابَ الله المرجو على إتيان الحسنات وترك السيئات إنما يكون جزاؤه الصالح على عمله الموافق للشرع، وهو ذاك الفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى، لكن لا يكون العمل محلَّ قَبولٍ ورِضًى إلاَّ بانضمام التصديق مع كمال الإخلاص إلى العمل، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125]، كما لا يتمُّ تقوى الله وخشيته إلاَّ بمعرفة الله واستحضار رؤية الله له واطلاعه على ظاهره وباطنه، وهذا من إحسان عبادة الخالق سبحانه بالتقوى والمراقبة كما بيَّنه حديث جبريل عليه السلام.

    ٧- أخرجه مسلم في «الإيمان» [1/150] باب بيان الإسلام والإحسان، وأبوداود في «السنة» [5/69] باب القدر، والترمذي في «الإيمان» [5/6] باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم الإيمان والإحسان، وابن ماجه في «المقدمة» [1/24] باب الإيمان، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وأخرجه البخاري في «الإيمان» [1/114] باب سؤال جبريل النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفي «التفسير» [8/513] باب «إنّ الله عنده علم الساعة»، ومسلم في «الإيمان» [1/161] باب إثبات القدر من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:30

    عقيدة الإيمان بالله (تابع)



    السابِعُ وَالثَّلاَثُونَ:

    فَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَنِ جمَيِعِ المَوْجُودَاتِ، وَهِيَ المُفْتَقِرَةُ كُلُّهَا -ابِتِدَاءً وَدَوْمًا- إِلَيْهِ(١- فاللهُ سبحانه وحدَه الذي له الغِنى التام المطلق من كُلِّ وجهٍ لا يعتريه نَقْصٌ ولا يلحقه عيب لكماله سبحانه وكمال صفاته، وغناه من لوازم ذاته، إذ أنَّ غناه ثابتٌ له لذاته لا لأمرٍ أوجب غناه. والخلق فقير محتاجٌ إلى ربه بالذات لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، وكُلُّ ما يذكر من عِلَّة الحاجة سواء كانت «الإمكان» كما هو عند الفلاسفة أو «الحدوث» كما هو عند المتكلمين فإنَّ الإمكان والحدوث والاحتياج إنما هي أدلة على الحاجة والافتقار لا علل لها ولا أسباب. قال ابن القيم -رحمه الله- في «طريق الهجرتين» [10]، «وفقر العالم إلى الله سبحانه أمرٌ ذاتيٌّ لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته، ثمَّ يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر». ومن كمال غناه وملكه وعدم نفاده أنَّ الله تعالى لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك ولا وليًّا من الذُّلِّ، وخزائنه سبحانه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأَوَّلين والآخرين من الجِنِّ والإنس ما سألوه مجتمعين كلّهم في مكان واحد، وتمنى كل واحدٍ منهم أقصى ما يتمناه، وسأل غاية ما يريده، واستحباب الله للجميع، فأعطى كلاًّ منهم ما أراد وسأل وما بلغت أمانيه ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا مهما كان قليلاً، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ.. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوني فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ» [أخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب» (16/131-133) باب تحريم الظلم، وأحمد في «مسنده» (5/160) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه]. وهدا التعبير في الجملة الأخيرة يراد به «تقريب الأفهام بما شاهدوه، فإنَّ البحر من أعظم المرئيات عيانًا وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، فوق أنها صقيلة لا يتعلَّق بها ماء»، إذا انغمست في البحر. [شرح مسلم للنووي (16/133)]، فكانت الحقيقة أنه لا ينقص من ملك الله تعالى أي شيء، ويدلُّ عليه قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَمِينُ اللهِ مَلأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ». [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/403)، باب: وكان عرشه على الماء، ومسلم في «الزكاة» (7/80)، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. ومن كمال غناه أنَّ ملكه سبحانه على غاية الكمال لا يزيد بطاعة جميع المخلوقين ولو كانوا على أكمل صفات البر والتقوى ولا ينقص بمعصيتهم ولو كان جميع الخلق عصاة قلوبهم على أفجر رجل منهم؛ لأنَّ الله تعالى الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله «قَالَ تَعَالَى: يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا». [تقدم تخريجه قريبًا من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه]. ومن كمال غناه وفضله وجوده أنَّ الناس كلَّهم عيال عند الله، وهو وحده الغني، وهم مفتقرون إليه في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودنياهم، فهو الذي يأمرهم بدعائه ويعدهم بإجابة دعائهم، ويجزيهم من فضله، ويسعفهم من رحمته، ويؤتيهم ما سألوه وطمعوا فيه وما لم يسألوا عنه، فجوده سبحانه على خلقه غير منقطع ونعمه متواصلة بالليل والنهار، وخيره على الخلق مدرار ومتواصل وهو مغني أهل الجنة من النعيم واللذات المتواصلات والخيرات المتتابعات، وهو المغني لجميع خلقه غنًى عامًّا، والمغني لخواص خلقه بما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية. هذا، والله سبحانه إذ يأمر عباده وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، فهو الغني لذاته الغنى المطلق، وخلقه مفتقر إليه الفقر الذاتي، لذلك وجب أن تتَّجه القلوب والعقول والأبصار والأسماع بالخضوع والعبودية الحقة، فمنه يستمدُّ العون وبه التوفيق تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾(٢- آية: 15، 16، 17 من سورة فاطر)، ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾(٣- جزء من آية 17 من سورة المائدة)، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾(٤- آية 31، 32 من سورة يونس)، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ﴾(٥- جزء من آية 14 من سورة الأنعام. وقد جاءت آيات أخرى في غير مواضع استشهاد المصنِّف تبرز هذا المعنى من غنى الله تعالى وفقر عباده له وحاجتهم إليه، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8]، وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: 6]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]. وقد هدَّد الله تعالى المقلِّبين لهذه الحقيقة المعلومة من الدِّين بالضرورة الذين أعظموا الفرية على الله بقولهم: إنَّ الله فقير ونحن أغنياء، فقال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181] )...(يتبع).



    ١- فاللهُ سبحانه وحدَه الذي له الغِنى التام المطلق من كُلِّ وجهٍ لا يعتريه نَقْصٌ ولا يلحقه عيب لكماله سبحانه وكمال صفاته، وغناه من لوازم ذاته، إذ أنَّ غناه ثابتٌ له لذاته لا لأمرٍ أوجب غناه.

    والخلق فقير محتاجٌ إلى ربه بالذات لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، وكُلُّ ما يذكر من عِلَّة الحاجة سواء كانت «الإمكان» كما هو عند الفلاسفة أو «الحدوث» كما هو عند المتكلمين فإنَّ الإمكان والحدوث والاحتياج إنما هي أدلة على الحاجة والافتقار لا علل لها ولا أسباب. قال ابن القيم -رحمه الله- في «طريق الهجرتين» [10]، «وفقر العالم إلى الله سبحانه أمرٌ ذاتيٌّ لا يعلل فهو فقير بذاته إلى ربه الغني بذاته، ثمَّ يستدل بإمكانه وحدوثه وغير ذلك من الأدلة على هذا الفقر».

    ومن كمال غناه وملكه وعدم نفاده أنَّ الله تعالى لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك ولا وليًّا من الذُّلِّ، وخزائنه سبحانه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأَوَّلين والآخرين من الجِنِّ والإنس ما سألوه مجتمعين كلّهم في مكان واحد، وتمنى كل واحدٍ منهم أقصى ما يتمناه، وسأل غاية ما يريده، واستجاب الله للجميع، فأعطى كلاًّ منهم ما أراد وسأل وما بلغت أمانيه ما نقص ذلك من ملك الله شيئًا مهما كان قليلاً، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ.. يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوني فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ» [أخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب» (16/131-133) باب تحريم الظلم، وأحمد في «مسنده» (5/160) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه]. وهدا التعبير في الجملة الأخيرة يراد به «تقريب الأفهام بما شاهدوه، فإنَّ البحر من أعظم المرئيات عيانًا وأكبرها، والإبرة من أصغر الموجودات، فوق أنها صقيلة لا يتعلَّق بها ماء»، إذا انغمست في البحر. [شرح مسلم للنووي (16/133)]، فكانت الحقيقة أنه لا ينقص من ملك الله تعالى أي شيء، ويدلُّ عليه قوله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «يَمِينُ اللهِ مَلأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ». [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/403)، باب: وكان عرشه على الماء، ومسلم في «الزكاة» (7/80)، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

    ومن كمال غناه أنَّ ملكه سبحانه على غاية الكمال لا يزيد بطاعة جميع المخلوقين ولو كانوا على أكمل صفات البر والتقوى ولا ينقص بمعصيتهم ولو كان جميع الخلق عصاة قلوبهم على أفجر رجل منهم؛ لأنَّ الله تعالى الغني المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله «قَالَ تَعَالَى: يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا». [تقدم تخريجه قريبًا من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه].

    ومن كمال غناه وفضله وجوده أنَّ الناس كلَّهم عيال عند الله، وهو وحده الغني، وهم مفتقرون إليه في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودنياهم، فهو الذي يأمرهم بدعائه ويعدهم بإجابة دعائهم، ويجزيهم من فضله، ويسعفهم من رحمته، ويؤتيهم ما سألوه وطمعوا فيه وما لم يسألوا عنه، فجوده سبحانه على خلقه غير منقطع ونعمه متواصلة بالليل والنهار، وخيره على الخلق مدرار ومتواصل وهو مغني أهل الجنة من النعيم واللذات المتواصلات والخيرات المتتابعات، وهو المغني لجميع خلقه غنًى عامًّا، والمغني لخواص خلقه بما أفاض على قلوبهم من المعارف الربانية والحقائق الإيمانية.

    هذا، والله سبحانه إذ يأمر عباده وينهاهم لا لينتفع بطاعتهم ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، فهو الغني لذاته الغنى المطلق، وخلقه مفتقر إليه الفقر الذاتي، لذلك وجب أن تتَّجه القلوب والعقول والأبصار والأسماع بالخضوع والعبودية الحقة، فمنه يستمدُّ العون وبه التوفيق تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].

    ٢- آية: 15، 16، 17 من سورة فاطر.

    قال ابن القيم -رحمه الله- في «طريق الهجرتين» (10): «والمقصود أنه سبحانه أخبر عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه سبحانه كما أخبر عن ذاته المقدسة، وحقيقته أنه غني حميد.

    فالفقر المطلق من كلِّ وجه ثابتٌ لذواتهم وحقائقهم من حيث هي، والغنى المطلق من كلِّ وجهٍ ثابتٌ لذاته تعالى، وحقيقته من حيث هي، فيستحيل أن يكون العبد إلاَّ فقيرًا، ويستحيل أن يكون الربُّ سبحانه إلاَّ غنيًّا، كما أنه يستحيل أن يكون العبد إلاَّ عبدًا ويستحيل أن يكون الرب إلا ربًّا».

    ٣- جزء من آية 17 من سورة المائدة.

    ٤- آية 31، 32 من سورة يونس.

    ٥- جزء من آية 14 من سورة الأنعام.

    وقد جاءت آيات أخرى في غير مواضع استشهاد المصنِّف تبرز هذا المعنى من غنى الله تعالى وفقر عباده له وحاجتهم إليه، كقوله تعالى: ﴿وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: 8]، وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوا وَّاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: 6]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58].

    وقد هدَّد الله تعالى المقلِّبين لهذه الحقيقة المعلومة من الدِّين بالضرورة الذين أعظموا الفرية على الله بقولهم: إنَّ الله فقير ونحن أغنياء، فقال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181].

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:31

    عقيدة الإثبات والتَّنـزِيه



    الثَّامِنُ وَالثَّلاَثُونَ:

    نُثْبِتُ لَهُ تَعَالَى مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، مِنْ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَسْمَائِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَنَنْتَهِي عِنْدَ ذَلِكَ وَلاَ نَزِيدُ عَلَيْهِ، وَنُنَزِّهُهُ فِي ذَلِكَ عَنْ مُمَاثَلَةِ أَوْ مُشَابَهَةِ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ(١- فإنَّ من أجلِّ أبواب التوحيد وأعظمِها قدرًا توحيدُ الأسماء والصفات، لارتباطه بالله عزَّ وجلَّ في ذاته وأسمائه وصفاته، إذ كمال الذات بأسمائها الحسنى وصفاتها العليا، وقد وصف الله تعالى نفسَه في كتابه العزيز وعلى لسان نبيِّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأكمل الأوصاف كما يليق بجَلال عظمته سبحانه، ليعرِّف العبدَ بربِّه، حتى إذا عَرَفه وحَّده وأنِس به، واستحى من قربه، وعبدَه كأنه يراه، لذلك كان أنفع العلوم علم التوحيد ومنه علم الأسماء والصفات؛ لأنَّ «شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم». [«أحكام القرآن» لابن العربي: (2/804)]، غير أنَّ توحيد الأسماء والصفات - مع شرفه وعظيم قدره - قد زلَّت في معظم أبوابه الأقدامُ، وضَلَّت فيها الأفهامُ، وافترق الناس فيها إلى أهل تشبيهٍ وتمثيلٍ، الذين غَلَوْا في الإثبات حتى شبَّهوا صفاتِه بصفات خلقه، وإلى أهل تعطيلٍ وتأويلٍ الذين غَلَوا في التنزيه حتى سَلَبوا لله صفاتِ كماله سبحانه، ظنًّا منهم أنَّ إثبات الصفات يستلزم التشبيهَ، وهدى اللهُ أهلَ السُّنَّة والجماعة مِن سلف هذه الأُمَّة، وسَدَّد فَهمَهم في الاعتقاد السليم القائم على أصلين راسخين: 1- إثباتٌ بلا تشبيهٍ، 2- تنزيهٌ بلا تعطيلٍ. فكان مذهب أهل السُّنَّة والجماعة بريئًا من التشبيه والتعطيل، فلا ينفون ما أثبته اللهُ لنفسه، ولا يثبتون ما نفاه اللهُ عن نفسه، ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثلون صفاتِه بصفات خلقه، قال ابن تيمية – رحمه الله – في «مجموع الفتاوى» (6/515): «وجماع القول في إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الأُمَّة وأئمَّتها وهو أن يوصف اللهُ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسوله، ويُصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل؛ فإنَّ اللهَ ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فمن نفى صفاتِه كان معطِّلاً. ومن مَثَّل صفاته بصفات مخلوقاته كان ممثِّلاً، والواجب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيهٍ وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا ردٌّ على الممثِّلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ردٌّ على المعطِّلة، فالممثِّل يعبد صنمًا والمعطِّل يعبد عدمًا». قلتُ: ولهذا فصفات اللهِ تعالى تُثبَتُ على وجه التفصيل كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات، وتُنفى - على وجه الإجمال - الصفاتُ المنفيّة التي يتنزّه الله عنها كنفي المثلية في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فأهل السُّنَّة لا يتجاوزون النصوص الشرعية، بل يعتصمون بالألفاظ الشرعية الواردة في باب الأسماء والصفات نفيًا وإثباتًا، ويتوقَّفون فيما لم يصرِّح الكتاب والسُّنة بنفيه ولا إثباته كالعَرَض والجسم والجوهر بناءً على هذا الأصل العظيم. هذا، وقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة قاطبةً على هذا المعتقد السليم، ونقل ابن عبد البر - رحمه الله – عنهم ذلك في «التمهيد» [7/145] بقوله: «أهل السُّنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدُّون فيه صفة محدودة». ولأهل السُّنَّة والجماعة قواعد مُثلى في باب الأسماء والصفات دلَّت عليها النصوص الشرعية منها: - صفات الله تعالى توقيفية، فلا يُثبت منها إلاَّ ما أثبته الله لنفسه، أو ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا ينفى عن الله تعالى إلاَّ ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، مع اعتقادِ ثبوتِ كمالِ ضِدِّه لله تعالى. - كلُّ صفةٍ ثَبَتَتْ بالنقل الصحيح وافقت العقلَ الصريحَ ولا بُدَّ. - كلُّ اسم ثبت لله تعالى فهو متضمِّنٌ لصفةٍ ولا عكس. - إنَّ النفي ليس فيه كمال ولا مدح إلاَّ إذا تضمَّن إثباتًا. - الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه وصفاته، بل يطلق عليه منها كمالها. - صفاتُ الله تعالى ذاتيةٌ وفعليةٌ، فالصفاتُ الذاتيةُ لا تنفكُّ عن الذات ولا تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، والصفات الفعلية تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، وأفعاله لا منتهى لها. - القولُ في الصفات كالقول في الذات، والقولُ في بعضها كالقول في البعض الآخر، فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وجَحْدُ الأسماء والصفات إنكارٌ للذات. والمصنِّف - رحمه الله – قرَّر منهجَ السلف في باب الأسماء والصفات فبيَّن وجوب الإيمان بما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه؛ لأنه لا أحدَ أعلم من الله بالله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ [البقرة: 140]، ووجوب الإيمان بما أثبته رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لا مخلوق أعلم بخالقه من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]، من غير تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، وتنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب تنزيهًا لا يفضي إلى التعطيل بتأويل المعاني أو تحريف الألفاظ عن مدلولها بدعوى التنزيه، ونفي كلِّ ما نفاه اللهُ عن نفسه في كتابه أو نفاه رسوله مع اعتقاد ثبوت كمال ضدِّه لله تعالى، فنفي الموت عنه يتضمَّن كمال حياته، ونفي الظلم عنه يتضمَّن كمال عدله، ونفي النوم يتضمَّن كمال قَيُّوميته، وعلى هذا فكلُّ نفي عن الله يتضمَّن إثباتَ ضِدِّ المنفيِّ من الكمال والجلال. فكان منهج السلف الجامع بين احترام النصوص والإيمان بها مُؤسَّسًا على إثبات الكمال بخلاف منهج الخلف فمذهبهم مؤسَّسٌ على نفي الكمال أو نفي بعضه مع الاعتراض على النصوص وسوء الظنِّ بها إذ ظاهرها ‑عندهم‑ التشبيه فنَفَوْا وأوَّلوا، ولا شكَّ أنَّ السلف ‑رحمهم الله‑ أعلم بالله وصفاته من الخَلَف؛ لأنَّ قدوتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، ولا يخفى أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أعلم الناسِ بربِّه، فمن الممتنع أن يكون خواصُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابُه مع حرصِه صلى الله عليه وآله وسلم على إفادتهم وتعليمهم أجهلَ بالله وصفاته ممَّن جاء من بعدهم من الخَلَف الذين اتخذوا مصدرَ التلقي العقولَ الآدميةَ والمقاييسَ اليونانيةَ الوثنيةَ!! فإنَّ أحوال السلف وجهادهم وحرصهم على نقل الشريعة صافيةً من الأدران والشوائب، ومجانبتهم للبدع تمنع قولهم بغير الحق. ونقل محمَّد الصالح رمضان تلميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس في «تعليقه على العقائد» (73) أنَّ الإمام ابن باديس كان وقت الدرس يمتثل بالبيتين التاليين: «فَنَحْنُ مَعْشَرَ فَرِيقِ السُّنَّةِ *** السَّالِكِينَ فِي طَرِيقِ الجَنَّةِ نَقُولُ بِالإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ *** مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلاَ تَشْبِيهٍ» وزاد عليها مُعَلِّقًا فقال: «المعطِّلون: هم الذين ينفون الصفاتِ الإلهية، والمشبِّهون: هم الذين يشبِّهونها بصفات المخلوقين، وكلاهما في ضلال، أمَّا السُّنِّيون: فهم الذين يثبتونها له تعالى، وينزِّهونها عن التشبيه بالمخلوقات. والتعطيل: تعطيلُ اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به إلى معنًى آخر، والتشبيه: تشبيه الله بمخلوقاته. فنحن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه من أقوالٍ أو أفعالٍ أو صفاتٍ، ولا نشبِّهه في شيءٍ من ذلك بالمخلوقات، ولا غرابةَ في إثبات شيءٍ مع عدم تكييفه في الإنسان يثبت أن بين جنبيه نفسًا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف» )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾(٢- آية: (28 و30) من سورة آل عمران)، ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾(٣- آية (116) من سورة المائدة)، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الأَنْصَارِيُّ(٤- هو الصحابي خُبَيْبُ بنُ عَدِيِّ بنِ عامر الأنصاري، شهد أُحُدًا، واستشهد في عهد النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم، وهو أول مَن سَنَّ الركعتين عند القتل، وكان فيمن بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بني لحيان، فلما صاروا بالرجيع غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا فيهم، وأسروا خبيبًا وباعوه بمكة، فقتلوه بمن قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قومهم، وصلبوه بالتنعيم. انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر: (1/440)، «أسد الغابة» لابن الأثير: (2/104) ، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: (1/246)، «الإصابة» لابن حجر: (1/418) )، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ:

    وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا *** عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي

    وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ(٥- قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «الفتح» (13/381): «قال عياض: ذات الشيء نفسه وحقيقته، وقد استعمل أهل الكلام الذات بالألف واللام، وغلطهم أكثر النحاة، وجوزه بعضهم؛ لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، وجاء في الشعر لكنه شاذ، واستعمال البخاري لها دال على ما تقدم من أنَّ المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلِّمين في حقِّ الله تعالى، ففرق بين النعوت والذات». قلتُ: وإضافة لفظة «الذات» إلى الله تعالى يصحُّ إذا كان بمعنى نفس الموصوف بصفات الكمال التي لا نقص فيها وحقيقته، لا أن «الذات» صفة له ولا ذاتًا مجرَّدة عن الصفات، ولا صفات مجرَّدة عن الذات، إذ لا يمكن وجود الذات إلاَّ بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلاَّ بما به تصير صفات من الذات. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (5/330، 338)، (6/142، 206)] ) وَإِنْ يَشَأْ *** يُبَارِكُ عَلَى أَوْصَالِ شَلْوٍ مُمَزَّعِ(٦- «أوصال شِلو ممزع» قال ابن حجر –رحمه الله- في «الفتح» (7/384): «الأوصال جمع وصل: وهو العضو، والشلو بكسر المعجمة: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد، والممزع بالزاي ثمَّ المهملة: المقطع، ومعنى الكلام أعضاء جسد يقطع»)

    فَلَمَّا قُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ يَوْمَ أُصِيبُوا» رَوَاهُ البُخَارِيُّ(٧- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/165) باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، وفي «المغازي» (7/308) باب فضل من يشهد بدرًا (7/378) باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، وفي «التوحيد» (13/381) باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾(٨- آية (110) من سورة الإسراء)، ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾(٩- آية (180) من سورة الأعراف. استدل المصنف بالآيتين أنَّ أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف دالَّة على صفات كماله سبحانه، وأنَّ المنهج هو عين المنهج في الذات والصفات وهو عقيدة السلف في الإثبات والتنزيه، علمًا أنَّ الإيمان بالاسم ‑عند أهل السُّنة والجماعة- لا يتم إلا بأركان ثلاثة: - الركن الأول: الإيمان بالاسم، يتضمَّن: إثبات الاسم حقيقة أوَّلاً، فأسماء الله وصفاته تطلق على الله حقيقة لا مجازًا خلافًا للمتكلِّمين، قال ابن تيمية ‑رحمه الله‑ في «مجموع الفتاوى» (5/196): «وقد اتفق أهل الإثبات على أنَّ الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة»، وتنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين ثانيًا، وذلك بالاعتصام بالقاعدة العامة في الصفات التي ذكرها المصنف ‑رحمه الله- إثباتًا ونفيًا، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، فالأسماء تتفق وتتماثل ولا يعني تماثلها تماثل المسميات، وإنما تختلف باختلاف الإضافة والتخصيص، فما أضيف إلى الله فلا يدخل في معناه المخلوق، بل هو خاصٌّ بالله تعالى، وما أُضيف إلى المخلوق فلا يدخل في معناه الخالق، بل هو خاصٌّ بالمخلوق، فالقدر الذي تتفق فيه الأسماء هو عند الإطلاق فقط ولا يعني اتفاق المسميات عند الإضافة والتخصيص، والإيمان بأنَّ أسماء الله حسنى ثالثًا، وأنها متضمَّنة لصفات بالغة في الحسن وغاية في الكمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالاً ولا تقديرًا، ويكون الحسن في أسماء الله تعالى إمَّا باعتبار كلِّ اسمٍ على انفراده، أو باعتبار ضمه إلى غيره، فيجمع في الاسم إذا ضم إلى غيره حسنًا على حسن وكمالاً فوق كمال، لقوله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180]. - الركن الثاني: الإيمان بما دلَّ عليه الاسم من معنى، ويتضمن: - أولا: الإيمان بأنَّ لكل اسمٍ من أسمائه الحسنى له من جهة اللفظ معنى معلوم يخصه غير الاسم الآخر، وهو غير معلوم من جهة الحقيقة والكيفية بإجماع السلف. [انظر: «ذم التأويل» لابن قدامة: (27)]، أي: قطع الطمع عن إدراك الحقيقة والكيفية، لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، والمعلوم أنَّ السلف يفوضون علم الحقائق والكيفيات في الصفات إلى الله تعالى، مع إثبات اللفظ والمعنى لله تعالى. - ثانيًا: الإيمان بأنَّ أسماء الله تعالى أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وليس معنى الاسم هو الذات فقط، وهي أوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني، فالأسماء مترادفة من حيث الذات فتتفق جميعًا في دلالتها على مسمًّى واحد وهو ذات الله المقدسة، وهي متباينة من جهة الصفات لدلالة كلِّ واحدٍ منها على معناه الخاصّ، فمعنى الخالق غير معنى الرزاق، والرحيم غير العزيز، والعزيز غير الحكيم، والحكيم غير الغفور، وهي دالة جميعًا على صفات الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص ولا عيب بأي وجه من الوجوه، لذلك كانت أسماء الله حسنى، أي: بالغة في الحسن إلى غاية، لا حسنة، والله سبحانه موصوفٌ بصفات الكمال المطلق، فلو تجرَّدت الأسماء الحسنى عن المعاني والأوصاف لكانت أعلامًا محضة جامدة لا تدلُّ على معنى، ولاَنْتَفَى الفرق بين اسم وآخر، ولما عِيب على أهل الشرك إقرارهم ببعض الأسماء كالخالق والرزاق وإنكارهم اسم الرحمن، علمًا أنَّ نفي أسماء الله الحسنى أو تجريدها عن معانيها من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]. - الركن الثالث: الإيمان بالآثار المترتبة على الاسم ذي وصف متعدٍّ, أمَّا الاسم الدالُّ على وصفٍ لازم غير متعدٍّ فلا علاقة له إلاَّ بالركنين السابقين مثل اسم «الحي» فيتضمن صفة الحياة وهو وصف لازم لا يتعدَّى إلى الغير، لذلك ليس له أثر. والمراد بالآثار هو الحكم والمقتضى، فإنَّ ظهور الأحكام وآثار الاسم الدال على وصف مُتعَدٍّ لا بُدَّ منه، إذ هو من مقتضى الكمال المقدس والملك التام، فاسم «الرحمن» و«الرحيم» مشتقَّان من صفة الرحمة، وتتعلَّق بهما الآثار، و«الرحمن» أشد مبالغة من «الرحيم»، فـ «الرحمن»: ذو الرحمة الواسعة التي شملت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم وعمَّت المؤمن والكافر والصالح والطالح، وأمَّا «الرحيم» فخاصٌّ بالمؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]، فأهل التقوى من عباده المتبعين لأنبيائه ورسله لهم الرحمة المطلقة ومن عداهم فلهم نصيب منها، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 156]، وقد بيَّن ابن القيم –رحمه الله- أنَّ ظهور آثار الرحمة من أعظم الأدلة على كمال الموصوف حيث قال: «إنَّ ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإنَّ ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمةٍ تامَّةٍ وسعت كلَّ شيءٍ كما أنَّ الموجودات كلَّها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه، فجعلُ صفة الرحمة واسم الرحمة مجازًا كجعل صفة الملك والربوبية مجازًا، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة. وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول، فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل علينا كتابه، وعلمنا من الجهالة، وهدانا من الضلالة، وبصَّرنا من العمى، وأرشدنا من الغي، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا... وبرحمته وضع رحمته بين عباده ليتراحموا بها، وكذالك بين سائر الحيوان. فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه اسم «الرحمن الرحيم». [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي: (2/316)] )، ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾(١٠- آية: (2 ،3 ،4، 5) من سورة الأعلى)، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾(١١- آية: (107) من سورة هود، آية: (16) من سورة البروج)، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ، فَلاَ تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(١٢- آية: (73، 74) من سورة النحل)، ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(١٣- آية: (169) من سورة البقرة)، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾(١٤- آية: (11) من سورة الشورى. والمصنِّف ‑رحمه الله‑ استدلَّ بهذه الآيات على صفات الله سبحانه بعدما استدلَّ بالمنصوص على الذات والأسماء، وأنها من حيث تعلُّقُها بذات الله تعالى صفات ذاتية وهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، وصفات فعلية وتسمَّى بالصفات الاختيارية وهي صفات متعلقة بمشيئة الله وقدرته، إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها، لقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107، البروج: 16]، وأفعاله سبحانه لا منتهى لها ولا حصر، كالخلق والإعطاء والإنبات والإخراج، والإنعام، والأمر والنهي وغيرها. فالصفات الفعلية من حيث قيامها بالذات تسمَّى صفات ذات، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمَّى صفات أفعال، فمثلاً: صفة الكلام، فإنها صفة ذات وصفة فعل، فمن حيث قيامها بالذات لكونها متكلمة أزلاً وأبدًا فهي صفة ذات، ومن حيث تعلقها بالمشيئة والإرادة فهي صفة فعل، ومرجع معاني الصفات الذاتية والفعلية إلى اسمي «الحي» و«القيوم»، فترجع لـ «الحي» صفات الذات ولـ «القيوم» صفات الفعل. هذا، وجدير بالتنبيه أنَّ ما يطلق على الله تعالى على سبيل الإخبار عنه تعالى جائز إذا كان اللفظ دالاًّ على معنى حسن أو على أقل تقدير لا يدل على ذمٍّ أصلاً، كالألفاظ العامة التي يقصد بالإخبار بها أنَّ الله تعالى ذو حقيقة موجودة في الخارج، كأن يقول مخبرًا: الله تعالى ذات، وشيء، وموجود، أو كالألفاظ الخاصة بالله تعالى لا تطلق على غيره، ولم يرد في الكتاب والسُّنة التسمية أو الوصف بها إلاَّ أنها تدلُّ على معنى معين لا عموم فيه ولا إطلاق لا يليق إلاَّ بالله تعالى، والمخلوق لا يتصف بها لقصوره عن الاتصاف بمعانيها، مثل: القديم، القائم بنفسه، واجب الوجود، أزلي سرمدي، ونحو ذلك، فهذه وغيرها يجوز إطلاقها على الله تعالى من باب الإخبار عنه دون الوصف والتسمية، وما يطلق عليه من باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا، قال ابن القيم ‑رحمه الله‑ في «بدائع الفوائد» (1/161): «إن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا» ).

    ١- فإنَّ من أجلِّ أبواب التوحيد وأعظمِها قدرًا توحيدُ الأسماء والصفات، لارتباطه بالله عزَّ وجلَّ في ذاته وأسمائه وصفاته، إذ كمال الذات بأسمائها الحسنى وصفاتها العليا، وقد وصف الله تعالى نفسَه في كتابه العزيز وعلى لسان نبيِّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بأكمل الأوصاف كما يليق بجَلال عظمته سبحانه، ليعرِّف العبدَ بربِّه، حتى إذا عَرَفه وحَّده وأنِس به، واستحى من قربه، وعبدَه كأنه يراه، لذلك كان أنفع العلوم علم التوحيد ومنه علم الأسماء والصفات؛ لأنَّ «شرف العلم بشرف المعلوم، والباري أشرف المعلومات، فالعلم بأسمائه أشرف العلوم». [«أحكام القرآن» لابن العربي: (2/804)]، غير أنَّ توحيد الأسماء والصفات - مع شرفه وعظيم قدره - قد زلَّت في معظم أبوابه الأقدامُ، وضَلَّت فيها الأفهامُ، وافترق الناس فيها إلى أهل تشبيهٍ وتمثيلٍ، الذين غَلَوْا في الإثبات حتى شبَّهوا صفاتِه بصفات خلقه، وإلى أهل تعطيلٍ وتأويلٍ الذين غَلَوا في التنزيه حتى سَلَبوا لله صفاتِ كماله سبحانه، ظنًّا منهم أنَّ إثبات الصفات يستلزم التشبيهَ، وهدى اللهُ أهلَ السُّنَّة والجماعة مِن سلف هذه الأُمَّة، وسَدَّد فَهمَهم في الاعتقاد السليم القائم على أصلين راسخين: 1- إثباتٌ بلا تشبيهٍ، 2- تنزيهٌ بلا تعطيلٍ.

    فكان مذهب أهل السُّنَّة والجماعة بريئًا من التشبيه والتعطيل، فلا ينفون ما أثبته اللهُ لنفسه، ولا يثبتون ما نفاه اللهُ عن نفسه، ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يمثلون صفاتِه بصفات خلقه، قال ابن تيمية – رحمه الله – في «مجموع الفتاوى» (6/515): «وجماع القول في إثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الأُمَّة وأئمَّتها وهو أن يوصف اللهُ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسوله، ويُصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل؛ فإنَّ اللهَ ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فمن نفى صفاتِه كان معطِّلاً. ومن مَثَّل صفاته بصفات مخلوقاته كان ممثِّلاً، والواجب إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيهٍ وتنزيهًا بلا تعطيلٍ، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا ردٌّ على الممثِّلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] ردٌّ على المعطِّلة، فالممثِّل يعبد صنمًا والمعطِّل يعبد عدمًا».

    قلتُ: ولهذا فصفات اللهِ تعالى تُثبَتُ على وجه التفصيل كإثبات السمع والبصر وسائر الصفات، وتُنفى - على وجه الإجمال - الصفاتُ المنفيّة التي يتنزّه الله عنها كنفي المثلية في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فأهل السُّنَّة لا يتجاوزون النصوص الشرعية، بل يعتصمون بالألفاظ الشرعية الواردة في باب الأسماء والصفات نفيًا وإثباتًا، ويتوقَّفون فيما لم يصرِّح الكتاب والسُّنة بنفيه ولا إثباته كالعَرَض والجسم والجوهر بناءً على هذا الأصل العظيم.

    هذا، وقد أجمع أهل السُّنَّة والجماعة قاطبةً على هذا المعتقد السليم، ونقل ابن عبد البر - رحمه الله – عنهم ذلك في «التمهيد» [7/145] بقوله: «أهل السُّنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسُّنَّة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاَّ أنهم لا يكيِّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدُّون فيه صفة محدودة».

    ولأهل السُّنَّة والجماعة قواعد مُثلى في باب الأسماء والصفات دلَّت عليها النصوص الشرعية منها:

    - صفات الله تعالى توقيفية، فلا يُثبت منها إلاَّ ما أثبته الله لنفسه، أو ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا ينفى عن الله تعالى إلاَّ ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، مع اعتقادِ ثبوتِ كمالِ ضِدِّه لله تعالى.

    - كلُّ صفةٍ ثَبَتَتْ بالنقل الصحيح وافقت العقلَ الصريحَ ولا بُدَّ.

    - كلُّ اسم ثبت لله تعالى فهو متضمِّنٌ لصفةٍ ولا عكس.

    - إنَّ النفي ليس فيه كمال ولا مدح إلاَّ إذا تضمَّن إثباتًا.

    - الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه وصفاته، بل يطلق عليه منها كمالها.

    - صفاتُ الله تعالى ذاتيةٌ وفعليةٌ، فالصفاتُ الذاتيةُ لا تنفكُّ عن الذات ولا تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، والصفات الفعلية تتعلَّق بها مشيئته وقدرته، وأفعاله لا منتهى لها.

    - القولُ في الصفات كالقول في الذات، والقولُ في بعضها كالقول في البعض الآخر، فالكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وجَحْدُ الأسماء والصفات إنكارٌ للذات.

    والمصنِّف - رحمه الله – قرَّر منهجَ السلف في باب الأسماء والصفات فبيَّن وجوب الإيمان بما أثبته اللهُ لنفسه في كتابه؛ لأنه لا أحدَ أعلم من الله بالله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ [البقرة: 140]، ووجوب الإيمان بما أثبته رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لا مخلوق أعلم بخالقه من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال الله في حقِّه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4]، من غير تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، وتنزيه الله تعالى عن النقائص والعيوب تنزيهًا لا يفضي إلى التعطيل بتأويل المعاني أو تحريف الألفاظ عن مدلولها بدعوى التنزيه، ونفي كلِّ ما نفاه اللهُ عن نفسه في كتابه أو نفاه رسوله مع اعتقاد ثبوت كمال ضدِّه لله تعالى، فنفي الموت عنه يتضمَّن كمال حياته، ونفي الظلم عنه يتضمَّن كمال عدله، ونفي النوم يتضمَّن كمال قَيُّوميته، وعلى هذا فكلُّ نفي عن الله يتضمَّن إثباتَ ضِدِّ المنفيِّ من الكمال والجلال.

    فكان منهج السلف الجامع بين احترام النصوص والإيمان بها مُؤسَّسًا على إثبات الكمال بخلاف منهج الخلف فمذهبهم مؤسَّسٌ على نفي الكمال أو نفي بعضه مع الاعتراض على النصوص وسوء الظنِّ بها إذ ظاهرها ‑عندهم‑ التشبيه فنَفَوْا وأوَّلوا، ولا شكَّ أنَّ السلف ‑رحمهم الله‑ أعلم بالله وصفاته من الخَلَف؛ لأنَّ قدوتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام، ولا يخفى أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أعلم الناسِ بربِّه، فمن الممتنع أن يكون خواصُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابُه مع حرصِه صلى الله عليه وآله وسلم على إفادتهم وتعليمهم أجهلَ بالله وصفاته ممَّن جاء من بعدهم من الخَلَف الذين اتخذوا مصدرَ التلقي العقولَ الآدميةَ والمقاييسَ اليونانيةَ الوثنيةَ!! فإنَّ أحوال السلف وجهادهم وحرصهم على نقل الشريعة صافيةً من الأدران والشوائب، ومجانبتهم للبدع تمنع قولهم بغير الحق.

    ونقل محمَّد الصالح رمضان تلميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس في «تعليقه على العقائد» (73) أنَّ الإمام ابن باديس كان وقت الدرس يمتثل بالبيتين التاليين:

    «فَنَحْنُ مَعْشَرَ فَرِيقِ السُّنَّةِ *** السَّالِكِينَ فِي طَرِيقِ الجَنَّةِ

    نَقُولُ بِالإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ *** مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلاَ تَشْبِيهٍ»

    وزاد عليها مُعَلِّقًا فقال: «المعطِّلون: هم الذين ينفون الصفاتِ الإلهية، والمشبِّهون: هم الذين يشبِّهونها بصفات المخلوقين، وكلاهما في ضلال، أمَّا السُّنِّيون: فهم الذين يثبتونها له تعالى، وينزِّهونها عن التشبيه بالمخلوقات.

    والتعطيل: تعطيلُ اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به إلى معنًى آخر، والتشبيه: تشبيه الله بمخلوقاته. فنحن نثبت لله ما أثبته الله لنفسه من أقوالٍ أو أفعالٍ أو صفاتٍ، ولا نشبِّهه في شيءٍ من ذلك بالمخلوقات، ولا غرابةَ في إثبات شيءٍ مع عدم تكييفه في الإنسان يثبت أن بين جنبيه نفسًا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف».

    ٢- آية: (28 و30) من سورة آل عمران.

    ٣- آية (116) من سورة المائدة.

    استدلَّ المصنِّف ‑رحمه الله‑ على القاعدة الأولى من عقيدة الإثبات والتنزيه بالنصوص الشرعية على الذات والأسماء والصفات الذاتية والفعلية، وسيأتي المزيد من النصوص الشرعية في القواعد اللاحقة.

    والملاحظ أنَّ المصنِّف ‑رحمه الله‑ أثبت النفس لله تعالى، ومراده بالنفس هي ذاته الإلهية المقدسة، ولا يقصد بذلك ذاتًا منفكةً عن الصفات ولا صفة ذاتٍ كما قاله بعض الناس، وإنما هي نفس الموصوف وحقيقته، قال ابن تيمية ‑رحمه الله‑ في «مجموع الفتاوى» (14/196): «ونفسه: هي ذاته المقدسة»، وقال في موضع آخر منه (9/292): «ويُراد بنفس الشيء ذاتُه وعينُه، كما يُقال: رأيت زيدًا نفسَه وعينَه، وقد قال تعالى : ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]، وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]، وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28]، وفي الحديث الصحيح أنه قال لأم المؤمنين: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَّ بِمَا قُلْتِيهِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ». [أخرجه الترمذي في «الدعوات» (5/556)، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والنسائي في «السهو» (3/77) باب نوع آخر من عدد التسبيح، وابن ماجه في «الأدب» (2/1251)، باب فضل التسبيح، من حديث ابن عباس عن جويرية رضي الله عنها، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الترمذي» برقم (3555)، و«صحيح ابن ماجه» برقم (3808)]، وفي الحديث الإلهي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ». [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/384)، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾، وأخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» (17/2) باب الحث على ذكر الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]. فهذه المواضع المراد بلفظ النفس فيها عند جمهور العلماء: الله نفسه التي هي ذاته المتصفة بصفاته ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما يظنّ طائفة أنها الذات المجرّدة عن الصفات وكلا القولين خطأ».

    ٤- هو الصحابي خُبَيْبُ بنُ عَدِيِّ بنِ عامر الأنصاري، شهد أُحُدًا، واستشهد في عهد النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلم، وهو أول مَن سَنَّ الركعتين عند القتل، وكان فيمن بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع بني لحيان، فلما صاروا بالرجيع غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا فيهم، وأسروا خبيبًا وباعوه بمكة، فقتلوه بمن قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قومهم، وصلبوه بالتنعيم.

    انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر: (1/440)، «أسد الغابة» لابن الأثير: (2/104) ، «سير أعلام النبلاء» للذهبي: (1/246)، «الإصابة» لابن حجر: (1/418).

    ٥- قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في «الفتح» (13/381): «قال عياض: ذات الشيء نفسه وحقيقته، وقد استعمل أهل الكلام الذات بالألف واللام، وغلطهم أكثر النحاة، وجوزه بعضهم؛ لأنها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشيء، وجاء في الشعر لكنه شاذ، واستعمال البخاري لها دال على ما تقدم من أنَّ المراد بها نفس الشيء على طريقة المتكلِّمين في حقِّ الله تعالى، ففرق بين النعوت والذات».

    قلتُ: وإضافة لفظة «الذات» إلى الله تعالى يصحُّ إذا كان بمعنى نفس الموصوف بصفات الكمال التي لا نقص فيها وحقيقته، لا أن «الذات» صفة له ولا ذاتًا مجرَّدة عن الصفات، ولا صفات مجرَّدة عن الذات، إذ لا يمكن وجود الذات إلاَّ بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلاَّ بما به تصير صفات من الذات. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (5/330، 338)، (6/142، 206)].

    ٦- «أوصال شِلو ممزع» قال ابن حجر –رحمه الله- في «الفتح» (7/384): «الأوصال جمع وصل: وهو العضو، والشلو بكسر المعجمة: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد، والممزع بالزاي ثمَّ المهملة: المقطع، ومعنى الكلام أعضاء جسد يقطع».

    ٧- أخرجه البخاري في «الجهاد» (6/165) باب هل يستأسر الرجل؟ ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل، وفي «المغازي» (7/308) باب فضل من يشهد بدرًا (7/378) باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، وفي «التوحيد» (13/381) باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

    ٨- آية (110) من سورة الإسراء.

    ٩- آية (180) من سورة الأعراف.

    استدل المصنف بالآيتين أنَّ أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف دالَّة على صفات كماله سبحانه، وأنَّ المنهج هو عين المنهج في الذات والصفات وهو عقيدة السلف في الإثبات والتنزيه، علمًا أنَّ الإيمان بالاسم ‑عند أهل السُّنة والجماعة- لا يتم إلا بأركان ثلاثة:

    - الركن الأول: الإيمان بالاسم، يتضمَّن: إثبات الاسم حقيقة أوَّلاً، فأسماء الله وصفاته تطلق على الله حقيقة لا مجازًا خلافًا للمتكلِّمين، قال ابن تيمية ‑رحمه الله‑ في «مجموع الفتاوى» (5/196): «وقد اتفق أهل الإثبات على أنَّ الله حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة»، وتنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين ثانيًا، وذلك بالاعتصام بالقاعدة العامة في الصفات التي ذكرها المصنف ‑رحمه الله- إثباتًا ونفيًا، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، فالأسماء تتفق وتتماثل ولا يعني تماثلها تماثل المسميات، وإنما تختلف باختلاف الإضافة والتخصيص، فما أضيف إلى الله فلا يدخل في معناه المخلوق، بل هو خاصٌّ بالله تعالى، وما أُضيف إلى المخلوق فلا يدخل في معناه الخالق، بل هو خاصٌّ بالمخلوق، فالقدر الذي تتفق فيه الأسماء هو عند الإطلاق فقط ولا يعني اتفاق المسميات عند الإضافة والتخصيص، والإيمان بأنَّ أسماء الله حسنى ثالثًا، وأنها متضمَّنة لصفات بالغة في الحسن وغاية في الكمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه لا احتمالاً ولا تقديرًا، ويكون الحسن في أسماء الله تعالى إمَّا باعتبار كلِّ اسمٍ على انفراده، أو باعتبار ضمه إلى غيره، فيجمع في الاسم إذا ضم إلى غيره حسنًا على حسن وكمالاً فوق كمال، لقوله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ [الأعراف: 180].

    - الركن الثاني: الإيمان بما دلَّ عليه الاسم من معنى، ويتضمن:

    - أولا: الإيمان بأنَّ لكل اسمٍ من أسمائه الحسنى له من جهة اللفظ معنى معلوم يخصه غير الاسم الآخر، وهو غير معلوم من جهة الحقيقة والكيفية بإجماع السلف. [انظر: «ذم التأويل» لابن قدامة: (27)]، أي: قطع الطمع عن إدراك الحقيقة والكيفية، لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]، والمعلوم أنَّ السلف يفوضون علم الحقائق والكيفيات في الصفات إلى الله تعالى، مع إثبات اللفظ والمعنى لله تعالى.

    - ثانيًا: الإيمان بأنَّ أسماء الله تعالى أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وليس معنى الاسم هو الذات فقط، وهي أوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني، فالأسماء مترادفة من حيث الذات فتتفق جميعًا في دلالتها على مسمًّى واحد وهو ذات الله المقدسة، وهي متباينة من جهة الصفات لدلالة كلِّ واحدٍ منها على معناه الخاصّ، فمعنى الخالق غير معنى الرزاق، والرحيم غير العزيز، والعزيز غير الحكيم، والحكيم غير الغفور، وهي دالة جميعًا على صفات الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص ولا عيب بأي وجه من الوجوه، لذلك كانت أسماء الله حسنى، أي: بالغة في الحسن إلى غاية، لا حسنة، والله سبحانه موصوفٌ بصفات الكمال المطلق، فلو تجرَّدت الأسماء الحسنى عن المعاني والأوصاف لكانت أعلامًا محضة جامدة لا تدلُّ على معنى، ولاَنْتَفَى الفرق بين اسم وآخر، ولما عِيب على أهل الشرك إقرارهم ببعض الأسماء كالخالق والرزاق وإنكارهم اسم الرحمن، علمًا أنَّ نفي أسماء الله الحسنى وتجريدها عن معانيها من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].

    - الركن الثالث: الإيمان بالآثار المترتبة على الاسم ذي وصف متعدٍّ, أمَّا الاسم الدالُّ على وصفٍ لازم غير متعدٍّ فلا علاقة له إلاَّ بالركنين السابقين مثل اسم «الحي» فيتضمن صفة الحياة وهو وصف لازم لا يتعدَّى إلى الغير، لذلك ليس له أثر.

    والمراد بالآثار هو الحكم والمقتضى، فإنَّ ظهور الأحكام وآثار الاسم الدال على وصف مُتعَدٍّ لا بُدَّ منه، إذ هو من مقتضى الكمال المقدس والملك التام، فاسم «الرحمن» و«الرحيم» مشتقَّان من صفة الرحمة، وتتعلَّق بهما الآثار، و«الرحمن» أشد مبالغة من «الرحيم»، فـ «الرحمن»: ذو الرحمة الواسعة التي شملت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم وعمَّت المؤمن والكافر والصالح والطالح، وأمَّا «الرحيم» فخاصٌّ بالمؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]، فأهل التقوى من عباده المتبعين لأنبيائه ورسله لهم الرحمة المطلقة ومن عداهم فلهم نصيب منها، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 156]، وقد بيَّن ابن القيم –رحمه الله- أنَّ ظهور آثار الرحمة من أعظم الأدلة على كمال الموصوف حيث قال: «إنَّ ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإنَّ ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمةٍ تامَّةٍ وسعت كلَّ شيءٍ كما أنَّ الموجودات كلَّها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه، فجعلُ صفة الرحمة واسم الرحمة مجازًا كجعل صفة الملك والربوبية مجازًا، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة.

    وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول، فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل علينا كتابه، وعلمنا من الجهالة، وهدانا من الضلالة، وبصَّرنا من العمى، وأرشدنا من الغي، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفاته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا... وبرحمته وضع رحمته بين عباده ليتراحموا بها، وكذالك بين سائر الحيوان.

    فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه اسم «الرحمن الرحيم». [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي: (2/316)].

    ١٠- آية: (2 ،3 ،4، 5) من سورة الأعلى.

    ١١- آية: (107) من سورة هود، آية: (16) من سورة البروج.

    ١٢- آية: (73، 74) من سورة النحل.

    ١٣- آية: (169) من سورة البقرة.

    ١٤- آية: (11) من سورة الشورى.

    والمصنِّف ‑رحمه الله‑ استدلَّ بهذه الآيات على صفات الله سبحانه بعدما استدلَّ بالمنصوص على الذات والأسماء، وأنها من حيث تعلُّقُها بذات الله تعالى صفات ذاتية وهي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر، وصفات فعلية وتسمَّى بالصفات الاختيارية وهي صفات متعلقة بمشيئة الله وقدرته، إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها، لقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]، وقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107، البروج: 16]، وأفعاله سبحانه لا منتهى لها ولا حصر، كالخلق والإعطاء والإنبات والإخراج، والإنعام، والأمر والنهي وغيرها.

    فالصفات الفعلية من حيث قيامها بالذات تسمَّى صفات ذات، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمَّى صفات أفعال، فمثلاً: صفة الكلام، فإنها صفة ذات وصفة فعل، فمن حيث قيامها بالذات لكونها متكلمة أزلاً وأبدًا فهي صفة ذات، ومن حيث تعلقها بالمشيئة والإرادة فهي صفة فعل، ومرجع معاني الصفات الذاتية والفعلية إلى اسمي «الحي» و«القيوم»، فترجع لـ «الحي» صفات الذات ولـ «القيوم» صفات الفعل.

    هذا، وجدير بالتنبيه أنَّ ما يطلق على الله تعالى على سبيل الإخبار عنه تعالى جائز إذا كان اللفظ دالاًّ على معنى حسن أو على أقل تقدير لا يدل على ذمٍّ أصلاً، كالألفاظ العامة التي يقصد بالإخبار بها أنَّ الله تعالى ذو حقيقة موجودة في الخارج، كأن يقول مخبرًا: الله تعالى ذات، وشيء، وموجود، أو كالألفاظ الخاصة بالله تعالى لا تطلق على غيره، ولم يرد في الكتاب والسُّنة التسمية أو الوصف بها إلاَّ أنها تدلُّ على معنى معين لا عموم فيه ولا إطلاق لا يليق إلاَّ بالله تعالى، والمخلوق لا يتصف بها لقصوره عن الاتصاف بمعانيها، مثل: القديم، القائم بنفسه، واجب الوجود، أزلي سرمدي، ونحو ذلك، فهذه وغيرها يجوز إطلاقها على الله تعالى من باب الإخبار عنه دون الوصف والتسمية، وما يطلق عليه من باب الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا، قال ابن القيم ‑رحمه الله‑ في «بدائع الفوائد» (1/161): «إن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع ممَّا يدخل في باب أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بنفسه فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا».

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:31

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    التَّاسِعُ وَالثَّلاَثُونَ:

    وَلاَ تُحِيطُ العُقُولُ بِذَاتِهِ وَلاَ بِصِفَاتِهِ وَلاَ بِأَسْمَائِهِ(١- أراد المصنِّف أن يُبيِّنَ أنَّ العقل يعجز عن الإحاطة بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته لكمال عظمته وجلاله، قال ابن القيم-رحمه الله- في «مدارج السالكين» (3/337): «فإنَّ الله سبحانه لا يحاط به عِلمًا، ولا معرفة ولا رؤية، فهو أكبر من ذلك وأجلّ وأعظم، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]». ومن المعلوم أنَّ السلف أطلقوا «الحدَّ» ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، واستعملوه في النفي والإثبات، ولا منازعة بين أهل السُّنَّة في أنَّ الله تعالى غير مُدْرَكٍ بالإحاطة، والخلق عاجزون عن الإحاطة به، ولا أن يحدوا الخالق عزَّ وجلَّ أو يقدِّروه أو يبلغوا صفتَه، فاستعمال نفي «الحد» بهذا المعنى حقٌّ لا نزاع فيه بين أهل السُّنَّة؛ لأنه نفي إحاطة علم البشر به أن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلاَّ بما أخبر عن نفسه، فالله عز وعلا يتعالى عن الحدود والغايات، وعقول الخلق قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بصفاته سبحانه، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «نقض تأسيس الجهمية» (2/162): «والمحفوظ عن السلف والأئمة إثبات حدٍّ لله في نفسه، وقد بيَّنوا مع ذلك أنَّ العباد لا يحدُّونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نَفَوْا أن يَحُدَّ أحدٌ الله». كما استعمل السلف «الحدَّ» في إثبات علوِّ الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وتمييزه وانفصاله عن خلقه، وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم، وإثبات «الحدّ» بهذا المعنى حقٌّ، والسلف يقولون: بأنه حدٌّ لا يعلمه إلاَّ الله تعالى، وقد جاء إثبات «الحد» منهم ردًّا على الجهمية الذين زعموا أنَّ الخالق في كلِّ مكان، وأنه غير مباين لخلقه وغير متميِّزٍ عنهم، أي: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالَم، ولذلك أثبت السلف «الحد» لما في معنى «الحد» من إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه ومباينته لخلقه، قال ابن أبي العز –رحمه الله– في «شرح العقيدة الطحاوية» (240): «ومن المعلوم أنَّ الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميَّز به عن غيره، والله تعالى غير حالٍّ في خلقه ولا قائمٍ، بل هو القيوم القائم بنفسه والمقيم لما سواه، فالحدُّ بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً، فإنه ليس وراء نفيه إلاَّ نفي وجود الرب ونفي حقيقته، وأمَّا الحدُّ بمعنى العلم والقول وهو أن يحدّ العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة» )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾(٢- جزء من آية 255 من سورة البقرة)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»(٣- جزء من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلةً من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»». والحديث أخرجه مسلم في «الصلاة» (4/203) باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود في «الصلاة» (1/547) باب الدعاء في الركوع والسجود، والترمذي في «الدعوات» (5/524) باب (76)، والنسائي في «الطهارة» (1/102) باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، وابن ماجه في «الدعاء» (2/1262) باب ما تعوَّذ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرجه أصحاب السنن أيضًا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال السيوطي -رحمه الله- في «شرح سنن النسائي» (1/103): «وهذا بيانٌ لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب تعالى» )، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَاءِ الكَرْبِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي»(٤- أخرجه أحمد في «مسنده» (1/452)، وابن حبان في «صحيحه» في «الرقائق» (3/253) باب الأدعية، والحاكم في «مستدركه» (1/509) في الدعاء والتكبير والتهليل، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/2/176) برقم (198)، وقال: «وجملة القول أنَّ الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده، فكيف إذا انضمَّ إليه حديث أبي موسى رضي الله عنهما، وقد صحَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم». هذا، والمصنف -رحمه الله- حيث استدلَّ بالآية والحديثين على عجز الخلق عن الإحاطة بذاته وأسمائه وصفاته، فإنه لا يلزم من عدم الإحاطة عدمُ رؤية المؤمنين له يوم القيامة، ولا من عدم الإحاطة عدمُ العلم، ولا من نفي إحصاء الثناء عدم الثناء، ولا من نفي العلم بأسماء الله الحسنى التي استأثر بها في علم الغيب عنده نفي العلم بأسمائه الحسنى التي سمّى الله بها نفسَه فيما أنزله الله في كتابه أو علَّمه أحدًا من خلقه، ذلك لأنَّ الإنسان محدود في علمه وقدرته، وليس من الله شيء محدود، والمحدود لا يحيط بغير المحدود، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110] ).



    ١- أراد المصنِّف أن يُبيِّنَ أنَّ العقل يعجز عن الإحاطة بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته لكمال عظمته وجلاله، قال ابن القيم-رحمه الله- في «مدارج السالكين» (3/337): «فإنَّ الله سبحانه لا يحاط به عِلمًا، ولا معرفة ولا رؤية، فهو أكبر من ذلك وأجلّ وأعظم، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]».

    ومن المعلوم أنَّ السلف أطلقوا «الحدَّ» ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، واستعملوه في النفي والإثبات، ولا منازعة بين أهل السُّنَّة في أنَّ الله تعالى غير مُدْرَكٍ بالإحاطة، والخلق عاجزون عن الإحاطة به، ولا أن يحدوا الخالق عزَّ وجلَّ أو يقدِّروه أو يبلغوا صفتَه، فاستعمال نفي «الحد» بهذا المعنى حقٌّ لا نزاع فيه بين أهل السُّنَّة؛ لأنه نفي إحاطة علم البشر به أن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلاَّ بما أخبر عن نفسه، فالله عز وعلا يتعالى عن الحدود والغايات، وعقول الخلق قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بصفاته سبحانه، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «نقض تأسيس الجهمية» (2/162): «والمحفوظ عن السلف والأئمة إثبات حدٍّ لله في نفسه، وقد بيَّنوا مع ذلك أنَّ العباد لا يحدُّونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نَفَوْا أن يَحُدَّ أحدٌ الله».

    كما استعمل السلف «الحدَّ» في إثبات علوِّ الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وتمييزه وانفصاله عن خلقه، وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم، وإثبات «الحدّ» بهذا المعنى حقٌّ، والسلف يقولون: بأنه حدٌّ لا يعلمه إلاَّ الله تعالى، وقد جاء إثبات «الحد» منهم ردًّا على الجهمية الذين زعموا أنَّ الخالق في كلِّ مكان، وأنه غير مباين لخلقه وغير متميِّزٍ عنهم، أي: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالَم، ولذلك أثبت السلف «الحد» لما في معنى «الحد» من إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه ومباينته لخلقه، قال ابن أبي العز –رحمه الله– في «شرح العقيدة الطحاوية» (240): «ومن المعلوم أنَّ الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميَّز به عن غيره، والله تعالى غير حالٍّ في خلقه ولا قائمٍ، بل هو القيوم القائم بنفسه والمقيم لما سواه، فالحدُّ بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً، فإنه ليس وراء نفيه إلاَّ نفي وجود الرب ونفي حقيقته، وأمَّا الحدُّ بمعنى العلم والقول وهو أن يحدّ العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة».

    ٢- جزء من آية 255 من سورة البقرة.

    ٣- جزء من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلةً من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»».

    والحديث أخرجه مسلم في «الصلاة» (4/203) باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود في «الصلاة» (1/547) باب الدعاء في الركوع والسجود، والترمذي في «الدعوات» (5/524) باب (76)، والنسائي في «الطهارة» (1/102) باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، وابن ماجه في «الدعاء» (2/1262) باب ما تعوَّذ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرجه أصحاب السنن أيضًا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    قال السيوطي -رحمه الله- في «شرح سنن النسائي» (1/103): «وهذا بيانٌ لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب تعالى».

    ٤- أخرجه أحمد في «مسنده» (1/452)، وابن حبان في «صحيحه» في «الرقائق» (3/253) باب الأدعية، والحاكم في «مستدركه» (1/509) في الدعاء والتكبير والتهليل، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/2/176) برقم (198)، وقال: «وجملة القول أنَّ الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده، فكيف إذا انضمَّ إليه حديث أبي موسى رضي الله عنهما، وقد صحَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم».

    هذا، والمصنف -رحمه الله- حيث استدلَّ بالآية والحديثين على عجز الخلق عن الإحاطة بذاته وأسمائه وصفاته، فإنه لا يلزم من عدم الإحاطة عدمُ رؤية المؤمنين له يوم القيامة، ولا من عدم الإحاطة عدمُ العلم، ولا من نفي إحصاء الثناء عدم الثناء، ولا من نفي العلم بأسماء الله الحسنى التي استأثر بها في علم الغيب عنده نفي العلم بأسمائه الحسنى التي سمّى الله بها نفسَه فيما أنزله الله في كتابه أو علَّمه أحدًا من خلقه، ذلك لأنَّ الإنسان محدود في علمه وقدرته، وليس من الله شيء محدود، والمحدود لا يحيط بغير المحدود، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110].


    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:32

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    التَّاسِعُ وَالثَّلاَثُونَ:

    وَلاَ تُحِيطُ العُقُولُ بِذَاتِهِ وَلاَ بِصِفَاتِهِ وَلاَ بِأَسْمَائِهِ(١- أراد المصنِّف أن يُبيِّنَ أنَّ العقل يعجز عن الإحاطة بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته لكمال عظمته وجلاله، قال ابن القيم-رحمه الله- في «مدارج السالكين» (3/337): «فإنَّ الله سبحانه لا يحاط به عِلمًا، ولا معرفة ولا رؤية، فهو أكبر من ذلك وأجلّ وأعظم، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]». ومن المعلوم أنَّ السلف أطلقوا «الحدَّ» ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، واستعملوه في النفي والإثبات، ولا منازعة بين أهل السُّنَّة في أنَّ الله تعالى غير مُدْرَكٍ بالإحاطة، والخلق عاجزون عن الإحاطة به، ولا أن يحدوا الخالق عزَّ وجلَّ أو يقدِّروه أو يبلغوا صفتَه، فاستعمال نفي «الحد» بهذا المعنى حقٌّ لا نزاع فيه بين أهل السُّنَّة؛ لأنه نفي إحاطة علم البشر به أن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلاَّ بما أخبر عن نفسه، فالله عز وعلا يتعالى عن الحدود والغايات، وعقول الخلق قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بصفاته سبحانه، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «نقض تأسيس الجهمية» (2/162): «والمحفوظ عن السلف والأئمة إثبات حدٍّ لله في نفسه، وقد بيَّنوا مع ذلك أنَّ العباد لا يحدُّونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نَفَوْا أن يَحُدَّ أحدٌ الله». كما استعمل السلف «الحدَّ» في إثبات علوِّ الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وتمييزه وانفصاله عن خلقه، وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم، وإثبات «الحدّ» بهذا المعنى حقٌّ، والسلف يقولون: بأنه حدٌّ لا يعلمه إلاَّ الله تعالى، وقد جاء إثبات «الحد» منهم ردًّا على الجهمية الذين زعموا أنَّ الخالق في كلِّ مكان، وأنه غير مباين لخلقه وغير متميِّزٍ عنهم، أي: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالَم، ولذلك أثبت السلف «الحد» لما في معنى «الحد» من إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه ومباينته لخلقه، قال ابن أبي العز –رحمه الله– في «شرح العقيدة الطحاوية» (240): «ومن المعلوم أنَّ الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميَّز به عن غيره، والله تعالى غير حالٍّ في خلقه ولا قائمٍ، بل هو القيوم القائم بنفسه والمقيم لما سواه، فالحدُّ بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً، فإنه ليس وراء نفيه إلاَّ نفي وجود الرب ونفي حقيقته، وأمَّا الحدُّ بمعنى العلم والقول وهو أن يحدّ العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة» )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾(٢- جزء من آية 255 من سورة البقرة)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»(٣- جزء من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلةً من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»». والحديث أخرجه مسلم في «الصلاة» (4/203) باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود في «الصلاة» (1/547) باب الدعاء في الركوع والسجود، والترمذي في «الدعوات» (5/524) باب (76)، والنسائي في «الطهارة» (1/102) باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، وابن ماجه في «الدعاء» (2/1262) باب ما تعوَّذ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرجه أصحاب السنن أيضًا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال السيوطي -رحمه الله- في «شرح سنن النسائي» (1/103): «وهذا بيانٌ لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب تعالى» )، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَاءِ الكَرْبِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي»(٤- أخرجه أحمد في «مسنده» (1/452)، وابن حبان في «صحيحه» في «الرقائق» (3/253) باب الأدعية، والحاكم في «مستدركه» (1/509) في الدعاء والتكبير والتهليل، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/2/176) برقم (198)، وقال: «وجملة القول أنَّ الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده، فكيف إذا انضمَّ إليه حديث أبي موسى رضي الله عنهما، وقد صحَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم». هذا، والمصنف -رحمه الله- حيث استدلَّ بالآية والحديثين على عجز الخلق عن الإحاطة بذاته وأسمائه وصفاته، فإنه لا يلزم من عدم الإحاطة عدمُ رؤية المؤمنين له يوم القيامة، ولا من عدم الإحاطة عدمُ العلم، ولا من نفي إحصاء الثناء عدم الثناء، ولا من نفي العلم بأسماء الله الحسنى التي استأثر بها في علم الغيب عنده نفي العلم بأسمائه الحسنى التي سمّى الله بها نفسَه فيما أنزله الله في كتابه أو علَّمه أحدًا من خلقه، ذلك لأنَّ الإنسان محدود في علمه وقدرته، وليس من الله شيء محدود، والمحدود لا يحيط بغير المحدود، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110] ).



    ١- أراد المصنِّف أن يُبيِّنَ أنَّ العقل يعجز عن الإحاطة بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته لكمال عظمته وجلاله، قال ابن القيم-رحمه الله- في «مدارج السالكين» (3/337): «فإنَّ الله سبحانه لا يحاط به عِلمًا، ولا معرفة ولا رؤية، فهو أكبر من ذلك وأجلّ وأعظم، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]».

    ومن المعلوم أنَّ السلف أطلقوا «الحدَّ» ليس من باب الصفات، وإنما هو من باب الإخبار، واستعملوه في النفي والإثبات، ولا منازعة بين أهل السُّنَّة في أنَّ الله تعالى غير مُدْرَكٍ بالإحاطة، والخلق عاجزون عن الإحاطة به، ولا أن يحدوا الخالق عزَّ وجلَّ أو يقدِّروه أو يبلغوا صفتَه، فاستعمال نفي «الحد» بهذا المعنى حقٌّ لا نزاع فيه بين أهل السُّنَّة؛ لأنه نفي إحاطة علم البشر به أن يحدوه أو يصفوه على ما هو عليه إلاَّ بما أخبر عن نفسه، فالله عز وعلا يتعالى عن الحدود والغايات، وعقول الخلق قاصرة وعاجزة عن الإحاطة بصفاته سبحانه، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «نقض تأسيس الجهمية» (2/162): «والمحفوظ عن السلف والأئمة إثبات حدٍّ لله في نفسه، وقد بيَّنوا مع ذلك أنَّ العباد لا يحدُّونه ولا يدركونه، ولهذا لم يتناف كلامهم في ذلك كما يظنه بعض الناس، فإنهم نَفَوْا أن يَحُدَّ أحدٌ الله».

    كما استعمل السلف «الحدَّ» في إثبات علوِّ الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وتمييزه وانفصاله عن خلقه، وعدم اختلاطه بهم أو حلوله فيهم، وإثبات «الحدّ» بهذا المعنى حقٌّ، والسلف يقولون: بأنه حدٌّ لا يعلمه إلاَّ الله تعالى، وقد جاء إثبات «الحد» منهم ردًّا على الجهمية الذين زعموا أنَّ الخالق في كلِّ مكان، وأنه غير مباين لخلقه وغير متميِّزٍ عنهم، أي: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات ولا يكون فوق العالَم، ولذلك أثبت السلف «الحد» لما في معنى «الحد» من إثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه ومباينته لخلقه، قال ابن أبي العز –رحمه الله– في «شرح العقيدة الطحاوية» (240): «ومن المعلوم أنَّ الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميَّز به عن غيره، والله تعالى غير حالٍّ في خلقه ولا قائمٍ، بل هو القيوم القائم بنفسه والمقيم لما سواه، فالحدُّ بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلاً، فإنه ليس وراء نفيه إلاَّ نفي وجود الرب ونفي حقيقته، وأمَّا الحدُّ بمعنى العلم والقول وهو أن يحدّ العباد فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة».

    ٢- جزء من آية 255 من سورة البقرة.

    ٣- جزء من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلةً من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»».

    والحديث أخرجه مسلم في «الصلاة» (4/203) باب ما يقال في الركوع والسجود، وأبو داود في «الصلاة» (1/547) باب الدعاء في الركوع والسجود، والترمذي في «الدعوات» (5/524) باب (76)، والنسائي في «الطهارة» (1/102) باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة، وابن ماجه في «الدعاء» (2/1262) باب ما تعوَّذ منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخرجه أصحاب السنن أيضًا من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

    قال السيوطي -رحمه الله- في «شرح سنن النسائي» (1/103): «وهذا بيانٌ لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب تعالى».

    ٤- أخرجه أحمد في «مسنده» (1/452)، وابن حبان في «صحيحه» في «الرقائق» (3/253) باب الأدعية، والحاكم في «مستدركه» (1/509) في الدعاء والتكبير والتهليل، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1/2/176) برقم (198)، وقال: «وجملة القول أنَّ الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده، فكيف إذا انضمَّ إليه حديث أبي موسى رضي الله عنهما، وقد صحَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم».

    هذا، والمصنف -رحمه الله- حيث استدلَّ بالآية والحديثين على عجز الخلق عن الإحاطة بذاته وأسمائه وصفاته، فإنه لا يلزم من عدم الإحاطة عدمُ رؤية المؤمنين له يوم القيامة، ولا من عدم الإحاطة عدمُ العلم، ولا من نفي إحصاء الثناء عدم الثناء، ولا من نفي العلم بأسماء الله الحسنى التي استأثر بها في علم الغيب عنده نفي العلم بأسمائه الحسنى التي سمّى الله بها نفسَه فيما أنزله الله في كتابه أو علَّمه أحدًا من خلقه، ذلك لأنَّ الإنسان محدود في علمه وقدرته، وليس من الله شيء محدود، والمحدود لا يحيط بغير المحدود، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 85]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110].


    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:32

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    -تابع-

    الأَرْبَعُونَ:

    فَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْحَيَاةُ(١- الحياة صفة ذاتية لله عز وجل ثابتة بالآيات القرآنية التي استدل بها المصنف – رحمه الله – وبالسنة الصحيحة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ، أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/368)، باب قول الله تعالى: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾، ومسلم في «الذكر والدعاء والتوبة» (17/38)، باب الأدعية]، وحديث أسماء بن يزيد رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿ألم، اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ﴾» [أخرجه أبو داود في «الصلاة» (2/168)، باب الدعاء، والترمذي في «الدعوات» (5/517)، باب (65)، وابن ماجه في «الدعاء» (2/1267)، باب اسم الله الأعظم، والحديث حسن بشواهده، انظر: «صحيح أبي داود» للألباني: (1/410)]، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كربه أمر قال: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» [أخرجه الترمذي في «الدعوات» (5/539)، باب (92)، والحديث حسّنه الألباني في «صحيح الترمذي» (3/447)]». والحي الباقي الذي لا سبيل للفناء عليه، وهو اسم من أسماء الله الحسنى، ويتضمن هذا الاسم جميع معاني كمال الحياة من السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية، ويستلزم إثبات كمال الحياة إثبات كل كمال يضادّ نفي كمال الحياة كالمرض والموت والفناء، قال الهراس – رحمه الله – في شرحه ﻟ «النونية» (2/103): «ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أن قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها». قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (124 -125): «فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة فانية ... فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتُها إثباتَ كل كمال يضادّ نفيُه كمالَ الحياة» [بتصرف]. وفي هذا المقام يجدر التنبيه إلى أمرين متعلقين بهذا الموضوع: - الأول: منع التعبير عن حياة الله بأنها روح الله كما تعتقده النصارى ومن تبعهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]، فإنه لا يُعْرَفُ مثل هذا التعبير عن الأنبياء والمرسلين، قال ابن تيمية – رحمه الله – في «الجواب الصحيح» (4/50): «لم يعبّر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله، فمن حمل كلام أحد من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب». - الثاني: جواز استعمال لفظ «العَمْر» على بقاء الله وحياته، ويدل على جواز استعماله ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ رضي الله عنه قال: «يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أعذرُك مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ»، فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: «كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لاَ تَقْتُلُهُ»، فقام أُسَيدُ بنُ حُضَير رضي الله عنه فقال: «كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ...» [بتصرف]، [أخرجه البخاري في «التفسير» (8/452)، باب ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ من حديث عائشة رضي الله عنها]، قال البيهقي في «الاعتقاد» (37) في الحديث السابق: «فحلف كل واحد منهما بحياة الله وبقائه، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع»، علمًا أنَّ لفظة «العَمْر» وإن دلَّت على الحياة والبقاء فاستعمالها مفتوحة إنما يكون في القسم خاصّة، قال ابن حجر –رحمه الله – في «فتح الباري» (8/472): «العَمر بفتح السين المهملة هو البقاء، وهو العُمر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح». )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾(٢- جزء آية 55 من سورة البقرة وجزء آية 2 من سورة آل عمران.)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾(٣- جزء آية 111 من سورة طه)، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾(٤- جزء من آية 58 من سورة الفرقان. وقد أثبت الله تعالى في هذه الآية أصل جميع الصفات وهو صفة الحياة، ولذلك يرى ابن تيمية – رحمه الله – أن الاسم الأعظم يتجلّى في اسمِ «الحي» فقال – رحمه الله - في «مجموع الفتاوى» (18/311): «فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كان أعظم آية في القرآن: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وهو الاسم الأعظم، لأنه ما من حي إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم جميعَ الصفات، فلو اكْتَفَى في الصفات بالتلازم لاكْتَفَى بالحي، وهذا ينفع في الدلالة والوجود». وفي الآية نفسها نفى الله عز وجل عن نفسه الموت، وهو صفة نقص كالنوم والسِّنَة والنسيان والعجز والتعب والفناء والظلم وغيرها من الصفات السلبية التي تأتي غالبا في الكتاب والسنة مسبوقة بأداة نفي مثل: «ليس» و«ما» و«لم» و«لا»، وما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من الصفات فالواجب إثبات ضدها من الكمال. ).



    ١- الحياة صفة ذاتية لله عز وجل ثابتة بالآيات القرآنية التي استدل بها المصنف – رحمه الله – وبالسنة الصحيحة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ، أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/368)، باب قول الله تعالى: ﴿وهو العزيز الحكيم﴾، ومسلم في «الذكر والدعاء والتوبة» (17/38)، باب الأدعية]، وحديث أسماء بن يزيد رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿ألم، اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ﴾» [أخرجه أبو داود في «الصلاة» (2/168)، باب الدعاء، والترمذي في «الدعوات» (5/517)، باب (65)، وابن ماجه في «الدعاء» (2/1267)، باب اسم الله الأعظم، والحديث حسن بشواهده، انظر: «صحيح أبي داود» للألباني: (1/410)]، وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كربه أمر قال: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» [أخرجه الترمذي في «الدعوات» (5/539)، باب (92)، والحديث حسّنه الألباني في «صحيح الترمذي» (3/447)]».

    والحي الباقي الذي لا سبيل للفناء عليه، وهو اسم من أسماء الله الحسنى، ويتضمن هذا الاسم جميع معاني كمال الحياة من السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية، ويستلزم إثبات كمال الحياة إثبات كل كمال يضادّ نفي كمال الحياة كالمرض والموت والفناء، قال الهراس – رحمه الله – في شرحه ﻟ «النونية» (2/103): «ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أن قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها».

    قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (124 -125): «فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة فانية ... فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته أكمل حياة وأتمها استلزم إثباتُها إثباتَ كل كمال يضادّ نفيُه كمالَ الحياة» [بتصرف].

    وفي هذا المقام يجدر التنبيه إلى أمرين متعلقين بهذا الموضوع:

    - الأول: منع التعبير عن حياة الله بأنها روح الله كما تعتقده النصارى ومن تبعهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]، فإنه لا يُعْرَفُ مثل هذا التعبير عن الأنبياء والمرسلين، قال ابن تيمية – رحمه الله – في «الجواب الصحيح» (4/50): «لم يعبّر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله، فمن حمل كلام أحد من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب».

    - الثاني: جواز استعمال لفظ «العَمْر» على بقاء الله وحياته، ويدل على جواز استعماله ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ رضي الله عنه قال: «يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أعذرُك مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ»، فقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: «كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لاَ تَقْتُلُهُ»، فقام أُسَيدُ بنُ حُضَير رضي الله عنه فقال: «كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ...» [بتصرف]، [أخرجه البخاري في «التفسير» (8/452)، باب ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ من حديث عائشة رضي الله عنها]، قال البيهقي في «الاعتقاد» (37) في الحديث السابق: «فحلف كل واحد منهما بحياة الله وبقائه، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع»، علمًا أنَّ لفظة «العَمْر» وإن دلَّت على الحياة والبقاء فاستعمالها مفتوحة إنما يكون في القسم خاصّة، قال ابن حجر –رحمه الله – في «فتح الباري» (8/472): «العَمر بفتح السين المهملة هو البقاء، وهو العُمر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح».

    ٢- جزء آية 55 من سورة البقرة وجزء آية 2 من سورة آل عمران.

    ٣- جزء آية 111 من سورة طه.

    وفي آية الكرسي وفاتحة آل عمران وآية طه اقتران اسم «الحي» باسم «القيوم» لكونهما متضمنين لصفات الكمال أعظم تضمن، فالصفات الذاتية تعود إلى اسمه «الحي»، والصفات الفعلية ترجع إلى اسمه «القيوم»، لذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن اسم الله الأعظم هو «الحي القيوم» ومنهم الإمام ابن القيم – رحمه الله – حيث أفصح عنه في «القصيدة النونية» (33) بقوله:

    اِسْمُ الإِلَهِ الأَعْظَمُ اشْتَمَلاَ عَلَى اسْــمِ «الْحَيِّ» وَ«الْقَيُّومِ» مُقْتَرِنَانِ

    وقال –رحمه الله– في «الصواعق المرسلة» (3/911): «وكان اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: آية الكرسي، وفاتحة آل عمران، لاشتمالهما على صفة الحياة المصحِّحة لجميع الصفات، وصفة القيومية المتضمنة لجميع الأفعال، ولهذا كانت سيدة آي القرآن وأفضلها، ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن لأنها أخلصت الأخبار عن الرب تعالى وصفاته دون خلقه وأحكامه وثوابه وعقابه ...».

    وقال ابن أبي العز الحنفي – رحمه الله – في «شرح العقيدة الطحاوية» (124): «واعلم أن هذين الاسمين -
    أعني «الحي القيوم» - مذكوران في القرآن معا في ثلاث سور، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: «إنهما الاسم الأعظم»، فإنهما يتضمنان إثباتَ صفاتِ الكمال أكملَ تضمُّنٍ وأصدقَه، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضا على كونه موجودا بنفسه وهو معنى كونه واجبَ الوجودِ، والقيوم أبلغ من القيَّام، لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه باتفاق المفسرين وأهل اللغة ... واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على بقائها ودوامها وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً وأبدًا».

    ٤- جزء من آية 58 من سورة الفرقان.

    وقد أثبت الله تعالى في هذه الآية أصل جميع الصفات وهو صفة الحياة، ولذلك يرى ابن تيمية – رحمه الله – أن الاسم الأعظم يتجلّى في اسمِ «الحي» فقال – رحمه الله - في «مجموع الفتاوى» (18/311): «فالحي نفسه مستلزم لجميع الصفات، وهو أصلها، ولهذا كان أعظم آية في القرآن: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وهو الاسم الأعظم، لأنه ما من حي إلا وهو شاعر مريد، فاستلزم جميعَ الصفات، فلو اكْتَفَى في الصفات بالتلازم لاكْتَفَى بالحي، وهذا ينفع في الدلالة والوجود».

    وفي الآية نفسها نفى الله عز وجل عن نفسه الموت، وهو صفة نقص كالنوم والسِّنَة والنسيان والعجز والتعب والفناء والظلم وغيرها من الصفات السلبية التي تأتي غالبا في الكتاب والسنة مسبوقة بأداة نفي مثل: «ليس» و«ما» و«لم» و«لا»، وما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من الصفات فالواجب إثبات ضدها من الكمال

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:33

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    -تابع-

    الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ:

    وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: القُدْرَةُ عَلَى إِيجَادِ كُلِّ مُمْكِنٍ وَإِعْدَامِهِ(١- القدرة صفة ذاتية ثابتة لله عزَّ وجلَّ، وصف نفسه بأنه قادر على كلِّ شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا نصب ولا فتور، ومن أسمائه سبحانه وتعالى: «القادر» و«القدير» و«المقتدر»، وكلها تضمنت صفة القدرة الظاهرة، إذ لا يظهر الفعل اختيارا إلا من قادر غير عاجز، وآثار قدرة الله تعالى في إيجاد الموجودات وخلقها وتدبيرها وإحكامها وإعدامها ما لا يحصى ولا يُعَدُّ، فجميعُ المخلوقاتِ: متقدِّمُها ومتأخِّرُها، وصغيرها وكبيرها، كلُّها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه لا يستعصي عليه مخلوق، فإنه سبحانه إذا أراد خلقه بقدرته يكون في الحال من غير تمانع، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. هذا، وقد اكتفى المصنف – رحمه الله – بالاستدلال على صفة القدرة بالآيات القرآنية، وقد دلّت الأحاديث النبويّة – أيضًا – على هذه الصفة، فمن ذلك: حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه مرفوعا: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» [رواه مسلم في «السلام» (14/189)، باب وَضْعِ يدِه مَوْضِعَ الألم مع الدعاء]، وحديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه لما ضرب غلامه، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلاَمِ» [رواه مسلم في «الأيمان» (11/128) باب صحبة المماليك]، كما أن المصنّف تعرّض من خلال الآيات القرآنية المذكورة إلى اسمين: «القدير» و«المقتدر» ويدلّ على اسم «القادر» قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ [القيامة: 40]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81]. وقد يكون القادر بمعنى المقدّر للشيء من التقدير لا من القدرة مثل قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 23]، أي: «نعم المقدّرون» [تفسير القرطبي: (19/160)، «فتح القدير» للشوكاني: (5/357)]. ومن جهة ثانية، فإن عبارة المصنف -رحمه الله- تثبت أن لله قدرةً على إيجاد كل ممكن وإعدامِ كل ممكن، ولم تتعرّض عبارتُه لقدرته سبحانه على الممتنعات، لكن الآيات التي ساقها للاستدلال تفصح عن مراده بدخول الممكنات والممتنعات في قدرة الله تعالى، لأنّ الله عز وجل متصف بكمال القدرة، لا يمتنع عليه شيء سواء من الممكنات أو الممتنعات، ولا يحتجز عنه شيء بأي صفة كانت المَنَعَة والقوة. ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(٢- جزء من آية 20 من سورة البقرة وغيرها. قال الخطابي -رحمه الله- في «شأن الدعاء» (85-86): ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: 87] أي لن نُقَدِّرَ عليه الخطيئة أو العقوبة، إذ لا يجوز على نبي الله أن يظنَّ عدم قدرة الله -جل وعز- عليه في حال من الأحوال. قلت: ولعل الأولى حمل معنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ على التضييق، أي ظن أن لن نُضَيِّقَ عليه كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] وقوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] [انظر: «تفسير القرطبي»: (11/331)، «فتح القدير» للشوكاني: (3/421، 5/438)، و«أضواء البيان» للشنقيطي: (4/745-746)]. )، ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾(٣- جزء من آية 45 من سورة الكهف. قال الخطابي في شرح اسم «المقتدر» في «شأن الدعاء» (86): «هو التامُّ القدرةِ، الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يحتجز عنه بمَنَعَةٍ وقوة، ووزنه «مفتعل» من القدرة إلا أن الاقتدار أبلغ وأعم، لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه، قال الله سبحانه: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55] أي قادر على ما يشاء». )، ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾(٤- جزء من الآية 44 من سورة فاطر.).



    ١- القدرة صفة ذاتية ثابتة لله عزَّ وجلَّ، وصف نفسه بأنه قادر على كلِّ شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا نصب ولا فتور، ومن أسمائه سبحانه وتعالى: «القادر» و«القدير» و«المقتدر»، وكلها تضمنت صفة القدرة الظاهرة، إذ لا يظهر الفعل اختيارا إلا من قادر غير عاجز، وآثار قدرة الله تعالى في إيجاد الموجودات وخلقها وتدبيرها وإحكامها وإعدامها ما لا يحصى ولا يُعَدُّ، فجميعُ المخلوقاتِ: متقدِّمُها ومتأخِّرُها، وصغيرها وكبيرها، كلُّها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه لا يستعصي عليه مخلوق، فإنه سبحانه إذا أراد خلقه بقدرته يكون في الحال من غير تمانع، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].

    هذا، وقد اكتفى المصنف – رحمه الله – بالاستدلال على صفة القدرة بالآيات القرآنية، وقد دلّت الأحاديث النبويّة – أيضًا – على هذه الصفة، فمن ذلك: حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه مرفوعا: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ» [رواه مسلم في «السلام» (14/189)، باب وَضْعِ يدِه مَوْضِعَ الألم مع الدعاء]، وحديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه لما ضرب غلامه، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلاَمِ» [رواه مسلم في «الأيمان» (11/128) باب صحبة المماليك]، كما أن المصنّف تعرّض من خلال الآيات القرآنية المذكورة إلى اسمين: «القدير» و«المقتدر» ويدلّ على اسم «القادر» قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65]، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ [القيامة: 40]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: 81].

    وقد يكون القادر بمعنى المقدّر للشيء من التقدير لا من القدرة مثل قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 23]، أي: «نعم المقدّرون» [تفسير القرطبي: (19/160)، «فتح القدير» للشوكاني: (5/357)].

    ومن جهة ثانية، فإن عبارة المصنف -رحمه الله- تثبت أن لله قدرةً على إيجاد كل ممكن وإعدامِ كل ممكن، ولم تتعرّض عبارتُه لقدرته سبحانه على الممتنعات، لكن الآيات التي ساقها للاستدلال تفصح عن مراده بدخول الممكنات والممتنعات في قدرة الله تعالى، لأنّ الله عز وجل متصف بكمال القدرة، لا يمتنع عليه شيء سواء من الممكنات أو الممتنعات، ولا يحتجز عنه شيء بأي صفة كانت المَنَعَة والقوة.

    ٢- جزء من آية 20 من سورة البقرة وغيرها.

    قال الخطابي -رحمه الله- في «شأن الدعاء» (85-86): ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: 87] أي لن نُقَدِّرَ عليه الخطيئة أو العقوبة، إذ لا يجوز على نبي الله أن يظنَّ عدم قدرة الله -جل وعز- عليه في حال من الأحوال.

    قلت: ولعل الأولى حمل معنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ على التضييق، أي ظن أن لن نُضَيِّقَ عليه كما في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] وقوله تعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] [انظر: «تفسير القرطبي»: (11/331)، «فتح القدير» للشوكاني: (3/421، 5/438)، و«أضواء البيان» للشنقيطي: (4/745-746)].

    ٣- جزء من آية 45 من سورة الكهف.

    قال الخطابي في شرح اسم «المقتدر» في «شأن الدعاء» (86): «هو التامُّ القدرةِ، الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يحتجز عنه بمَنَعَةٍ وقوة، ووزنه «مفتعل» من القدرة إلا أن الاقتدار أبلغ وأعم، لأنه يقتضي الإطلاق، والقدرة قد يدخلها نوع من التضمين بالمقدور عليه، قال الله سبحانه: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55] أي قادر على ما يشاء».

    ٤- جزء من الآية 44 من سورة فاطر.

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:34

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    -تابع-

    الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ:

    وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الإِرَادَةُ وَالمَشِيئَةُ المُطْلَقَةُ(٥- ذكر الجرجاني في «التعريفات» (216) أن المشيئة أعمُّ من الإرادة، وبيّن هذا العموم من جهة الاصطلاح أن مشيئة الله هي عبارة عن تجلّي الذات والعناية السابقة لإيجاد المعدوم أو إعدام الموجود. بينما إرادته سبحانه إنما هي عبارة عن تجلّيه لإيجاد المعدوم، ثم قال: «ومن تتبّع مواضع استعمالات المشيئة والإرادة يعلم ذلك». قلت: والأولى القول بترادفهما لأن قَصْرَ الإرادة على إيجاد المعدوم دون إعدام الموجود يعكّر على هذا الضابط في الفرق بين المشيئة والإرادة ورودُ استعمال الإرادة في موضع إعدام الموجود أيضا، ويدلُّ على هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16]. وكذلك بحسب اللغة فإنه يُسْتَعْمَلُ كل واحد منهما مقام الآخر. ) فِي جَمِيعِ المُمْكِنَاتِ فَيُخَصِّصُ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ(٦- المشيئة والإرادة صفتان ذاتيَّتان ثابتتان، فالله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا بهما، فهو إذا شاء شيئا قدّره، وأراد وجوده في وقته الذي قدّره، فالأول عزم والثاني قصد، فنوعُ الإرادة قديم، وإرادةُ الشيء المعيَّن فإنه يريده في وقته. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (16/303)]. والله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26]، ووصف نفسه بالإرادة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125]. وإذا كان العبد متّصفا بهما أيضا فالمعلوم أن ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجب إثباتُه واعتقادُ حقيقته من غير تشبيه شيء من صفات الله تعالى بصفات المربوبين المخلوقين ولا تكييف له ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير بزيادة عليه أو إزالةِ لفظ عما تعرفه العرب وتصرفِه عنه، والإمساكُ عما سوى ذلك كما تقدم. هذا والإرادة الإلهية تسبق وجود المراد، وتتقدم على وقت قطع الأعذار والعذاب، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16]. وإرادة الله سبحانه تتنوّع باعتبار تعلُّقها بالمراد ووقوعه إلى نوعين: النوع الأول: الإرادة الكونيّة القدريّة: وهي المشيئة المطلقة الشاملة لجميع الحوادث والمتعلقة بما يريد الله أن يفعل بنفسه، وهي مستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن»، ومن أدلتها ما استدل به المصنف – رحمه الله – ومنها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]، وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: 5]، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: 41]. النوع الثاني: الإرادة الشرعيّة الدينيّة: وهي متعلّقة بالأمر الذي أراده الله من عبده أن يفعله، وهي متضمنة للمحبة والرضا ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلقت بالإرادة الكونية القدرية، ومن أدلّتها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا، يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 27-28]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6]. [انظر: «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية: (2/77)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (8/188)، «منهاج السنّة النبويّة»: (3/156، 157، 180)، «شفاء العليل» لابن القيم: (1/189)، «شرح العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العز الحنفي: (116)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (1/321)، «إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير: (228)]. وهذه الإرادة الإلهية من كونيّة قدريّة وشرعيّة دينيّة من حيث تعلُّقُها بالمراد من جهة، ومن حيث وقوعُه وعدمُ وقوعه من جهة أخرى قد تجتمع وقد تفترق، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، لذلك كان التفصيل على أربع صور ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (8/189) بقوله: «أحدها: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع ولولا ذلك لما كان. والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمرَ الكفّارُ والفجّارُ، فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع. والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدّره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضَها ولم يحبَّها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئتُه وقدرتُه وخَلْقُه لها لما كانت ولما وُجِدَتْ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم والتي أمروا بفعلها هي العبادة، فهو العمل الذي خلق العباد له: أي هو الذي يحصّل كمالَهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيّين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما يُحَبُّ ويُرْضَى ويُرَادُ له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته، وعادما لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه». وضابط الفرق بين الإرادتين: أن الإرادة الكونية القدرية قد يحبّها الله ويرضاها، وقد لا يحبّها ولا يرضاها، وهي لا تستلزم الأمر إلا أن تتعلّق بالإرادة الشرعية الدينية، فالله سبحانه أراد المعصية كونا ولا يرضاها ولا يحبّها ولا يأمر بها شرعا، وأراد الطاعة كونا ويرضاها ويحبّها ويأمر بها شرعا، فيأمر بما لم يشأ أن يخلقه كالطاعة في حق من لم يوفّقه إليها، أو يأمر بما شاء أن يخلقه كطاعة من وفّقه للطاعة. أمَّا الإرادة الشرعية الدينية فيحبها الله ويرضاها، وهي تستلزم الأمر، فكل ما أراد الله شرعا أمر به. ومن جهة ثانية فإن الإرادة الكونية القدرية لا بد من وقوعها لأنها إرادة الخلق، أي أن الله تعالى يريد خلق ما يحدثه من أفعال العباد وغيرها، وأما الإرادة الشرعية الدينية فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع إلا أن تتعلّق بالإرادة الكونيّة القدريّة، ذلك لأن الإرادة الشرعية هي إرادة الأمر التي تقتضي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم، وهي أن يريد الله بالمأمور فعل ما أمر به، فقد يفعله وقد لا يفعله إلا أن تتعلق به إرادة الخلق. قال ابن القيم -رحمه الله- في «شفاء العليل» (2/768): «والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرًا كإيمان من أمره ولم يوفّقه للإيمان، مراد له دينًا لا كونًا، لذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرد كونًا وقدرًا، وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونًا وقدرًا، وبين هذين الأمرين وأمرِ من لم يؤمن بالإيمان فرق، فإن الله لم يحبَّ من إبراهيم نبيِّه ذبح ولده، وإنما أحب منه عزْمَه على الامتثال وتوطينَ نفسه عليه، وكذلك أمر محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة، وأما أمْرُ من علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره به ووفّقه له، وخذل بعضهم فلم يُعِنْه ولم يوفّقْه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من الأمر بالذبح». وقال ابن أبي العز -رحمه الله- في «شرح العقيدة الطحاوية» (117): «والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل وبين إرادته من غيره أن يفعل، فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلَّقةٌ بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلا فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أُمِرَ به وقد لا يريد ذلك، وإن كان مريدا منه فعله». ومن جهة ثالثة فإن الإرادة الكونيّة القدريّة قد تكون مقصودة لغيرها بينما الإرادة الشرعيّة الدينيّة فمقصودة لذاتها. قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (280-283) ما نصه: «المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره: فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد. والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا لما يريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسُه وذاتُه، مراد له من حيث إفضاؤُه وإيصالُه إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضُه وإرادتُه، ولا يتنافيان لاختلاف متعلّقهما، وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناوِل له أن فيه شفاءه، وقطْعِ العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقّة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه، فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، فلو قُدِّرَ عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حِكَمٌ كثيرة ولفاتت مصالح عديدة، ولو تعطّلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لَتعطَّلَ الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلقُ إبليسَ لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاةِ لله سبحانه والمعاداة فيه، وعبوديةِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبوديةِ الصبر ومخالفة الهوى وإيثارِ محاب الله تعالى، وعبوديةِ التوبة والاستغفار، وعبوديةِ الاستعاذة بالله أن يُجِيرَه من عدوّه، ويعصِمَه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحِكَم التي تعجز العقول عن إدراكها» [بتصرف]. فالحاصل أن التقسيم بين الإرادتين الكونية القدرية والشرعية الدينية هو مذهب أهل السنة. ومنشأُ الضلال الذي وقعت فيه القدرية والجبرية في هذه المسألة يكمن في التسويةِ بين الإرادتين، وظنِّهم أن المشيئة والإرادة مستلزمة للمحبة والرضا. فالقدرية أثبتوا الإرادة الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية، وزعموا أن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، فلا يدخل تحت إرادة الله وتقديره، لأن الأمر – عندهم يستلزم الإرادة، فكل ما أمر به فقد أراده، والله تعالى لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان، فهو غير مريد لها، لأن الله لا يحبها ولا يرضاها. أما الجبرية فأثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية وزعموا أن الكفر والفسوق والعصيان مرادة له محبوبة له، وقد جبرهم عليها ولا خيار لهم في تركها، لأن الأمر -عندهم- لا يستلزم الإرادة، وإذا كان الله تعالى لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان إلا أنه أراد ذلك وقدَّره وشاءه. فهدى الله أهل السنة لإثبات الحق الذي ضلّت فيه الطائفتان، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. هذا ويلاحظ على المصنف -رحمه الله- الملاحظات التالية: أولاً: أنه مثّل للإرادة والمشيئة من القرآن العزيز فقط، ويمكن إيراد بعض الأحاديث الصحيحة لتُطَابِقَ عنوان مؤلَّفه: «العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية»، فمن ذلك: - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» [أخرجه مسلم في «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» (16/210)، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]. - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ أُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا» [أخرجه مسلم في «الفضائل» (15/52) باب إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيَّها قبلها، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه]. - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: «أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ»، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا، قَالَ الْمَلَكُ: «أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟» فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» [متفق عليه: أخرجه البخاري في «القدر» (11/477) باب 6595، ومسلم في «القدر» (16/195) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه]. - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» [أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» (2/38) باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]. ثانيًا: استدلال المصنف -رحمه الله- بالآيتين الكريمتين أخص في الصفة المذكورة لشمولهما للإرادة الكونية القدرية فقط، ولم يعرّج -رحمه الله- على الآيات الدالّة على الإرادة الشرعية الدينية، وقد تقدّم تمثيل لبعضها. ثالثًا: استدلّ المصنف -رحمه الله- بالآيتين الكريمتين لبيان أن إرادة الله ومشيئته مطلقة، والشمول والعموم من خصائص الإرادة الإلهية، إذ هي شاملة لجميع الحوادث ومستلزمة لوقوع المراد، وليست قاصرة على الممكنات، إذ لا يمتنع على إرادة الله وقدرته شيء سواء كانت ممكنات أو متضادات أو متقابلات أو ممتنعات مستحيلات، فمن خصائص الإرادة الإلهية -أيضًا- أنها نافذة لا يحول دونها شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]. ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾(٧- آية 16 من سورة البروج)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ﴾(٨- الآية 20 من سورة الإنسان، والآية 29 من سورة التكوير).



    ٥- ذكر الجرجاني في «التعريفات» (216) أن المشيئة أعمُّ من الإرادة، وبيّن هذا العموم من جهة الاصطلاح أن مشيئة الله هي عبارة عن تجلّي الذات والعناية السابقة لإيجاد المعدوم أو إعدام الموجود.

    بينما إرادته سبحانه إنما هي عبارة عن تجلّيه لإيجاد المعدوم، ثم قال: «ومن تتبّع مواضع استعمالات المشيئة والإرادة يعلم ذلك».

    قلت: والأولى القول بترادفهما لأن قَصْرَ الإرادة على إيجاد المعدوم دون إعدام الموجود يعكّر على هذا الضابط في الفرق بين المشيئة والإرادة ورودُ استعمال الإرادة في موضع إعدام الموجود أيضا، ويدلُّ على هذا الاستعمال قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

    وكذلك بحسب اللغة فإنه يُسْتَعْمَلُ كل واحد منهما مقام الآخر.

    ٦- المشيئة والإرادة صفتان ذاتيَّتان ثابتتان، فالله سبحانه وتعالى لم يزل متصفا بهما، فهو إذا شاء شيئا قدّره، وأراد وجوده في وقته الذي قدّره، فالأول عزم والثاني قصد، فنوعُ الإرادة قديم، وإرادةُ الشيء المعيَّن فإنه يريده في وقته. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (16/303)].

    والله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: 26]، ووصف نفسه بالإرادة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125]. وإذا كان العبد متّصفا بهما أيضا فالمعلوم أن ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وجب إثباتُه واعتقادُ حقيقته من غير تشبيه شيء من صفات الله تعالى بصفات المربوبين المخلوقين ولا تكييف له ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير بزيادة عليه أو إزالةِ لفظ عما تعرفه العرب وتصرفِه عنه، والإمساكُ عما سوى ذلك كما تقدم.

    هذا والإرادة الإلهية تسبق وجود المراد، وتتقدم على وقت قطع الأعذار والعذاب، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

    وإرادة الله سبحانه تتنوّع باعتبار تعلُّقها بالمراد ووقوعه إلى نوعين:

    النوع الأول: الإرادة الكونيّة القدريّة: وهي المشيئة المطلقة الشاملة لجميع الحوادث والمتعلقة بما يريد الله أن يفعل بنفسه، وهي مستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن»، ومن أدلتها ما استدل به المصنف – رحمه الله – ومنها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]، وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: 5]، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: 34]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: 41].

    النوع الثاني: الإرادة الشرعيّة الدينيّة: وهي متعلّقة بالأمر الذي أراده الله من عبده أن يفعله، وهي متضمنة للمحبة والرضا ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلقت بالإرادة الكونية القدرية، ومن أدلّتها قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا، يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 27-28]، وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6]. [انظر: «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية: (2/77)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (8/188)، «منهاج السنّة النبويّة»: (3/156، 157، 180)، «شفاء العليل» لابن القيم: (1/189)، «شرح العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العز الحنفي: (116)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: (1/321)، «إيثار الحق على الخلق» لابن الوزير: (228)].

    وهذه الإرادة الإلهية من كونيّة قدريّة وشرعيّة دينيّة من حيث تعلُّقُها بالمراد من جهة، ومن حيث وقوعُه وعدمُ وقوعه من جهة أخرى قد تجتمع وقد تفترق، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، لذلك كان التفصيل على أربع صور ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (8/189) بقوله:

    «أحدها: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع ولولا ذلك لما كان.

    والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة فعصى ذلك الأمرَ الكفّارُ والفجّارُ، فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع.

    والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدّره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي، فإنه لم يأمر بها ولم يرضَها ولم يحبَّها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئتُه وقدرتُه وخَلْقُه لها لما كانت ولما وُجِدَتْ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

    والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي، وإذا كان كذلك فمقتضى اللام في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فهذه الإرادة الدينية الشرعية، وهذه قد يقع مرادها وقد لا يقع، والمعنى: أن الغاية التي يحب لهم ويرضى لهم والتي أمروا بفعلها هي العبادة، فهو العمل الذي خلق العباد له: أي هو الذي يحصّل كمالَهم وصلاحهم الذي به يكونون مرضيّين محبوبين، فمن لم تحصل منه هذه الغاية كان عادما لما يُحَبُّ ويُرْضَى ويُرَادُ له الإرادة الدينية التي فيها سعادته ونجاته، وعادما لكماله وصلاحه العدم المستلزم فساده وعذابه».

    وضابط الفرق بين الإرادتين: أن الإرادة الكونية القدرية قد يحبّها الله ويرضاها، وقد لا يحبّها ولا يرضاها، وهي لا تستلزم الأمر إلا أن تتعلّق بالإرادة الشرعية الدينية، فالله سبحانه أراد المعصية كونا ولا يرضاها ولا يحبّها ولا يأمر بها شرعا، وأراد الطاعة كونا ويرضاها ويحبّها ويأمر بها شرعا، فيأمر بما لم يشأ أن يخلقه كالطاعة في حق من لم يوفّقه إليها، أو يأمر بما شاء أن يخلقه كطاعة من وفّقه للطاعة.

    أمَّا الإرادة الشرعية الدينية فيحبها الله ويرضاها، وهي تستلزم الأمر، فكل ما أراد الله شرعا أمر به.

    ومن جهة ثانية فإن الإرادة الكونية القدرية لا بد من وقوعها لأنها إرادة الخلق، أي أن الله تعالى يريد خلق ما يحدثه من أفعال العباد وغيرها، وأما الإرادة الشرعية الدينية فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع إلا أن تتعلّق بالإرادة الكونيّة القدريّة، ذلك لأن الإرادة الشرعية هي إرادة الأمر التي تقتضي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم، وهي أن يريد الله بالمأمور فعل ما أمر به، فقد يفعله وقد لا يفعله إلا أن تتعلق به إرادة الخلق.

    قال ابن القيم -رحمه الله- في «شفاء العليل» (2/768): «والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونا وقدرًا كإيمان من أمره ولم يوفّقه للإيمان، مراد له دينًا لا كونًا، لذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرد كونًا وقدرًا، وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونًا وقدرًا، وبين هذين الأمرين وأمرِ من لم يؤمن بالإيمان فرق، فإن الله لم يحبَّ من إبراهيم نبيِّه ذبح ولده، وإنما أحب منه عزْمَه على الامتثال وتوطينَ نفسه عليه، وكذلك أمر محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة، وأما أمْرُ من علم أنه لا يؤمن بالإيمان فإنه سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره به ووفّقه له، وخذل بعضهم فلم يُعِنْه ولم يوفّقْه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من الأمر بالذبح».

    وقال ابن أبي العز -رحمه الله- في «شرح العقيدة الطحاوية» (117): «والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل وبين إرادته من غيره أن يفعل، فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلَّقةٌ بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلا فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على ما أُمِرَ به وقد لا يريد ذلك، وإن كان مريدا منه فعله».

    ومن جهة ثالثة فإن الإرادة الكونيّة القدريّة قد تكون مقصودة لغيرها بينما الإرادة الشرعيّة الدينيّة فمقصودة لذاتها.

    قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (280-283) ما نصه: «المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره:

    فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته، وما فيه من الخير فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد.

    والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا لما يريد، ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسُه وذاتُه، مراد له من حيث إفضاؤُه وإيصالُه إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضُه وإرادتُه، ولا يتنافيان لاختلاف متعلّقهما، وهذا كالدواء الكريه إذا علم المتناوِل له أن فيه شفاءه، وقطْعِ العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقّة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه، فهو سبحانه يكره الشيء ولا ينافي ذلك إرادته لأجل غيره، فلو قُدِّرَ عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حِكَمٌ كثيرة ولفاتت مصالح عديدة، ولو تعطّلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لَتعطَّلَ الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب، ومنها: حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلقُ إبليسَ لما حصلت، فإن عبودية الجهاد من أحب أنواع العبودية إليه سبحانه، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاةِ لله سبحانه والمعاداة فيه، وعبوديةِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبوديةِ الصبر ومخالفة الهوى وإيثارِ محاب الله تعالى، وعبوديةِ التوبة والاستغفار، وعبوديةِ الاستعاذة بالله أن يُجِيرَه من عدوّه، ويعصِمَه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحِكَم التي تعجز العقول عن إدراكها» [بتصرف].

    فالحاصل أن التقسيم بين الإرادتين الكونية القدرية والشرعية الدينية هو مذهب أهل السنة. ومنشأُ الضلال الذي وقعت فيه القدرية والجبرية في هذه المسألة يكمن في التسويةِ بين الإرادتين، وظنِّهم أن المشيئة والإرادة مستلزمة للمحبة والرضا.

    فالقدرية أثبتوا الإرادة الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية، وزعموا أن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، فلا يدخل تحت إرادة الله وتقديره، لأن الأمر – عندهم يستلزم الإرادة، فكل ما أمر به فقد أراده، والله تعالى لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان، فهو غير مريد لها، لأن الله لا يحبها ولا يرضاها.

    أما الجبرية فأثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية وزعموا أن الكفر والفسوق والعصيان مرادة له محبوبة له، وقد جبرهم عليها ولا خيار لهم في تركها، لأن الأمر -عندهم- لا يستلزم الإرادة، وإذا كان الله تعالى لم يأمر بالكفر والفسوق والعصيان إلا أنه أراد ذلك وقدَّره وشاءه.

    فهدى الله أهل السنة لإثبات الحق الذي ضلّت فيه الطائفتان، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

    هذا ويلاحظ على المصنف -رحمه الله- الملاحظات التالية:

    أولاً: أنه مثّل للإرادة والمشيئة من القرآن العزيز فقط، ويمكن إيراد بعض الأحاديث الصحيحة لتُطَابِقَ عنوان مؤلَّفه: «العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية»، فمن ذلك:

    - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ» [أخرجه مسلم في «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» (16/210)، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

    - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ أُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا» [أخرجه مسلم في «الفضائل» (15/52) باب إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيَّها قبلها، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].

    - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: «أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ»، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا، قَالَ الْمَلَكُ: «أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟» فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» [متفق عليه: أخرجه البخاري في «القدر» (11/477) باب 6595، ومسلم في «القدر» (16/195) باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه].

    - قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» [أخرجه البخاري في «مواقيت الصلاة» (2/38) باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما].

    ثانيًا: استدلال المصنف -رحمه الله- بالآيتين الكريمتين أخص في الصفة المذكورة لشمولهما للإرادة الكونية القدرية فقط، ولم يعرّج -رحمه الله- على الآيات الدالّة على الإرادة الشرعية الدينية، وقد تقدّم تمثيل لبعضها.

    ثالثًا: استدلّ المصنف -رحمه الله- بالآيتين الكريمتين لبيان أن إرادة الله ومشيئته مطلقة، والشمول والعموم من خصائص الإرادة الإلهية، إذ هي شاملة لجميع الحوادث ومستلزمة لوقوع المراد، وليست قاصرة على الممكنات، إذ لا يمتنع على إرادة الله وقدرته شيء سواء كانت ممكنات أو متضادات أو متقابلات أو ممتنعات مستحيلات، فمن خصائص الإرادة الإلهية -أيضًا أنها نافذة لا يحول دونها شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82].

    ٧- آية 16 من سورة البروج.

    ٨- الآية 20 من سورة الإنسان، والآية 29 من سورة التكوير.

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:35

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    -تابع-

    الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ:

    وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: العِلْمُ الَّذِي تَنْكَشِفُ لَهُ جَمِيعُ المَعْلُومَاتِ مِنَ الوَاجِبَاتِ وَالجَائِزَاتِ وَالمُسْتَحِيلاَتِ، فَيَعْلَمُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحَالاَتِ، وَتَسْتَوِي عِنْدَهُ الجَلِيَّاتُ وَالخَفِيَّاتُ(١- صفة العلم من صفاتِ اللهِ الذاتيةِ الثابتةِ بالنّقل والعقل، ومن أسمائه سبحانه «العليم» للمبالغة في وصفه بكمال العلم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: 43، وغيرها]، وقال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. ومعتقد أهل السُّنَّة والجماعة: أنّ لله تعالى علمًا، وهو صفةٌ من لوازم نفسه المقدَّسة، وأنّ علمه سبحانه أزليٌّ بأزليّةِ ذاته، يعلم في الأزل ما سيكون من دقيق الأمور وجليل الأشياء بمعلوماتٍ غيرِ متناهيةٍ، كما أنَّه سبحانه عالِمٌ بالسَّرائر والخفيَّاتِ التي لا يُدْرِكُها علمُ الخلق المحدود بنوعٍ من المعلومات دون نوع، ويُوجَدُ علمهم في حالٍ دون حالٍ، وليس للعبد من علمٍ إلاّ ما قدّر اللهُ له، وتعتريه آفاتُ الجهل وتعقبُ ذِكْرَهُ عيوب الضّياع والنّسيان، قال تعالى على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]، فعِلْمُ الله تعالى علمُ حقيقةٍ وكمالٍ: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجنّ: 28]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 59-60]، وغيرها من الآيات القرآنية وكذا ما استدلّ به المصنّف، وقد صحّ في حديث الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ..» [أخرجه البخاري في «الدعوات»: (11/183)، باب الدعاء عند الاستخارة من حديث جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما]، وفي حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قول الخضِرِ لموسى عليهما السلام: «إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لاَ أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ» [أخرجه البخاريّ في «العلم»: (1/217)، باب ما يُسْتَحَبُّ للعالم إذا سُئِلَ: «أيُّ النَّاس أعلم؟»، ومسلمٌ في «الفضائل»: (15/135)، باب من فضائل الخضِر صلّى الله عليه وآله وسلم]. وأمَّا الدَّليل العقليُّ على علمه تعالى فقول ابن أبي العزّ -رحمه الله- في [«شرح العقيدة الطحاوية»: (148)]: «أنه يستحيل إيجادُ الأشياءِ مع الجهل؛ ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادته، والإرادةُ تستلزم تصوُّرَ المرادِ، وتصوُّرُ المرادِ: هو العلمُ بالمراد، فكان الإيجاد مستلزمًا للإرادة، والإرادةُ مستلزِمةً للعلم، فالإيجادُ مستلزمٌ للعلم؛ ولأنّ المخلوقاتِ فيها مِنَ الإحكام والإتقان ما يستلزم عِلْمَ الفاعلِ لها، لأنّ الفعلَ المُحْكَمَ المُتْقَنَ يمتنع صدورُه عن غير عِلْمٍ؛ ولأنّ من المخلوقاتِ ما هو عالمٌ والعلمُ صفةُ كمالٍ، ويمتنعُ أن لا يكونَ الخالقُ عالمًا، وهذا له طريقان: - أحدُهما: أن يقالَ: نحن نعلم بالضَّرورة أنَّ الخالقَ أكمَلُ من المخلوق، وأنَّ الواجبَ أكمَلُ من الممكن، ونعلم ضرورةً أنَّا لو فرضنا شيئين أحدُهما عالِمٌ والآخرُ غيرُ عالِمٍ كان العالِمُ أكملَ، فلو لم يكنِ الخالقُ عالِمًا لزم أن يكونَ الممكنُ أكمَلَ منه وهو ممتنع. - الثاني: أن يقالَ: كلُّ علمٍ في الممكِنات التي هي المخلوقات فهو منه، ومن الممتنع أن يكونَ فاعلُ الكمال ومُبْدِعُه عاريًا منه، بل هو أحقُّ به، والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقاتُ لا في قياسٍ تمثيليٍّ ولا في قياسٍ شموليٍّ، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالقُ به أحقُّ، وكل نقصٍ تنزّهَ عنه مخلوقٌ ما فتنزيهُ الخالق عنه أولى». هذا، والأدلّةُ متضافرةٌ على وصْفِ الله تعالى بالعلم، لا يُنكرها إلا ضالٌّ أو مُعانِدٌ مُكابِرٌ كغلاةِ القدريّةِ المنكرين عِلْمَ الله السّابقَ للأشياءِ قبلَ وقوعِها، فإنّ مذهبَهم اندثر لتفاهته ومخالفتِه للفطرة، قال ابن حجرٍ -رحمه الله- في [«فتح الباري»: (1/ 119)]: «وقد حكى المصنِّفون في المقالات عن طوائفَ من القدريّة إنكارَ كونِ البارئِ عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنّما يعلمها بعد كونها، قال القرطبيّ وغيرُه: «قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدا يُنْسَبُ إليه من المتأخِّرين»، قال: «والقدريّة اليومَ مُطْبِقُونَ على أنّ الله عالِمٌ بأفعال العبادِ قبل وقوعِها، وإنّما خالفوا السّلفَ في زعمهم بأنّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم وواقعةٌ منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلاً أخفُّ من المذهب الأول»». قلت: وإنكارُ سَبْقِ عِلْمِ الله بالأشياء قبل حدوثِها كفرٌ، وهو ما عليه اعتقادُ مذهب غلاة القدرية المندثِر، أمَّا جمهورُ القدريَّة فمذهبُهم أخفُّ، فهم يُقِرُّون بتقدُّم علمِ الله، غيرَ أنّهم يُنْكِرون عمومَ المشيئة والخلق، لذلك كان حُكْمُ السَّلف عليهم مغايرًا للحكم على غلاتهم، قال ابن تيميّةَ -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى»: (7/385)]: «وقولُ أولئك كفَّرهم عليه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم، وأمّا هؤلاء فَهُمْ مُبْتَدِعون ضالُّون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلقٌ كثيرٌ مِنَ العلماءِ والعُبَّاد كُتِبَ عنهم العلمُ وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ لجماعةٍ منهم، لكنْ من كان داعيةً إليه لم يخرّجوا له، وهذا مذهبُ فقهاءِ أهل الحديث كأحمدَ وغيره». )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾(٢- جزء من آية 40 من سورة الأحزاب، وجزء من آية 26 من سورة الفتح)، ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(٣- آية 14 من سورة الملك)، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾(٤- آية 38 من سورة إبراهيم. هذا، وعلم الله تعالى صفةٌ ذاتيّةٌ قديمةٌ غيرُ مخلوقةٍ، إذ إنها صفةٌ لازمةٌ لله تعالى، وخالف في ذلك المعتزلةُ فلا يُثْبِتُونَ لله العلمَ وإنّما ينفون عنه الجهلَ ويدّعون أنّ عِلْمَ الله ذاتُه، ويقولون بأنّه عالِمٌ بذاته لا بعلمٍ [انظر: «الملل والنِّحَل» للشّهرستانيّ: (1/55)، «مقالات الإسلاميّين» للأشعريّ: (1/243)، «الفَرق بين الفِرق» للبغداديّ: (93)، «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار: (183)]. ولا يخفى بطلان هذا المذهب، إذ المعلومُ أنّ إثباتَ العلمِ هو نفيٌّ للجهل، وهو صفةُ كمال ومدحٍ، ونفيُ الجهل يسمّى إثباتًا للعلم على نحو ما ناظر به عبد العزيز المكيُّ صاحبُ الشافعيِّ بشرًا المرّيسيَّ المعتزليَّ في هذه المسألة عند المأمون فقال: «وقد مدح الله تعالى الأنبياءَ والملائكةَ والمؤمنين بالعلم لا بِنَفْيِ الجهل، فمَنْ أثبتَ العلمَ فَقَدْ نفى الجهلَ، ومن نفى الجهلَ لم يُثْبِتِ العلمَ، وعلى الخلق أن يُثْبِتُوا ما أثْبَتَه الله تعالى لنفسه، ويَنْفُوا ما نفاه ويُمْسِكُوا عمّا أمْسَكَ عنه» [«شرح العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العزّ: (147-148)] ).



    ١- صفة العلم من صفاتِ اللهِ الذاتيةِ الثابتةِ بالنّقل والعقل، ومن أسمائه سبحانه «العليم» للمبالغة في وصفه بكمال العلم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: 43، وغيرها]، وقال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76].

    ومعتقد أهل السُّنَّة والجماعة: أنّ لله تعالى علمًا، وهو صفةٌ من لوازم نفسه المقدَّسة، وأنّ علمه سبحانه أزليٌّ بأزليّةِ ذاته، يعلم في الأزل ما سيكون من دقيق الأمور وجليل الأشياء بمعلوماتٍ غيرِ متناهيةٍ، كما أنَّه سبحانه عالِمٌ بالسَّرائر والخفيَّاتِ التي لا يُدْرِكُها علمُ الخلق المحدود بنوعٍ من المعلومات دون نوع، ويُوجَدُ علمهم في حالٍ دون حالٍ، وليس للعبد من علمٍ إلاّ ما قدّر اللهُ له، وتعتريه آفاتُ الجهل وتعقبُ ذِكْرَهُ عيوب الضّياع والنّسيان، قال تعالى على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]، فعِلْمُ الله تعالى علمُ حقيقةٍ وكمالٍ: ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: 12]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجنّ: 28]، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 59-60]، وغيرها من الآيات القرآنية وكذا ما استدلّ به المصنّف، وقد صحّ في حديث الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ..» [أخرجه البخاري في «الدعوات»: (11/183)، باب الدعاء عند الاستخارة من حديث جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما]، وفي حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قول الخضِرِ لموسى عليهما السلام: «إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لاَ أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ» [أخرجه البخاريّ في «العلم»: (1/217)، باب ما يُسْتَحَبُّ للعالم إذا سُئِلَ: «أيُّ النَّاس أعلم؟»، ومسلمٌ في «الفضائل»: (15/135)، باب من فضائل الخضِر صلّى الله عليه وآله وسلم].

    وأمَّا الدَّليل العقليُّ على علمه تعالى فقول ابن أبي العزّ -رحمه الله- في [«شرح العقيدة الطحاوية»: (148)]: «أنه يستحيل إيجادُ الأشياءِ مع الجهل؛ ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادته، والإرادةُ تستلزم تصوُّرَ المرادِ، وتصوُّرُ المرادِ: هو العلمُ بالمراد، فكان الإيجاد مستلزمًا للإرادة، والإرادةُ مستلزِمةً للعلم، فالإيجادُ مستلزمٌ للعلم؛ ولأنّ المخلوقاتِ فيها مِنَ الإحكام والإتقان ما يستلزم عِلْمَ الفاعلِ لها، لأنّ الفعلَ المُحْكَمَ المُتْقَنَ يمتنع صدورُه عن غير عِلْمٍ؛ ولأنّ من المخلوقاتِ ما هو عالمٌ والعلمُ صفةُ كمالٍ، ويمتنعُ أن لا يكونَ الخالقُ عالمًا، وهذا له طريقان:

    - أحدُهما: أن يقالَ: نحن نعلم بالضَّرورة أنَّ الخالقَ أكمَلُ من المخلوق، وأنَّ الواجبَ أكمَلُ من الممكن، ونعلم ضرورةً أنَّا لو فرضنا شيئين أحدُهما عالِمٌ والآخرُ غيرُ عالِمٍ كان العالِمُ أكملَ، فلو لم يكنِ الخالقُ عالِمًا لزم أن يكونَ الممكنُ أكمَلَ منه وهو ممتنع.

    - الثاني: أن يقالَ: كلُّ علمٍ في الممكِنات التي هي المخلوقات فهو منه، ومن الممتنع أن يكونَ فاعلُ الكمال ومُبْدِعُه عاريًا منه، بل هو أحقُّ به، والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقاتُ لا في قياسٍ تمثيليٍّ ولا في قياسٍ شموليٍّ، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالقُ به أحقُّ، وكل نقصٍ تنزّهَ عنه مخلوقٌ ما فتنزيهُ الخالق عنه أولى».

    هذا، والأدلّةُ متضافرةٌ على وصْفِ الله تعالى بالعلم، لا يُنكرها إلا ضالٌّ أو مُعانِدٌ مُكابِرٌ كغلاةِ القدريّةِ المنكرين عِلْمَ الله السّابقَ للأشياءِ قبلَ وقوعِها، فإنّ مذهبَهم اندثر لتفاهته ومخالفتِه للفطرة، قال ابن حجرٍ -رحمه الله- في [«فتح الباري»: (1/ 119)]: «وقد حكى المصنِّفون في المقالات عن طوائفَ من القدريّة إنكارَ كونِ البارئِ عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنّما يعلمها بعد كونها، قال القرطبيّ وغيرُه: «قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحدا يُنْسَبُ إليه من المتأخِّرين»، قال: «والقدريّة اليومَ مُطْبِقُونَ على أنّ الله عالِمٌ بأفعال العبادِ قبل وقوعِها، وإنّما خالفوا السّلفَ في زعمهم بأنّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم وواقعةٌ منهم على جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلاً أخفُّ من المذهب الأول»».

    قلت: وإنكارُ سَبْقِ عِلْمِ الله بالأشياء قبل حدوثِها كفرٌ، وهو ما عليه اعتقادُ مذهب غلاة القدرية المندثِر، أمَّا جمهورُ القدريَّة فمذهبُهم أخفُّ، فهم يُقِرُّون بتقدُّم علمِ الله، غيرَ أنّهم يُنْكِرون عمومَ المشيئة والخلق، لذلك كان حُكْمُ السَّلف عليهم مغايرًا للحكم على غلاتهم، قال ابن تيميّةَ -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى»: (7/385)]: «وقولُ أولئك كفَّرهم عليه مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم، وأمّا هؤلاء فَهُمْ مُبْتَدِعون ضالُّون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلقٌ كثيرٌ مِنَ العلماءِ والعُبَّاد كُتِبَ عنهم العلمُ وأخرج البخاريُّ ومسلمٌ لجماعةٍ منهم، لكنْ من كان داعيةً إليه لم يخرّجوا له، وهذا مذهبُ فقهاءِ أهل الحديث كأحمدَ وغيره».

    ٢- جزء من آية 40 من سورة الأحزاب، وجزء من آية 26 من سورة الفتح.

    ٣- آية 14 من سورة الملك.

    ٤- آية 38 من سورة إبراهيم.

    هذا، وعلم الله تعالى صفةٌ ذاتيّةٌ قديمةٌ غيرُ مخلوقةٍ، إذ إنها صفةٌ لازمةٌ لله تعالى، وخالف في ذلك المعتزلةُ فلا يُثْبِتُونَ لله العلمَ وإنّما ينفون عنه الجهلَ ويدّعون أنّ عِلْمَ الله ذاتُه، ويقولون بأنّه عالِمٌ بذاته لا بعلمٍ [انظر: «الملل والنِّحَل» للشّهرستانيّ: (1/55)، «مقالات الإسلاميّين» للأشعريّ: (1/243)، «الفَرق بين الفِرق» للبغداديّ: (93)، «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار: (183)].

    ولا يخفى بطلان هذا المذهب، إذ المعلومُ أنّ إثباتَ العلمِ هو نفيٌّ للجهل، وهو صفةُ كمال ومدحٍ، ونفيُ الجهل ليس إثباتًا للعلم على نحو ما ناظر به عبد العزيز المكيُّ صاحبُ الشافعيِّ بشرًا المرّيسيَّ المعتزليَّ في هذه المسألة عند المأمون فقال: «وقد مدح الله تعالى الأنبياءَ والملائكةَ والمؤمنين بالعلم لا بِنَفْيِ الجهل، فمَنْ أثبتَ العلمَ فَقَدْ نفى الجهلَ، ومن نفى الجهلَ لم يُثْبِتِ العلمَ، وعلى الخلق أن يُثْبِتُوا ما أثْبَتَه الله تعالى لنفسه، ويَنْفُوا ما نفاه ويُمْسِكُوا عمّا أمْسَكَ عنه» [«شرح العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العزّ: (147-148)].


    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:36

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    -تابع-

    الرّابِعُ والخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ:

    وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: السَّمْعُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمَسْمُوعَاتِ.

    وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْبَصَرُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمُبْصَرَاتِ(١- السّمعُ والبصرُ صفتان ذاتيّتان من صفاتِ الكمالِ ثابتتان لله تعالى، ومعتقدُ أهلِ السّنّةِ والجماعةِ: أنّ للهِ سمعًا حقيقةً، وبصرًا حقيقةً، وهما صفتان من لوازمِ ذاتِه المقدّسةِ، وأنّه يسمع بسمعٍ يليق بجلاله وعظمته، وسمعُه عزّ وجلّ واسعٌ غيرُ محدودٍ يدركُ به جميعَ الأصواتِ والمسموعاتِ مهما أسرّها العبدُ أو تناجى المتناجون، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80]، ومن أسمائِه سبحانه «السّميعُ»، كما أنّ من أسمائِه «البصيرَ»، فالله تعالى بصيرٌ ببصرٍ حقيقةً يليق بجلالِه، وبصرُه سبحانه نافذٌ في جميعِ المخلوقاتِ، وتنكشف به جميعُ المبصَراتِ، فلا يغيب عن بصرِه شيءٌ من ذلك. وسمعُ اللهِ وبصرُه تعالى صفتان غيرُ مخلوقتين، بخلاف سمعِ المخلوقِ وبصرِه فهما مخلوقتان ومحدودتان وموهوبتان له من الله تعالى، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فدلّتِ الآيةُ على أنّه لا يلزم من إثباتِ الأسماءِ والصّفاتِ التّشبيهُ بالمخلوقاتِ، فسمعُ وبصرُ المخلوقاتِ لا يُشْبِهُ سمْعَ الله تعالى ولا بصرَه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه الله-: «وهو سميعٌ بصيرٌ، له السّمعُ والبصرُ، يسمع ويُبْصِر، وليس كمثلِه شيءٌ في سمعِه وبصرِه» [«الصّواعق المرسلة» لابن القيّم: (3/1020)]، وهذا خلافًا للمعطّلةِ من المعتزلةِ وأضرابِهم من نفاةِ أسماءِ الله وصفاتِه الذين يقولون: «ليس لله عزّ وجلّ علمٌ ولا قدرةٌ ولا حياةٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا صفةٌ أزليّةٌ»، وزادوا على هذا بقولهم: «إنّ اللهَ تعالى لم يكنْ له في الأزلِ اسمٌ ولا صفةٌ» [«الفَرْقُ بين الفِرَقِ» للبغداديّ: (93)]، ومنهم من يرى أنّ معنى «سميعٌ بصيرٌ» أي عليمٌ بمعنى: أنّه يعلم الأصواتَ والكلامَ ولا تخفى عليه المسموعاتُ والمبصراتُ [انظر: «مقالات الإسلاميّين» للأشعريّ: (1/234)]، ومنهم من أثبت التّرادفَ بينهما لدلالتهما على الذّاتِ: فهو سميعٌ بذاتِه وبصيرٌ بذاتِه، فهي -عندهم- أعلامٌ محضةٌ تدلّ على الذّاتِ ولا تدلّ على معنىً كماليٍّ، ولا يخفى ضلالُ هذه المقالاتِ وما تضمّنتْه من إلحادٍ في أسمائِه لمخالفتِها لنصوصِ الكتابِ والسّنّةِ، قال ابنُ تيميّةَ -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى»: (6/359)]: «ومن رزقه اللهُ معرفةَ ما جاءت به الرّسلُ وبصرًا نافذًا وعرف حقيقةَ مأخذِ هؤلاءِ، علم قطعًا أنّهم يُلْحِدون في أسمائِه وآياتِه». ولا شكّ أنّ صفتَيِ السّمعِ والبصرِ من أهمِّ صفاتِ الكمالِ التي يجب إثباتُها للهِ تعالى وعدمُ تعطيلِها، لأنّ في فقدانِهما أو فقدانِ أحدِهما مثلبًا ونقصًا يجب تنزيهُ الله عزّ وجلّ عنه، ولذلك عاب إبراهيمُ عليه السّلامُ آلهةَ قومِه وبيّن عوارَها من جهةِ عدمِ السّمعِ والبصرِ وعدمِ غَنَائِها في شيءٍ فلا تستحقُّ التّعظيمَ والعبادةَ، وذلك لعلمِه اليقينِ بأنّ اللهَ تعالى سميعٌ بصيرٌ على وجهِ الكمالِ والجلالِ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 41-42]. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(٢- جزء من آية 134 من سورة النساء. قال ابنُ بطّالٍ المالكيُّ في [«شرح صحيحِ البخاريِّ»: (10/416)] عند تعليقِه على ترجمةِ البخاريِّ [باب قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 134]] «غرضُه –أيِ البخاريّ- في هذا البابِ أن يردَّ على من يقولُ: إنّ معنى «سميعٌ بصيرٌ» معنى «عليمٌ» لا غيرَ؛ لأنّ كونَه كذلك يُوجِبُ مساواتَه تعالى للأعمى والأصمِّ الذي يعلم أنّ السّماءَ خضراءُ ولا يراها، وأنّ في العالَمِ أصواتًا ولا يسمعُها، ولا شكّ أنّ من سمع الصّوتَ وعلِمَه ورأى خضرةَ السّماءِ وعَلِمَها أدْخَلُ في صفاتِ الكمالِ ممّنِ انفرد بإحدى هاتين الصّفتين، وإذا استحال كونُ أحدِنا ممّن لا آفةَ به أكملَ صفةً من خالقِه وجب كونُه تعالى سميعًا بصيرًا مفيدًا أمرًا زائدًا على ما يفيده كونُه عليمًا. ثم نرجعُ إلى ما تضمّنه كونُه سميعًا بصيرًا، فنقول: هما متضمنتان لسمعٍ وبصرٍ بهما كان سميعًا بصيرًا، كما تضمّن كونَه عالمًا علمًا لأجلِه كان عالمًا، وكما أنّه لا خلافَ بين إثباتِه عالمًا وبين إثباتِه ذا علمٍ، فإنّ من نفى أحدَ الأمرين كمن نفى الآخرَ، وهذا مذهبُ أهلِ السّنّةِ والحقِّ.» [انظر -أيضا- «فتح الباري» لابن حجر: (13/373)]. )، ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾(٣- جزء من آية 1 من سورة المجادلة. وتمام الآية: ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. ففي الآيةِ إخبارٌ عن كمالِ سمعِه لجميعِ الأصواتِ في جميعِ الأوقاتِ على تفنُّنِ الحاجاتِ، وكمالُ بصرِه بجميعِ الأمورِ الدّقيقةِ والجليلةِ نافذٌ في جميعِ المخلوقاتِ، فيسمعُ كلامَ النّاسِ العاديَّ كالتي تحاوِرُ في قضيّتِها، ويسمع كلامَ الرّسلِ والأنبياءِ في دعوتِهم وردودَ قومِهم عليهم، ويراهم، قال اللهُ تعالى لموسى وهارونَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: 15]، وقال في شأنِ المنتقصين لجلالِ اللهِ وعظمتِه وغناه من اليهودِ وغيرِهم: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]، ودلائلُ القرآنِ والسّنّةِ على صفتَيِ السّمعِ والبصرِ كثيرةٌ. )، وَلِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ(٤- هو الصّحابيُّ أبو موسى عبدُ اللهِ بنُ قيسِ بن سليمٍ الأشعريُّ الفقيهُ المقرئُ من الوُلاَةِ الفاتحين وأهلِ السّابقةِ في الإسلامِ، كان حَسَنَ الصّوتِ بالقرآنِ الكريمِ، استعمله النّبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مع معاذٍ على اليمنِ، ثم وَلِيَ لعُمَرَ بنِ الخطّابِ الكُوفَةَ والبصرةَ، وهو أحدُ الحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ رضي بهما عليٌّ ومعاويةُ بعد حربِ صِفِّينَ، تُوُفِّيَ سنة (44هـ). انظر ترجمتَه وأحاديثَه في: «المسند» لأحمد: (4/391)، «الطّبقات الكبرى» لابن سعد: (2/344، 4/105)، «التّاريخ الكبير» للبخاريّ: (5/22)، «الجرح والتّعديل» لابن أبي حاتم: (5/138)، «المعارف» لابن قتيبةَ: (102، 194، 590)، «الاستيعاب» لابن عبد البرّ: (3/979)، «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم: (397)، «سير أعلام النّبلاء» للذّهبيّ: (2/280)، «طبقات الحفاظ» للسّيوطيّ: (15). ([5]) أخرجه البخاريُّ في التّوحيدِ (13/372) باب (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، ومسلمٌ في الذّكرِ والدّعاءِ والتّوبةِ والاستغفارِ (17/25)، باب استحبابِ خفضِ الصّوتِ بالذّكرِ، من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه. نقل ابنُ حجرٍ في [«فتح الباري»: (13/375)] تعليقَ الكرمانيِّ على الأحاديثِ الواردةِ التي أوردها البخاريُّ في باب (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ما نصُّه: «المقصودُ من هؤلاءِ الأحاديثِ إثباتُ صفتَيِ السّمعِ والبصرِ، وهما صفتان قديمتان من الصّفاتِ الذّاتيّةِ، وعند حدوثِ المسموعِ والْمُبْصَرِ يقع التّعَلُّقُ، وأمّا المعتزلةُ فقالوا: إنّه سميعٌ يسمع كلِّ مسموعٍ وبصيرٌ يُبْصِرُ كلَّ مُبْصَرٍ، فادّعَوْا أنّهما صفتان حادثتان، وظواهرُ الآياتِ والأحاديثِ تردُّ عليهم». وحريٌّ بالتّنبيهِ: أنّ صفةَ الرّؤيةِ كالبصرِ ذاتيّةٌ ثابتةٌ للهِ عزّ وجلّ ويدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، وكذلك صفةُ النّظرِ فهي صفةٌ فعليّةٌ خبريّةٌ يدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 77]، قال قوّامُ السّنّةِ الأصفهانيُّ –رحمه الله- في [«الحجّة»: (1/196)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ من صفاتِ اللهِ عزّ وجلّ ما أثبته اللهُ لنفسِه، وليس بمؤمنٍ من ينفي عنِ اللهِ ما أثبتَه اللهُ لنفسِه في كتابِه، فرؤيةُ الخالقِ لا يكونُ كرؤيةِ المخلوقِ، وسمعُ الخالقِ لا يكونُ كسمعِ المخلوقِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، وليس رؤيةُ اللهِ تعالى بني آدمَ كرؤيةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم والمؤمنين، وإن كان اسمُ الرّؤيةِ يقع على الجميعِ، وقال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42]، جلّ وتعالى عن أن يُشْبِهَ صفةَ شيءٍ من خلقِه صفتُه أو فعْلَ أحدٍ من خلقِه فعلُه، فاللهُ تعالى يرى ما تحت الثّرى وما تحت الأرضِ السّابعةِ السّفلى وما في السّماواتِ العلى، لا يغيب عن بصرِه شيءٌ من ذلك ولا يخفى، يرى ما في جوفِ البحارِ ولُجَجِها كما يرى ما في السّماواتِ، وبنو آدمَ يَرَوْنَ ما قَرُبَ من أبصارِهم ولا تُدْرِكُ أبصارُهم ما يَبْعُدُ منهم، ولا يُدْرِكُ بصرُ أحدٍ من الآدميّين ما يكون بينه وبينه حجابٌ، وقد تتّفقُ الأسامي وتختلف المعاني». كما يجدر التّنبيهُ -أيضًا- إلى أنّ اللهَ تعالى يُبْصِرُ بعينٍ، وصفةُ العينِ ذاتيّةٌ خبريّةٌ ثابتةٌ لله سبحانه، وقد أجمع أهلُ السّنّةِ أنّ لله تعالى عينين تليقان بكمالِ جلالِه تعالى وعظمتِه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] لقولِه تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وقولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]، وأخرج البخاريُّ في التّوحيدِ (13/379) باب قول اللهِ تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) من حديث عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: «ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - «إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»». وهذا يدلّ على أنّ للهِ عينين حقيقةً، لأنّ العَوَرَ فَقْدُ إحدى العينين أو ذهابُ نورِها. وما أخرجه أبو داودَ في «السّنّةِ» (5/97) باب الجهميّة من حديث سُلَيْمِ بنِ جبيرٍ مولى أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقرأ هذه الآيةَ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قولِه ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]، قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» [والحديث قوّى سندَه ابنُ حجرٍ في «الفتح»: (13/373)، وصحّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داودَ»: (3/156)]، وفي الحديثِ دليلٌ على أنّ اللهَ سميعٌ بسمعٍ وبصيرٌ ببصرٍ يليقانِ بجلالِه وعظمتِه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه اللهُ- في [«الصّواعق المرسلة»: (1/396)] عند تعرُّضِه لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه: «وكذلك الحديثُ الآخَرُ أنّه قرأ (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وضع إبهامَه على أُذُنِه والتي تليها على عينِه رفعًا لتوهُّمِ أنّ المرادَ بالسّمعِ والبصرِ غيرُ الصّفتين المعلومتين، وأمثالُ هذا كثيرٌ في القرآنِ والسّنّةِ كما في الحديثِ الصّحيحِ أنّه قال: «يَقْبِضُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالأَرْضَ بِيَدِهِ الأُخْرَى»، ثم جعل رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقبض يَدَه ويبسُطُها تحقيقًا لإثباتِ اليدِ وإثباتِ صفةِ القبضِ». وقال ابنُ خزيمةَ –رحمه الله- في [«كتاب التّوحيدِ»: (42)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ لخالقِه وبارئِه ما أثبت الخالقُ البارئُ لنفسِه منَ العينِ، وغيرُ مؤمنٍ مَنْ ينفي عنِ اللهِ تبارك وتعالى ما قد ثبته اللهُ في محكمِ تنزيلِه ببيانِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم الذي جعله اللهُ مبيِّنًا عنه عزّ وجلّ في قولِه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، فبيّن النّبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم أنّ للهِ عينين، فكان بيانُه موافقًا لبيانِ محكمِ التّنزيلِ، الذي هو مسطورٌ بين الدّفّتين مقروءٌ في المحاريبِ والكتاتيبِ» ) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا، فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا»»، رواه البخاري(٥- أخرجه البخاريُّ في التّوحيدِ (13/372) باب (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، ومسلمٌ في الذّكرِ والدّعاءِ والتّوبةِ والاستغفارِ (17/25)، باب استحبابِ خفضِ الصّوتِ بالذّكرِ، من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه. نقل ابنُ حجرٍ في [«فتح الباري»: (13/375)] تعليقَ الكرمانيِّ على الأحاديثِ الواردةِ التي أوردها البخاريُّ في باب (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ما نصُّه: «المقصودُ من هؤلاءِ الأحاديثِ إثباتُ صفتَيِ السّمعِ والبصرِ، وهما صفتان قديمتان من الصّفاتِ الذّاتيّةِ، وعند حدوثِ المسموعِ والْمُبْصَرِ يقع التّعَلُّقُ، وأمّا المعتزلةُ فقالوا: إنّه سميعٌ يسمع كلِّ مسموعٍ وبصيرٌ يُبْصِرُ كلَّ مُبْصَرٍ، فادّعَوْا أنّهما صفتان حادثتان، وظواهرُ الآياتِ والأحاديثِ تردُّ عليهم». وحريٌّ بالتّنبيهِ: أنّ صفةَ الرّؤيةِ كالبصرِ ذاتيّةٌ ثابتةٌ للهِ عزّ وجلّ ويدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، وكذلك صفةُ النّظرِ فهي صفةٌ فعليّةٌ خبريّةٌ يدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 77]، قال قوّامُ السّنّةِ الأصفهانيُّ –رحمه الله- في [«الحجّة»: (1/196)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ من صفاتِ اللهِ عزّ وجلّ ما أثبته اللهُ لنفسِه، وليس بمؤمنٍ من ينفي عنِ اللهِ ما أثبتَه اللهُ لنفسِه في كتابِه، فرؤيةُ الخالقِ لا يكونُ كرؤيةِ المخلوقِ، وسمعُ الخالقِ لا يكونُ كسمعِ المخلوقِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، وليس رؤيةُ اللهِ تعالى بني آدمَ كرؤيةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم والمؤمنين، وإن كان اسمُ الرّؤيةِ يقع على الجميعِ، وقال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42]، جلّ وتعالى عن أن يُشْبِهَ صفةَ شيءٍ من خلقِه صفتُه أو فعْلَ أحدٍ من خلقِه فعلُه، فاللهُ تعالى يرى ما تحت الثّرى وما تحت الأرضِ السّابعةِ السّفلى وما في السّماواتِ العلى، لا يغيب عن بصرِه شيءٌ من ذلك ولا يخفى، يرى ما في جوفِ البحارِ ولُجَجِها كما يرى ما في السّماواتِ، وبنو آدمَ يَرَوْنَ ما قَرُبَ من أبصارِهم ولا تُدْرِكُ أبصارُهم ما يَبْعُدُ منهم، ولا يُدْرِكُ بصرُ أحدٍ من الآدميّين ما يكون بينه وبينه حجابٌ، وقد تتّفقُ الأسامي وتختلف المعاني». كما يجدر التّنبيهُ -أيضًا- إلى أنّ اللهَ تعالى يُبْصِرُ بعينٍ، وصفةُ العينِ ذاتيّةٌ خبريّةٌ ثابتةٌ لله سبحانه، وقد أجمع أهلُ السّنّةِ أنّ لله تعالى عينين تليقان بكمالِ جلالِه تعالى وعظمتِه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] لقولِه تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وقولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]، وأخرج البخاريُّ في التّوحيدِ (13/379) باب قول اللهِ تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) من حديث عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: «ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - «إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»». وهذا يدلّ على أنّ للهِ عينين حقيقةً، لأنّ العَوَرَ فَقْدُ إحدى العينين أو ذهابُ نورِها. وما أخرجه أبو داودَ في «السّنّةِ» (5/97) باب الجهميّة من حديث سُلَيْمِ بنِ جبيرٍ مولى أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقرأ هذه الآيةَ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قولِه ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]، قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» [والحديث قوّى سندَه ابنُ حجرٍ في «الفتح»: (13/373)، وصحّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داودَ»: (3/156)]، وفي الحديثِ دليلٌ على أنّ اللهَ سميعٌ بسمعٍ وبصيرٌ ببصرٍ يليقانِ بجلالِه وعظمتِه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه اللهُ- في [«الصّواعق المرسلة»: (1/396)] عند تعرُّضِه لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه: «وكذلك الحديثُ الآخَرُ أنّه قرأ (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وضع إبهامَه على أُذُنِه والتي تليها على عينِه رفعًا لتوهُّمِ أنّ المرادَ بالسّمعِ والبصرِ غيرُ الصّفتين المعلومتين، وأمثالُ هذا كثيرٌ في القرآنِ والسّنّةِ كما في الحديثِ الصّحيحِ أنّه قال: «يَقْبِضُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالأَرْضَ بِيَدِهِ الأُخْرَى»، ثم جعل رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقبض يَدَه ويبسُطُها تحقيقًا لإثباتِ اليدِ وإثباتِ صفةِ القبضِ». وقال ابنُ خزيمةَ –رحمه الله- في [«كتاب التّوحيدِ»: (42)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ لخالقِه وبارئِه ما أثبت الخالقُ البارئُ لنفسِه منَ العينِ، وغيرُ مؤمنٍ مَنْ ينفي عنِ اللهِ تبارك وتعالى ما قد ثبته اللهُ في محكمِ تنزيلِه ببيانِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم الذي جعله اللهُ مبيِّنًا عنه عزّ وجلّ في قولِه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، فبيّن النّبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم أنّ للهِ عينين، فكان بيانُه موافقًا لبيانِ محكمِ التّنزيلِ، الذي هو مسطورٌ بين الدّفّتين مقروءٌ في المحاريبِ والكتاتيبِ» ).



    ١- السّمعُ والبصرُ صفتان ذاتيّتان من صفاتِ الكمالِ ثابتتان لله تعالى، ومعتقدُ أهلِ السّنّةِ والجماعةِ: أنّ للهِ سمعًا حقيقةً، وبصرًا حقيقةً، وهما صفتان من لوازمِ ذاتِه المقدّسةِ، وأنّه يسمع بسمعٍ يليق بجلاله وعظمته، وسمعُه عزّ وجلّ واسعٌ غيرُ محدودٍ يدركُ به جميعَ الأصواتِ والمسموعاتِ مهما أسرّها العبدُ أو تناجى المتناجون، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: 80]، ومن أسمائِه سبحانه «السّميعُ»، كما أنّ من أسمائِه «البصيرَ»، فالله تعالى بصيرٌ ببصرٍ حقيقةً يليق بجلالِه، وبصرُه سبحانه نافذٌ في جميعِ المخلوقاتِ، وتنكشف به جميعُ المبصَراتِ، فلا يغيب عن بصرِه شيءٌ من ذلك.

    وسمعُ اللهِ وبصرُه تعالى صفتان غيرُ مخلوقتين، بخلاف سمعِ المخلوقِ وبصرِه فهما مخلوقتان ومحدودتان وموهوبتان له من الله تعالى، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، فدلّتِ الآيةُ على أنّه لا يلزم من إثباتِ الأسماءِ والصّفاتِ التّشبيهُ بالمخلوقاتِ، فسمعُ وبصرُ المخلوقاتِ لا يُشْبِهُ سمْعَ الله تعالى ولا بصرَه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه الله-: «وهو سميعٌ بصيرٌ، له السّمعُ والبصرُ، يسمع ويُبْصِر، وليس كمثلِه شيءٌ في سمعِه وبصرِه» [«الصّواعق المرسلة» لابن القيّم: (3/1020)]، وهذا خلافًا للمعطّلةِ من المعتزلةِ وأضرابِهم من نفاةِ أسماءِ الله وصفاتِه الذين يقولون: «ليس لله عزّ وجلّ علمٌ ولا قدرةٌ ولا حياةٌ ولا سمعٌ ولا بصرٌ ولا صفةٌ أزليّةٌ»، وزادوا على هذا بقولهم: «إنّ اللهَ تعالى لم يكنْ له في الأزلِ اسمٌ ولا صفةٌ» [«الفَرْقُ بين الفِرَقِ» للبغداديّ: (93)]، ومنهم من يرى أنّ معنى «سميعٌ بصيرٌ» أي عليمٌ بمعنى: أنّه يعلم الأصواتَ والكلامَ ولا تخفى عليه المسموعاتُ والمبصراتُ [انظر: «مقالات الإسلاميّين» للأشعريّ: (1/234)]، ومنهم من أثبت التّرادفَ بينهما لدلالتهما على الذّاتِ: فهو سميعٌ بذاتِه وبصيرٌ بذاتِه، فهي -عندهم- أعلامٌ محضةٌ تدلّ على الذّاتِ ولا تدلّ على معنىً كماليٍّ، ولا يخفى ضلالُ هذه المقالاتِ وما تضمّنتْه من إلحادٍ في أسمائِه لمخالفتِها لنصوصِ الكتابِ والسّنّةِ، قال ابنُ تيميّةَ -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى»: (6/359)]: «ومن رزقه اللهُ معرفةَ ما جاءت به الرّسلُ وبصرًا نافذًا وعرف حقيقةَ مأخذِ هؤلاءِ، علم قطعًا أنّهم يُلْحِدون في أسمائِه وآياتِه».

    ولا شكّ أنّ صفتَيِ السّمعِ والبصرِ من أهمِّ صفاتِ الكمالِ التي يجب إثباتُها للهِ تعالى وعدمُ تعطيلِها، لأنّ في فقدانِهما أو فقدانِ أحدِهما مثلبًا ونقصًا يجب تنزيهُ الله عزّ وجلّ عنه، ولذلك عاب إبراهيمُ عليه السّلامُ آلهةَ قومِه وبيّن عوارَها من جهةِ عدمِ السّمعِ والبصرِ وعدمِ غَنَائِها في شيءٍ فلا تستحقُّ التّعظيمَ والعبادةَ، وذلك لعلمِه اليقينِ بأنّ اللهَ تعالى سميعٌ بصيرٌ على وجهِ الكمالِ والجلالِ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 41-42].

    ٢- جزء من آية 134 من سورة النساء.

    قال ابنُ بطّالٍ المالكيُّ في [«شرح صحيحِ البخاريِّ»: (10/416)] عند تعليقِه على ترجمةِ البخاريِّ [باب قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 134]] «غرضُه –أيِ البخاريّ- في هذا البابِ أن يردَّ على من يقولُ: إنّ معنى «سميعٌ بصيرٌ» معنى «عليمٌ» لا غيرَ؛ لأنّ كونَه كذلك يُوجِبُ مساواتَه تعالى للأعمى والأصمِّ الذي يعلم أنّ السّماءَ خضراءُ ولا يراها، وأنّ في العالَمِ أصواتًا ولا يسمعُها، ولا شكّ أنّ من سمع الصّوتَ وعلِمَه ورأى خضرةَ السّماءِ وعَلِمَها أدْخَلُ في صفاتِ الكمالِ ممّنِ انفرد بإحدى هاتين الصّفتين، وإذا استحال كونُ أحدِنا ممّن لا آفةَ به أكملَ صفةً من خالقِه وجب كونُه تعالى سميعًا بصيرًا مفيدًا أمرًا زائدًا على ما يفيده كونُه عليمًا.

    ثم نرجعُ إلى ما تضمّنه كونُه سميعًا بصيرًا، فنقول: هما متضمنتان لسمعٍ وبصرٍ بهما كان سميعًا بصيرًا، كما تضمّن كونَه عالمًا علمًا لأجلِه كان عالمًا، وكما أنّه لا خلافَ بين إثباتِه عالمًا وبين إثباتِه ذا علمٍ، فإنّ من نفى أحدَ الأمرين كمن نفى الآخرَ، وهذا مذهبُ أهلِ السّنّةِ والحقِّ.» [انظر -أيضا- «فتح الباري» لابن حجر: (13/373)].

    ٣- جزء من آية 1 من سورة المجادلة. وتمام الآية: ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

    ففي الآيةِ إخبارٌ عن كمالِ سمعِه لجميعِ الأصواتِ في جميعِ الأوقاتِ على تفنُّنِ الحاجاتِ، وكمالُ بصرِه بجميعِ الأمورِ الدّقيقةِ والجليلةِ نافذٌ في جميعِ المخلوقاتِ، فيسمعُ كلامَ النّاسِ العاديَّ كالتي تحاوِرُ في قضيّتِها، ويسمع كلامَ الرّسلِ والأنبياءِ في دعوتِهم وردودَ قومِهم عليهم، ويراهم، قال اللهُ تعالى لموسى وهارونَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: 15]، وقال في شأنِ المنتقصين لجلالِ اللهِ وعظمتِه وغناه من اليهودِ وغيرِهم: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: 181]، ودلائلُ القرآنِ والسّنّةِ على صفتَيِ السّمعِ والبصرِ كثيرةٌ.

    ٤- هو الصّحابيُّ أبو موسى عبدُ اللهِ بنُ قيسِ بن سليمٍ الأشعريُّ الفقيهُ المقرئُ من الوُلاَةِ الفاتحين وأهلِ السّابقةِ في الإسلامِ، كان حَسَنَ الصّوتِ بالقرآنِ الكريمِ، استعمله النّبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مع معاذٍ على اليمنِ، ثم وَلِيَ لعُمَرَ بنِ الخطّابِ الكُوفَةَ والبصرةَ، وهو أحدُ الحَكَمَيْنِ اللَّذَيْنِ رضي بهما عليٌّ ومعاويةُ بعد حربِ صِفِّينَ، تُوُفِّيَ سنة (44هـ).

    انظر ترجمتَه وأحاديثَه في: «المسند» لأحمد: (4/391)، «الطّبقات الكبرى» لابن سعد: (2/344، 4/105)، «التّاريخ الكبير» للبخاريّ: (5/22)، «الجرح والتّعديل» لابن أبي حاتم: (5/138)، «المعارف» لابن قتيبةَ: (102، 194، 590)، «الاستيعاب» لابن عبد البرّ: (3/979)، «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم: (397)، «سير أعلام النّبلاء» للذّهبيّ: (2/280)، «طبقات الحفاظ» للسّيوطيّ: (15).

    ٥- أخرجه البخاريُّ في التّوحيدِ (13/372) باب (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، ومسلمٌ في الذّكرِ والدّعاءِ والتّوبةِ والاستغفارِ (17/25)، باب استحبابِ خفضِ الصّوتِ بالذّكرِ، من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه.

    نقل ابنُ حجرٍ في [«فتح الباري»: (13/375)] تعليقَ الكرمانيِّ على الأحاديثِ الواردةِ التي أوردها البخاريُّ في باب (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) ما نصُّه: «المقصودُ من هؤلاءِ الأحاديثِ إثباتُ صفتَيِ السّمعِ والبصرِ، وهما صفتان قديمتان من الصّفاتِ الذّاتيّةِ، وعند حدوثِ المسموعِ والْمُبْصَرِ يقع التّعَلُّقُ، وأمّا المعتزلةُ فقالوا: إنّه سميعٌ يسمع كلِّ مسموعٍ وبصيرٌ يُبْصِرُ كلَّ مُبْصَرٍ، فادّعَوْا أنّهما صفتان حادثتان، وظواهرُ الآياتِ والأحاديثِ تردُّ عليهم».

    وحريٌّ بالتّنبيهِ: أنّ صفةَ الرّؤيةِ كالبصرِ ذاتيّةٌ ثابتةٌ للهِ عزّ وجلّ ويدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]، وقولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، وكذلك صفةُ النّظرِ فهي صفةٌ فعليّةٌ خبريّةٌ يدلّ عليها قولُه تعالى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 77]، قال قوّامُ السّنّةِ الأصفهانيُّ –رحمه الله- في [«الحجّة»: (1/196)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ من صفاتِ اللهِ عزّ وجلّ ما أثبته اللهُ لنفسِه، وليس بمؤمنٍ من ينفي عنِ اللهِ ما أثبتَه اللهُ لنفسِه في كتابِه، فرؤيةُ الخالقِ لا يكونُ كرؤيةِ المخلوقِ، وسمعُ الخالقِ لا يكونُ كسمعِ المخلوقِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]، وليس رؤيةُ اللهِ تعالى بني آدمَ كرؤيةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم والمؤمنين، وإن كان اسمُ الرّؤيةِ يقع على الجميعِ، وقال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ [مريم: 42]، جلّ وتعالى عن أن يُشْبِهَ صفةَ شيءٍ من خلقِه صفتُه أو فعْلَ أحدٍ من خلقِه فعلُه، فاللهُ تعالى يرى ما تحت الثّرى وما تحت الأرضِ السّابعةِ السّفلى وما في السّماواتِ العلى، لا يغيب عن بصرِه شيءٌ من ذلك ولا يخفى، يرى ما في جوفِ البحارِ ولُجَجِها كما يرى ما في السّماواتِ، وبنو آدمَ يَرَوْنَ ما قَرُبَ من أبصارِهم ولا تُدْرِكُ أبصارُهم ما يَبْعُدُ منهم، ولا يُدْرِكُ بصرُ أحدٍ من الآدميّين ما يكون بينه وبينه حجابٌ، وقد تتّفقُ الأسامي وتختلف المعاني».

    كما يجدر التّنبيهُ -أيضًا- إلى أنّ اللهَ تعالى يُبْصِرُ بعينٍ، وصفةُ العينِ ذاتيّةٌ خبريّةٌ ثابتةٌ لله سبحانه، وقد أجمع أهلُ السّنّةِ أنّ لله تعالى عينين تليقان بكمالِ جلالِه تعالى وعظمتِه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] لقولِه تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: 39]، وقولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48]، وأخرج البخاريُّ في التّوحيدِ (13/379) باب قول اللهِ تعالى (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) من حديث عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: «ذُكِرَ الدَّجَّالُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - «إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ»». وهذا يدلّ على أنّ للهِ عينين حقيقةً، لأنّ العَوَرَ فَقْدُ إحدى العينين أو ذهابُ نورِها. وما أخرجه أبو داودَ في «السّنّةِ» (5/97) باب الجهميّة من حديث سُلَيْمِ بنِ جبيرٍ مولى أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقرأ هذه الآيةَ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قولِه ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]، قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ» [والحديث قوّى سندَه ابنُ حجرٍ في «الفتح»: (13/373)، وصحّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داودَ»: (3/156)]، وفي الحديثِ دليلٌ على أنّ اللهَ سميعٌ بسمعٍ وبصيرٌ ببصرٍ يليقانِ بجلالِه وعظمتِه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه اللهُ- في [«الصّواعق المرسلة»: (1/396)] عند تعرُّضِه لحديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه: «وكذلك الحديثُ الآخَرُ أنّه قرأ (وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) وضع إبهامَه على أُذُنِه والتي تليها على عينِه رفعًا لتوهُّمِ أنّ المرادَ بالسّمعِ والبصرِ غيرُ الصّفتين المعلومتين، وأمثالُ هذا كثيرٌ في القرآنِ والسّنّةِ كما في الحديثِ الصّحيحِ أنّه قال: «يَقْبِضُ اللهُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ وَالأَرْضَ بِيَدِهِ الأُخْرَى»، ثم جعل رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقبض يَدَه ويبسُطُها تحقيقًا لإثباتِ اليدِ وإثباتِ صفةِ القبضِ».

    وقال ابنُ خزيمةَ –رحمه الله- في [«كتاب التّوحيدِ»: (42)]: «فواجبٌ على كلِّ مؤمنٍ أن يُثْبِتَ لخالقِه وبارئِه ما أثبت الخالقُ البارئُ لنفسِه منَ العينِ، وغيرُ مؤمنٍ مَنْ ينفي عنِ اللهِ تبارك وتعالى ما قد ثبته اللهُ في محكمِ تنزيلِه ببيانِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم الذي جعله اللهُ مبيِّنًا عنه عزّ وجلّ في قولِه ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]، فبيّن النّبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم أنّ للهِ عينين، فكان بيانُه موافقًا لبيانِ محكمِ التّنزيلِ، الذي هو مسطورٌ بين الدّفّتين مقروءٌ في المحاريبِ والكتاتيبِ»

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:37

    عقيدة الإثبات والتنزيه

    -تابع-

    السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ:

    وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْكَلامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ المَعْلُومَاتِ(١- معتقدُ أهل السنَّة والجماعة أنَّ كلامَ الله تعالى صفةٌ ذاتيةٌ وفعليةٌ، فذاتيةٌ باعتبار أنها صفةٌ لازمةٌ لذاته، مُتَّصِفٌ بها أزلاً وأبدًا، أي لم يحدث له كلامٌ بعد أَنْ كان غيرَ متكلِّمٍ، وفعليةٌ باعتبار آحاده، فاللهُ تعالى لم يزل متكلِّمًا -حقيقةً- بمشيئته بما شاء متى شاء وكيف شاء، ويُكلِّم مَنْ شاء مِنْ عباده وسائر خلقه. ومِنْ كلامه الكتبُ المُنَزَّلةُ منها: القرآنُ الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]، فالكلامُ كلامُ البارئ والصَّوتُ صوتُ القارئ، أمَّا الذي سمع القرآنَ الكريم مِنَ اللهِ فإنَّما هو الروحُ الأمين: جبريلُ عليه السلامُ، وسمعه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مِن جبريلَ عليه السلامُ، وسمعه الصحابةُ رضي اللهُ عنهم مِن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، ويسمعه بعضُهم مِن بعضٍ، فهو كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، محفوظٌ في الصدور، ومكتوبٌ في المصاحف، ومسموعٌ بالآذان، ومقروءٌ بالألسنة. واللهُ تعالى يُوصف بالكلام، فهو يتكلَّم بحرفٍ وصوتٍ يُسْمِعه مَن يشاء مِنْ خلقِه كما أسمعه موسى عليه السلامُ في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143]. - ويوصف الله تعالى بالقول فهو يقول كما في قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58]، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: 122]. - ويوصف الله تعالى بالحديث فهو يتحدَّث، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87]، وقولُه تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23]. - ويوصف الله تعالى بالنِّداء فهو ينادي، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: 22]، وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 62]، وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: 30]. - ويوصف الله تعالى بالنِّجاء والمناجاة فهو يناجي، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52]، والفرقُ بين النداء والنِّجاء أنَّ الأوَّل يكون للبعيد والآخَرَ يكون للقريب. وكلامُه سبحانه حروفٌ وكلماتٌ منها: كلماتُ الله الكونيةُ: وهي ما يُكوِّن به الكائناتِ مِثل قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، والأخرى كلماتُه الشرعيّةُ: وهي كلامُه المنزَّلُ على رسلِه المتضمِّنِ للأخبار والشرائع، وهي تامَّةٌ بوصفَيِ الصدق والعدل، فكلماتُ الله في الأخبار غايةٌ في الصدق لا يعتريها كذبٌ ولا خطأٌ ولا نسيانٌ بأيِّ وجهٍ مِنَ الوجوه، وهي في الأحكام والشرع غايةٌ في العدل فلا جَوْرَ فيها بوجهٍ مِنَ الوجوه، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115]، وكلماتُ الله الكونيةُ والشرعيةُ كلُّها كلامُه سبحانه تُضاف إليه إضافةَ صفةٍ إلى موصوفٍ ليس فيها شيءٌ مخلوقٌ، ولهذا يُتعوَّذ بكلمات الله تعالى كما يُتعوَّذ بصفاته الأخرى، ففي الحديث: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» [أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» (17/ 31) باب الدعوات والتعوُّذ، من حديث خولة بنت حكيمٍ السُّلَمِيَّة رضي الله عنها]، والمرادُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ في الحديثِ: الكاملاتُ التي لا يدخل فيها نقصٌ ولا عيبٌ وهي كاملةٌ بوصفَيِ الصِّدق والعدل، وشاملةٌ للكلمات الكونية والشرعية. علمًا أنَّ أهْلَ السنَّة والجماعة إنما يُثبتون صفةَ الكلام لله تعالى مع نفيِ تشبيهه ومماثلته للمخلوقات، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. هذا، والمخالفون لمقالة أهل السنَّة والجماعة افترقوا في مسألة الكلام على أقوالٍ عديدةٍ، أظهرها مَنْ أنكر صفةَ الكلام، وقالوا: إنَّ معنى كونه تعالى متكلِّمًا أي: خالقًا للكلام في غيرِه وهو مذهبُ الجهميةِ والمعتزلةِ، ومنهم مَنْ أنكر أن يكونَ للهِ كلامٌ حقيقيٌّ، وإنما يذهبون إلى أنه معنًى قائمٌ بالذات لا يتعلَّق بالقدرة والمشيئة، بل هو لازمٌ للذات لزومَ الحياة والعلم وهو مذهب الكُلاَّبية والأشاعرة، غيرَ أنَّ الكلاَّبية يرَوْن أنَّ كلام الله عزَّ وجلَّ أربعةُ معانٍ: الأمرُ والنهيُ والخبرُ والاستخبارُ، وأنَّ الحروف والأصوات حكايةٌ عن كلام الله، خُلِقَت للدلالة على المعنى القائم بذاته، بينما الأشاعرةُ يرَوْن أنَّ كلام الله معنًى واحدٌ لا ينقسم وليس له أبعاضٌ ولا أجزاءٌ، فالأمرُ هو عينُ النهيِ، والخبرُ هو عينُ الاستخبار، والوعدُ هو عينُ الوعيد، وهذه الوجوهُ ترجع إلى اعتباراتٍ في كلامه لا إلى عددٍ في نفس الكلام، بمعنى أنها صفاتٌ للمعنى الواحد لا أنواعٌ له، فالكلامُ عند الأشاعرة -إذن- ما هو إلاَّ معنًى قائمٌ بالنفس دون العبارة، والعبارةُ دلالتُه عليه مِنَ الإنسان، فالمتكلِّمُ -عندهم- مَنْ قام به الكلامُ، وكلامُ اللهِ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وعليه فالقرآنُ المنزَّلُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم ليس كلامَ الله حقيقةً -عندهم- بل هو عبارةٌ عن كلام الله النفسي، وغيرُها مِنْ مقالات الخلف المتأثِّرة بخزعبلات الفلاسفة والمتشبِّعة بتمحُّلات المناطقة. والأدلَّةُ كثيرةٌ ومتضافرةٌ تشهد لصحَّة معتقد أهل السنَّة والجماعة في تقريرهم أنَّ كلام الله صفةُ ذاتٍ وفعلٍ، قديمُ النوع حادثُ الآحاد، فهو سبحانه يتكلَّم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته، وله حرفٌ وصوتٌ يُسْمِعه مَن يشاء مِن خلقِه مِن غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ للمخلوقِ، ويكفي فسادَ مقالات المخالفين خروجُها عن إجماع السلف وأئمَّة السنَّة والحديث، قال ابن تيمية -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى» (12/ 243-244)]: «والصوابُ الذي عليه سلفُ الأمَّة كالإمام أحمدَ والبخاري صاحب «الصحيح» في «كتاب خلق أفعال العباد» وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم أتباع النصوص الثابتة وإجماعِ سلف الأمَّة، وهو: أنَّ القرآن جميعَه كلامُ الله: حروفُه ومعانيه، ليس شيءٌ مِن ذلك كلامًا لغيره، ولكنْ أنزله على رسوله، وليس القرآنُ اسمًا لمجرَّد المعنى، ولا لمجرَّد الحرفِ، بل لمجموعهما، وكذلك سائرُ الكلام ليس هو الحروفَ فقط، ولا المعانِيَ فقط، كما أنَّ الإنسان المتكلِّمَ الناطقَ ليس هو مجرَّدَ الروح، ولا مجرَّدَ الجسد، بل مجموعهما، وأنَّ اللهَ تعالى يتكلَّم بصوتٍ كما جاءت به الأحاديثُ الصِّحاحُ، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوتِ القارئ ولا غيره، وأنَّ الله ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما لا يُشبه علمُه وقدرتُه وحياتُه علْمَ المخلوق وقدرتَه وحياتَه فكذلك لا يُشبه كلامُه كلامَ المخلوق، ولا معانيه تُشبه معانِيَه، ولا حروفُه تُشبه حروفَه، ولا صوتُ الربِّ يُشبه صوتَ العبد، فمَنْ شبَّه اللهَ بخلقه فقدْ ألحد في أسمائه وآياته، ومَن جحد ما وصف به نفْسَه فقد ألحد في أسمائِه وآياتِه». وقال -رحمه اللهُ- في موضعٍ آخَرَ مِن «مجموع الفتاوى» (12/ 304-305): «واستفاضت الآثارُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والصحابةِ والتابعين ومَن بعدهم مِن أئمَّة السنَّة أنه سبحانه ينادي بصوتٍ: نادى موسى، وينادي عباده يومَ القيامة بصوتٍ، ويتكلَّم بالوحي بصوتٍ، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ مِنَ السلفِ أنه قال: إنَّ اللهَ يتكلَّم بلا صوتٍ أو بلا حرفٍ، ولا أنه أنكر أن يتكلَّم اللهُ بصوتٍ أو بحرفٍ، كما لم يَقُلْ أحدٌ منهم إنَّ الصوت الذي سمعه موسى قديمٌ، ولا إنَّ ذلك النداءَ قديمٌ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّ هذه الأصوات المسموعة من القرَّاء هي الصوتُ الذي تكلَّم اللهُ به، بلِ الآثارُ مستفيضةٌ عنهم بالفرقِ بين الصوت الذي يتكلَّم اللهُ به وبين أصوات العباد». [انظر افتراق الناس في مسألة كلام الله في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (6/ 513-545)، مختصر «الصواعق المرسلة» لابن القيِّم (423) باختصار الموصلي، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (179-203)]. هذا، ومقصودُ المصنِّف -رحمه الله- أنَّ لله تعالى الإرادةَ والمشيئة المطلقة في جميع الممكنات أو المتضادَّات أو المتقابِلات أو الممتنِعات أو المستحيلات، كما أنَّ له علمًا تنكشف له به جميعُ المعلوماتِ مِنَ الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأنَّ له سمعًا تنكشف له به جميع المسموعات، وبصرًا تنكشف له به جميعُ المبصَرات، وأنَّ له كلامًا يدلُّ على جميع المعلومات ليدخلَ تحته المعلوماتُ والمعدوماتُ والموجوداتُ. )، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾(٢- جزءٌ من الآية 164 من سورة النساء. هذه الآيةُ سيقتْ لإثبات صفة الكلام لله تعالى، ذلك لأنَّ «الكلام صفةُ كمالٍ، فإنَّ مَن يتكلَّم أكمَلُ ممَّنْ لا يتكلَّم، كما أنَّ مَن يعلمُ ويقدر أكمَلُ ممَّن لا يعلم ولا يقدر، والذي يتكلَّم بمشيئتِه وقدرتِه أكمَلُ ممَّن لا يتكلَّم بمشيئتِه وقدرتِه، وأكمل ممَّن تكلَّم بغيرِ مشيئتِه وقدرته إن كان ذلك معقولاً.. ولا أحد مِنَ العقلاء يتصوَّر كلامًا يقوم بذات المتكلِّم بدون مشيئته وقدرته، فكيف تُثْبِت بالدليل المعقول شيئًا لا يُعْقَل...» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (6/ 294، 295)]. واللهُ تعالى ذمَّ بني إسرائيلَ على عبادتِهم العجلَ، وجعل مِنَ الدليل على بطلان إلهيَّتِه كونَه لا يتكلَّم، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 148]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ. أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾ [طه: 88-89]. هذا، وقد اكتفى المصنِّفُ في إثبات صفة الكلام بالاستدلال لها بآيةٍ واحدةٍ دون التعرُّضِ إلى الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، ويمكن أن نُورِدَ بعضَها ليحصلَ التطابقُ مع عنوان المؤلَّف، فمِن ذلك: - حديثُ أبي سعيدٍ الخدْريِّ رضي الله عنه أنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 453) باب قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23] ]. - حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنه قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 487) باب كلام الربِّ مع أهل الجنَّة. ومسلم في «الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها» (17/ 168) باب إحلال الرضوان على أهل الجنَّة]. - حديثُ عديِّ بنِ حاتمٍ رضي اللهُ عنه أنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلاَ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 423) باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، ومسلم في «الزكاة» (7/ 101) باب الحثِّ على الصدقة]. ).



    ١- معتقدُ أهل السنَّة والجماعة أنَّ كلامَ الله تعالى صفةٌ ذاتيةٌ وفعليةٌ، فذاتيةٌ باعتبار أنها صفةٌ لازمةٌ لذاته، مُتَّصِفٌ بها أزلاً وأبدًا، أي لم يحدث له كلامٌ بعد أَنْ كان غيرَ متكلِّمٍ، وفعليةٌ باعتبار آحاده، فاللهُ تعالى لم يزل متكلِّمًا -حقيقةً- بمشيئته بما شاء متى شاء وكيف شاء، ويُكلِّم مَنْ شاء مِنْ عباده وسائر خلقه. ومِنْ كلامه الكتبُ المُنَزَّلةُ منها: القرآنُ الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6]، فالكلامُ كلامُ البارئ والصَّوتُ صوتُ القارئ، أمَّا الذي سمع القرآنَ الكريم مِنَ اللهِ فإنَّما هو الروحُ الأمين: جبريلُ عليه السلامُ، وسمعه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم مِن جبريلَ عليه السلامُ، وسمعه الصحابةُ رضي اللهُ عنهم مِن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، ويسمعه بعضُهم مِن بعضٍ، فهو كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، محفوظٌ في الصدور، ومكتوبٌ في المصاحف، ومسموعٌ بالآذان، ومقروءٌ بالألسنة.

    واللهُ تعالى يُوصف بالكلام، فهو يتكلَّم بحرفٍ وصوتٍ يُسْمِعه مَن يشاء مِنْ خلقِه كما أسمعه موسى عليه السلامُ في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143].

    - ويوصف الله تعالى بالقول فهو يقول كما في قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: 58]، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: 4]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [النساء: 122].

    - ويوصف الله تعالى بالحديث فهو يتحدَّث، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87]، وقولُه تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23].

    - ويوصف الله تعالى بالنِّداء فهو ينادي، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: 22]، وقولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 62]، وقولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: 30].

    - ويوصف الله تعالى بالنِّجاء والمناجاة فهو يناجي، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52]، والفرقُ بين النداء والنِّجاء أنَّ الأوَّل يكون للبعيد والآخَرَ يكون للقريب.

    وكلامُه سبحانه حروفٌ وكلماتٌ منها: كلماتُ الله الكونيةُ: وهي ما يُكوِّن به الكائناتِ مِثل قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: 40]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، والأخرى كلماتُه الشرعيّةُ: وهي كلامُه المنزَّلُ على رسلِه المتضمِّنِ للأخبار والشرائع، وهي تامَّةٌ بوصفَيِ الصدق والعدل، فكلماتُ الله في الأخبار غايةٌ في الصدق لا يعتريها كذبٌ ولا خطأٌ ولا نسيانٌ بأيِّ وجهٍ مِنَ الوجوه، وهي في الأحكام والشرع غايةٌ في العدل فلا جَوْرَ فيها بوجهٍ مِنَ الوجوه، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115]، وكلماتُ الله الكونيةُ والشرعيةُ كلُّها كلامُه سبحانه تُضاف إليه إضافةَ صفةٍ إلى موصوفٍ ليس فيها شيءٌ مخلوقٌ، ولهذا يُتعوَّذ بكلمات الله تعالى كما يُتعوَّذ بصفاته الأخرى، ففي الحديث: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» [أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» (17/ 31) باب الدعوات والتعوُّذ، من حديث خولة بنت حكيمٍ السُّلَمِيَّة رضي الله عنها]، والمرادُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ في الحديثِ: الكاملاتُ التي لا يدخل فيها نقصٌ ولا عيبٌ وهي كاملةٌ بوصفَيِ الصِّدق والعدل، وشاملةٌ للكلمات الكونية والشرعية.

    علمًا أنَّ أهْلَ السنَّة والجماعة إنما يُثبتون صفةَ الكلام لله تعالى مع نفيِ تشبيهه ومماثلته للمخلوقات، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

    هذا، والمخالفون لمقالة أهل السنَّة والجماعة افترقوا في مسألة الكلام على أقوالٍ عديدةٍ، أظهرها مَنْ أنكر صفةَ الكلام، وقالوا: إنَّ معنى كونه تعالى متكلِّمًا أي: خالقًا للكلام في غيرِه وهو مذهبُ الجهميةِ والمعتزلةِ، ومنهم مَنْ أنكر أن يكونَ للهِ كلامٌ حقيقيٌّ، وإنما يذهبون إلى أنه معنًى قائمٌ بالذات لا يتعلَّق بالقدرة والمشيئة، بل هو لازمٌ للذات لزومَ الحياة والعلم وهو مذهب الكُلاَّبية والأشاعرة، غيرَ أنَّ الكلاَّبية يرَوْن أنَّ كلام الله عزَّ وجلَّ أربعةُ معانٍ: الأمرُ والنهيُ والخبرُ والاستخبارُ، وأنَّ الحروف والأصوات حكايةٌ عن كلام الله، خُلِقَت للدلالة على المعنى القائم بذاته، بينما الأشاعرةُ يرَوْن أنَّ كلام الله معنًى واحدٌ لا ينقسم وليس له أبعاضٌ ولا أجزاءٌ، فالأمرُ هو عينُ النهيِ، والخبرُ هو عينُ الاستخبار، والوعدُ هو عينُ الوعيد، وهذه الوجوهُ ترجع إلى اعتباراتٍ في كلامه لا إلى عددٍ في نفس الكلام، بمعنى أنها صفاتٌ للمعنى الواحد لا أنواعٌ له، فالكلامُ عند الأشاعرة -إذن- ما هو إلاَّ معنًى قائمٌ بالنفس دون العبارة، والعبارةُ دلالتُه عليه مِنَ الإنسان، فالمتكلِّمُ -عندهم- مَنْ قام به الكلامُ، وكلامُ اللهِ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، وعليه فالقرآنُ المنزَّلُ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم ليس كلامَ الله حقيقةً -عندهم- بل هو عبارةٌ عن كلام الله النفسي، وغيرُها مِنْ مقالات الخلف المتأثِّرة بخزعبلات الفلاسفة والمتشبِّعة بتمحُّلات المناطقة.

    والأدلَّةُ كثيرةٌ ومتضافرةٌ تشهد لصحَّة معتقد أهل السنَّة والجماعة في تقريرهم أنَّ كلام الله صفةُ ذاتٍ وفعلٍ، قديمُ النوع حادثُ الآحاد، فهو سبحانه يتكلَّم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته، وله حرفٌ وصوتٌ يُسْمِعه مَن يشاء مِن خلقِه مِن غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ للمخلوقِ، ويكفي فسادَ مقالات المخالفين خروجُها عن إجماع السلف وأئمَّة السنَّة والحديث، قال ابن تيمية -رحمه الله- في [«مجموع الفتاوى» (12/ 243-244)]: «والصوابُ الذي عليه سلفُ الأمَّة كالإمام أحمدَ والبخاري صاحب «الصحيح» في «كتاب خلق أفعال العباد» وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم أتباع النصوص الثابتة وإجماعِ سلف الأمَّة، وهو: أنَّ القرآن جميعَه كلامُ الله: حروفُه ومعانيه، ليس شيءٌ مِن ذلك كلامًا لغيره، ولكنْ أنزله على رسوله، وليس القرآنُ اسمًا لمجرَّد المعنى، ولا لمجرَّد الحرفِ، بل لمجموعهما، وكذلك سائرُ الكلام ليس هو الحروفَ فقط، ولا المعانِيَ فقط، كما أنَّ الإنسان المتكلِّمَ الناطقَ ليس هو مجرَّدَ الروح، ولا مجرَّدَ الجسد، بل مجموعهما، وأنَّ اللهَ تعالى يتكلَّم بصوتٍ كما جاءت به الأحاديثُ الصِّحاحُ، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوتِ القارئ ولا غيره، وأنَّ الله ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما لا يُشبه علمُه وقدرتُه وحياتُه علْمَ المخلوق وقدرتَه وحياتَه فكذلك لا يُشبه كلامُه كلامَ المخلوق، ولا معانيه تُشبه معانِيَه، ولا حروفُه تُشبه حروفَه، ولا صوتُ الربِّ يُشبه صوتَ العبد، فمَنْ شبَّه اللهَ بخلقه فقدْ ألحد في أسمائه وآياته، ومَن جحد ما وصف به نفْسَه فقد ألحد في أسمائِه وآياتِه».

    وقال -رحمه اللهُ- في موضعٍ آخَرَ مِن «مجموع الفتاوى» (12/ 304-305): «واستفاضت الآثارُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والصحابةِ والتابعين ومَن بعدهم مِن أئمَّة السنَّة أنه سبحانه ينادي بصوتٍ: نادى موسى، وينادي عباده يومَ القيامة بصوتٍ، ويتكلَّم بالوحي بصوتٍ، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ مِنَ السلفِ أنه قال: إنَّ اللهَ يتكلَّم بلا صوتٍ أو بلا حرفٍ، ولا أنه أنكر أن يتكلَّم اللهُ بصوتٍ أو بحرفٍ، كما لم يَقُلْ أحدٌ منهم إنَّ الصوت الذي سمعه موسى قديمٌ، ولا إنَّ ذلك النداءَ قديمٌ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّ هذه الأصوات المسموعة من القرَّاء هي الصوتُ الذي تكلَّم اللهُ به، بلِ الآثارُ مستفيضةٌ عنهم بالفرقِ بين الصوت الذي يتكلَّم اللهُ به وبين أصوات العباد». [انظر افتراق الناس في مسألة كلام الله في: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (6/ 513-545)، مختصر «الصواعق المرسلة» لابن القيِّم (423) باختصار الموصلي، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (179-203)].

    هذا، ومقصودُ المصنِّف -رحمه الله- أنَّ لله تعالى الإرادةَ والمشيئة المطلقة في جميع الممكنات أو المتضادَّات أو المتقابِلات أو الممتنِعات أو المستحيلات، كما أنَّ له علمًا تنكشف له به جميعُ المعلوماتِ مِنَ الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأنَّ له سمعًا تنكشف له به جميع المسموعات، وبصرًا تنكشف له به جميعُ المبصَرات، وأنَّ له كلامًا يدلُّ على جميع المعلومات ليدخلَ تحته المعلوماتُ والمعدوماتُ والموجوداتُ.

    ٢- جزءٌ من الآية 164 من سورة النساء.

    هذه الآيةُ سيقتْ لإثبات صفة الكلام لله تعالى، ذلك لأنَّ «الكلام صفةُ كمالٍ، فإنَّ مَن يتكلَّم أكمَلُ ممَّنْ لا يتكلَّم، كما أنَّ مَن يعلمُ ويقدر أكمَلُ ممَّن لا يعلم ولا يقدر، والذي يتكلَّم بمشيئتِه وقدرتِه أكمَلُ ممَّن لا يتكلَّم بمشيئتِه وقدرتِه، وأكمل ممَّن تكلَّم بغيرِ مشيئتِه وقدرته إن كان ذلك معقولاً.. ولا أحد مِنَ العقلاء يتصوَّر كلامًا يقوم بذات المتكلِّم بدون مشيئته وقدرته، فكيف تُثْبِت بالدليل المعقول شيئًا لا يُعْقَل...» [«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (6/ 294، 295)].

    واللهُ تعالى ذمَّ بني إسرائيلَ على عبادتِهم العجلَ، وجعل مِنَ الدليل على بطلان إلهيَّتِه كونَه لا يتكلَّم، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 148]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ. أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا﴾ [طه: 88-89].

    هذا، وقد اكتفى المصنِّفُ في إثبات صفة الكلام بالاستدلال لها بآيةٍ واحدةٍ دون التعرُّضِ إلى الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، ويمكن أن نُورِدَ بعضَها ليحصلَ التطابقُ مع عنوان المؤلَّف، فمِن ذلك::

    - حديثُ أبي سعيدٍ الخدْريِّ رضي الله عنه أنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 453) باب قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 23] ].

    - حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنه قال: قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 487) باب كلام الربِّ مع أهل الجنَّة. ومسلم في «الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها» (17/ 168) باب إحلال الرضوان على أهل الجنَّة].

    - حديثُ عديِّ بنِ حاتمٍ رضي اللهُ عنه أنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ وَلاَ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 423) باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، ومسلم في «الزكاة» (7/ 101) باب الحثِّ على الصدقة].

    -يتبع-

    ahmed .com
    العضو الفضي

    عدد المساهمات : 27
    تاريخ التسجيل : 09/02/2012

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: قَوَاعِدُ الإِسْلاَمِ -بَيَانُ قَوَاعِدِ الإِسْلاَمِ الخَمْسِ مِنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ

    مُساهمة من طرف ahmed .com في الجمعة 17 فبراير 2012 - 13:37



    عقيدة الإثبات والتنزيه

    -تابع-

    [فَصْلٌ](١- يجدر التنبيه إلى أنَّ الأستاذ محمَّد الصالح رمضان أفصح عن تصرُّفه في نصِّ المصنِّف بتقديم هذه الفقرة إلى موضعٍ آخَرَ يراه أنسبَ بها حيث يقول: «ملحوظة: قوله: «ونُثبت الاستواء والنزول» إلى قوله «غير مرادٍ» كان في الأصل بعد صفة الكلام رقم: (46)، ومن غير استشهادٍ عليه بالآيات والأحاديث، فرأيتُ إثباتَه هنا تحت هذا العنوان، ثمَّ تأتي بقيَّة الصفات كما رتَّبها الأستاذ الإمام واستدلَّ عليها بالآيات والأحاديث، وأرجو ألاَّ يكون هذا من التحكُّم وسوء التصرُّف» [تعليق محمَّد الصالح رمضان على «العقائد الإسلامية» (73)]. أقول: والأَوْلى الاستبقاء على سياق المصنِّف -رحمه الله- والمحافظة على ترتيبه الأصلي دون المساس بنصِّ المصنِّف إلاَّ إشارةً مقترحةً على الهامش -أوَّلاً-، ولأنَّ طابع التأليف بينهما يستدعي هذا النسق من الترتيب بين الصفات الذاتية المتعقَّبة بالصفات الفعلية -ثانيًا-، فضلاً عن كون سياق المصنِّف يكشف مخالفتَه لأصول البدعة الأشعرية، حيث إنهم لا يُثبتون من الصفات الخبرية إلاَّ الصفات السبع المشهورة التي هي صفات المعاني، وهي: السمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام [النفسي الذي تقدَّم بيانه سابقًا] وينفون قيامَ الأفعال الاختيارية بالله تعالى كالاستواء والنزول والمحبَّة والرضا والفرح ونحوها. )

    وَنُثْبِتُ الاِسْتِوَاءَ(٢- استواء الله تعالى على عرشه صفةٌ فعليةٌ خبريةٌ متعلِّقةٌ بمشيئته وقدرته ثابتةٌ بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة ويدلُّ عليها قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وقوله تعالى في ستَّة مواضعَ أخرى من القرآن: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4]، وقد ثبت في السنَّة الصحيحة أحاديثُ كثيرةٌ منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «إِنَّ اللهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 404) باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، ومسلم في «التوبة» (17/ 68) بابٌ في سعة رحمة الله تعالى]. وقد أجمع الصحابة وأئمَّة السلف على إثبات صفة الاستواء لله جلَّ وعلا، ونقل الصابوني -رحمه الله- هذا الاتِّفاقَ في «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (15، 16) بقوله: «وعلماء الأمَّة وأعيان الأئمَّة من السلف -رحمهم الله- لم يختلفوا في أنَّ الله تعالى على عرشه، وعرشُه فوق سماواته، يُثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدِّقون الربَّ جلَّ جلاله في خبره، ويُطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى من استوائه على العرش، ويُمرُّونه على ظاهره، ويكِلُون عِلْمَه إلى الله»، كما ذكر الحافظ ابن حجرٍ -رحمه الله- الإجماعَ عند إيراده لأقوال أئمَّة السنَّة في إثبات صفة الاستواء، فقال في «فتح الباري» (13/ 407-408) في سياق التعقيب: «فكيف لا يوثق بما اتَّفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة». هذا، والنصوص الشرعية السابقة تضمَّنت -أيضًا- إثبات صفة العلوِّ لله تعالى لمجيء الاستواء مقيَّدًا ﺑ«على» في النصِّ القرآني وهو يدلُّ على معنى العلوِّ والارتفاع والاعتدال والصعود والاستقرار، وهي المعاني التي أثبتها أهل السنَّة ولا يحتمل أيَّ معنًى آخرَ أصلاً إلاَّ عند إطلاقه أو تقييده بحرفٍ آخَرَ غيرِه، وقد بيَّن ابن القيِّم -رحمه الله- هذا الوجه في معرض الردِّ على منكري الاستواء وتأويلهم له بالاستيلاء من اثنين وأربعين وجهًا حيث يقول -رحمه الله-: «أحدها: أنَّ لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بِلُغَتهم وأنزل بها كلامَه نوعان: مطلقٌ ومقيَّدٌ، فالمطلق ما لم يُوصَلْ معناه بحرفٍ مثل قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] وهذا معناه: كَمُلَ وتمَّ، يقال: استوى النبات واستوى الطعام، وأمَّا المقيَّد فثلاثة أضرابٍ: أحدها: مقيَّدٌ ﺑ«إلى» كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29، فُصِّلت: 11]، واستوى فلانٌ إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر سبحانه هذا المعدَّى ﺑ«إلى» في موضعين من كتابه: في البقرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] والثاني في سورة السجدة (كذا في الأصل والصواب: فُصِّلت): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصِّلت: 11] وهذا بمعنى العلوِّ والارتفاع بإجماع السلف، ... والثاني: مقيَّدٌ ﺑ«على» كقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: 13]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: 44] وقوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: 29]، وهذا أيضًا معناه العلوُّ والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة. الثالث: المقرون بواو (مع) التي تعدِّي الفعلَ إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبةَ بمعنى ساواها، وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى «استولى» ألبتَّة، ولا نقله أحدٌ من أئمَّة اللغة الذين يُعتمد قولهم، وإنما قاله متأخِّرو النحاة ممَّن سلك طريقَ المعتزلة والجهمية» [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي (2/ 320)]. فمعتقد أهل السنَّة -إذًا- أنَّ الله جلَّ وعلا مستوٍ على عرشه بذاته حقيقةً فوق السماء السابعة استواءً يليق بجلاله، بائنٌ من خلقه ولا يعلوه خلقٌ من خلقه، فهُمْ يُثبتون له ما أثبته الله تعالى لنفسه من غير تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تعطيلٍ، وينكرون تأويلَ الصفات وإخراجَها عن ظاهرها إلى معانٍ لا تحتملها اللغة ولا يصيغها الشرعُ، وقد اشتهر عن الإمام مالكٍ -رحمه الله- قوله: «الاستواء معلومٌ، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ»، وهذه المقالة المشهورة مع اختلافٍ يسيرٍ في بعض ألفاظها محفوظةٌ -أيضًا- عن غيره، وقد غدت قاعدةً عامَّةً وميزانًا محكمًا ينطبق على جميع نصوص الصفات. قال الذهبي -رحمه الله- في تعليقه على المقالة السابقة في «مختصر العلوِّ» (141-142): «هذا ثابتٌ عن مالك، وتقدَّم نحوه عن ربيعة شيخ مالكٍ، وهو قول أهل السنَّة قاطبة "أنَّ كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأنَّ استواءه معلومٌ كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمَّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويلٌ لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولَما وَسِعهم إقرارُه وإمرارُه والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أنَّ الله جلَّ جلاله لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا». وقد استدلَّت الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة ومن متأخِّري الأشاعرة كالغزَّالي والرازي والآمدي على تفسير الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيتٍ مجهولٍ لم يَقُلْه شاعرٌ معروفٌ يصحُّ الاحتجاج بقوله، وهو: قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ قال ابن تيمية -رحمه الله- في «المجموع» (5/ 146) في معرض الردِّ على هذا الاستدلال بقوله: «ولم يثبت نقلٌ صحيحٌ أنه شعرٌ عربيٌّ، وكان غير واحدٍ من أئمَّة اللغة أنكروه وقالوا: إنه بيتٌ مصنوعٌ لا يُعرف في اللغة، وقد عُلم أنه لو احتُجَّ بحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لاحتاج إلى صحَّته، فكيف ببيتٍ من الشعر لا يُعرف إسناده وقد طعن فيه أئمَّة اللغة ..». وقد ذكر ابن كثيرٍ -رحمه الله- في «البداية والنهاية» (9/ 7) أنَّ البيت للأخطل وقد كان نصرانيًّا، وقال في موضعٍ آخَرَ من المصدر نفسه (9/ 262): « وهذا البيت تستدلُّ به الجهمية على أنَّ الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء، وهذا من تحريف الكَلِم عن مواضعه، وليس في بيت هذا النصراني حجَّةٌ ولا دليلٌ على ذلك، ولا أراد الله عزَّ وجلَّ باستوائه على عرشه استيلاءَه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علوًّا كبيرًا. فإنه إنما يقال استولى على الشيء إذا كان ذلك الشيء عاصيًا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشرٍ على العراق، واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرشُ الربِّ لم يكن ممتنعًا عليه نَفَسًا واحدًا حتى يقالَ استولى عليه أو معنى الاستواءِ الاستيلاءُ، ولا تجد أضعف من حجج الجهمية، حتى أدَّاهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجَّةٌ». وإلى جانب هؤلاء النفاة ظهرت المفوِّضة الذين يُثبتون الاستواءَ من جهة النصوص الشرعية والإيمان به كلفظٍ، مع التوقُّف في المعنى المراد، أي: تفويض العلم بمعناها اللغوي وكذا الكيف إلى الله عزَّ وجلَّ، وهو مذهب البيهقي وأحدُ قولَيِ الرازي، وقد زعم كثيرٌ من الأشاعرة أنَّ القول بالتفويض هو قول السلف [انظر: «الاعتقاد» للبيهقي (115)، «الأسماء والصفات» للبيهقي (517)، «تحفة المريد» للقاني (91)، «الإتقان» للسيوطي (2/ 6)]. ولا يخفى أنَّ نسبة هذا القول إلى السلف نسبةٌ باطلةٌ، إذ لم يَرِدْ عن أحدٍ من السلف أنه فوَّض معنى الاستواء، بل المنقول عن السلف تصريحُهم بالمعنى المراد بالاستواء، وهو العلوُّ والارتفاع على العرش، مع الإيمان بأنَّ الله مستوٍ على العرش حقيقةً، وهو معلومٌ عنهم بالاضطرار، وقد تعرَّض الإمام أحمد للنصوص التي نسمِّيها متشابهاتٍ بتفسير معانيها آيةً آيةً وحديثًا حديثًا وبيَّن فساد ما تأوَّلها عليه الزائغون، ولم يتوقَّف فيها هو والأئمَّة قبله ولم يقل أحمد إنَّ هذه الآياتِ والأحاديثَ لا يفهم معناها إلا الله، ولا قال له أحدٌ ذلك، ممَّا يدلُّ على أنَّ التوقُّف عن بيان معاني آيات الصفات، وصرْفَ الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنَّة -وهو أعرف بمذهب السلف-، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقةً، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرُها وتُمرُّ كما جاءت دالَّةً على المعاني لا تُحرَّف ولا يُلْحَد فيها. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (17/ 414) وقد جاء كلام ابن القيِّم -رحمه الله- مقرِّرًا لاتِّفاق السلف على هذا المعنى بقوله: «تنازع الناس في كثيرٍ من الأحكام، ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضعٍ واحدٍ، بل اتَّفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدلُّ على أنها أعظم النوعين بيانًا وأنَّ العناية ببيانها أهمُّ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبيَّنها الله سبحانه وتعالى ورسولُه بيانًا شافيًا لا يقع فيه لَبْسٌ يوقع الراسخين في العلم. وآياتُ الأحكام لا يكاد يفهم معانِيَها إلاَّ الخاصَّة من الناس، وأمَّا آيات الصفات فيشترك في فهم معناها الخاصُّ والعامُّ، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية» [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي (1/ 15)]. وفي مقابل أقوال المعطِّلة ظهرت المشبِّهة من الروافض والكرَّامية وغيرهم الذين يُثبتون استواءَ الله وارتفاعَه فوق عرشه، لكنَّهم تعمَّقوا فيما يُمنع الخوض فيه من كيفية استوائه، فبعضهم قال: إنَّ الله مماسٌّ لعرشه لا يفضل منه شيءٌ ولا يفضل عن العرش شيءٌ منه، وقال بعضهم: إنه على بعض أجزاء العرش، وقال آخَرون: إنَّ العرش مكانٌ له وإنَّ العرش امتلأ به وغير ذلك من أقوالهم في كيفية استوائه [انظر: «الملل والنحل» للشهرستاني (1/ 144-147، 2/ 22)، «مقالات الإسلاميِّين» للأشعري (1/ 284)، «الفَرْق بين الفِرَق» للبغدادي (215)]. وبطلان قول المشبِّهة ظاهرٌ، ومذهبهم إنما هو نتيجةٌ لازمةٌ لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته، فإنهم يصفون الله تعالى بأنه جسمٌ ذو أبعاضٍ، له قدرٌ من الأقدار، وأنه سبعة أشبارٍ بشبر نفسه ونحو ذلك من الأباطيل، إذ ليس لهم دليلٌ شرعيٌّ يستندون إليه، بل هو قولٌ على الله بغير علمٍ، والمعلوم أنَّ كيفية الاستواء وغيرها من الصفات ممَّا استأثر الله بعلمه، والمخلوقُ يقطع الطمعَ عن إدراك حقيقة ذات الله سبحانه وصفاته لأنَّ الله حجب نفسه وصفاتِه عن خلقه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]. فمذهب السلف –إذًا- وسطٌ بين المعطِّلة والمشبِّهة يُثبتون ذاتَه وصفاتِه من غير تمثيلٍ ولا تكييفٍ ولا تعطيلٍ، أمَّا غيرهم من أهل الأهواء فإنَّ كلَّ واحدٍ من الفريقين يجمع بين التعطيل والتمثيل، ويوضِّح ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (5/ 27) صورة ذلك بقوله: « وكلُّ واحدٍ من فريقَيِ «التعطيل» و«التمثيل»: فهو جامعٌ بين التعطيل والتمثيل: أمَّا المعطِّلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلاَّ ما هو اللائق بالمخلوق ثمَّ شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثَّلوا أوَّلاً وعطَّلوا آخِرًا، وهذا تشبيهٌ وتمثيلٌ منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيلٌ لِما يستحقُّه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى. فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش لَلَزِمَ إمَّا أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكلُّ ذلك من المحال ونحو ذلك من الكلام: فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلاَّ ما يثبت لأيِّ جسمٍ كان على أيِّ جسمٍ كان، وهذا اللازم تابعٌ لهذا المفهوم. أمَّا استواءٌ يليق بجلال الله تعالى ويختصُّ به فلا يَلزمه شيءٌ من اللوازم الباطلة التي يجب نفيُها كما يَلْزَم من سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثِّل: إذا كان للعالَم صانعٌ فإمَّا أن يكون جوهرًا أو عرضًا. وكلاهما محالٌ؛ إذ لا يُعقل موجودٌ إلاَّ هذان. وقوله: إذا كان مستويًا على العرش فهو مماثلٌ لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك؛ إذ لا يُعلم الاستواء إلاَّ هكذا، فإنَّ كليهما مثَّل وكليهما عطَّل حقيقةَ ما وصف الله به نفْسَه، وامتاز الأوَّل بتعطيل كلِّ اسمٍ للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواءٍ هو من خصائص المخلوقين. والقول الفاصل: هو ما عليه الأمَّة الوسط؛ من أنَّ الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختصُّ به فكما أنه موصوفٌ بأنه بكلِّ شيءٍ عليمٍ وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ وأنه سميعٌ بصيرٌ ونحو ذلك. ولا يجوز أن يُثْبَت للعلم والقدرة خصائصُ الأعراض التي لِعِلْمِ المخلوقين وقدرتهم فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يُثْبَت لفوقيته خصائصُ فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمُها.» ) وَالنُّزُولَ(٣- نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا صفةٌ فعليةٌُ خبريةٌ متعلِّقةٌ بمشيئة الله وقدرته ثابتةٌ لله تعالى بالأحاديث الصحيحة التي بلغت حدَّ التواتر، وأشهرها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» [أخرجه البخاري في «التهجُّد» (3/ 29) باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، ومسلم في «صلاة المسافرين وقصرها» (1/ 521) باب: 24. الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، وأخرجه غيرهما. قال ابن عبد البرِّ في «التمهيد» (7/ 128): «وهو حديثٌ منقولٌ من طرقٍ متواترةٍ ووجوهٍ كثيرةٍ من أخبار العدول عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم»]. واتَّفق السلف على إثبات صفة النزول لله تبارك وتعالى حقيقةً كما يليق بجلاله، والإيمانِ بها وإجرائها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، قال ابن عبد الهادي -رحمه الله- في «الصارم المنكي» (191): «واعلم أنَّ السلف الصالح ومن سلك سبيلَهم من الخلف متَّفقون على إثبات نزول الربِّ تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا»، وقال ابن تيمية -رحمه الله- في «حديث النزول» (5): «واتَّفق سلف الأمَّة وأئمَّتها وأهل العلم بالسنَّة والحديث على تصديق ذلك وتلقِّيه بالقبول»، كما نقل ابن تيمية -رحمه الله- كلامَ أبي عمرٍو الطلمنكي -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (5/ 577) أنه قال: «وأجمعوا -يعني: أهلَ السنَّة والجماعة- على أنَّ الله ينزل كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء لا يحدُّون في ذلك شيئًا». وأهل السنَّة والجماعة وسطٌ بين من يفسِّر نزولَه بنزول أمره ورحمته وهُمُ المعطلة وبين من يمثِّل نزوله بنزول المخلوقين وهُمُ المشبِّهة، فإنَّ أهل السنَّة يُثبتون نزول الله تعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقيًّا ويُمرُّون الأخبار الثابتة كما جاءت على ظاهرها من غير تشبيهٍ له بنزول المخلوقين ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ ولا تعطيلٍ، وإنما يُثبتون ما أثبته النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وينتهون فيه إليه، ويكِلُون علمه إلى الله تعالى، ذلك لأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما لا تُعلم كيفية ذاته فلا تُعلم كيفية صفاته، إذ العلم بكيفية الصفة يتبع العلمَ بكيفية الموصوف. قال ابن عبد البرِّ -رحمه الله- في «التمهيد» (7/ 153): «وقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» عندهم مثل قول الله عزَّ وجلَّ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ كلُّهم يقول: ينزل ويتجلَّى ويجيء بلا كيفٍ، لا يقولون كيف يجيء؟ وكيف يتجلَّى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلَّى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيءٍ من خلقه وتعالى عن الأشياء ولا شريك له، وفي قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجلِّيًا للجبل، وفي ذلك ما يفسِّر معنى حديث التنزيل». وقال الذهبي -رحمه الله- في «سير أعلام النبلاء» (11/ 376): «هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول قد صحَّت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرَّضوا لها بردٍّ ولا تأويلٍ، بل أنكروا على من تأوَّلها مع إصفاقهم على أنها لا تُشبه نعوتَ المخلوقين، وأنَّ الله ليس كمثله شيءٌ، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإنَّ في ذلك محاولةً للردِّ على الله ورسوله، أو حَوْمًا على التكييف أو التعطيل». وقد تعرَّض ابن تيمية -رحمه الله- لهذه المسألة في كتابه «شرح حديث النزول» مبيِّنًا فيه مذهب السلف وأئمَّة السنَّة، فأقام الحجج والأدلَّة، وفنَّد شبهات المعطِّلة والمؤوِّلة والمشبِّهة ونقضها من أساسها نقضًا علميًّا محكمًا. هذا، وإن كان أهل السنَّة لم يُحفظ عنهم نزاعٌ في تقرير هذا المذهب في الصفات مع اتِّفاقهم على صفة النزول إلاَّ أنهم يختلفون في مسألة خلوِّ العرش منه حالَ نزوله، وما عليه جمهور أهل السنَّة أنَّ الله ينزل ولا يخلو منه العرش، وبه قال الإمام أحمد وإسحق بن راهويه وحمَّاد بن زيد وغيرهم [انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (149)]. وهذه المسألة مرتبطةٌ بأنواع الفعل الاختياري كالنزول والمجيء والإتيان والذهاب والهبوط: هل هي بحركةٍ وانتقالٍ أم لا؟ قال ابن تيمية -رحمه الله- في «شرح حديث النزول» (58) و«مجموع الفتاوى» (5/ 402): «واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنَّة والحديث: في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك. هل يقال: إنه بحركةٍ وانتقالٍ؟ أم يقال: بغير حركةٍ وانتقالٍ؟ أم يُمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوالٍ ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب «اختلاف الروايتين والوجهين». فالأوَّل قول أبي عبد الله بن حامدٍ وغيره. والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته. والثالث: قول أبي عبد الله بن بطَّة وغيره». قلت: والذي يتوافق مع أصول أهل السنَّة وقواعدهم هو إثبات ما أثبته الكتاب والسنَّة مع التقيُّد بألفاظ الشارع ونصوصه، وعدم التعرُّض بنفيٍ ولا إثباتٍ لِما لم يَرِدْ فيهما، فالإمساك عن الأمرين هو أحقُّ بالصواب والاتِّباع كما أفصح عن ذلك ابن القيِّم -رحمه الله- بقوله: «وأمَّا الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرَّك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهُمْ أسعد بالصواب والاتِّباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النصُّ، وسكتوا عمَّا سكت عنه، وتظهر صحَّة هذه الطريقة ظهورًا تامًّا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النصُّ عنها مجملةً محتمِلةً لمعنيين: صحيحٍ وفاسدٍ، كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيِّز والجهة والأعراض والحوادث والعلَّة والتغيُّر والتركيب، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حقٌّ وباطلٌ، فهذه لا تُقبل مطلقًا ولا تُرَدُّ مطلقًا، فإنَّ الله سبحانه لم يُثبت لنفسه هذه المسمَّيات ولم يَنْفِها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإنَّ معانِيَها منقسمةٌ إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له، فإنَّ الانتقال يراد به انتقالُ الجسم والعَرَض من مكانٍ هو محتاجٌ إليه إلى مكانٍ آخَرَ يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباتُه للربِّ تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتُها لله تعالى، ويراد بالحركة والانتقال حركةُ الفاعل من كونه غيرَ فاعلٍ إلى كونه فاعلاً، وانتقاله -أيضًا- من كونه غيرَ فاعلٍ إلى كونه فاعلاً. فهذا المعنى حقٌّ في نفسه لا يُعقل كونُ الفاعل فاعلاً إلاَّ به، فنفيُه عن الفاعل نفيٌ لحقيقة الفعل وتعطيلٌ له، وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعمُّ من ذلك، وهو فعلٌ يقوم بذات الفاعل يتعلَّق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاعَ الفعل بنفسه فيه، وقد دلَّ القرآن والسنَّة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يومَ القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظُلَلٍ من الغمام والملائكةُ، وينزل كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا، وينزل عشيَّةَ عرفةَ، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنَّة، وهذه أفعالٌ يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيُها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصَّة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصَّة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجُزْ نفيُه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجُزْ إثباتُه له، وحركة الحيِّ من لوازم ذاته، ولا فرْقَ بين الحيِّ والميِّت إلا بالحركة والشعور، فكلُّ حيٍّ متحرِّكٌ بالإرادة وله شعورٌ، فنفيُ الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفيَ الحياة» [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي (2/ 404-405)]. ) وَنَحْوَهُمَا(٤- وقول المصنِّف -رحمه الله-: «ونحوهما» أي: من أنواع الفعل اللازم القائم به كالمجيء والإتيان، والهبوط والدنو، والقرب والتقرُّب، والغضب والرضى والفرح، وأنواع الفعل المتعدِّي كالخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والقبض والبسط، ونحو ذلك من صفات الله الفعلية الاختيارية الثابتة بالنصوص الشرعية، فالواجب الإيمان بحقيقتها على ما يليق به سبحانه مع القطع بأنَّ الله ليس كمثله شيءٌ في جميع ما يصف به نفْسَه أو ما يصفه به رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.)، وَنُؤْمِنُ بِحَقِيقَتِهِمَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى بِلاَ كَيْفٍ(٥- وقول المصنِّف -رحمه الله- «بلا كيفٍ» تقرير لمنهج السلف في إثبات صفة الاستواء والنزول ونحوهما من الصفات الفعلية الاختيارية لفظًا ومعنًى، واعتقادهم بأنَّ الله مستوٍ على عرشه وينزل إلى سماء الدنيا كلَّ ليلةٍ استواءً أو نزولاً يليق بجلاله سبحانه، إلاَّ أنهم يكِلُون علْمَ كيفية ذلك الاستواء والنزول إلى الله تعالى الذي استأثر بعلمه، قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (3/ 359): «إنَّ العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف بلا كيفٍ أي: بلا كيفٍ يعقله البشر، فإنَّ من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيَّته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنَّا نعرف معانيَ ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخِر، ولا نعرف حقيقة كيفيَّته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزُنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم».)، وَبِأَنَّ ظَاهِرَهَا المُتَعَارَفَ -فِي حَقِّنَا- غَيْرُ مُرَادٍ.



    ١- يجدر التنبيه إلى أنَّ الأستاذ محمَّد الصالح رمضان أفصح عن تصرُّفه في نصِّ المصنِّف بتقديم هذه الفقرة إلى موضعٍ آخَرَ يراه أنسبَ بها حيث يقول: «ملحوظة: قوله: «ونُثبت الاستواء والنزول» إلى قوله «غير مرادٍ» كان في الأصل بعد صفة الكلام رقم: (46)، ومن غير استشهادٍ عليه بالآيات والأحاديث، فرأيتُ إثباتَه هنا تحت هذا العنوان، ثمَّ تأتي بقيَّة الصفات كما رتَّبها الأستاذ الإمام واستدلَّ عليها بالآيات والأحاديث، وأرجو ألاَّ يكون هذا من التحكُّم وسوء التصرُّف» [تعليق محمَّد الصالح رمضان على «العقائد الإسلامية» (73)].

    أقول: والأَوْلى الاستبقاء على سياق المصنِّف -رحمه الله- والمحافظة على ترتيبه الأصلي دون المساس بنصِّ المصنِّف إلاَّ إشارةً مقترحةً على الهامش -أوَّلاً-، ولأنَّ طابع التأليف بينهما يستدعي هذا النسق من الترتيب بين الصفات الذاتية المتعقَّبة بالصفات الفعلية -ثانيًا-، فضلاً عن كون سياق المصنِّف يكشف مخالفتَه لأصول البدعة الأشعرية، حيث إنهم لا يُثبتون من الصفات الخبرية إلاَّ الصفات السبع المشهورة التي هي صفات المعاني، وهي: السمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام [النفسي الذي تقدَّم بيانه سابقًا] وينفون قيامَ الأفعال الاختيارية بالله تعالى كالاستواء والنزول والمحبَّة والرضا والفرح ونحوها.

    ٢- استواء الله تعالى على عرشه صفةٌ فعليةٌ خبريةٌ متعلِّقةٌ بمشيئته وقدرته ثابتةٌ بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة ويدلُّ عليها قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وقوله تعالى في ستَّة مواضعَ أخرى من القرآن: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2، الفرقان: 59، السجدة: 4، الحديد: 4]، وقد ثبت في السنَّة الصحيحة أحاديثُ كثيرةٌ منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «إِنَّ اللهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» [أخرجه البخاري في «التوحيد» (13/ 404) باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، ومسلم في «التوبة» (17/ 68) بابٌ في سعة رحمة الله تعالى].

    وقد أجمع الصحابة وأئمَّة السلف على إثبات صفة الاستواء لله جلَّ وعلا، ونقل الصابوني -رحمه الله- هذا الاتِّفاقَ في «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (15، 16) بقوله: «وعلماء الأمَّة وأعيان الأئمَّة من السلف -رحمهم الله- لم يختلفوا في أنَّ الله تعالى على عرشه، وعرشُه فوق سماواته، يُثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدِّقون الربَّ جلَّ جلاله في خبره، ويُطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى من استوائه على العرش، ويُمرُّونه على ظاهره، ويكِلُون عِلْمَه إلى الله»، كما ذكر الحافظ ابن حجرٍ -رحمه الله- الإجماعَ عند إيراده لأقوال أئمَّة السنَّة في إثبات صفة الاستواء، فقال في «فتح الباري» (13/ 407-408) في سياق التعقيب: «فكيف لا يوثق بما اتَّفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة».

    هذا، والنصوص الشرعية السابقة تضمَّنت -أيضًا- إثبات صفة العلوِّ لله تعالى لمجيء الاستواء مقيَّدًا ﺑ«على» في النصِّ القرآني وهو يدلُّ على معنى العلوِّ والارتفاع والاعتدال والصعود والاستقرار، وهي المعاني التي أثبتها أهل السنَّة ولا يحتمل أيَّ معنًى آخرَ أصلاً إلاَّ عند إطلاقه أو تقييده بحرفٍ آخَرَ غيرِه، وقد بيَّن ابن القيِّم -رحمه الله- هذا الوجه في معرض الردِّ على منكري الاستواء وتأويلهم له بالاستيلاء من اثنين وأربعين وجهًا حيث يقول -رحمه الله-: «أحدها: أنَّ لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بِلُغَتهم وأنزل بها كلامَه نوعان: مطلقٌ ومقيَّدٌ، فالمطلق ما لم يُوصَلْ معناه بحرفٍ مثل قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] وهذا معناه: كَمُلَ وتمَّ، يقال: استوى النبات واستوى الطعام، وأمَّا المقيَّد فثلاثة أضرابٍ: أحدها: مقيَّدٌ ﺑ«إلى» كقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29، فُصِّلت: 11]، واستوى فلانٌ إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر سبحانه هذا المعدَّى ﺑ«إلى» في موضعين من كتابه: في البقرة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29] والثاني في سورة السجدة (كذا في الأصل والصواب: فُصِّلت): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصِّلت: 11] وهذا بمعنى العلوِّ والارتفاع بإجماع السلف، ...

    والثاني: مقيَّدٌ ﺑ«على» كقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: 13]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: 44] وقوله: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: 29]، وهذا أيضًا معناه العلوُّ والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.

    الثالث: المقرون بواو (مع) التي تعدِّي الفعلَ إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبةَ بمعنى ساواها، وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى «استولى» ألبتَّة، ولا نقله أحدٌ من أئمَّة اللغة الذين يُعتمد قولهم، وإنما قاله متأخِّرو النحاة ممَّن سلك طريقَ المعتزلة والجهمية» [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي (2/ 320)].

    فمعتقد أهل السنَّة -إذًا- أنَّ الله جلَّ وعلا مستوٍ على عرشه بذاته حقيقةً فوق السماء السابعة استواءً يليق بجلاله، بائنٌ من خلقه ولا يعلوه خلقٌ من خلقه، فهُمْ يُثبتون له ما أثبته الله تعالى لنفسه من غير تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تعطيلٍ، وينكرون تأويلَ الصفات وإخراجَها عن ظاهرها إلى معانٍ لا تحتملها اللغة ولا يصيغها الشرعُ، وقد اشتهر عن الإمام مالكٍ -رحمه الله- قوله: «الاستواء معلومٌ، والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ»، وهذه المقالة المشهورة مع اختلافٍ يسيرٍ في بعض ألفاظها محفوظةٌ -أيضًا- عن غيره، وقد غدت قاعدةً عامَّةً وميزانًا محكمًا ينطبق على جميع نصوص الصفات. قال الذهبي -رحمه الله- في تعليقه على المقالة السابقة في «مختصر العلوِّ» (141-142): «هذا ثابتٌ عن مالك، وتقدَّم نحوه عن ربيعة شيخ مالكٍ، وهو قول أهل السنَّة قاطبة "أنَّ كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأنَّ استواءه معلومٌ كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمَّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويلٌ لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولَما وَسِعهم إقرارُه وإمرارُه والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أنَّ الله جلَّ جلاله لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا».

    وقد استدلَّت الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة ومن متأخِّري الأشاعرة كالغزَّالي والرازي والآمدي على تفسير الاستواء على العرش بأنه الاستيلاء ببيتٍ مجهولٍ لم يَقُلْه شاعرٌ معروفٌ يصحُّ الاحتجاج بقوله، وهو:

    قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ

    قال ابن تيمية -رحمه الله- في «المجموع» (5/ 146) في معرض الردِّ على هذا الاستدلال بقوله: «ولم يثبت نقلٌ صحيحٌ أنه شعرٌ عربيٌّ، وكان غير واحدٍ من أئمَّة اللغة أنكروه وقالوا: إنه بيتٌ مصنوعٌ لا يُعرف في اللغة، وقد عُلم أنه لو احتُجَّ بحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لاحتاج إلى صحَّته، فكيف ببيتٍ من الشعر لا يُعرف إسناده وقد طعن فيه أئمَّة اللغة ..».

    وقد ذكر ابن كثيرٍ -رحمه الله- في «البداية والنهاية» (9/ 7) أنَّ البيت للأخطل وقد كان نصرانيًّا، وقال في موضعٍ آخَرَ من المصدر نفسه (9/ 262): « وهذا البيت تستدلُّ به الجهمية على أنَّ الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء، وهذا من تحريف الكَلِم عن مواضعه، وليس في بيت هذا النصراني حجَّةٌ ولا دليلٌ على ذلك، ولا أراد الله عزَّ وجلَّ باستوائه على عرشه استيلاءَه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علوًّا كبيرًا.

    فإنه إنما يقال استولى على الشيء إذا كان ذلك الشيء عاصيًا عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشرٍ على العراق، واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرشُ الربِّ لم يكن ممتنعًا عليه نَفَسًا واحدًا حتى يقالَ استولى عليه أو معنى الاستواءِ الاستيلاءُ، ولا تجد أضعف من حجج الجهمية، حتى أدَّاهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجَّةٌ».

    وإلى جانب هؤلاء النفاة ظهرت المفوِّضة الذين يُثبتون الاستواءَ من جهة النصوص الشرعية والإيمان به كلفظٍ، مع التوقُّف في المعنى المراد، أي: تفويض العلم بمعناها اللغوي وكذا الكيف إلى الله عزَّ وجلَّ، وهو مذهب البيهقي وأحدُ قولَيِ الرازي، وقد زعم كثيرٌ من الأشاعرة أنَّ القول بالتفويض هو قول السلف [انظر: «الاعتقاد» للبيهقي (115)، «الأسماء والصفات» للبيهقي (517)، «تحفة المريد» للقاني (91)، «الإتقان» للسيوطي (2/ 6)]. ولا يخفى أنَّ نسبة هذا القول إلى السلف نسبةٌ باطلةٌ، إذ لم يَرِدْ عن أحدٍ من السلف أنه فوَّض معنى الاستواء، بل المنقول عن السلف تصريحُهم بالمعنى المراد بالاستواء، وهو العلوُّ والارتفاع على العرش، مع الإيمان بأنَّ الله مستوٍ على العرش حقيقةً، وهو معلومٌ عنهم بالاضطرار، وقد تعرَّض الإمام أحمد للنصوص التي نسمِّيها متشابهاتٍ بتفسير معانيها آيةً آيةً وحديثًا حديثًا وبيَّن فساد ما تأوَّلها عليه الزائغون، ولم يتوقَّف فيها هو والأئمَّة قبله ولم يقل أحمد إنَّ هذه الآياتِ والأحاديثَ لا يفهم معناها إلا الله، ولا قال له أحدٌ ذلك، ممَّا يدلُّ على أنَّ التوقُّف عن بيان معاني آيات الصفات، وصرْفَ الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنَّة -وهو أعرف بمذهب السلف-، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقةً، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرُها وتُمرُّ كما جاءت دالَّةً على المعاني لا تُحرَّف ولا يُلْحَد فيها. [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (17/ 414)

    وقد جاء كلام ابن القيِّم -رحمه الله- مقرِّرًا لاتِّفاق السلف على هذا المعنى بقوله: «تنازع الناس في كثيرٍ من الأحكام، ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضعٍ واحدٍ، بل اتَّفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدلُّ على أنها أعظم النوعين بيانًا وأنَّ العناية ببيانها أهمُّ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبيَّنها الله سبحانه وتعالى ورسولُه بيانًا شافيًا لا يقع فيه لَبْسٌ يوقع الراسخين في العلم. وآياتُ الأحكام لا يكاد يفهم معانِيَها إلاَّ الخاصَّة من الناس، وأمَّا آيات الصفات فيشترك في فهم معناها الخاصُّ والعامُّ، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية» [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي (1/ 15)].

    وفي مقابل أقوال المعطِّلة ظهرت المشبِّهة من الروافض والكرَّامية وغيرهم الذين يُثبتون استواءَ الله وارتفاعَه فوق عرشه، لكنَّهم تعمَّقوا فيما يُمنع الخوض فيه من كيفية استوائه، فبعضهم قال: إنَّ الله مماسٌّ لعرشه لا يفضل منه شيءٌ ولا يفضل عن العرش شيءٌ منه، وقال بعضهم: إنه على بعض أجزاء العرش، وقال آخَرون: إنَّ العرش مكانٌ له وإنَّ العرش امتلأ به وغير ذلك من أقوالهم في كيفية استوائه [انظر: «الملل والنحل» للشهرستاني (1/ 144-147، 2/ 22)، «مقالات الإسلاميِّين» للأشعري (1/ 284)، «الفَرْق بين الفِرَق» للبغدادي (215)].

    وبطلان قول المشبِّهة ظاهرٌ، ومذهبهم إنما هو نتيجةٌ لازمةٌ لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته، فإنهم يصفون الله تعالى بأنه جسمٌ ذو أبعاضٍ، له قدرٌ من الأقدار، وأنه سبعة أشبارٍ بشبر نفسه ونحو ذلك من الأباطيل، إذ ليس لهم دليلٌ شرعيٌّ يستندون إليه، بل هو قولٌ على الله بغير علمٍ، والمعلوم أنَّ كيفية الاستواء وغيرها من الصفات ممَّا استأثر الله بعلمه، والمخلوقُ يقطع الطمعَ عن إدراك حقيقة ذات الله سبحانه وصفاته لأنَّ الله حجب نفسه وصفاتِه عن خلقه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255].

    فمذهب السلف –إذًا- وسطٌ بين المعطِّلة والمشبِّهة يُثبتون ذاتَه وصفاتِه من غير تمثيلٍ ولا تكييفٍ ولا تعطيلٍ، أمَّا غيرهم من أهل الأهواء فإنَّ كلَّ واحدٍ من الفريقين يجمع بين التعطيل والتمثيل، ويوضِّح ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (5/ 27) صورة ذلك بقوله: « وكلُّ واحدٍ من فريقَيِ «التعطيل» و«التمثيل»: فهو جامعٌ بين التعطيل والتمثيل: أمَّا المعطِّلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلاَّ ما هو اللائق بالمخلوق ثمَّ شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثَّلوا أوَّلاً وعطَّلوا آخِرًا، وهذا تشبيهٌ وتمثيلٌ منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيلٌ لِما يستحقُّه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى. فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش لَلَزِمَ إمَّا أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكلُّ ذلك من المحال ونحو ذلك من الكلام: فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلاَّ ما يثبت لأيِّ جسمٍ كان على أيِّ جسمٍ كان، وهذا اللازم تابعٌ لهذا المفهوم. أمَّا استواءٌ يليق بجلال الله تعالى ويختصُّ به فلا يَلزمه شيءٌ من اللوازم الباطلة التي يجب نفيُها كما يَلْزَم من سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثِّل: إذا كان للعالَم صانعٌ فإمَّا أن يكون جوهرًا أو عرضًا. وكلاهما محالٌ؛ إذ لا يُعقل موجودٌ إلاَّ هذان. وقوله: إذا كان مستويًا على العرش فهو مماثلٌ لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك؛ إذ لا يُعلم الاستواء إلاَّ هكذا، فإنَّ كليهما مثَّل وكليهما عطَّل حقيقةَ ما وصف الله به نفْسَه، وامتاز الأوَّل بتعطيل كلِّ اسمٍ للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواءٍ هو من خصائص المخلوقين.

    والقول الفاصل: هو ما عليه الأمَّة الوسط؛ من أنَّ الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختصُّ به فكما أنه موصوفٌ بأنه بكلِّ شيءٍ عليمٍ وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ وأنه سميعٌ بصيرٌ ونحو ذلك. ولا يجوز أن يُثْبَت للعلم والقدرة خصائصُ الأعراض التي لِعِلْمِ المخلوقين وقدرتهم فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يُثْبَت لفوقيته خصائصُ فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمُها.»

    ٣- نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا صفةٌ فعليةٌُ خبريةٌ متعلِّقةٌ بمشيئة الله وقدرته ثابتةٌ لله تعالى بالأحاديث الصحيحة التي بلغت حدَّ التواتر، وأشهرها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» [أخرجه البخاري في «التهجُّد» (3/ 29) باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، ومسلم في «صلاة المسافرين وقصرها» (1/ 521) باب: 24. الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، وأخرجه غيرهما. قال ابن عبد البرِّ في «التمهيد» (7/ 128): «وهو حديثٌ منقولٌ من طرقٍ متواترةٍ ووجوهٍ كثيرةٍ من أخبار العدول عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم»].

    واتَّفق السلف على إثبات صفة النزول لله تبارك وتعالى حقيقةً كما يليق بجلاله، والإيمانِ بها وإجرائها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، قال ابن عبد الهادي -رحمه الله- في «الصارم المنكي» (191): «واعلم أنَّ السلف الصالح ومن سلك سبيلَهم من الخلف متَّفقون على إثبات نزول الربِّ تبارك وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا»، وقال ابن تيمية -رحمه الله- في «حديث النزول» (5): «واتَّفق سلف الأمَّة وأئمَّتها وأهل العلم بالسنَّة والحديث على تصديق ذلك وتلقِّيه بالقبول»، كما نقل ابن تيمية -رحمه الله- كلامَ أبي عمرٍو الطلمنكي -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (5/ 577) أنه قال: «وأجمعوا -يعني: أهلَ السنَّة والجماعة- على أنَّ الله ينزل كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء لا يحدُّون في ذلك شيئًا».

    وأهل السنَّة والجماعة وسطٌ بين من يفسِّر نزولَه بنزول أمره ورحمته وهُمُ المعطلة وبين من يمثِّل نزوله بنزول المخلوقين وهُمُ المشبِّهة، فإنَّ أهل السنَّة يُثبتون نزول الله تعالى كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا نزولاً حقيقيًّا ويُمرُّون الأخبار الثابتة كما جاءت على ظاهرها من غير تشبيهٍ له بنزول المخلوقين ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ ولا تعطيلٍ، وإنما يُثبتون ما أثبته النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وينتهون فيه إليه، ويكِلُون علمه إلى الله تعالى، ذلك لأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فكما لا تُعلم كيفية ذاته فلا تُعلم كيفية صفاته، إذ العلم بكيفية الصفة يتبع العلمَ بكيفية الموصوف. قال ابن عبد البرِّ -رحمه الله- في «التمهيد» (7/ 153): «وقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» عندهم مثل قول الله عزَّ وجلَّ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ كلُّهم يقول: ينزل ويتجلَّى ويجيء بلا كيفٍ، لا يقولون كيف يجيء؟ وكيف يتجلَّى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلَّى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيءٍ من خلقه وتعالى عن الأشياء ولا شريك له، وفي قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجلِّيًا للجبل، وفي ذلك ما يفسِّر معنى حديث التنزيل». وقال الذهبي -رحمه الله- في «سير أعلام النبلاء» (11/ 376): «هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول قد صحَّت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرَّضوا لها بردٍّ ولا تأويلٍ، بل أنكروا على من تأوَّلها مع إصفاقهم على أنها لا تُشبه نعوتَ المخلوقين، وأنَّ الله ليس كمثله شيءٌ، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإنَّ في ذلك محاولةً للردِّ على الله ورسوله، أو حَوْمًا على التكييف أو التعطيل».

    وقد تعرَّض ابن تيمية -رحمه الله- لهذه المسألة في كتابه «شرح حديث النزول» مبيِّنًا فيه مذهب السلف وأئمَّة السنَّة، فأقام الحجج والأدلَّة، وفنَّد شبهات المعطِّلة والمؤوِّلة والمشبِّهة ونقضها من أساسها نقضًا علميًّا محكمًا.

    هذا، وإن كان أهل السنَّة لم يُحفظ عنهم نزاعٌ في تقرير هذا المذهب في الصفات مع اتِّفاقهم على صفة النزول إلاَّ أنهم يختلفون في مسألة خلوِّ العرش منه حالَ نزوله، وما عليه جمهور أهل السنَّة أنَّ الله ينزل ولا يخلو منه العرش، وبه قال الإمام أحمد وإسحق بن راهويه وحمَّاد بن زيد وغيرهم [انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (149)]. وهذه المسألة مرتبطةٌ بأنواع الفعل الاختياري كالنزول والمجيء والإتيان والذهاب والهبوط: هل هي بحركةٍ وانتقالٍ أم لا؟

    قال ابن تيمية -رحمه الله- في «شرح حديث النزول» (58) و«مجموع الفتاوى» (5/ 402): «واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنَّة والحديث: في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك. هل يقال: إنه بحركةٍ وانتقالٍ؟ أم يقال: بغير حركةٍ وانتقالٍ؟ أم يُمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوالٍ ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب «اختلاف الروايتين والوجهين». فالأوَّل قول أبي عبد الله بن حامدٍ وغيره. والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته. والثالث: قول أبي عبد الله بن بطَّة وغيره».

    قلت: والذي يتوافق مع أصول أهل السنَّة وقواعدهم هو إثبات ما أثبته الكتاب والسنَّة مع التقيُّد بألفاظ الشارع ونصوصه، وعدم التعرُّض بنفيٍ ولا إثباتٍ لِما لم يَرِدْ فيهما، فالإمساك عن الأمرين هو أحقُّ بالصواب والاتِّباع كما أفصح عن ذلك ابن القيِّم -رحمه الله- بقوله: «وأمَّا الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرَّك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهُمْ أسعد بالصواب والاتِّباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النصُّ، وسكتوا عمَّا سكت عنه، وتظهر صحَّة هذه الطريقة ظهورًا تامًّا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النصُّ عنها مجملةً محتمِلةً لمعنيين: صحيحٍ وفاسدٍ، كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيِّز والجهة والأعراض والحوادث والعلَّة والتغيُّر والتركيب، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حقٌّ وباطلٌ، فهذه لا تُقبل مطلقًا ولا تُرَدُّ مطلقًا، فإنَّ الله سبحانه لم يُثبت لنفسه هذه المسمَّيات ولم يَنْفِها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإنَّ معانِيَها منقسمةٌ إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له، فإنَّ الانتقال يراد به انتقالُ الجسم والعَرَض من مكانٍ هو محتاجٌ إليه إلى مكانٍ آخَرَ يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباتُه للربِّ تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتُها لله تعالى، ويراد بالحركة والانتقال حركةُ الفاعل من كونه غيرَ فاعلٍ إلى كونه فاعلاً، وانتقاله -أيضًا- من كونه غيرَ فاعلٍ إلى كونه فاعلاً. فهذا المعنى حقٌّ في نفسه لا يُعقل كونُ الفاعل فاعلاً إلاَّ به، فنفيُه عن الفاعل نفيٌ لحقيقة الفعل وتعطيلٌ له، وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعمُّ من ذلك، وهو فعلٌ يقوم بذات الفاعل يتعلَّق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاعَ الفعل بنفسه فيه، وقد دلَّ القرآن والسنَّة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يومَ القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظُلَلٍ من الغمام والملائكةُ، وينزل كلَّ ليلةٍ إلى سماء الدنيا، وينزل عشيَّةَ عرفةَ، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنَّة، وهذه أفعالٌ يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيُها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصَّة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصَّة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجُزْ نفيُه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجُزْ إثباتُه له، وحركة الحيِّ من لوازم ذاته، ولا فرْقَ بين الحيِّ والميِّت إلا بالحركة والشعور، فكلُّ حيٍّ متحرِّكٌ بالإرادة وله شعورٌ، فنفيُ الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفيَ الحياة» [«مختصر الصواعق المرسلة» للموصلي (2/ 404-405)].

    ٤- وقول المصنِّف -رحمه الله-: «ونحوهما» أي: من أنواع الفعل اللازم القائم به كالمجيء والإتيان، والهبوط والدنو، والقرب والتقرُّب، والغضب والرضى والفرح، وأنواع الفعل المتعدِّي كالخلق والرزق، والإماتة والإحياء، والقبض والبسط، ونحو ذلك من صفات الله الفعلية الاختيارية الثابتة بالنصوص الشرعية، فالواجب الإيمان بحقيقتها على ما يليق به سبحانه مع القطع بأنَّ الله ليس كمثله شيءٌ في جميع ما يصف به نفْسَه أو ما يصفه به رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

    ٥- وقول المصنِّف -رحمه الله- «بلا كيفٍ» تقرير لمنهج السلف في إثبات صفة الاستواء والنزول ونحوهما من الصفات الفعلية الاختيارية لفظًا ومعنًى، واعتقادهم بأنَّ الله مستوٍ على عرشه وينزل إلى سماء الدنيا كلَّ ليلةٍ استواءً أو نزولاً يليق بجلاله سبحانه، إلاَّ أنهم يكِلُون علْمَ كيفية ذلك الاستواء والنزول إلى الله تعالى الذي استأثر بعلمه، قال ابن القيِّم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (3/ 359): «إنَّ العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف بلا كيفٍ أي: بلا كيفٍ يعقله البشر، فإنَّ من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيَّته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنَّا نعرف معانيَ ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخِر، ولا نعرف حقيقة كيفيَّته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزُنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم».

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء 20 فبراير 2018 - 12:52