منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

أخي الزائر انت غير مسجل يمكنك التسجيل والمساهمة معنا في إثراء المنتدى ...وأهلا وسهلا بك دوما ضيفا عزيزا علينا ...شكرا لك لاختيار منتدانا كما ندعوك لدعوة اصدقائك للاستفادة من المنتدى وإثرائه ..شكرا وبارك الله فيكم جميعا
منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

منتدى تلات عبد القادر للعلوم والمعارف والثقافات لكل الفئات العمرية والأطياف الفكرية

اخي الزائر شكرا لك على اختيارك لمنتدانا ..كما نرجو لك وقتا ممتعا واستفادة تامة من محتويات المنتدى..وندعوك زائرنا الكريم للتسجيل والمشاركة في إثراء المنتدى ولو برد جميل ...دمت لنا صديقاوفيا..وجزاك الله خيرا.

المواضيع الأخيرة

» نسخة اصلية لكتاب اطلس التاريخ الإسلامي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:12 من طرف Admin

» أرشيف صور ثورة الجزائر الخالدة المصور
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:09 من طرف Admin

»  دليل المقاطع التعليمية للسنة الأولى ابتدائي و السنة الثانية ابتدائي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:00 من طرف Admin

» مناهج الجيل الثاني على شكل ppv ستساعدكم بإذن الله
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:58 من طرف Admin

» مذكرات الرياضيات للسنة أولى إبتدائي مناهج الجيل الثاني2016/2017
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:57 من طرف Admin

» منهجية تسيير جميع مقاطع ا اللغة العربية للسنة الأولى في الجيل الثاني
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:55 من طرف Admin

» مذكرات الأسبوع الخامس للسنة الأولى *** - الجيل الثاني - منقولة ،
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:55 من طرف Admin

» التقويم في منهاج الجيل الثاني وفق المقاربة بالكفاءات
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:53 من طرف Admin

» التدرج السنوي2016/2017 يشمل جميع المواد : الأدبية + العلمية + زائد مواد الإيقاظ وفق مناهج الجيل الثاني ،
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:52 من طرف Admin

» دليل المقاطع التعليمية للسنة أولى و الثانية ابتدائي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:51 من طرف Admin

» دفتر الأنشطة للغة+اسلامية+مدنية للسنة 2 بتدائي للجيل الثاني 2016-2017 م
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:50 من طرف Admin

» مناهج الجيل الثاني ابتدائي و الوثائق المرافقة لكل المواد في مجلد واحد
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:47 من طرف Admin

» الكراس اليومي مع مذكرات جميع أنشطة الأسبوع 6 سنويا المقطع 2 الأسبوع
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:46 من طرف Admin

» دليل الأستاذ السنة الثانية س2 رياضيات تربية علمية كاملا
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:44 من طرف Admin

» منهجية تسيير أسبوع الإدماج في اللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية المدنية للسنة الثانية الابتدائي لجميع المقاطع
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:43 من طرف Admin

التبادل الاعلاني

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

    وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    شاطر

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:40

    موقع قصة الإسلام
    وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    الإسلام في غرب افريقياقد يضع الزارع البذرة، ثم يبتعد عنها ويتركها، ولا يدري أي مبلغٍ قد تبلغ، ثم يراها غيره بعد سنوات، فإذا بها دوحة عظيمة الجذع، كثيرة الأغصان، وارفة الظلال، وإذا بعشرات من الزرَّاع غيره ينهضون لرعايتها، والحفاظ عليها حتى تثمر ثمرًا طيبًا، سائغًا أُكُله، ويكون الفضل والجزاء العظيم لمن بذر البذرة في البداية.



    هذا هو ملخص قصة الإسلام في غرب إفريقيا التي طرق الإسلام بابها مبكرًا في عام 46هـ، وهي الفترة التي وصلت فيها طلائع المسلمين بقيادة عقبة بن نافع إلى إقليم كوار[1].



    وعندما نتحدث عن غرب إفريقيا فنحن في الواقع نتحدث عن إقليم كبير يشغل مساحة شاسعة من الأرض؛ إذ يشتمل على خمسَ عشرةَ دولة، هي: السنغال، جامبيا، الجابون، غينيا بيساو، غينيا (كوناكري)، سيراليون، ليبيريا، ساحل العاج (كوت ديفوار)، غانا، توجو، بنين، نيجيريا، بوركينا فاسو، مالي، موريتانيا. ويحدّ الإقليم من الشرق تشاد والكاميرون، بينما يحده المحيط الأطلنطي من الغرب والجنوب، والجزائر وليبيا من الشمال. ويُعَدُّ الإسلام الدين الرسمي لأغلبية السكان البالغ عددهم -حاليًّا- ما يزيد على مائتي مليون وخمسة ملايين نسمة، بينهم مائة وأربعة عشر مليون مسلم، أي قرابة 55 %[2].



    الموقع الجغرافي لغرب أفريقياولقد جاء الإسلام منقذًا لشعوب غرب إفريقيا من جاهلية الوثنية التي كانوا متردِّين فيها، ومن التقاليد البالية التي قيَّدوا أنفسهم بها.



    كانت الوثنية هي عقيدة سكان غرب إفريقيا قبل أن يصل إليها الإسلام؛ ولذلك كانت دولة المرابطين تقود حرب جهاد إسلامي ضد سكان غرب إفريقيا في محاولة لنشر العقيدة بين الوثنيين.



    أمَّا بالنسبة لتقاليد هذه الدول فقد اشتهرت بالعمل في التجارة، فقد لعبت التجارة دورًا مهمًّا في اقتصاديات هذه الفترة، وكثيرًا ما كانت تقوم المشاحنات والخلافات بين الدول من أجل احتكار التجارة، فنجد مثلًا إمبراطورية غانا قد انتهجت نظام الاحتكار الذي يُستَخدَم حتى اليوم بالنسبة لبعض السلع، مثل الماس الذي تحتكره الشركات الكبرى الآن، وكان حكام غانا يتَّبعون نفس الأسلوب بالنسبة للذهب، وبالتالي استطاعوا تحقيق مكاسب تجارية كبرى، وصار الذهب الموجود في شمال إفريقيا أو في أوربا يأتي من غانا، وظلت تحتكر هذه التجارة حتى اختفت في القرن الثالث عشر؛ لتحل محلها إمبراطورية أخرى هي دولة مالي، التي واصلت نفس التقدم الذي شهدته دولة غانا[3].



    وبالنسبة للأوضاع الاجتماعية؛ فقد كان الرِّقُّ منتشرًا، وإن كان بشكل مختلف عن الرقِّ المعروف عند العرب قبل الإسلام؛ فنجد أن قبيلة لمتونة -وغيرها من القبائل- كانت تنقسم إلى طبقتين: طبقة السادة (أمازيغ)، وطبقة الرقيق (الأمجاد). ويحتكر السادة الحياة السياسية، فيؤلِّفون مجالس القبيلة، ويتولَّوْنَ قيادة الجيوش، ويُسَيِّرون أمور القبيلة وفق إرادتهم، كما يحتكرون التجارة، ويدافعون عن أفراد القبيلة ضدَّ أي مكروه.



    أمَّا الأمجاد أو الرقيق فهم لا يباعون، ولا يُشترون كالعبيد، ولا يعتقون، وإنما يُورثون كما يُورث المتاع، وهم يَتفانون في الدفاع عن القبيلة، ولهم الحقُّ في اقتناء الثروات كيفما طاب لهم، ولكن هذه الأموال يرثها السيد بعد وفاتهم، كما أنهم يقومون بكل الأعمال؛ فهم يرعَوْنَ الماشية، ويؤدُّون كل ما تحتاجه القبيلة من عمل يدوي، ويؤدُّون لسادتهم نصيبًا معلومًا كل عام من الإبل ونتاجها[4].



    وقد عرف الغرب الإفريقي الممالك المنظمة، التي كان من أشهرها مملكة غانا، والتي تُعتَبَر من أقدم الممالك في غرب إفريقيا؛ فلقد اندفعت هجرات من الأمازيغ إلى إمارات الهوسا، وأقامت عدة دويلات في المنطقة الممتدة من النيجر في الغرب إلى بحيرة تشاد في الشرق، وكانت هذه الجماعات الزنجية تعيش على هيئة جماعات مسالمة يرأسها الأكبر سنًّا، ولكل منها كهنوته، واستطاع واحد من هذه الشعوب قبل انتشار الإسلام أن يؤسس دولة، وهذا هو شعب الماندي وأسس دولة نمانة.



    وكان قيام هذه الدولة في عام 300 ميلادية أن اتخذت من مدينة أوكار قرب تمبكت الحالية مقرًّا لها، واستمرَّت هذه الدولة حتى استطاع فرع آخر من شعوب الماندي أن يستولي على هذه الدولة، ويؤسس إمبراطورية غانا، التي صارت في عام 800م دولة تجارية قويَّة، وصار اسم غانا هو السائد؛ لأن أحد حكامها يدعى بهذا الاسم، أي: الرئيس المحارب، وكان كل ملك يحمل اسمه فضلًا عن لقب غانا، وكان أحد ألقابه كياماجان (Kata Maghan)، ومعناها سيد الذهب؛ لأن الملك كان يتحكَّم في تصدير هذا المعدن النفيس.



    وتُعتبر غانا من أقدم الإمبراطوريات في غرب القارة، وهي تختلف كثيرًا عن الممالك السودانية الأخرى؛ لأن السبب في نشأتها لم يكن عسكريًّا، بل هي نتيجة اختلاط جماعات مختلفة من الزنوج والمغاربة[5].
    انتشار الإسلام في غرب إفريقيا

    ولقد بدأ انتشار الإسلام في غرب إفريقيا نتيجة الدعوة التي قامت بها الدول التي تأسست هناك، ولعل أهمها دولة المرابطين، الذين أرسلوا الدعاة إلى جهات كثيرة من القارة الإفريقية حتى وصلوا إلى الجابون، وأقاموا رباطًا في كل مكان حلُّوا به، ثم الدول التي نشأت في تلك الجهات مثل: غانا، ومالي، وغيرهما. وفي العصر الحديث قامت الدعوة على نطاق واسع من قِبل دول الفولاني، مثل: دولة عثمان دونفديو في شمال نيجيريا، وحركة الحاج عمر، وغير ذلك.



    ومما ساعد على انتشار الإسلام كذلك الحياة القبلية، فإسلام أحد أمراء القبائل يشجع كثيرًا من الأفراد على اعتناق الإسلام، وإن حركة القبائل من أجل المراعي أو اندفاعها نحو الجنوب أمام ضغط من الشمال يجعل هذه الحركة على تماسٍّ مع قبائل أخرى، فينتشر بينها الإسلام؛ لذا فإن انتقال الإسلام نحو الجنوب باتجاه خليج غانا كان بسبب حركة القبائل وانتشار الدعاة، وزادت نسبة المسلمين في هذه البلاد على 50 % من مجموع السكان، ولولا ضغط الاستعمار، ووقوفه في وجه الإسلام، وإفساحه المجال للإرساليات التنصيرية؛ لتُشرفَ على التعليم، وتسعى للحد من انتشار الإسلام عن طريق تقديم المساعدات والإغراء، لولا ذلك لعَمَّ الإسلام المنطقة كاملة[6].


    أسباب انتشار الإسلام في غرب أفريقيا

    وقد تَغلغل الإسلامُ في غربي إفريقيا بِوجهٍ عامٍّ، وفي بلاد (الهوسا) بوجهٍ خاصٍّ لأسباب منها:

    1- ما استشعره العلماءُ والدُّعاة من مسئولية الدَّعوة إلى الله وتبليغِ دين الله أنَّى حلُّوا.



    2- بَساطةُ العقيدة الإسلاميَّة وسماحتها؛ فهي عقيدةٌ تَتَّفق مع الفطرة السليمةِ، وتدركها العقولُ بسهولةٍ ويُسرٍ، وليست بحاجةٍ في شرحها وتوضيحها وإقامة براهينها إلى مصطلحاتٍ فلسفيَّةٍ، أو أدواتٍ منطقيَّةٍ، أو تعبيراتٍ أدبيَّةٍ، يدركها الصَّغير والكبير على حدٍّ سواء؛ فهي سهلةُ الفَهم في مقدِّماتها ونتائجها، فلا يجد أحدٌ صعوبةً في إدراك صدقِ هذه العقيدة واتِّفاقها مع كلِّ المقدِّمات والنتائج العقليَّة[7].



    ولم يكن انتشار الإسلام في غرب إفريقيا مرتبطًا بعامل واحد، بل كانت هناك عوامل شتى، وأدوار متعددة، وطوائف متنوعة يرجع إليها الفضل بعد الله في انتشار الإسلام، ومن هذه الطوائف:


    أولاً: طائفة الغزاة الفاتحين:

    ويرجع الفضل إليهم منذ القرن الأول الهجري في دخول الإسلام إلى غرب إفريقيا حيث أقاموا دولًا إسلامية بعد نجاحهم. وأول هؤلاء الغزاة عقبة بن نافع، الذي ولاَّه عمرو بن العاص على شمال إفريقيا، ففتحها وأسس بها مدينة القيروان، وجعلها مركزًا لانطلاق دعوته، وترك بها جالية عربية إسلامية، ثم رجع إلى مصر. ولم تتَّسع فتوحاته هذه المرَّة إلى الأرجاء المجاورة، ولما تولَّى مرَّة ثانية في عهد يزيد بن معاوية واصل فتوحاته صوب الغرب، حتى وصل بلاد السوس، حيث أسلمت قبائل المصامدة، ثم استمرَّ حتى انتهى إلى البحر المحيط، فنزل بفرسه فيه حتى بلغ الماء نحره، وقال قولته المشهورة: (اللهم إني أشهدك أن لا مجاز، ولو وجدت مجازًا لجزت).



    ثم انصرف راجعًا، وسار نحو الجنوب حتى صادف قبائل صنهاجة، فأسلموا على يديه، ودخل طنجة، ثم سار جنوبًا، واستمر في أطراف بلاد السودان، ودخل بلاد غانا، وغينيا، وتكرور، وأسلمت على يديه بعض القبائل الأمازيغية، ويُعَدُّ أول قائد إسلامي استُشْهِد في إفريقيا.



    ووُلِّيَ موسى بن نُصَيْر على إفريقيا خلفًا لعقبة، فأعاد إلى الإسلام القبائل الأمازيغية المرتدَّة، حتى حَسُن إسلامها، وشاركت في فتح إفريقيا والأندلس.

    ثم تولَّى على إفريقيا في عهد عبد الملك بن مروان زُهَيْر بن قيس، وتوسَّع في فتوحاته حتى استُشهد بها، وخلفه عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة، فغزا بلاد السوس، وحفر سلسلة من الآبار في الصحراء، واستطاع أن يصل شمال إفريقيا بجنوب الصحراء صلة قويَّة.



    وخلال عهد الخلفاء الراشدين وحُكم بني أمية كان الغرب الإفريقي في التنظيم الإداري تابعًا لمصر، ثم توالت فتوحات المرابطين، وغيرهم من الحكومات[8].


    ثانيًا: الطرق الصوفية:

    لقد أَسْدَت الطرق الصوفية في القارَّة الأفريقية دورًا محمودًا وجهدًا مشهودًا في نشر الإسلام في غرب القارة، وتمثَّل هذا الدور في نشر التعاليم الإسلامية، والدعوة للتسامح مع المسيحيين، واستخدم وسائل الترغيب وليس الترهيب لنشر الدعوة الإسلامية، فضلًا عن إنشاء المساجد والزوايا التي صارت خلايا للذكر والعبادة، وفتح المدارس، وشراء العبيد وتعليمهم مبادئ الدين الإسلامي، ثم عتقهم وإرسالهم كدُعاة لنشر الدعوة في مناطق مختلفة، ومن الطرق الصوفية التي كان لها باع في نشر الدعوة الطريقة القادرية، والتيجانية، والسنوسية[9].


    ثالثًا: التجَّار المتجوِّلون:

    وتُعَدُّ طائفتهم من أهم الطوائف التي نشرت الإسلام في غرب إفريقيا، فقد كانت القوافل التِّجارية تنقل الأسلحة والملابس من شمال إفريقيا إلى غربها، ونلاحظ أن التجار عندما كانوا يحُلُّون بالبلاد كانوا يختلطون بسكان المناطق التي ينزلون فيها، ويتزوَّجون منهم، بل وأنشئوا قرىً جديدة في طريقهم، وكوَّنوا لأنفسهم جاليات إسلامية تُقِيم إقامة دائمة بالبلاد التي ينزلون بها، كما أقاموا مراكز تِجارية ومرافئ للمركب والسفن، وشيَّدوا المساجد، ولا يزال بعضها باقيًا حتى الآن، وكانوا يفتحون المدارس القرآنية في هذه الأماكن، ويتبادلون الأفكار مع السكان والملوك والرؤساء، وقد وَجَدَت الأفكار الإسلامية تقبُّلًا واستجابة من النفوس الطيبة، وبعدَ وقت قصير تحوَّل الكثير من سكان المنطقة من الوثنية إلى الإيمان[10].


    رابعًا: الدُّعاة والمعلِّمون:

    إن الدعوة الإسلامية كانت دعوة رُوحية خالصة، وكان الداعي المسلم يتعقَّب الفاتح؛ ليُكمل النقص في هداية الناس إلى الإسلام، وقد نجح الروَّاد المسلمون الأوائل في دخول الناس في دين الله أفواجًا، وقد أدى هذا إلى تكوين دول إسلامية في مناطق كثيرة من القارَّة وخاصَّة في غربها، وذلك على أنقاض دول وثنية[11].

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:42

    المقصود بالمغرب هي المناطق التي تمتد من الحدود الغربية لمصر، وحتى شواطئ المحيط الأطلسي، سكنها البربر وسيطر عليها البيزنطيون، وقد احتل الرومان المغرب، ثم جاء الإسلام وتم الفتح في عصر عمر بن الخطاب ومَنْ بعده، وكان لفتنة عثمان بن عفان أثر في مواصلة الفتح، فبعد فتح مصر وليبيا، تم إنشاء مدن منها مدينة تونس ودار صناعة السفن بها، ومدينة القيروان، ثم ظهر عصر الولاة عصر التقلبات السياسية، ثم ظهرت الدول المحلية كالأغالبة والأدارسة والعُبيديين، وقد انتشر المذهب المالكي في المغرب الإسلامي.
    ولم يستقر أمر ولاة إفريقية في عصر بني أمية فسيطر الخوارج الصفرية على المغرب الأقصى، وظهرت الإباضية في المغرب الأدنى والأوسط، وشهد العصر العباسي تقلص سلطة الخلافة على الولايات؛ وظهرت الفتنة الكبرى، فاستقلت الولايات الإفريقية وصارت دولاً مستقلة؛ مثل: دولة بني مدرار في سجلماسة، والدولة الرستمية في تاهرت، ودولة الأدارسة بالمغرب الأقصى، ودولة الأغالبة في تونس.
    وظهر المرابطون في صحراء موريتانيا، وكان من مبادئهم إبقاء عقيدة الأمة نقية، وتوحيد المغرب، وحماية الأمة من المفسدين، وحفظ الشريعة، وإعداد الأمة إعدادًا جهاديًّا، وكان من حكامها يوسف بن تاشفين فاستنجد به أمراء الطوائف بالأندلس، فمنحهم الله النصر في موقعة الزَّلاَّقة، وبعد سنوات ضَمَّ الأندلس إليه للحفاظ على المسلمين هناك.
    وبعد عهد يوسف بن تاشفين ضعف المرابطون، لانغماسهم في الملذات، وانحراف نظام الحكم عن نظام الشورى إلى الوراثي، والتعصب المذهبي، وحلول الجفاف بالأندلس والمغرب، وانتشار الأوبئة، وظهور الموحدين على يد محمد بن تومرت.
    وعندما تولَّى أبو يوسف يعقوب الموحدي كان عهده العصر الذهبي لدولة الموحدين، ثم بدأ عصر الضعف من جرَّاء ظلمهم وسفكهم للدماء، وثورات الأعراب والأندلسيين عليهم، والنزاع على الخلافة بينهم، والانهيار العسكري، والانغماس في الشهوات، وتقلُّص الدولة في إفريقية والمغرب والأندلس، فقامت دولة الحفصيين في تونس، ودولة بني عبد الواد في تلمسان، وحُكْم بني مرين في المغرب الأقصى، واحتل البرتغاليون شواطئ المغرب، فظهر السعديون بقيادة القائم بأمر الله، فأنهى حكم بني وطاس، وانتصر على البرتغاليين، وكان العثمانيون يدعمون السعديين، فأوقعوا بينهما، فضم العثمانيون المغرب الأقصى إليهم، وازداد النفوذ اليهودي في الدولة العثمانية، ومع ضعف الدولة العثمانية برزت الأسرة القرمانية في ليبيا.
    وكان الاحتلال البرتغالي لتعقب المسلمين وتطويق العالم الإسلامي واستعانوا في ذلك بالحبشة فظهرت الكشوف الجغرافية وتلاها الاستعمار الأوربي للقارة، فظهرت المقاومة الإسلامية في مواجهة الاحتلال حتى نالت استقلالها؛ كما في ليبيا بقيادة الشيخ أحمد السنوسي ومعه الشيخ عمر المختار، والجزائر بقيادة محيي الدين الحسني، والمغرب بقيادة الشيخ الهبة ابن الشيخ ماء العينيين، وغيرهم.
    شمال إفريقيا والبربر
    يرادف لفظ أو مصطلح "المغرب" اصطلاح "شمال إفريقيا"، والذي استعمله الجغرافيون والمؤرِّخون عند الحديث عن المناطق التي تمتد من الحدود الغربية لمصر، وحتى شواطئ المحيط الأطلسي.
    وكانت بلاد المغرب الأدنى تضم برقة، وطرابلس وتمتد غربًا حتى بجاية أو تاهرت، وقاعدتها مدينة القيروان. أما بلاد المغرب الأوسط فتضم المنطقة الممتدة من تاهرت وحتى وادي ملوية وجبال تازة غربًا، وقاعدتها تلمسان وجزائر بني مزغنة. وأما المغرب الأقصى فيمتد من وادي ملوية وحتى مدينة أسفى على المحيط الأطلسي وجبال درن جنوبًا[1].
    وكان المغرب موطنًا لصنفين من البشر، هما:
    1- البربر: وهم أهل الإقليم.
    2- البيزنطيون: وهم المحتلون للإقليم، وكان تركزهم في المناطق الساحلية أكثر من وجودهم داخل البلاد[2].
    يجب أن نتعرَّف بدايةً على صفات الشخصية البربرية؛ لكي نستطيع تفسير ما جرى في أحداث الفتح من مقاومة شديدة من قِبَل البربر للإسلام، ثم اندفاعة البربر بعد إسلامهم نحو الفتوح بكل قوة.
    فالبربر يصفهم ابن خلدون بأنهم مرهوبو الجانب، شديدو البأس، تخلقوا بالفضائل الإنسانية من خلق وعز وكرم[3].
    ومفتاح شخصية هذا البربري هو تمسكه بحريته، يدافع عنها بإصرار، وتاريخه يُنبئ عن هذا، ومقاومته ضد الرومان والبيزنطيين نجحت أحيانًا في بعض المناطق، فتأسست على أساسها دويلات بربرية مستقلة، ولم يُثنِ البربر عن ثورتهم طوال فترة الثورة التضحياتُ بالروح والمال.

    [1] محمد ضيف الله بطاينة: دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين، ص267. ود/ علي محمد الصلابي: حركة الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي، ص15،16. ود/ طاهر راغب: موجز تاريخ المغرب، ص3.
    [2] د/ طاهر راغب: موجز تاريخ المغرب، ص4. بطاينة: دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين، ص269.
    [3] ابن خلدون: كتاب العبر: الفصل الثالث في ذكر ما كان لهذا الجيل قديمًا وحديثًا من الفضائل الإنسانية والخصائص الشريفة الراقية بهم إلى مراقي العز ومعارج السلطان والملك، 6/103.
    تاريخ المغرب قبل الإسلام وبعده
    تاريخ المغرب قبل الإسلامتشتمل قصة المغرب على عدة عصور؛ إذ كانت محتلة من قِبَل الرومان قبل الفتح الإسلامي، أما بعد ذلك فكان هناك عصر الفتح الإسلامي، والذي امتد من سنة 21هـ إلى سنة 98هـ، بينما بدأ عصر الولاة من 98هـ إلى ما بين 144- 184هـ حسب اختلاف الولايات، ثم عصر الدول المحلية كالأغالبة، والأدارسة، والعُبيديين (الذين انتسبوا زورًا للسيدة فاطمة رضي الله عنها، وسموا أنفسهم الفاطميين)، ثم دولة المرابطين، فالموحدين، والدولة الحفصية، والرُّستمية، والمرينية وغيرها، حتى وقعت الدول المغربية تحت الاحتلال الأجنبي في القرن التاسع عشر.
    يُعتَبر عصر الفتح عصر جهاد دائم ومستمر، واجه فيه المسلمون انتفاضات البربر المستمرة بزعامة الكاهنة، كما واجهوا الروم، وانتصروا عليهم، حتى استقر الأمر للمسلمين، وقد تمَّ فتح المغرب - منذ بدايته حتى استقرار الإسلام به - خلال فترة حُكم عدد من الخلفاء، هم:
    1 ـ عمر بن الخطاب.
    2 ـ عثمان بن عفان.
    3 ـ علي بن أبي طالب.
    4 ـ معاوية بن أبي سفيان.
    5 ـ عبد الملك بن مروان.
    6 ـ الوليد بن عبد الملك.

    وكان القادة الكبار الذين تولوا تبعاته، هم:
    أولاً: قادة فتح ليبيا:
    1 ـ عمرو بن العاص.
    2 ـ عبد الله بن سعد بن أبي السرح.
    3 ـ معاوية بن حديج.
    4 ـ بسر بن أبي أرطاة العامري.
    5 ـ عبد الله بن الزبير بن العوام.
    ثانيًا: قادة فتح تونس:
    1 ـ عبد الملك بن مروان.
    2 ـ رويفع بن ثابت الأنصاري.
    ثالثًا: قادة فتح الجزائر:
    1 ـ أبو المهاجر دينار.
    2 ـ عقبة بن نافع الفهري.
    3 ـ زهير بن قيس البلوي.
    4 ـ حسان بن النعمان الغساني.
    رابعًا: قادة فتح المغرب:
    1 ـ عقبة بن نافع الفهري.
    2 ـ حسان بن النعمان الغساني.
    3 ـ موسى بن نصير اللخمي.

    وكان عصر الولاة عصر تقلبات سياسية، وانتفاضات بربرية، ثم أتى عصر الدول المحلية التي انفصلت عن الخلافة العباسية، وكان منها دول شيعية، وأخرى خارجية، وثالثة سُنية.

    تطلع أهل ليبيا للخلاص الإسلامي
    نبدأ قصة المغرب من عصر الفتوح؛ إذ سبق الفتح الإسلامي للمغرب إرهاصات وأحداث وقضايا سياسية، ونزاعات عرقية وثورات محلية في مدينتي برقة وطرابلس، كان لها أثر بالغ في تغيير مجريات الأحداث السياسية والدينية في المنطقة، وتهيئة نفوس أهالي ليبيا لقبول الإسلام؛ حيث إنهم كانت قد بلغتهم أخبار فتح المسلمين لبلاد الشام ومصر، فتطلعوا إلى الخلاص على أيدي المسلمين من أولئك البيزنطيين وحكمهم الجائر التعسفي.
    لذلك حاول نفر من أهالي ليبيا التمرد على نظام الإمبراطورية البيزنطية والخروج إلى ناحية مصر، حتى يلتقوا بقائد الجيوش المسلمة عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان يومئذٍ حاكم مصر، وما أن وصل هؤلاء النفر حتى أعلنوا إسلامهم ودخلوا في دين الله سبحانه، وأعطوا ولاءهم لقيادة المسلمين بقيادة عمرو بن العاص، نيابة عن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه[1].
    ولما كان الحال في المغرب كذلك، فقد قرَّر عمرو بن العاص رضي الله عنه أن يضع إستراتيجية أمنية وقائية لمصر من الناحية الغربية؛ حتى يأمن شرَّ الروم القاطنين ناحية برقة وطرابلس، بعد أن أمن فتوحاته الشامية، وذلك بفتحه الإسكندرية.
    كما قرَّر عمرو بن العاص رضي الله عنه إرسال عقبة بن نافع الفهري رضي الله عنه في سنة 22 هـ/ 642م - على الأرجح بعد استئذان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه - كمقدمة استطلاعية لفتح المغرب، فافتتح عقبة زويلة صلحًا.
    وفي نفس العام سار عمرو بن العاص بنفسه من مصر حتى بلغ برقة، وكانت تنزلها بعض بطون من قبائل لتوانة وزواغة، وكانت هذه القبائل ساخطة على البيزنطيين لما كانوا عليه من الظلم والعسف وجباية الضرائب منهم، فصالحوا المسلمين على الجزية، وكان أهلها يرسلون ما عليهم من الأموال إلى والي مصر من غير أن يأتيهم حاث أو مستحث[2].
    وفي نفس السنة (22 هـ/ 642م) وصل عمرو بن العاص إلى مدينة أجدابية فافتتحها صلحًا على أن يدفع أهلها خمسة آلاف دينار، ولكن ما لبثوا على دفع الجزية إلا قليلاً، حتى أسلم معظم أهلها بعد أن رأوا من الفاتحين من العدالة والمساواة والصدق والأمانة والطهارة والعفة ما لم يروه من قبل في جيوش تلك الإمبراطوريات الهالكة[3].

    بعد وفاة عمر رضي الله عنه تولى عثمان رضي الله عنه، وكان من أهم أعماله أنه عمل على توطيد نفوذ المسلمين في كثير من البلاد التي تمَّ فتحها من قبل، كما نجح ولاته في ضم مناطق جديدة إلى حوزة الدولة الإسلامية.
    وحين تولى عثمان بن عفان رضي الله عنه خلافة المسلمين عزل عمرو بن العاص عن ولاية مصر سنة (26 هـ/ 646م) وعقدها لعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح الإذن من عثمان رضي الله عنه لاستكمال الفتوح في إفريقيا.

    الفتنة تؤخر الفتوح الإفريقية
    كان لا بد أن تؤثر فتنة عثمان رضي الله عنه وما تلاها من أحداث في نشاط الفتوح الإسلامية؛ إذ لم يكن من الميسور للقادة والجند أن يستمروا فيما كانوا آخذين فيه من فتوح بعد أن شبت نيران هذه الفتنة، ولا شك أن الأمداد قد انقطعت عنهم، وتوقعوا أن تحول حروب الداخل دون إرسال الجند إلى الأطراف فتركوا ما بأيديهم، ولبث بعضهم حيث هو ينتظر نتيجة الصراع المحتدم، وعاد البعض الآخر إلى الحجاز والشام ليسهم في هذه الأحداث[4]. لقد شغل المسلمون عن إفريقية والفتوح عامة بسبب فتنة عثمان رضي الله عنه ، ثم الحرب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ولم يتجدد نشاط الفتوح مرة أخرى إلا بعد استقرار الأمر لمعاوية سنة 41 هـ/ 661م[5].
    نشطت حركة الفتوح خلال عصر الدولة الأموية، وبدأ المسلمون يمارسون دورهم الحضاري في النهضة بأمر البربر، مع ترسيخ الوجود الإسلامي في المغرب، وقد كان من مظاهر ذلك:
    1- إنشاء المدن والعناية بها:
    بناء تونس:
    اختط هذه المدينة القائد حسان بن النعمان الغساني عام 82هـ؛ لتكون قاعدة عسكرية بحرية، ولتحول دون تكرار البيزنطيين الهجوم على قرطاجة عام 78هـ[6]. بنى حسان بن النعمان مدينة تونس على أنقاض قرية قديمة عرفت باسم ترشيش القديمة[7]، وإنما سميت تونس في أيام الإسلام لوجود صومعة الراهب، وكانت سرايا المسلمين تنزل بإزاء صومعته، وتأنس لصوت الراهب، فيقولون: هذه الصومعة تؤنس؛ فلزمها هذا الاسم فسميت باسم تونس[8]. واختط حسان تونس غربي البحر المتوسط بنحو عشرة أميال[9]، فقام بحفر قناة تصل المدينة بالبحر لتكون ميناء بحريًّا ومركزًا للأسطول الإسلامي بعد أن أنشأ فيها صناعة المراكب[10]، بخبراء في هذه الصناعة زوده بها والي مصر عبد العزيز بن مروان بناءً على توجيه الخليفة عبد الملك[11]. وقد بنيت مدينة تونس طبقًا لأهداف سياسية إستراتيجية، وأهداف اقتصادية اجتماعية تبناها الخليفة عبد الملك.
    أمّا الأهداف السياسية البعيدة المدى، فيتضح ذلك بوضع حد لاعتداءات الروم والمتمثلة بإغارتهم على الساحل الإفريقي، والسبيل الأمثل هو إيجاد قاعدة بحرية، وصناعة بحرية قادرة على إنشاء أسطوله مهمته صد العدوان الرومي بادئ الأمر، ثم الانتقال من مرحلة التصدي إلى الغزو والفتح فيما بعد، وقد تمثل تطبيق هذه المرحلة من قبل الخليفة عبد الملك فقام بالإيعاز لشقيقه والي مصر عبد العزيز بن مروان، لإرسال ألفي قبطي من مهرة الصناع لإقامة صناعة مراكب بحرية، وقام هؤلاء بالمهمة الموكلة إليهم خير قيام.
    وأما الهدف الثاني: فيتمثل بإيجاد حياة اجتماعية بإيجاد المؤسسات القادرة على خدمة الأفراد، فأقام في المدينة المسجد الجامع، ودار الإمارة، وثكنات للجند للمرابطة، وأخذ يقوم بتدوين الدواوين[12]، وتنظيم الخراج والعناية بالدعوة الإسلامية بين البربر، فقام بإرسال الفقهاء ليعلموهم اللغة العربية والدين الإسلامي[13]، وصارت المدينة معسكرًا حربيًّا في البداية، ومركز استيطان وإدارة لدعم الفتوحات، وأخيرًا مركزًا حضاريًّا ومركز إشعاع فكري وعلمي وثقافي[14].
    وهكذا رسخ الخليفة عبد الملك بن مروان أقدام الدولة الأموية بتأسيس مدينة تونس، وقطع دابر الغارات اليبزنطية بإيجاد مدينة إسلامية مرتبطة بالأهداف العليا للدولة[15].قبة مسجد القيروان

    القيروان مركز الحضارة الإسلامية بالمغرب
    لم تبدأ الحياة العلمية المركَّزة إلا بعد تأسيس القيروان سنة 50هـ، فسرعان ما أصبحت القيروان مركز الحضارة الإسلامية بالمغرب وعاصمته العلمية، منها انطلق الدعاة وإليها رحل طلاب العلم من الآفاق. ولا شك أن الصحابة الذين كانوا في جيش عقبة قد جلسوا للتدريس فيه على النمط الموجود في مدن المشرق آنذاك، فقد كان مع عقبة أثناء تأسيس القيروان ثمانية عشر صحابيًّا[16]، وقد مكثوا فيها خمس سنوات كاملة كان عملهم فيها - ولا شك - نشر اللغة العربية، وتعليم القرآن والسنة في جامع القيروان، وذلك أثناء بناء مدينة القيروان، حيث لم تكن هناك غزوات كبيرة تتطلب غيابًا طويلاً عن القيروان، أمّا في غزوة عقبة الثانية فقد كان معه خمسة وعشرون صحابيًّا[17]، وسائر جيشه من التابعين.
    ولقد استقطبت القيروان أعدادًا هائلة من البربر المسلمين الذين جاءوا لتعلم الدين الجديد، قال ابن خلدون عند حديثه عن عقبة: "فدخل إفريقية وانضاف إليه مسلمة البربر، فكبُرَ جمعُه، ودخل أكثر البربر في الإسلام ورسخ الدين[18]، ولا شك أن الفاتحين قد خصصوا لهم من يقوم بهذه المهمة"[19].
    ومن القيروان انتشر الإسلام في سائر بلاد المغرب، فقد بنى عقبة بالمغربين الأقصى والأوسط عدة مساجد لنشر الإسلام بين البربر، كما ترك صاحبه شاكرًا في بعض مدن المغرب الأوسط لتعليم البربر الإسلام[20]، ولما جاء أبو المهاجر دينار لولاية إفريقية تألَّف كُسيلة وقومه وأحسن إلى البربر، فدخلوا في دين الله أفواجًا ودعّم حسان بن النعمان - فيما بعد - جهود عقبة في نشر الإسلام بين البربر حيث خصّص ثلاثة عشر فقيهًا من التابعين لتعليم البربر العربية والفقه ومبادئ الإسلام[21]، وواصل موسى بن نُصير هذه المهمة حيث: أمر العرب أن يعلّموا البربر القرآن، وأن يفقّهوهم في الدِّين[22]، وترك في المغرب الأقصى سبعة وعشرين فقيهًا لتعليم أهله[23].


    2- إنشاء دار صناعة السفن بتونس:صناعة السفن- تونس- عهد الدولة الأموية
    عزَّزت الدولة الأموية القوة العسكرية بإنشاء سلاح البحرية، وأقامت دارًا لصناعة السفن في تونس، وزودت هذه الدار بما يلزمها من المواد والصناع[24].

    3- التوسع في الصناعات الحربية:
    توسعت هذه الصناعة في عهد عبد الملك بن مروان وفتح دارًا بتونس لصناعة السفن الحربية، وكانت نواة تلك الدار ألف عامل متخصص في صناعة السفن تم نقلهم من دار الصناعة - المنطقة الصناعية - بمصر، وقد تم وضع التنظيم اللازم وطريقة إمداد تلك الدار بالأخشاب من الغابات الإفريقية الداخلية، واختيار جماعات من البربر من سكان تلك المناطق للقيام بتلك المهمة، حيث هم أخبر الناس بمناطق وجود الأخشاب الجيدة الملائمة لتلك الصناعة[25]. وفي إرسال دار الصناعة بمصر لألف عامل ليكونوا نواة التصنيع بتونس، ما يدل على مدى تطور تلك الصناعة بمصر وكبر حجمها. وفي تطور لاحق لصناعة السفن الحربية بتونس، قام والي تونس بتوسيع دار الصناعة بها؛ فشق قناة بين الميناء وبين المدينة بطول اثني عشر ميلاً[26]، وشكلت هذه القناة ما يماثل اليوم أحواض بناء السفن أو الأحواض الجافة[27]، وأصبحت مناطق دور صناعة السفن الحربية مناطق جذب سكاني[28].

    [1] الصلابي: حركة الفتح الإسلامي، ص72.
    [2] ابن عبد الحكم: فتوح مصر وأخبارها: 170، 171. وابن يوسف الكندي: ولاة مصر: 33. وابن الأثير: الكامل في التاريخ 1/ 459. والبلاذري: فتوح البلدان، 1/ 264.
    [3] الصلابي: حركة الفتح الإسلامي، ص75.
    [4] د/ حسين مؤنس: فتح العرب للمغرب، ص110.
    [5] د/ حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص37.
    [6] رياض النفوس للمالكي نقلاً عن تجديد الدولة الأموية ص200.
    [7] معجم البلدان (2/601).
    [8] الروض المعطار ص144 نقلاً عن تجديد الدولة الأموية ص200.
    [9] تقويم البلدان نقلاً عن تجديد الدولة ص200.
    [10] دائرة المعارف الإسلامية (6/32).
    [11] تجديد الدولة الأموية ص200.
    [12] البيان المغرب (1/38).
    [13] المصدر نفسه (1/38).
    [14] تجديد الدولة الأموية ص203.
    [15] المصدر نفسه ص203.
    [16] البيان المغرب (1/20).
    [17] المصدر نفسه (1/23).
    [18] تاريخ ابن خلدون (4/186).
    [19] مدرسة الحديث في القيروان (1/51).
    [20] البيان المغرب (1/27)، ومدرسة الحديث في القيروان (1/51).
    [21] مدرسة الحديث في القيروان (1/52).
    [22] البيان المغرب (1/42).
    [23] المصدر نفسه (1/42).
    [24] اليعقوبي: تاريخه، ج2، ص324. د/ محمد ضيف الله بطاينة: دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين، ص315.
    [25] تاريخ الإسكندرية وحضارتها في العصر الإسلامي ص115، 116.
    [26] الإدارة في العصر الأموي ص222.
    [27] التطور الاقتصادي في العصر الأموي ص240.
    [28] المصدر نفسه ص240.
    عصر الولاة
    عرف المغرب بداية عصر الولاة بدءًا من عام 98هـ، والذي كان عصر قلاقل واضطرابات، وقد بدأت تلك الاضطرابات بعدما اختار سليمان بن عبد الملك يزيد بن أبي مسلم واليًا على إفريقية، وكان شديدًا كالحجّاج، وأراد أن يسير فيهم سيرة الحجّاج في أهل العراق؛ فكانت النتيجة أن قتلوه، ومن بعدها لم يستقر أمر ولاة إفريقية في عصر بني أمية، وشهد المغرب الفتنة المغربية الكبرى التي تضخمت في العصر العباسي، حتى وصلت إلى استقلال الولايات الإفريقية، وإقامة دول مستقلة فيها.
    لقد سيطر الخوارج على المغرب في أواخر عهد الدولة الأموية، وسار إليهم محمد بن الأشعث فدخل إفريقية وفيها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري يقاتل الخوارج[1].
    فقد برزت الخوارج الصفرية في المغرب الأقصى وسيطرت عليه، وظهرت الإباضية في المغرب الأدنى والأوسط، وأخضعت أجزاءً واسعة لنفوذها، وكان عبد الرحمن بن حبيب يقاتل الخوارج عندما قامت الدولة العباسية[2].
    وفي عام 155هـ جاء يزيد بن أبي حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة واليًا على إفريقية فانتصر على الخوارج الإباضية والصفرية، واستطاع أن يفرض نفوذ العباسيين في المغرب قبل نهاية حكم المنصور، وبقي يزيد بن حاتم في المغرب حتى عام 170هـ[3].
    ثم سادت الاضطرابات في إفريقية اعتبارًا من عام 171 هـ/ 787م بفعل خروج الخوارج وقادة الجند والبربر؛ فأرسل الرشيد هرثمة بن أعين واليًا على إفريقية، وأمره بقمع الانتفاضات وتوطيد الأمن، فنجح في مهمته ودخل القيروان وأمَّن الناس.
    ويبدو أن الخلافات بين الفئات الإسلامية المتعددة كانت واسعة فتجددت القلاقل، ولم يتمكن هرثمة من رأب الصدع، فعزله الخليفة بناءً على طلبه في عام 180 هـ/ 796م، كما لم يتمكن الولاة الذين جاءوا من بعده من السيطرة على الموقف، فاستغل إبراهيم بن الأغلب عامل إقليم الزاب (في الجزائر اليوم) هذه الأوضاع القلقة، وطلب من الخليفة توليته على إفريقية ووعده بتهدئة الوضع، استجاب الخليفة لطلبه، وعهد إليه بالولاية على إفريقية في عام 184 هـ/ 800 م[4]، ونجح إبراهيم في تحقيق الاستقرار متبعًا في ذلك سياسة معتدلة، وازدهرت إفريقية في عهده وشهدت حركة عمرانية واسعة ونشاطًا اقتصاديًّا كبيرًا، وقد مهَّد إبراهيم بهذا لقيام دولة الأغالبة التي ما لبثت أن استقلت عن الإدارة المركزية في بغداد، واتخذت القيروان حاضرة لها[5].
    لقد شهد العصر العباسي تقلص سلطة الخلافة عن الولايات؛ مما مهَّد السبيل لكل ناقم على الدولة، أو مخالف لها لأن يقيم دولته الوراثية الخاصة في أطراف الخلافة، وقد كان من هؤلاء إبرهيم بن الأغلب الذي أقام دولة الأغالبة، ولكن بموافقة الخلافة العباسية. وهذه نماذج لبعض الدول المحلية:
    دولة بني مدرار في سجلماسة (140 ـ 349هـ/ 757 ـ 960م):
    توفي أبو القاسم سمكو مؤسس دولة الخوارج الصفرية في سجلماسة (جنوب المغرب) عام 168هـ، وخلفه ابنه إلياس بن أبي القاسم والذي عرف باسم "أبو الوزير"، واستمرت أيامه حتى عام 174هـ، وخلفه أخوه اليسع بن أبي القاسم، وبقي في حكم هذه الدولة حتى عام 208هـ، وقد عرف باسم "أبو المنصور"، وقد ثارت الإباضية في أيامه في وادي درعة، ولكنه قضى على ثورتهم وبطش بهم.
    وكما هادن الإباضيون ولاة العباسيين في القيروان، كذلك هادنهم الصفرية الذين اتجهوا نحو أوضاعهم الداخلية والاقتصادية حيث كانوا تجارًا بين الشمال والجنوب عبر الصحراء، وكذلك فقد جعلوا الحكم وراثيًّا كالإباضيين[6].
    كانت الصفرية والإباضية من أكثر المذاهب الخارجية المنتشرة بالمغرب، وإنهما من أكثر مذاهب الخوارج تسامحًا واعتدالاً مع مخالفيهم في الرأي، إذا ما قورنوا بفرق الأزارقة والحرورية في المشرق؛ لأن الصفرية والإباضية لم ترضيا إباحة دماء المسلمين، أو جواز سبي النساء والذرية، ولا يريان قتال أحد من الناس سوى جيش السلطان[7]، فلم يكفروا القاعدين عن القتال، ولم يُسقطوا الرجم، ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار، ومرتكب الكبيرة عندهم عاصٍ وليس كافرًا مشركًا[8].
    الدولة الرستمية في تاهرت (144 ـ 296 هـ / 761 ـ 908 م):
    قامت دولة للخوارج الإباضية في تاهرت (غرب الجزائر) إذ أسسوا هذه المدينة عام 161هـ، وأصبح عبد الرحمن بن رستم إمامًا لهذه الدولة، وقد هادن ولاة القيروان[9]. وبعد وفاته عام 171هـ، خلفه ابنه عبد الوهاب واستمر حكمه إلى ما بعد هارون الرشيد، وقد هادن ولاة إفريقية من قبل العباسيين، وقد لقي عبد الوهاب حركات ضده بسبب مخالفته للمذهب الإباضي الذي لا يقبل بالحكم الوراثي، وإنما يكون الرأي في اختيار الحاكم لأهل الحل والعقد، أما عبد الوهاب فقد تسلم الحكم من أبيه رغم وجود من هو أفضل منه وأكثر علمًا؛ لذا فقد قامت حركة قادها يزيد بن فندين وعرفت بالنُكّار، أي الذين ينكرون تصرف ولي الأمر بالحكم[10].
    وعقيدة الإباضية تتفق مع أهل السنة في الكثير، وتختلف في القليل، فهم يعترفون بالقرآن والحديث كمصدر للعلوم الدينية، ويقولون بالرأي، ويأخذون بالإجماع.
    ولعل أهم خلاف بينهم وبين السنة قولهم بالتنزيه المطلق؛ ولذلك فإنهم يقولون: إن رؤية الله منفية في الدنيا والآخرة. ويقولون أيضًا: إن الوعد والوعيد لا يتخلفان، بمعنى أن وعيد الله لا يتخلف، فمن دخل النار فهو خالد فيها، والمذنب تطهره التوبة، ولا يدخل السعيد النار[11].


    دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى (مراكش) (172 ـ 375 هـ / 788 ـ 985م):
    فرَّ إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب من الحجاز، وقد نجا من موقعة فخ عام 169هـ / 785م، إلى المغرب الأقصى حيث استطاع أن يؤسس دولة مستقلة عن الخلافة العباسية عام 172هـ، وبنى في المكان المعروف باسم جراوة مدينة فاس، واتخذها عاصمة له، واستمر في حكمه حتى توفي مسمومًا عام 177هـ، فخلفه ابنه إدريس الثاني الذي كان جنينًا في بطن أمه عندما مات أبوه، وقام بشئون البربر مولى أبيه راشد، فلما قتل راشد كفل إدريس أبو خالد العبدي، حتى كبر فتولى الأمر عام 188هـ، وبنى مدينة العالية وهي مقابل مدينة فاس[12].
    ومن أشهر أمراء الأدارسة إدريس الثاني (177 ـ 213 هـ)، علي بن عمر بن إدريس الثاني (221 ـ 234 هـ)، ويحيى الرابع بن إدريس بن عمر (292 ـ 310 هـ)[13].

    دولة الأغالبة في المغرب الأدنى (تونس) (184 ـ 296 هـ / 800 ـ 909 م):
    ذكرنا أنه في عام 184 هـ ولَّى الخليفة هارون الرشيد إمارة إفريقية لإبراهيم بن الأغلب، ومنذ أن تولى إبراهيم الإمارة بدأ يعمل على تأسيس دولة له ولأبنائه من بعده.
    عرف الرشيد رغبة إبراهيم بن الأغلب، ومع ذلك فقد استبقاه في الإمارة بل ودعمه ما دام يعمل باسم العباسيين، وخاصة أن الرشيد كان مشغولاً بحرب الروم، وهجوم الخزر، ومشكلات المشرق، وفي الوقت نفسه يريد أن يحمي الأجزاء الغربية من الإمارات التي قامت في المغرب والأندلس من خوارج وأدارسة وأمويين، ولم يكن لدى الرشيد أسطول يحمي أقاليم البحر المتوسط فاكتفى بالإشراف على دولة إبراهيم بن الأغلب، ورأى ذلك خيرًا وأفضل من أن يخرجوا من إشرافه نهائيًّا كباقي الإمارات[14].
    ومن أشهر أمراء دولة الأغالبة إبراهيم بن الأغلب (184 ـ 196هـ)، وعبد الله الأول (196 ـ 201 هـ)، وزيادة الله الأول (201 ـ 223 هـ)، ومحمد الأول أبو العباس (226 ـ 242 هـ)[15].

    [1] محمود شاكر: الدولة العباسية، ج5، ص84.
    [2] محمود شاكر: الدولة العباسية، ج5، ص87.
    [3] محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص126.
    [4] اليعقوبي: تاريخه، ج2، ص358. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج5، ص109. د/ طقوش: تاريخ الدولة العباسية، ص95.
    [5] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج8، ص314. د/ طقوش: تاريخ الدولة العباسية، ص95.
    [6] محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص161.
    [7] د/ إبراهيم أيوب: التاريخ العباسي السياسي والحضاري، ص163.
    [8] د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص133.
    [9] محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص134.
    [10] محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص160، 161.
    [11] د/ مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص136.
    [12] محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص162.
    [13] د/ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج3 ، ص169، 171.
    [14] محمود شاكر: الدولة العباسية،ج5، ص164.
    [15] د/ حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام، ج2 ، ص172، 174، 175، 178.
    دولة المرابطين ومبادئهم
    في صحراء موريتانيا البلد الإسلامي الكبير، وبالتحديد في الجنوب القاحل حيث الصحراء الممتدة، والجدب المقفر، والحرّ الشديد، كانت تعيش بعض قبائل البربر، ومن قبائل البربر الكبيرة كانت قبيلة "صنهاجة"، وكانت قبيلتا "جُدَالَة ولَمْتُونة" أكبر فرعين في "صنهاجة".
    كانت "جُدَالة" تقطن جنوب موريتانيا، وكانت قد دخلت في الإسلام منذ قرون، وكان على رأس جدالة رئيسهم يحيى بن إبراهيم الجدالي، وكان لهذا الرجل فطرة سويّة وأخلاق حَسَنة.
    نظر يحيى بن إبراهيم في قبيلته فوجد أمورًا عجيبة، فقد أدمنوا الخمور، وألِفوا الزنا، فقد فشا الزنا بشكل مريع في جنوب موريتانيا في ذلك الزمن، وكثر الزواج من أكثر من أربعة، والناس ما زالوا مسلمين ولا ينكر عليهم أحد ما يفعلونه، فالسلب والنهب هو العرف السائد، القبائل مشتتة ومفرقة، القبيلة القوية تأكل الضعيفة[1].
    كان يحيى بن إبراهيم الجُدالي صاحب الفطرة النقيّة يعلم أن كلّ ما يفعله قومه من المنكرات، لكنه لم يكن بمقدوره التغيير؛ فالشعب كله في ضلال وعمى، وبعيد كل البعد عن الدين، كما أن الرجل نفسه لا يملك من العلم ما يستطيع به أن يغيّر الناس.
    وبعد حيْرة وتفكّر هداه ربُّه لأن يذهب إلى الحج، ثم وهو في طريق عودته يُعرّج على حاضرة الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان (في تونس الآن)، فيكلّم علماءَها المشهورين بالعلم لعلّ واحدًا منهم أن يأتي معه فيُعلّم قبيلته الإسلام.
    وبالفعل أكرمه الله عزَّ وجلَّ بالشيخ عبد الله بن ياسين (الزعيم الأول للمرابطين، وجامع شملهم، وصاحب الدعوة الإصلاحية فيهم، ت 451هـ/ 1059م) من شيوخ المالكية الكبار، الذي جاء معه، وأخذ يدعو الناس؛ فنفروا منه وضربوه، لكنه لم ييئس هو والأمير؛ فأقاما رباطًا يتعبدان فيه، فأخذ الناس يأتون إليهما طلبًا للهداية.
    تجمع من التائبين عدد كبير منهم يحيى بن عمر اللمتوني زعيم لمتونة، ثم خَلَفَه بعد وفاته أبو بكر بن عمر، فانطلقوا بقيادة عبد الله بن ياسين الروحية، وقيادة يحيى بن عمر اللمتوني السياسية والعسكرية يدعون قومهم، ثم القبائل الأخرى التي كانت وثنية، أو عادت إلى الوثنية بعد أن كانت مسلمة؛ فمن قَبِل صار معهم، ومن عاند وعادى دعوة الحق حاربوه؛ حتى أقاموا دولة كبيرةً سُمِّيَت بالمرابطين؛ لأن ابن ياسين وجماعته كانوا يرابطون على نهر السنغال في خيام متأهبين للجهاد في سبيل الله تعالى.
    دولة المرابطين في المغربوقد قامت دولة المرابطين على عدد من المبادئ، من أهمها:
    أولاً ـ العمل على الإبقاء على عقيدة الأمة صافية نقية.
    ثانيًا ـ توحيد المغرب تحت راية الخلافة الإسلامية.
    ثالثًا ـ العمل على حماية الأمة من المفسدين والمحاربين.
    رابعًا ـ العمل على حماية الأمة من أعداء الخارج.
    خامسًا ـ حفظ ما وُضِعَت الشريعة لأجله.
    سادسًا ـ إعداد الأمة إعدادًا جهاديًّا.
    سابعًا ـ القيام على تحصيل الصدقات وأموال الزكاة والخراج والفيء.
    ثامنًا ـ تحري الأمانة في اختيار المناصب.
    تاسعًا ـ الإشراف المباشر على شئون الدولة[2].

    ومات عبد الله بن ياسين مجاهدًا، ثم انطلق يحيى بن عمر مجاهدًا في أواسط إفريقيا وغربها، وترك ابن عمه يوسف بن تاشفين على قيادة دولة المرابطين؛ فوسعها، واتخذ الجهاد سبيلاً، حتى أقام دولةً عظيمةً للمرابطين، صار لديها خمسمائة ألف مقاتل.
    كان عهد يوسف بن تاشفين عهد قوة للمرابطين؛ حيث استنجد به أمراء الطوائف بالأندلس ضد عدوهم الصليبي، فانتقل إليهم بسبعة آلاف مقاتل فقط، وتجمَّع لديه من المجاهدين المتطوعين بالأندلس ثلاثون ألفًا، ومنحهم الله عزَّ وجلَّ النصر على عدوهم في موقعة الزَّلاَّقة العظيمة، التي أُبِيد فيها جيش الصليبيين على بكرة أبيه، ثم بعد سنوات لما زاد تصارع أمراء الطوائف، ضم يوسف الأندلس إلى دولة المرابطين؛ لكي يحفظ الإسلام والمسلمين فيها.


    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:42

    [2] د/ الصلابي: الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين، ص141 ـ 144.
    أسباب سقوط المرابطين
    بعد عهد يوسف بن تاشفين دخلت دولة المرابطين في انحراف عن مبادئها؛ مما أدخلها في عهد ضعفٍ انتهى بقيام دولة الموحدين على يد محمد بن تومرت، وكان فاسد العقيدة، فادَّعى أنه المهدي المنتظر، واستباح دماء المرابطين، وكانت الدماء يسيرةً عليه، وقد كان من أهم أسباب سقوط دولة المرابطين:
    أولاً- ظهور روح الدعة والانغماس في الملذات والشهوات عند حكام المرابطين وأمرائهم في أواخر عصر علي بن يوسف.
    ثانيًا- ظهور السفور والاختلاط بين النساء والرجال.
    ثالثًا- انحراف نظام الحكم عن نظام الشورى إلى الوراثي.
    رابعًا- الضيق الفكري الذي أصاب فقهاء المرابطين وحجرهم على أفكار الناس، ومحاولة إلزامهم بفروع مذهب الإمام مالك وحده، وعملوا على منع بقية المذاهب السنية تعصبًا لمذهبهم.
    خامسًا- فَقْد دولة المرابطين لكثير من قياداتها وعلمائها العظام أمثال سير بن أبي بكر، ومحمد بن مزدلي، ومحمد بن الحاج، وأبي إسحاق بن دانية، وأبي بكر بن واسينو.
    سادسًا- الأزمة الاقتصادية الحادة التي مرت بها دولة المرابطين نتيجة لانحباس المطر لعدة سنوات، وحلول الجفاف والقحط بالأندلس والمغرب، وزاد من حدَّة الأزمة الاقتصادية أن أسراب الجراد هاجمت ما بقي من الأخضر على وجه البلاد؛ مما هيأ الظروف لانتشار مختلف الأوبئة بين كثير من السكان، ووقعت هذه الأزمة في الفترة الواقعة ما بين أعوام 524 - 530هـ .
    سابعًا- الصدام المسلح بين دولة المرابطين وجيوش الموحدين[1].
    بعد محمد بن تومرت تولى عدد من الحكام كان أبرزهم عبد المؤمن بن علي الذي كان عهده عهد قوة؛ إذ قام بمضاعفة القوة العسكرية، كما قام بنهضة عمرانية كبيرة.
    دولة الموحديناستمر عهد قوة الموحدين بعد تولي أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي (554 - 595هـ/ 1160 - 1199م)، ويمثل عهده الذي امتد خمس عشرة سنةً العصر الذهبي لدولة الموحدين.
    تولَّى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، وكان عمره خمسًا وعشرين سنةً فقط، وقد قام بالأمر أحسن ما يكون القيام، ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، ونظر في أمور الدين والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن، واستطاع أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أن يغير كثيرًا من أسلوب السابقين له، فكان سمته الهدوء والسكينة والعدل والحلم، حتى إنه كان يقف ليقضي حاجة المرأة وحاجة الضعيف في قارعة الطريق، وكان يؤمُّ الناس في الصلوات الخمس، وكان زاهدًا يلبس الصوف الخشن من الثياب، وقد أقام الحدود حتى في أهله وعشيرته، فاستقامت الأحوال في البلاد وعظمت الفتوحات.
    بلغت أعمال أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي الجليلة في دولته أوجها، حتى وصلت إلى أن حارب الخمور، واهتم بالطب والهندسة، وألغى المناظرات العقيمة التي كانت في أواخر عهد المرابطين وأوائل عهد الموحدين، وقد أسقط الديون عن الأفراد، وزاد كثيرًا في العطاء للعلماء، ومال إلى مذهب ابن حزم الظاهري لكنه لم يفرضه على الناس، ومن أجلِّ أعماله أنه تبرأ من أباطيل ابن تومرت.
    وفي سنة 591 هـ/ 1195م انطلقت الجيوش الإسلامية من المغرب والصحراء وعبرت مضيق جبل طارق إلى بلاد الأندلس لتلتقي مع قوات الصليبيين الرابضة هناك في موقعة الأرك الخالدة التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا باهرًا.
    وبعد وفاة المنصور الموحدي سنة 595 هـ/ 1199م بدأت النهاية لدولة الموحدين.

    [1] د/ الصلابي: الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين، ص227 ـ 229.
    أسباب سقوط دولة الموحدين
    أولاً: ظلمهم الفظيع للمرابطين، وسفكهم للدماء، واعتداؤهم على الأموال، وسبيهم للنساء بدون وجه حق.
    ثانيًا: ثورة بني غانية، وهم من بقايا المرابطين.
    ثالثًا: ثورات الأعراب المتتالية.
    رابعًا: ثورات الأندلس ضد دولة الموحدين.
    خامسًا: النزاع على الخلافة بين الموحدين، ولم يستطيعوا أن يضعوا نظامًا ثابتًا لتولي الخلافة عندهم.
    سادسًا: الانهيار العسكري الذي أصاب دولة الموحدين، وتغير أهداف الجيش الموحدي.
    سابعًا: الترف والانغماس في الشهوات.
    ثامنًا: تقلُّص أراضي الدولة في إفريقية والمغرب والأندلس.

    البرتغاليون يحتلون شواطئ المغرب
    قامت في بلاد المغرب على أنقاض دولة الموحدين عدة دول؛ وهي دولة الحفصيين في تونس، ودولة بني عبد الواد في تلمسان، وحكم بني مرين في المغرب الأقصى، ثم خلفهم عام 823هـ بنو وطاس، واستمر أمرهم حتى عام 916هـ، وفي أيامهم احتل البرتغاليون شواطئ المغرب، فضاق المسلمون بهذا التوسع الصليبي، وخاصة أن النصارى من أسبان وبرتغال قد طردوا المسلمين من الأندلس، ونكلوا بهم أشد تنكيل، فانطلقت هذه الجموع نحو المغرب، واتجهت الأنظار نحو شيخ السعديين أبي عبد الله محمد القائم بأمر الله، فأنهى حكم بني وطاس، وأعلن الجهاد، وقاتل البرتغاليين وانتصر عليهم، وأجلاهم عن المراكز التي بقوا في بعضها اثنتين وسبعين سنة، وبعد وفاة أبي عبد الله محمد خلفه ابنه أحمد الأعرج.
    كان العثمانيون يدعمون السعديين ويحثونهم على قتال الصليبيين ويقدمون لهم المساعدات، ويشجعونهم على العمل معًا لاستعادة الأندلس، ولكن الصليبيين نجحوا في الإيقاع بين العثمانيين والسعديين.
    هزيمة العثمانيين وضعف دول المغرب
    وفي عام 961هـ ضم العثمانيون المغرب الأقصى، وخطب للسلطان العثماني على المنابر، ولكن لم يلبث العثمانيون أن خرجوا من المغرب أمام مقاومة السكان الذين شحنوا بكراهية العثمانيين نتيجة الدعاية الصليبية.
    وعندما هزم العثمانيون عام 978هـ وتحطم أسطولهم تمامًا أمام أسطول إسبانيا والبندقية لم يعودوا يفكرون في دخول المغرب، وإن عدوها منطقة مواجهة مع الدول النصرانية[1].

    وهذا الضعف أطمع النصارى في الأندلس فبدءوا ينزلون على سواحل المغرب واحتلوا عددًا من الموانئ، وتمركزوا في بعض المواقع، هذا إضافةً إلى بقية النصارى الذين اتجهوا إلى سواحل شمالي المغرب مثل فرسان مالطة الذين كانوا قد سيطروا على منطقة ليبيا، ثم جاء العثمانيون فاستطاعوا أن ينقذوا ما أمكنهم إنقاذه، حتى إذا ضعف أمرهم أيضًا مع مرور الزمن عاد الصليبيون فاحتلوا بلاد المغرب ثانية، وتقاسموا أرضه وخيراته[2].
    بعد الضعف الذي أصاب دول المغرب احتل فرسان مالطة منطقة برقة في ليبيا، واحتل الإسبان طرابلس عام 916 هـ، وقد بقوا فيها حتى تمكن (طرغول) القائد البحري العثماني من دخولها عام 958 هـ، وقد حاولت إسبانيا احتلالها دون جدوى.
    ومع ضعف الدولة العثمانية برزت الأسرة القرمانية التي فرضت سيطرتها على منطقة ليبيا، وإن كانت تخضع للدولة العثمانية إلا أنها كانت تتصرف تصرف المستقل منذ عام 1123هـ، ولكن الدولة العثمانية أنهت حكم الأسرة القرمانية عام 1251هـ، وعملت على تحسين الأوضاع الاقتصادية للسكان، ومع ذلك فلم تسلم المنطقة من محاولات تدخل الدول الأوروبية بحجة حماية الأقلية النصرانية[3].

    زيادة النفوذ اليهودي
    كانت الدولة العثمانية قد تساهلت مع اليهود، وسمحت لهم بالإقامة في المناطق التي تتبعها بعد طردهم من الأندلس، فأساءوا كثيرًا، وزادت أطماعهم وظهر جشعهم، فانتقلوا إلى الشمال الإفريقي، وبقية أرجاء الدولة العثمانية، وأقام منهم في ليبيا أكثر من ثمانمائة أسرة، وبدأ مركزهم يزيد نتيجة للتجارة، وتساهل والي ليبيا العثماني رجب باشا مع اليهود، وكان يرغب بإعطاء الأراضي لهم خوفًا من التوسع الإيطالي؛ ولهذا حرصت إيطاليا على طلب نقله من ليبيا ليلة الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني الخليفة العثماني، وقد عينه رجال الانقلاب من جماعة الاتحاد والترقي وزيرًا للحربية لكنه توفي يوم تعينه، وفقد اليهود نصيرهم فهو من جماعة الاتحاد والترقي وإن كان يعمل في السر. وكان لليهود دور كبير في الإطاحة بالخليفة العثماني ثم بالخلافة، وكان مشروع رجب باشا إسكان اليهود في منطقة الجبل الأخضر، وقد قامت دراسات كافية في هذا الشأن، ورغم الخلاف بين ما كان يخطط له رجب باشا وبين الطليان فإن اليهود قد دعموا الاحتلال الإيطالي لليبيا، وساعدوا على ارتكاب الأعمال الوحشية الإيطالية هناك[4].

    اشتداد الصراع على دول المغرب
    أمّا في تونس، ففي عام 1526م تولى أمر الدولة الحفصية الحسن الحفصي الذي كان يميل إلى ملك النمسا شارلكان، مما جعل السكان ينقمون عليه ويستنجدون بالعثمانيين، فاستدعى الخليفة العثماني سليمان القانوني أمير البحر خير الدين بربروس إلى إستانبول عام 940 هـ، وكلفه بإنشاء السفن الكافية والاستعداد لفتح تونس، فامتثل لطلب الخليفة العثماني، وقصد تونس عام 942 هـ، وأعلن للسكان أنه قادم لعزل السلطان مولاي الحسن الحفصي لصلته بالدول النصرانية وعلاقته بشارلكان، فاستقبله السكان ورحبوا به فاستولى بسهولة على تونس؛ فاستنجد السلطان الحسن الحفصي بالنصارى، فاتفق شارلكان مع البابا وأمراء إيطاليا، ورهبنة القديس حنا الأورشليمي في مالطة، وجهز أسطولاً كبيرًا، وانطلق بنفسه من برشلونة مع بعض الأمراء الإسبان، واستطاع أن يستولي على تونس، وأن يعيد السلطان الحفصي إلى حكمه، الذي أصبح خاضعًا له، وعندما دخل شارلكان تونس بعد حصار دام أكثر من شهر سمح لجنده أن يتصرفوا كما شاءوا فنهبوا وسلبوا وارتكبوا أبشع الأعمال الوحشية والمحرمات، ثم كتب معاهدة مع الحفصي كلها خزي، مما جعل السكان يكرهون سلطانهم بصورة أشد من كرههم له في السابق، وما أن غادر شارلكان تونس حتى عادت الفوضى السياسية.
    تمكن الوالي العثماني طرغول في طرابلس أن يحتل قفصة عام 963هـ، ثم القيروان 965هـ، وأرسلت إسبانيا عام 968 هـ أسطولاً للحد من نشاطه لكنه تحطم، وفي سنة 981 هـ دخل سنان باشا تونس وبقي فيها العثمانيون بعد ذلك.
    وعندما غادر سنان باشا تونس ترك فيها واليًا ممثلاً للخليفة اشتهر بلقب باي (بيلر باي)، ويساعده ديوان استشاري مؤلف من عسكريين يمثلون الفرق العسكرية هناك، ويلقب كل منهم بـ (الداي) إضافةً إلى موظف الشئون المالية، غير أن الدايات قد سيطروا على الباي منذ عام 999 هـ، وتفردوا بالسلطة حتى عام 1050 هـ، مع وجود الباي، وكان الدايات ينتخبون من بينهم الداي الذي يسند إليه الحكم.

    احتلال الجزائر
    وعندما احتلَّت فرنسا الجزائر عام 1245هـ احتجت الدولة العثمانية على ذلك، وأرادت أن تستعيد ولاية الجزائر بالمفاوضات السياسية غير أنها قد عجزت؛ فلجأت إلى الطريقة العسكرية فتخلصت من الأسرة القرمانية في ليبيا عام 1251 هـ، وأرادت أن تقضي على الأسرة الحسينية في تونس لتكون على مقربة من الجزائر، غير أن فرنسا قد هددت بذلك، وكلما اتجه الأسطول العثماني من ليبيا نحو تونس تحرك الأسطول الفرنسي من الجزائر نحو الشرق.
    وكانت فرنسا تعامل بايات تونس كحكام مستقلين، وكان هذا يثير احتجاج الدولة العثمانية.
    حاول الباي في تونس النهوض بالبلاد ولكنه اعتمد في ذلك على الديون الأجنبية، إذ كانت فرنسا تمده بالقروض، وهي تعلم أنه سيعجز عن سدها، وهذا ما يفسح لها المجال للتدخل في شئونه، وبالفعل لم يستطع السداد فأرسلت لجنة مالية لمراقبة المالية التونسية، وبعد مؤتمر برلين عام 1296هـ اعترفت فرنسا لإنجلترا بقبرص مقابل الاعتراف لها بتونس[5].

    أمَّا في الجزائر، فبعد عام 940هـ كان الإسبان بالأندلس قد قوي أمرهم فبدءوا بالاستيلاء على موانئ البحر المتوسط الإفريقية، وزاد أملهم بحكم شمالي إفريقية، وأخذها من يد المسلمين، بعد الاستيلاء على غرناطة وطرد المسلمين من الأندلس نهائيًّا عام 898 هـ، وقامت سفن قراصنتهم تلاحق المسلمين الأندلسيين الذين فروا إلى شمالي إفريقية، فوجدت محاولة رد الفعل ضد الحقد الصليبي، وبدءوا يغيرون على سواحل الأندلس، وجاء العثمانيون بحرًا إلى المنطقة، ورحب المسلمون بهذا المجيء ترحيبًا كبيرًا ما دام القتال مستعرًا بين المسلمين والنصارى.
    وبدأ المغيرون يمتلكون سفنًا خاصة يغيرون بها على خصومهم، ومن هؤلاء الأخوان: عروج وخير الدين، وتقرب عروج من السلطان الحفصي فدعمه وقدم له موانئه يتخذها قواعد له، وتمكن من الانتصار على الإسبان في عدد من المعارك البحرية، واستطاع أن يسترجع ميناء بجاية من الإسبان، وهذا ما رفع من شأنه فنقل مقره من تونس إلى ميناء صغير يقع إلى الشرق من مدينة الجزائر، وطلب منه حاكم مدينة الجزائر (سالم السالمي) أن يساعده ضد الغزو النصراني الإسباني فاستجاب لطلبه وصد هجومًا نصرانيًّا على الجزائر عام 922 هـ، ثم رأى تفرق الأمراء في المغرب الأوسط وخلاف بعضهم مع بعض فقرر أن يتخلص من هؤلاء الأمراء؛ لكي يتمكن من الوقوف أمام النصارى الأسبان، فبدأ بحاكم مدينة الجزائر فأنهى حكمه وتسلم مكانه، وأصبحت مدينة الجزائر قاعدته البحرية ومركز حكمه عام 923 هـ، ثم اتجه نحو الداخل ليستولي على الإمارات القائمة هناك، وكان أكبرها إمارة بني زيان في تلمسان، وأميرها (أبو حمو) ورعيته يكرهونه؛ لأنه يمد يده إلى النصارى الأسبان، فاتصلوا بعروج فسار إليهم ودخل مدينة تلمسان، غير أن (أبو حمو) اتصل بالأسبان بعد أن فر إليهم فجاءوا بقوة إلى تلمسان وتمكنوا من دخولها، وفتكوا بحاميتها، واستطاع عروج أن يفر، غير أن الأسبان قد لاحقوه وقتلوه.
    فأكمل أخوه خير الدين جهاده ضد الصليبيين الأسبان، وفي عام 936هـ أصبحت منطقة المغرب الأوسط نيابة عثمانية، وعين الخليفة العثماني خير الدين قائدًا عامًّا للأسطول العثماني؛ مكافأة لما قام به من جهود في الوقوف ضد الصليبيين وخدمة الدولة العثمانية[6].

    [1] محمود شاكر: العهد العثماني،ج8، ص523 ـ 526.
    [2] محمود شاكر: العهد العثماني،ج8، ص510.
    [3] محمود شاكر: العهد العثماني،ج8، ص511.
    [4] محمود شاكر: العهد العثماني،ج8، ص512.

    [5] محمود شاكر: العهد العثماني 8 / 514 ـ 517.

    [6] محمود شاكر: العهد العثماني 8/ 518 - 520.
    الحملات على إفريقيا
    كان الاحتلال البرتغالي لبعض أجزاء إفريقيا يهدف إلى تعقب المسلمين الفارين من الأندلس بعد سقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين هناك سنة 1492م، كما كان يهدف إلى تطويق العالم الإسلامي واستنزاف ثرواته وقد استعانوا في ذلك بالمملكة المسيحية في الحبشة مما أدى إلى ما يسمى بالكشوف الجغرافية التي لم تكن في حقيقتها إلا صراع دموي مع الإمارات والممالك الإسلامية في شمال القارة وشرقها وغربها، وقد باركت البابوية هذا العمل العدائي ضد المسلمين؛ ولذلك سيرت إسبانيا والبرتغال الحملات إلى إفريقيا، وتلاها في ذلك باقي الدول الأوروبية كإنجلترا وفرنسا وغيرهما بقصد القضاء على حضارة المسلمين والتحكم في المناطق الإستراتيجية بالقارة بغية السيطرة على أجزائها لضمان الحصول على المواد الخام اللازمة للثورة الصناعية التي قامت في أوروبا، ولم يحدث في التاريخ أن استنزفت موارد قارة بشرية وطبيعية لصالح أوروبا مثل ما حدث لإفريقيا، كما لم يحدث في التاريخ عن قارة قسمت إلى أشلاء ودويلات قزمية بأيدي الأوروبيين مثل ما حدث في إفريقيا عقب مؤتمر التقسيم في برلين عام 1884- 1885م[1]، الذي حضره مندوبو أربع عشرة دولة هي: النمسا والمجر وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وروسيا وإسبانيا والسويد والنرويج وتركيا والولايات المتحدة وبريطانيا.
    وبعد مناقشات بين الوفود تمت الموافقة النهائية على مواد الاحتلال الفعلي على أن تكون في فصل مستقل من المرسوم النهائي.
    وهكذا تمَّ في مدينة برلين ومن دون حضور ممثلين عن الدول الإفريقية وضع أسس تقسيم القارة الإفريقية، ذلك التقسيم الذي لم يضع في الاعتبار توزيعات القبائل والعشائر، فحوَّل إفريقيا إلى وحدات قزمية صغيرة أصبحت الأساس للحدود الإفريقية الحالية[2].

    [1] د/ جمال عبد الهادي: المجتمع الإسلامي المعاصر (ب) إفريقيا، ص23.
    [2] د/ عبد الله عبد الرازق: الإسلام وتحدي الاستعمار الأوروبي في إفريقيا، ص25، 26.
    المقاومة الإسلامية في مواجهة الاحتلال
    ساءت أحوال بلاد المغرب في العصر الحديث؛ إذ تعرَّضت بلاده للاحتلال الغربي الذي دمَّر البلاد، وسفك الدماء، وانتهك الحُرُمات، وقسَّم البلاد على النحو الذي أقره الغرب الصليبي في مؤتمر برلين، ولكن قامت حركات مقاومة إسلامية في أغلبها، وقدمت ملايين الشهداء، حتى منَّ الله على هذه البلاد بالتحرير.
    ففي عام 1911م تعرضت ليبيا للغزو الإيطالي فقاد المقاومة الإسلامية الشيخ أحمد السنوسي ومعه الشيخ عمر المختار، وعاشت ليبيا مأساة محزنة في ظل الاحتلال الإيطالي حيث اتبع الإيطاليون سياسة الإبادة، وقد بلغ عدد الشهداء الليبيين خلال السنوات العشر الأولى من الاحتلال حوالي سبعين ألف شهيد، وقد عومل السكان أسوأ معاملة فألقي بكثير منهم من الطائرات، وهتكت الأعراض، كما سيق العمال والمجندون إلى الخدمة مع الجيش الإيطالي في الحبشة والصحراء الغربية.
    وبعد كفاح مرير ضد الاستعمار حصلت ليبيا على استقلالها عام 1951م[1].
    أمَّا تونس، فبعد مؤتمر برلين عام 1296هـ اعترفت فرنسا لإنجلترا بقبرص مقابل الاعتراف لها بتونس. وفي عام 1298 هـ ادعت فرنسا أن قبيلة تونسية قد اعتدت على بعض المواقع الفرنسية، فجهزت حملة واستولت على تونس[2].
    حاربت فرنسا اللغة العربية والفكر الإسلامي وفرضت تعليم اللغة الفرنسية، كما شجعت على التنصير وقامت بقطع المعونات عن المدارس الإسلامية حتى ضعفت وقضي على معظمها، وقد فرضت فرنسا الأحكام العرفية لأكثر من عشرين عامًا[3].
    وفي 8 شعبان 1375 هـ/ 20 من مارس 1956م حصلت تونس على الاستقلال بعد جهاد طويل[4].
    وفي الجزائر احتل الفرنسيون ميناء سيدي فرج بالقرب من مدينة الجزائر في عام 1830م، وبعد الاحتلال لم يستجب الجزائريون للفرنسة وإن كان قد قبلها اليهود الجزائريون، فبطشت الحكومة الفرنسية بمسلمي الجزائر، وحاربت لغتهم العربية والثقافة الإسلامية، وقامت بإغلاق المدارس الإسلامية والكتاتيب، وهدم المساجد وإلغاء القضاء الشرعي والاستيلاء على أموال الأوقاف، كما أهدرت حقوق الشعب وداست مقدساته، فقد دنس جنودها المساجد ونبشوا القبور وأعدموا شيوخًا من الصالحين وغير ذلك من الفظائع[5].
    فظهرت الحركات الجهادية ضد المستعمر الفرنسي، ففي عام 1248 هـ/ 1830م قاد محيي الدين الحسني انتفاضة القبائل ضد الوجود الفرنسي، وبعد سنتين تولى القيادة ابنه البطل عبد القادر الجزائري وظل يقاومهم حتى أسر عام 1261 هـ/ 1847م، وبقي أسيرًا حتى عام 1301هـ / 1883م.
    وفي عام 1288هـ / 1871م قاد حركة الجهاد محمد المقراني الذي انضم إليه مائة ألف مقاتل اكتسح بهم قوات فرنسا في منطقة كبيرة من الجزائر، ودارت بينهم وبين المجاهدين 340 معركة، استشهد فيها ستون ألف جزائري، وقتل عشرون ألف فرنسي، وأعدمت فرنسا في أثنائها ستة آلاف جزائري.
    وفي عام 1945م إبان احتفال الحلفاء بالانتصار على دول المحور في الحرب العالمية الثانية، خرج الجزائريون في مظاهرة يطالبون بالحرية والاستقلال، فاعتدى عليهم الجنود الفرنسيون وحدثت مذبحة رهيبة بلغ عدد شهدائها 45 ألفًا من الرجال والنساء والأطفال، ودفن بعض المثقفين أحياء، ودمرت قرى بكاملها، وحلت كل الهيئات وزجّ بأنصارها في السجون.
    وفي عام 1954م قامت ثورة التحرير الجزائرية التي استشهد فيها حوالي المليون ونصف المليون شهيد[6].
    وفي 3 صفر 1382 هـ/ 5 من يوليو 1962م أعلن استقلال الجزائر وقامت الدولة الجزائرية[7].
    وفي المغرب احتلت إسبانيا منطقة الريف في عام 1322 هـ/ 1904م، ولكن السكان هناك قاوموا الاحتلال الإسباني، وانتصروا على المارشال (مارينا) سنة 1327 هـ/ 1909م، وفي عام 1331 هـ/ 1912م ثار السكان وأبادوا الحامية الفرنسية في فاس، وفي عام 1336 هـ/ 1917م أتم الفرنسيون احتلال مراكش، ولكن الوطنيين أوقعوا بهم هزائم كبيرة بقيادة الشيخ الهبة ابن الشيخ ماء العينيين.
    وفي عام 1363 هـ/ 1944م احتل الفرنسيون أكثر وظائف الدولة، كما استولوا على أكثر مصادر الثروة وبخاصة الأراضي الزراعية؛ مما أشاع الفقر والجهل بين الشعب، هذا فضلاً عن تشجيع حركات الانحلال الخلقي بين الشباب، والقضاء على الحركات التحررية، وإثارة روح العصبية بين العرب والبربر.
    ومنذ عام 1338 هـ/ 1920م قاد الأمير عبد الكريم الخطابي الجهاد ضد الأسبان، وبعد وفاته حمل راية الجهاد ابنه القاضي محمد الذي التقى عام 1339 هـ / 1921م بالأسبان وهزمهم، واعترف الأسبان بخسارة خمسة عشر ألف جندي قتيلاً و570 أسيرًا.
    وفي عام 1372 هـ/ 1953م قتل أكثر من أربعة آلاف مغربي حينما أعلن حزب الاستقلال المغربي والاتحاد النقابي الإضراب العام، واعتقلت فرنسا السلطان محمد الخامس. وفي عام 1375 هـ/ 1955م عاد السلطان واستقلت المغرب (مراكش)، أما الجيوب الإسبانية كمدينة سبتة ومليلة فما زالتا تحت الاحتلال الإسباني[8].

    كانت هذه هي قصة المغرب منذ دخول الإسلام إليه وحتى التحرر من الاستعمار الغربي في القرن العشرين، ونأمل أن يعود المغرب قوةً إسلامية كبيرة مرةً أخرى؛ ليضيف إلى قوة الأمة الإسلامية.

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:43

    دولة المرابطين.. جهاد ودعوة

    دولة المرابطين.. جهاد ودعوة إضافةً إلى هذه الجهود الكبيرة كان هناك إسهام عظيم لدولة مسلمة ملأ ذكرها التاريخ، وأضافت للمسلمين إضافات كبرى في إفريقيا والأندلس.. تلك هي دولة المرابطين.



    وتعتبر دولة المرابطين في التاريخ المغربي أول جماعة مغربية تنشئ دولة كبرى كان لها الدور التاريخي في مجموعة من الأحداث، فقد قامت هذه الدولة على أُسُس إسلامية خالصة، حيث إن أصل هذه التسمية يعود إلى أتباع الحركة الإصلاحية التي أسسها عبد الله بن ياسين، الزعيم الرُّوحي، الذي بدأ بوضع أُسُس عقيدة حركة المرابطين، وأنشأ رباطًا لتعليم مَن الْتَفَّ حوله أُمورَ الشريعة وفروعها، فأسس حركة جهادية لنشر الدين الإسلامي، وهكذا كان رجال المرابطين يلزمون الرباط بعد كل حملة من حملاتهم الجهادية، كما كان رجالها يشدُّون اللثام (النقاب) على وجوههم، فعُرِفوا بالملثَّمين.



    بعد وفاة ابن ياسين تحوَّلت الجماعة الدينية إلى مملكة بقيادة يوسف بن تاشفين، الذي سمِّي -ولأول مرَّة في التاريخ المغربي- أميرًا للمسلمين، وحامي حمى الدين، ونائبًا لأمير المؤمنين. وبعد وفاة يوسف بن تاشفين نُودي على ابنه عَلِيٍّ أميرًا مكانه، ثم عَيَّن عليُّ بن يوسف ابنه تاشفين وليًّا للعهد.



    ونجد أن الأساس الديني والعقدي الذي قامت عليه الدولة المرابطية جعلها تضطلع بأدوار طلائعية في تاريخ الغرب الإسلامي بصفة عامَّة، إذ على هذا الأساس توحَّدت ولأول مرة مختلف مناطق المغرب الأقصى الإسلامي والأندلس، وبعض المغرب الأوسط تحت لواء دولة واحدة، بعد أن قامت بحملة جهادية كان الغرض منها القضاء على مختلف مظاهر الانحراف في العقيدة، فحاربت كل البدع والفِرَق الضالَّة ببلاد الريف، وأعادت هذه النواحي وأهلها إلى رحاب الإسلام السُّنِّي الصحيح، واتفق المرابطون فيما بينهم على صيغة توافقية قسمت الأدوار فيما بينهم، وذلك من أجل استكمال مشروعهم الدعوي التوسعي الذي استهدف نشر الإسلام في مختلف أرجاء المعمورة، فبينما تولَّى يوسف بن تاشفين مؤسس الدولة المرابطية قيادة الجهاد والدعوة في المناطق الشمالية في اتجاه الأندلس، اتجه الفريق الآخر تحت قيادة أبي بكر بن عمر ومَن جاء بعده في اتجاه إفريقيا المدارية الغربية، وهذا التقسيم الأدائي كان بعثًا جديدًا للقوَّة المرابطية.



    وهكذا قام الفرع الجنوبي من المرابطين بدور لا يقلُّ أهمية في خدمة الإسلام والحضارة في إفريقيا المدارية والاستوائية عمَّا قام به يوسف بن تاشفين في المنطقة الشمالية من المغرب والأندلس؛ فاتجه أبو بكر إلى بلاد السودان كما يذكر المؤرِّخون، وفتح بلادًا واسعة جنوبًا، فانتشر الإسلام في غرب إفريقيا كله حتى حوض النيجر، وقد أصبحت هذه البلاد الإسلامية المرابطية الجنوبية عاملًا مهمًّا في نشر الإسلام في إفريقيا المدارية ثم الاستوائية.



    وصحيح أن بعض هذه المناطق كانت قد عرَفت الإسلام من قبل، ذلك الأمر الذي يسَّر على المرابطين مهمَّتهم هناك، إذ لم يتعرَّضوا لأي مقاومة تُذكر، وتحوَّلت تلك المنطقة إلى بلاد إسلامية، وفُتح بذلك طريق الغرب الإفريقي واسعًا أمام الإسلام ليُنشر في إفريقيا، بل إن الفتح الإسلامي لبلاد إفريقيا المدارية أتاح لأهل تلك البلاد فرصة الدخول في ميدان الحضارة الإسلامية، وحتى بعد تلاشي الامتداد المرابطي نجد أن نطاق الإسلام قد اتسع حتى أصبح الديانة الغالبة على أهلها حتى مداخل نطاق الغابات، فكان المسلمون هناك على مذهب مالك، وهو المذهب الغالب في المغرب والأندلس، ومن ذلك العصر فصاعدًا ستصبح بلاد مالي بلادًا إسلامية[1].



    ومن أهم شخصيات دولة المرابطين التي أسهمت بجهدٍ وافر في نشر تعاليم الإسلام الصحيحة في غرب إفريقيا:


    1- عبد الله بن ياسين:

    هو عبد الله بن ياسين بن مكوك بن سير بن على الجزولي, أصله من قرية "تماماناوت" في طرف صحراء غانا.



    درس على فقيه السوس وجاج بن زلوا، رحل إلى الأَنْدَلُس في عهد ملوك الطوائف وأقام بها سبع سنين, واجتهد في تحصيل العلوم الإسلامية, ثم أصبح مِن خيرة طلاب الفقيه وجاج بن زلوا، فعندما طلب أبو عمران الفاسي مِن تلميذه وجاج بن زلوا أن يرسل مع يحيى بن إبراهيم فقيهًا عالمًا ديِّنًا تقيًّا مربيًّا فاضلًا، وقع الاختيار على عبد الله بن ياسين الصنهاجي الذي كان عالمًا بتقاليد قَومه، وأعرافهم، وبيئتهم، وأحوالهم.



    ودخل عبدُ الله بن ياسين مع يحيى بن إبراهيم في مضارب، ومواطن، ومساكن المُلَثَّمين من قبيلة جدالة في عام 430 هـ/ 1038م، فاستقبله أهلُها واستمعوا له، وأخذ يُعلِّمهم، فكان تعليمُه باللغة العربية لطلبة العلم، والإرشاد الديني للعامَّة بلهجة أهل الصحراء الأمازيغية.



    لاقى عبد الله بن ياسين كثيرًا من الصعوبات، فقد وجد أكثر المُلَثَّمين لا يُصَلُّون ولا يعرفون مِن الإسلام إلا اسمه، وعَمَّ الجهل عليهم، وانحرفوا عن معالم العقيدة الصحيحة، وتلوَّثت أخلاقُهم وأحكام دينهم، واصطدمت تعاليمه بمصالح الأمراء والأشراف، فثاروا عليه، وكادوا يقتلونه، إلا أنه ترك قبيلة جدالة، وانتقل إلى قبيلة لمتونة، ومِن ثَم اختار رباطه المشهور على مصب نهر السنغال، بعد انتشار صيته، وتعلُّق النَّاس به، فهرعوا إليه ليُربِّيهم، ويُنظِّمهم، ويُعلَِّمهم[2].



    ومن كلمات عبد الله بن ياسين المأثورة لطلابه قوله: (اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم، وخوِّفوهم عقاب الله، وأبلغوهم حُجته، فإن تابوا ورجعوا إلى الحقِّ، وأقلعوا عمَّا هم عليه فخلوا سبيلهم، وأن أَبَوْا ذلك وتمادوا في غيهم، ولجُّوا في طغيانهم، استعنا بالله عليهم، وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا)[3].


    2- يحيى بن عمر، وأبو بكر بن عمر، ويوسف بن تاشفين:

    إن يحيى بن عمر كان من المجاهدين في غرب إفريقيا، وقد تُوُفِّيَ في جهاده في السودان، فخلفه أخوه أبو بكر بن عمر، الذي سار في طريق أخيه معتمدًا على عبد الله بن ياسين، حتى توفي هذا الأخير سنة (451هـ/ 1059م) في حروبه مع زنادقة برغواطة في شمال المغرب الأقصى[4].



    وكان لعمر بن إبراهيم -والد يحيى بن عمر وأخيه أبي بكر- أخٌ يسمى تاشفين عَمِل في خدمة أخيه حتى مات، فخلفه ابنه يوسف، وكان شابًّا موهوبًا، فارتفع مكانه عند ابن عمه أبي بكر، وأصبح من أكبر قادة المرابطين، فبينما كان أبو بكر بن عمر يُرتِّب بناء مراكش، بَلَغَتْه أخبار مقلقة عن أهله في جنوب الصحراء، وحوض السنغال؛ لأن قبيلة جدالة اعتَدَتْ على قبيلة لمتونة، فاستغاثت به، فترك القيادة في يد ابن عمه يوسف بن تاشفين، ومضى إلى الجنوب إلى ديار المرابطين الأولى، ولمَّا أعاد الأمور إلى ما كانت عليه عاد إلى بلاده، ووجد ابن عمه قد أحسن سياسة الدولة من بعده، وكان أبو بكر رجلًا ورعًا؛ فرأى أن ابن عمه أجدر بالحكم منه، فاتفق معه على أن يتولى يوسف قيادة دولة المرابطين، وأن يدعم ابن عمه أبا بكر بن عمر في الجهاد في غانا، وبالفعل انسحب إلى الجنوب، وقضى بقية عمره في الجهاد.

    وبعد استقرار الإسلام في غرب إفريقيا نشأت دول إسلامية عديدة، أو انتشر في دول يتمتع المسلمون فيها بالمكانة، فضلاً عن الحرية، ومن خلال بعض هذه الدول نتناول سيرة الإسلام في غرب إفريقيا.

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:44

    انتشار الإسلام في غانا

    موقع غانامن المعروف أن العرب في القرن الثامن الميلادي قد وصلوا إلى شمال إفريقيا، ونشروا الإسلام فيها، وقد قام هؤلاء بعدة غزوات لأرض غانا، ورغم أن أغلب هذه الغزوات لم تنجح إلا أنها تركت بصماتها على تلك القبائل، فسرعان ما انتشرت المبادئ الإسلامية بين جميع أفراد وعشائر قبائل السونتيك، وانتشرت المساجد في جميع أرجاء المملكة.



    وهكذا دخل الإسلام إلى أرض الذهب بالطريق السلمي دون غزو حربي، وفي حقيقة الأمر إن إمبراطورية غانا في ذلك كانت على درجة كبيرة من القوة العسكرية، بل ويمكن القول بأنها كانت أكبر قوة حربية في إفريقيا في ذلك الزمن[1].



    وعن وصول الإسلام للجنوب فقد اتجهت جماعات من قبائل الماندي نحو الجنوب، وأسست إمارة جونغا في أراضي شمال شرقي غانا اليوم، وذلك في نهاية القرن العاشر الهجري، وكانت أعداد كبيرة من المسلمين بين أفراد هذه القبائل، وكانوا يؤلِّفون جزءًا من حاشية مؤسس هذه الدولة وهو جاكابا، كما أنهم كانوا دِعامته في حروبه ضد أعدائه، ويقودهم قائد يُدعى محمد الأبيض، وانقسمت هذه الدولة بعد وفاة مؤسسها بين ولديه، فاتخذ كل من هذين الولدين إمامًا لنفسه من أبناء محمد الأبيض، ويبدو أن أثر المسلمين كان واضحًا على هذه الدولة إذ كانت كتابتهم باللغة العربية.



    ثم جاءت جماعة أخرى من قبائل الماندي أيضًا تتحدث لغة الدوغامبا، وذلك في منتصف القرن الحادي عشر، واستقرَّت في شمال شرقي دولة غانا اليوم، وأسست مدينة يندي، ونشرت الإسلام بين قبائل الدوغامبا، وربما كانت بعض بطون قبائل الهاوسا معها، وعاونتهم على نشر الإسلام.



    وفي بداية القرن الثاني عشر توغَّل التجار المسلمون من قبائل الهاوسا والبورنو نحو الجنوب للحصول على الكولا، ونشروا الإسلام بين قبائل الدوغامبا في القرن الثالث عشر، وغدا أكثر أفراد هذه القبائل من المسلمين، وحرصوا على استقدام الأئمة من المناطق الشمالية، وفي الوقت نفسه أخذ الإسلام طريقه إلى قبائل المامبروسي، وغَدَتْ مدينة غامباغا مركزًا إسلاميًّا، وكان لكل قبيلة من قبائل الشمال هذه إمارة خاصة، إذ كانت إمارة جونغا، و(الدوغامبا)، و(المامبروسي)، و(وو)، وكلها في شمال دولة غانا اليوم.



    أما وسط غانا فقد وصل إليه الإسلام عن طريق تجار الهاوسا، والفولاني، والبورنو، وانقلبت بعض المدن إلى مراكز تجارية مثل مدينة سلاغا، وهذا ما جعل الحياة الاقتصادية تزدهر لدى قبائل الأشانتي في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، ومع بداية القرن الثالث عشر وصل الإسلام إلى مدينة كوماسي.



    وانطلق التجار المسلمون نحو الجنوب عبر نهر الفولتا، ووصلوا إلى الساحل، وعملوا على نشر الدعوة، وحتى في أيام الاستعمار جاء العمال المسلمون من البُلدان المجاورة لغانا للعمل في مناجم الذهب واستغلال الموارد الغذائية، كما جاء تجار الفولاني والهاوسا ونشروا الإسلام في الجنوب بين أفراد قبيلتي الموسي والكوتوكواي. وهكذا وصل الإسلام إلى كل أرجاء غانا، وإن كان في الشمال أكثر من الجنوب[2].



    ويصف البكري مملكة غانا فيذكر أنها كانت مقسومة إلى قسمين: الحي الوثني، والحي الإسلامي، وفي الحي الإسلامي اثنا عشر مسجدًا تُقام الجمعة في أكبرها، وفي كل مسجد إمام ومؤذن وقارئ ومعلم، وفي الحي الوثني قُرْب القصر الملكي مسجد يُصَلِّي فيه المسلمون من حاشية الملك[3].



    وكانت قبائل السونينك تُسمِّي إمبراطورية غانا مملكة واجادو، وقد وَهِنَت قُوَى إمبراطورية غانا بعدما وصلت إلى قوة لم يكن لها مثيل، فما إن حلَّ عام 1054م حتى قامت قوَّات المرابطين بالهجوم على مدينة كومبي العاصمة التِّجارية للإمبراطورية، ولكن المدينة لم تستسلم بسهولة وظلَّت تُقاوِم الحصار مدة اثنتين وعشرين سنة متواصلة، حتى سقطت في النهاية، وضمَّها المرابطون إلى أراضيهم[4].

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:44

    الإسلام في مالي

    الإسلام في ماليمالي باللغة الماندية معناها: حيث يعيش الملك، وكان الدِّين الرسمي لتلك الدولة الجديدة هو الإسلام، ويرجع السبب في اعتناق جميع قبائل المانديك للدين الإسلامي، إلى اعتناقهم وإيمانهم المطلق بتعاليم المرابطين.



    وبالرغم من أن قبائل المانديك تُعتَبر أولاد عمومة لقبائل السونتيك وقبائل الستوسو؛ حيث يتكلم الجميع لغة واحدة هي اللغة الماندية، إلا أن الإسلام لم يتغلغل بين السونتيك والستوسو بنفس قدر تغلغله في قبائل المانديك[1].



    ولقد أسس هذه المملكة شعب زنجي أصيل هو شعب الماندنجو، وكلمة مالي تحريف لكلمة ماندونجو، ومعناها الذين يتحدثون لغة الماندي، وقد اعتنق هذا الشعب الزنجي الإسلام في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي أثناء حركة المرابطين، وتمكنت هذه الدولة الصغيرة التي بدأت بمملكة كانجايا أن تتملك قوَّة عسكرية في منطقة نياني (Niaini)، وهي مدينة تقع غرب نهر النيجر، وليست بعيدة عن حدود غينيا الحديثة، وظهرت دولة مالي إلى حيِّز الوجود بزعامة سندياتا مؤسس هذه المملكة، والذي كان يُسمَّى ماري دياتا أو ماري جاطة، وقد وصل إلى عرش مالي في حوالي سنة 1245م، وظلَّ يَحكُم مدة خمسة وعشرين عامًا، واستطاع سندياتا أن يجعل من مملكته الصغيرة إمبراطورية عظيمة بعد أن استولى على البقية التي خلفها في إمبراطورية غانا، وبعد أن هزم ملك الصوصو وضم أرضه إلى بلاده، وأسس عاصمة جديدة في نيامي (وأحيانًا تُسمَّى مالي).



    احتَلَّتْ مالي مكانة تِجارية في السودان الغربي، وظلَّت تحتلُّ هذه المكانة حتى جاء ابنه عَلِيٌّ الذي حمل لقب منسا، ومعناها السلطان أو السيد بلغة الماندي، والذي سار على نفس النهج الذي كان عليه والده، وحكم من عام 1260م حتى عام 1277م، وقام أيضًا برحلة الحج إلى الأماكن المقدسة مثل الملوك الآخرين.



    وهكذا كان ظهور دولة مالي على مسرح الأحداث السياسية في غرب إفريقيا، وتوسعاتها في الشرق والغرب قد ساعد على انتشار الإسلام وحضارته، وخاصَّة أنها سيطرت على طرق التجارة، وعلى مناجم الذهب والملح، فضلًا عن الازدهار التجاري الذي ساد هذه الإمبراطورية، التي تجلت فيها مظاهر الازدهار الثقافي، وتوطيد الصلات مع القوى المجاورة، ورحلة الحجِّ المشهورة التي ذاعت شهرتها وكانت آثارها العلمية والثقافية قد أحدثت تغييرات كثيرة في نظام البناء، وطُرُق التجارة، وإنشاء المساجد والمنارات، واستقدام الفقهاء والعلماء، ونشر مذهب الإمام مالك، وظهور حياة إسلامية أصيلة عريقة بفضل جهود علماء من مصر ومراكش[2].
    الإسلام في إمبراطورية السونغاي

    تقع ناحية الداهومي، وفولتا العليا (بوركينا فاسو)، إلى جهات بوسا بشمال نيجيريا، وكانت عاصمتها مدينة غآو بالقرب من مدينة زوغوا الحاضرة.



    ويُروى أن أَصْل مُلُوكِها يرجع إلى اليمن، وأنهم نزحوا إلى السودان زمن فرعون موسى، وكانوا أربعة عشر مَلِكًا في الجاهلية، تبدأ أسماؤهم بـ(زا) ولعله تحريف ضيا، وأول مَن أسلم منهم زاكمن سنة 400هـ، ثم يليهم مَن تبدأ أسماؤهم بـ(سن)[3].



    وفي منتصف القرن السابع الميلادي ظهرت بعض قبائل لمطة المغربية، والتي أخذت تفرض نفوذًا سياسيًّا على المزارعين من سكان صنغى، الذين استقروا على الضفة اليسرى لنهر النيجر عند مدينة دندي، واستطاع هؤلاء البربر أن يؤسِّسوا أُسْرة حاكمة تُسمَّى ديا (Dia)، والتي اتخذت من كوكيا حاضرة لها، وأقامت عَلاقات تجارية مع غانا، وتونس، وبرقة، ومصر، وكانت هذه العَلاقات التِّجارية سببًا في دخول هؤلاء الملوك في الإسلام في القرن الحادي عشر الميلادي عن طريق شمال إفريقيا، ونُقِلت عاصمة هذه البلاد إلى جوا عند منحنى النيجر، والتي صارت من أهمِّ مراكز التِّجارة في السودان الغربي[4].



    وفي القرن الحادي عشر، وبالتحديد في سنة 1010م أسس أحد ملوك هذه الإمبراطورية -ويُدعى (كوزي)- عاصمة للمملكة وهي مدينة جاو، واعتنق هذا الملك الدين الإسلامي، وأصبح من المعتاد أن يكون حاكم قبائل السنغاي من المسلمين، بالرغم من أن القبائل نفسها لم تَعتنق الإسلام، وظلَّت على دِيانتها القديمة.



    وأصبحت جاو مركزًا تجاريًّا مهمًّا، وجاء إليها التجار العرب والمسلمين من مصر ومن البلاد الإسلامية في شمال إفريقيا، وأصبحت هذه المدينة مركزًا للدعوة إلى اعتناق الإسلام؛ فقد امتلأت بمجالس العلم، ووفد إليها العلماء المسلمون من الدول الإسلامية، كما وفد إليها طلاب العلم من المناطق الأخرى[5].



    وقد توسَّعت هذه المملكة في عهد سنى علي (1464-1492م)، الذي أسس جيشًا قويًّا وصل إلى سهول غرب إفريقيا، وبعد وفاته انتقل العرش إلى أحد قوَّاده من السوننكى، وأطلق على نفسه اسم الأسكيا محمد الأول، والذي نظَّم شئون الجيش، وحجَّ البيت عام 1495م، وازداد في كرمه على منسى موسى، وأعاد لتمبكت هيبتها، وصارت مركزًا للدراسات الإسلامية.



    وبعد عودته من الحج عام 1497م شنَّ عِدَّة حملات لتوسيع رقعة بلاده، وقام بنشر الإسلام بين الوثنيين من جيرانه الماندنجو، والفولاني، والطوارق، والموسى، والهوسا في الشرق، وامتدت إمارات صنغى إلى حدود التكرور، كما غزا إمارات الهوسا، وأَجْبَر سُكَّانها على دفع الجزية، وازدهرت تمبكت في عهده ازدهارًا لم يَسبق له مثيل، بل ويُعَدُّ عصره العصر الذهبي للمدينة.



    ثم تولَّى إسحاق الأول في عام (1539-1549م)، وهو الذي أعاد الأمان للبلاد بعد توليه الحكم، ثم خلفه أسيكا داود، الذي سار على نفس النهج لنشر الإسلام وحضارته بين القبائل الوثنية، وبعد وفاته عام 1582م حدثت منازعات على الحكم، وجاءت النهاية على يد سلاطين المغرب، الذين كانوا يتطلَّعون منذ زمن بعيد للسيطرة على هذه البلاد، وظلَّ سلاطين صنغى يُعيِّنون سلاطين المغرب حتى عام 1585م، فانقسمت البلاد على نفسها، واتخذ المغاربة من ذلك فرصة لتحقيق أطماعهم فكان الغزو المراكشي للبلاد[6].

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:45

    بَعُدَ العهد بالإسلام بين المسلمين في غرب إفريقيا، ومن ثَمَّ انتشرت بينهم الخرافات والبدع والضلالات المتنوعة؛ ولأن الله حافظٌ دينه، فقد أرسل مَن يُجدِّد الدين في هذه البلاد، وذلك من خلال عدة حركات إسلامية قادها عدد من العلماء المجاهدين.


    الحركة الإصلاحية الفولانية


    1- جهاد عثمان بن فودي:

    وُلِدَ الشيخ عثمان بن محمد فودي على الأرجح يوم الأحد في آخر يوم من صفر عام 1168هـ، الموافق 15 ديسمبر (كانون الثاني) من عام 1754م، واسم فودي الذي اشتهر به والده يعني بلغة الفولانيين الفقيه، وكانت ولادته في قرية تغل، في منطقة غوبر، من تلك البلاد التي تُعرَف ببلاد الهوسا.



    نشأ الشيخ عثمان في حِجر وَالِدَيْن صالحين، كان لهما الفضل الكبير في توجيهه إلى العلم وَالدِّينِ الذي أُولع به منذ أن بلغ الحلم، ففتح الله عليه الفتوحات الغيبية، وأضاء قلبه بالإيمان، فأدرك ما يُعانيه شعبه من مآسٍ وفتن نتيجة سيادة الأفكار الخاطئة وآثار الجاهلية الخبيثة، فعَمِل بِوَعْي وتصميم على تغيير هذا الواقع، ففتح الله على يديه بلادًا واسعة وشعوبًا كثيرة، وأَسَّس حركته التي ما زالت آثارها باقية إلى وقتنا الحالي.



    أما أهم أساتذته على الإطلاق فقد كان الشيخ جبريل، الذي قام بواجبه تجاه تلميذه مرتين؛ الأولى عندما قَدَّم للشيخ علومًا مفيدة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية والسياسية، والثانية عندما كان أول مَن بايعه على الجهاد على سبيل نشر الإسلام في تلك المنطقة، واعترف له بالولاية، وعقد له الراية، وفي المقابل لم يكن الشيخ أقلَّ سموًّا من معلمه! فقد كان يُردِّد بشكل دائم هذا البيت من الشعر:

    إِنْ قِيلَ فِيَّ بِحُسْنِ الظَّنِّ مَا قِيَلا *** فَمَوْجَةٌ أَنَا مِنْ أَمْوَاجِ جِبْرِيلا



    وفي وسط ظروف تَسُودُها الأفكار والعادات والتقاليد الجاهلية بدأ الشيخ عثمان بن فودي عمله الشاقَّ والصعب في الدعوة إلى الله، حيث كان يحكم المجتمع مجموعة من الملوك والأمراء الذين يتطاحنون على حقِّ السيادة، ويتنازعون على الأرض، والأرزاق، واستعباد الناس، فقد شَهِدَت إفريقيا جنوب الصحراء عصرًا من عصور الملكية المطلقة، وتطاحنًا أودى بحياة الكثير من أبنائها، ومن سيادة الأفكار القبلية التي لا مجال معها للوَحْدة بين القبائل دون غالب ومغلوب، بحيث تستمرُّ حلقات التنافس القبلي دون توقُّف، مع ما يُرافق ذلك من سيادة للعقلية الحربية التي تضع شرائح كبيرة من المجتمع في دائرة الاستضعاف، إضافةً إلى أن الوضع القبلي هذا لم يستطع أن يُفرز حالة وَحْدَوِيَّة تستطيع أن تُوَحِّد منطقة بأكملها تحت راية واحدة، ولغة واحدة، وأهداف واحدة، وبالتالي تستطيع إنتاج حالة أكثر تقدُّمًا مما كانت عليه، وكان هؤلاء الملوك على ديانات وثنية متخلفة ما زالت بقاياها قائمة حتى أيامنا هذه، عبر ما يسمى بالديانات الأرواحية التقليدية.



    وفي مثل هذه الظروف بدأ الشيخ ابن فودي عمله، حيث أخذ على عاتقه مهمَّة تحرير شعبه من سيادة الأفكار الجاهلية المتخلفة ومن سيطرة السلاطين الجبابرة، الأمر الذي أفضى إلى إقامة دولة إسلامية استمرَّت أكثر من مائة سنة في تلك البلاد البعيدة عن مركز الدولة الإسلامية، ومن دون أي تَدَخُّل خارجي[1].



    لقد قَسَّم الشَّيخ عثمان بن فودي -رحمه الله- في كتابه (نور الألباب) سكَّان بلاد (الهوسا) إلى ثلاثة أقسام رئيسية:



    القسم الأوَّل: مَن يعمل أعمال الإسلام، ولا يَظهر منه شيءٌ من أعمال الكفر، ولا يُسمَع منه شيءٌ مما يُناقض الإسلام، وأكَّد صحَّة عقيدة هذا النَّوْع من النَّاس.



    القسم الثَّاني: مُخلِّط: يَعمل أعمالَ الإسلام، ويُظهر أعمالَ الكفر، يُسمَع مِن قوله ما يُناقض الإسلام، فحكم على هؤلاء بالكفر.



    القسم الثَّالث: هم الذين لم يشمُّوا رائحة الإسلام، فهؤلاء كفَّار بالأصالة، ولا تجري عليهم أحكامُ الإسلام[2].



    وقد بدأ الشيخ مهمَّته في شكل دعوي، وهو ما أسماه في أدبياته (الجهاد القولي)، وقد كانت مرحلة للدعوة والإرشاد، ورفع المستوى التعليمي العامِّ، ومستوى الوعي الاجتماعي العامِّ، حيث أرسل رسائل إلى كل فئات المجتمع يدعوها إلى الله، موضِّحًا أهمية الإسلام في إحياء الأُمَّة وخلاصها من مشاكلها الواقعية التي تعيشها.



    وقد ركَّز عثمان بن فودي في أسلوبه من خلال هذه المرحلة على استخدام عنصرين مهمَّيْن: أولهما التركيز على موضوع المرأة في النموذج الإسلامي، والفرق بينه وبين المرأة في النموذج الجاهلي المتخلِّف، وقد أسهم الكثير من السيدات المسلمات في حركة النهوض التي قادها الشيخ عثمان، كما شكَّلت هذه القضية تحدِّيًا كبيرًا للأفكار السائدة من خلال دعوة المرأة إلى التحرير من الاستعباد الحقيقي الذي تعيشه في ظلِّ الوضع السائد.



    كما اعتمد على استخدام الشعر والموشحات الدينية بالطريقة الشعبية المعروفة في تلك البلاد والمحببة إلى القلوب، وقد كان الشيخ مبدعًا في تأليف كمية كبيرة من القصائد والموشحات ذات المضمون الأخلاقي والعلمي والإرشادي الراقي باللغات المحلية، وقد كانت هذه القصائد تنتشر مثل (النار في الهشيم)، تنتقل من ألسنة الدُّعاة إلى ألسنة العامة، وما زال الكثير منها محفوظًا حتى الآن، خاصَّة إذا علمنا أن الثقافة الإفريقية هي ثقافة حفظ، وليست ثقافة تسجيل.



    وقد استمرَّت هذه المرحلة من عام 1774م حتى 1803م أي حوالي 30 سنة بالدعوة والبناء الدقيق لحركة الدعاة والمبلغين، والتحدي الأخلاقي والفكري والاجتماعي للمجتمع القائم، ولكن دون المواجهة المباشرة، بل عُرِف عنه في تلك المرحلة تشديده على الدعاة بعدم الدخول بأي صدام مع القوى المسيطرة.



    وقد ألَّف في هذه المرحلة الكثير من المؤلَّفات الهادفة والدراسات القَيِّمة، وكان يتنقل بين المدن والقرى بنفسه يبثُّ أفكاره، وانتهت هذه المرحلة بتأسيس المجموعة الأساسية من الحواريين والأتباع، أو مَن سمَّاهم بالطلبة، بهدف نشر الصورة الجلية للإسلام، وبهدف تقديم النموذج الأرقى للدين القويم، وفضح علماء السوء الذين كانوا يَرَوْن الواقعَ المنكرَ فلا يعملون على تغييره بأي شكل من أشكال التغيير المتاحة.



    وبالفعل جاء الردُّ قويًّا لممارسات الشيخ، حيث بدأ المواطنون يُعلنون رفضهم للأوامر التي تتنافى مع تعاليم الإسلام، خاصَّة في أوساط الشباب الذين يُعتبرون القوة الضاربة في أي قتال يدور بسبب السرقة والتعدي، ونهب المحاصيل أو الثروات الحيوانية، كذلك فالفتيات بَدَأْنَ يَرفضنَ ما يُؤمِنَّ به إذا كان منافيًا لأحكام الدين الحنيف؛ مما دفع مَلِكَ المنطقة للمطالبة بمغادرة الشيخ خوفًا منه على سحب الْبِساط من تحت قدميه، غير أن الشيخ كان قد اتخذ بالفعل قراره بالهجرة مع كل مجموعته، وأصدر فتوى بذلك أذيعت في مختلف الأمصار، وما إن انتقلت الأخبار إلى المدن المجاورة حتى تجمَّع المؤمنون من كافَّة أنحاء البلاد يَبْنُونَ أوَّل مجتمعاتهم القائمة على الحكم الإسلامي.



    واستمرَّت هذه المرحلة إلى عام 1808م، وكانت ولا شكَّ مرحلة توطيد دعائم الحكم الإسلامي، حيث وضع نظامًا إداريًّا متقدمًا يُراعي النُّظُم الإسلامية، ووحَّد البلاد تحت راية واحدة، وجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية، واستمرَّت هذه الدولة حوالي مائة سنة حتى دخول الاستعمار البريطاني إلى تلك المنطقة، حين قرر المَلِكُ أن يُجهِّز جيشًا لمقاتلة المجموعة المؤمنة، فالتقى الجيشان وانتهت المعركة بنصر جيش المسلمين، فكانت هذه المعركة جولة حاسمة انهار على أثرها الكثير من الجيوش والممالك الصغيرة، بعضها بالقتال، وبعضها بالتهديد، وفي هذه المرحلة التي تُعْرَف بمرحلة الجهاد المسلَّح، تمَّت الخطوة الحاسمة التي لم يكن بالإمكان أن يَستقِيم الوضع بدونها، ألا وهي مبايعة الشيخ قائدًا وإمامًا على سُنَّة الله ورسوله[3].


    2- حركة جهاد أحمدو لوبو في منطقة ماسينا:

    بينما كان الشيخ عثمان بن فودي يواصل جهاده ضدَّ حُكَّام إمارات الهوسا، بدأت حركة إسلامية فولانية أخرى في منطقة ماسينا على نهر النيجر العلوي، قادها الشيخ أحمدو لوبو، وهو أحد مؤيِّدي الشيخ عثمان السابقين في إمارة جوبير، وكان الفولانيون قد استقرُّوا في منطقة ماسينا الخصبة منذ عدَّة قرون، ومارسوا حرفة الرعي إلى جانب جماعات الماندجو الزراعيين، ولكنهم ظلُّوا بمعزِل عنهم، وكان لهم رؤساء من جماعات الديولو، الذين اقتصر حكمهم على الفولاني منهم التابعين لأسيادهم من جماعات البمبارا في سيجو، وكانت هذه الجماعات سواء الفولاني منهم أو الماندنجو يَدِينون بالوثنية باستثناء بعض الجماعات القليلة التي اعتنقت الدين الإسلامي؛ بسبب ظهور الحركات الإصلاحية في منطقة سوكوتو، أو في منطقة فوتا جالون.



    ففي هذه المنطقة أعلن الشيخ أحمدو لوبو نفسه أميرًا للمؤمنين، وبدأ جهاده ضدَّ جماعات البمبارا أو الماندنجو.



    وينحدر الشيخ أحمدو من إحدى العشائر الفولانية المسلمة التي هاجرت من منطقة ماسينا، وعاشت مع شعب البمبارا حيث كانت الوثنية منتشرة هناك، وتلقَّى أحمدو ثقافته الإسلامية من شيوخ أسرته، ثم الْتَحَق بمدينة جنى التي كانت من المراكز الإسلامية الكبرى في غرب إفريقيا، حيث تعلَّم التفسير والفقه وعلوم الدين الأخرى، ثم عاد إلى ماسينا ليُعلِن الجهاد؛ لكي ينقذ الوثنيين من عبادة الأحجار، ويهديهم لعبادة الله وحده.



    نظر الشيخ أحمدو لوبو إلى حركة الجهاد في سوكوتو يَسْتَلْهِم منها الرشاد، ويتَّخذها أساسًا لبناء دولته الإسلامية، وأرسل الشيخ أحمدو بالفعل إلى دولة سوكوتو لتوطيد العَلاقات مع خليفة الدولة محمد بلو (1817- 1837م)، وبالرغم من مساعدة الخليفة له وإرساله الكتب التي طلبها ليَسترشد بها، إلا أن الشيخ أحمدو رفض التبعية لدولة سوكوتو بمجرد أن أعلن الجهاد، كما امتنع عن دفع الضرائب إلى الخليفة، واستمرَّ يَسْتَلْهِم من دولة الفولاني الْعَوْن الرُّوحي، ويعتمد مؤلفات الشيخ عثمان وعلماء سوكوتو في كثير من أعماله وتنظيماته.



    بدأ الشيخ أحمدو لوبو تعاليمه في عام 1797م، وعندما شاهد رؤيا في منامه في عام 1816م أعلن الجهاد، وأخذ يسعى لنشر المبادئ التي نادى بها أولًا بين الشباب في المدن وخارجها، وانضمَّ إليه أفراد عشيرته، هذا إضافة إلى قلَّةٍ مِن المسلمين في المناطق الزراعية.



    استقرَّ الشيخ في مكان يُدعى روندى سيرو بالقرب من مدينة جنى، ومِن هناك حَمَل لتلاميذه دعوته، واستمرَّ يَعِظ الناس، لمدَّة تقترب من عشرين عامًا، ثم جاهر بتحدِّيه للحاكم وأتباعه، حيث اتهمهم بممارسة العادات والتقاليد الوثنية التي تَبْعُد عن الدِّين الصحيح، كما اعتبرهم أداة في أيدي أسيادهم من حكام البمبارا، وهاجم بالفعل العلماء داخل المدينة نظرًا لتهاونهم في تطبيق الشريعة الإسلامية.

    ظهر الشيخ لسلطات ماسينا عندما نصح أتباعه بقتل ابن الحاكم؛ لأنه اغتال أحد أتباع الشيخ أحمدو، وبعد هذا الحادث اضطر الشيخ أحمدو إلى الهروب خوفًا من انتقام الحاكم، وتوجَّه الشيخ مع قلَّةٍ مِن أتباعه إلى مدينة سوى، وفرض سيطرته على كل منطقة سيرو، ولقَّبَ نفسَه أمير المؤمنين، بل وادَّعى أنه آخر الأئمة الاثني عشرية.



    ونَاصَرَ الفولاني سواء من الوثنيين أو المسلمين، واستطاع بعد فترة وجيزة أن يُصبح سيِّدًا لمنطقة تبلغ مساحتها 50.000 ميل مربع، وضمَّت داخل حدودها كلًّا من مدينتي جنى وتمبكت، كما استولى على مدينة كوناري بعد صراع مرير مع حاكمها، وفي هذه المدينة التي تقع على الشاطئ الأيمن لنهر باني أَسَّس في عام 1815م مدينة (حمد الله)؛ لتكون حاضرة لدولته وعاصمة لدولة ماسينا الإسلامية، وأحاطها بسور ضخم، وضمَّ إليها بعض الإقطاعيات الزراعية خُصِّصت لرجال الدين والعلماء، وغيرهم من المسلمين.



    وقد قام الشيخ أحمدو بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية في دولته، فأنشأ بيتًا للمال، وأقام نظامًا عسكريًّا للدفاع عن حدود الدولة، وعيَّن الأُمراء في مختلَف إمارات الدولة، وقسم العاصمة "حمد" إلى سبعة أحياء، يُشرِف على كل حيٍّ من أحيائها قاضٍ، وعيَّن قاضي القضاة على رأس هؤلاء الحكام، أما بالنسبة للجهاز السياسي للحُكم فقد اعتمد الشيخ أحمدو على مجلس الأربعين الذي يَرْأَسه أحد مشاهير العلماء، وبالرغم من أن الشيخ أحمدو قد حمل لقب أمير المؤمنين، إلا أنه كان عضوًا في المجلس، وكان يُفوِّض الكثير من سلطاته إلى زملائه أعضاء مجلس الأربعين[4].


    3- حركة الجهاد الإسلامي في منطقة التكرور:

    امتدَّت حركات الجهاد إلى مناطق أخرى من غرب القارة، حيث استطاع الحاج عمر الفولاني نقل جهاده إلى بلاد السنغال، تلك المنطقة التي كانت قد دخلت في الدين الإسلامي، وعَرَف سكانها مبادئ الدين منذ أيام عبد الله بن ياسين، وأَخلَص أهل السنغال لدعوته، وشاركوا في جهاده، وتشرَّبوا الحضارة العربية الإسلامية، وأَخلَصوا في أداء الشعائر الدينية؛ لذا لم يكن غريبًا أن يَظهر في هذه المنطقة وفي تلك التربة الصالحة رجل مجاهد آخر يدعو الناس إلى الالتزام بمبادئ الإسلام، ذلك الرجل هو الحاج عمر بن سعيد، الذي وُلِدَ في قرية حلوار بالقرب من بودور على الحدود السنغالية الموريتانية إلى الشرق من مدينة سان لويس وذلك في عام 1797م، وكان الحاج عمر هو الابن الرابع للشيخ سعيد، وينتمي إلى إحدى الأُسَرِ التي قاومت الوثنية في هذه المنطقة، كما قاومت الاستعمار الأوربي.



    وفي عام 1838م انتقل الحاج عمر إلى منطقة ماسينا، وظلَّ هناك بعض الوقت في ظلِّ حاكمها الشيخ أحمدو لوبو، ولكنه عندما ذهب إلى منطقة سيجو طردته السلطات هناك، فرحل إلى منطقة كانجاب، ثم انتقل إلى منطقة (كان)، حيث استمرَّ سبع سنوات يعظ الناس، ويُعلِّمهم مبادئ الدين الإسلامي.



    استقرَّ الحاج عمر في النهاية في دنجوري عند التقاء نهر فوتا جالون مع نهر بامكو وبوندو، وقضى الحاج عمر الفترة منذ عام 1845 حتى 1850م في تدعيم دولته، فبنى حصنًا في دنجوري، ومن هناك بدأ يُعلِن الجهاد ضدَّ الوثنية، وبدأ يغزو إمارة البمبارا في كارتا، واستطاع أن يُلحِق الهزيمة بجيشها في عام 1854، واستولى على أهمِّ المدن بها، وكان يأمُل أن تساعده السلطات الفولانية في ماسينا في شنِّ هجوم مشترَك على المدن بها، ولمَّا رفض حُكَّام ماسينا دعوته اتجه نحو الغرب لمهاجمة بعض الإمارات السنغالية في حوض السنغال الأوسط، وهناك الْتَقَى بالقوَّات الفرنسية في عام 1857م والْتَحَم بها، واضطر إلى الرجوع للشرق.



    وأدرك أن التوغُّل الفرنسي هناك سيجعل من المستحيل بناء دولته على نهر السنغال، فكان انسحابه إلى الشرق نواة لتكوين إمبراطورية من مملكة البمبارا وماسينا.



    وأثناء اشتباكات الحاج عمر مع الفولاني في ماسينا، قُتِل الحاج عمر في عام 1864م، وهو في قِمَّة قُوَّته، لكن قبل أن يَدْعَم إمبراطوريته، وترك لابنه أحمدو الشيخ مسئوليات جسامًا، وصراعات أُسَرِيَّة، وحركات تمرُّد مستمرَّة، إضافة إلى توغُّل فرنسا في منطقة ماسينا، وهكذا صار أحمدو الشيخ خليفة لهذه الإمبراطورية بعد وفاة والده.



    ومنذ البداية صار موقف أحمدو الشيخ صعبًا؛ ذلك أنه في الوقت الذي بدأ يَدْعَم فيه سلطاته في سيجو، أخذ التوغُّل الفرنسي يشقُّ طريقه نحو إمبراطوريته، وكان أحمدو يتطلَّع إلى تطوير النُّظُم الاقتصادية في دولته، ويسعى إلى إقامة عَلاقات تجارية مع الدول المجاورة ومع الفرنسيين في حوض السنغال، ومع البريطانيين في جامبيا وسيراليون؛ ونظرًا لاتساع الإمبراطورية فقد حَكَم أقاربه أجزاء منها بصورة شبه مستقلَّة، حيث حكم أخوه أجوبو منطقة دنجوري في الجنوب، وحكم ابن عمه -ويسمى التيجاني- منطقة ماسينا بعد أن استعادها عقب وفاة الحاج عمر في عام 1864م.



    وتقدم الفرنسيون في حوض النيجر حتى مدينة ساي ومنها إلى بوسا؛ مما أدى إلى اصطدام مع البريطانيين الذين كانوا يَدْعَمون نفوذهم في نيجيريا، وبدأت سلسلة من المفاوضات بين الدولتين لتقسيم هذه المنطقة.



    هكذا انتهت إمبراطورية الحاج عمر في بلاد التوكولور بعد أن حقَّقت هذا النصر الرائع، وبعد أن نجحت في تقوية رابطة الوَحدة بين أتباعه الذين ينتمون إلى قبائل مختلفة، ولولا الاستعمار الفرنسي لنجح الحاج عمر في إقامة دولة إسلامية في إفريقيا.



    وإذا ألقينا نظرة على هذه الإمبراطورية نجد أنه بنى إمبراطورية إسلامية أكثر مركزية عن إمبراطورية الفولاني في سوكوتو، أو دولة الشيخ أحمدو لوبو في منطقة ماسينا، وقد تكوَّنت هذه الإمبراطورية في منطقة عَرَفت الإسلام منذ قرون خَلَتْ، بدلًا من الهجوم على الحكام المسلمين بسبب تهاونهم في تطبيق الشريعة الإسلامية، وكان الحاج عمر قد اعتنق مبادئ التيجانية، وهي أحدث من الطريقة القادرية التي انتهجها كل من الشيخين عثمان بن فودي وأحمد لوبو[5].

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:46

    يبقى أن نعلم أن المسلمين في غرب إفريقيا في السنوات الأخيرة يُواجهون مصاعب جَمَّة، وتحدِّيات كبيرة؛ منها: التنصير، والحرمان من خيرات بلادهم، والتضييق عليهم في التعليم وفي فُرَص تولِّي المناصب الكبرى، ويَصِل الأمر إلى التعذيب والقتل.



    وهذه نبذة من الصعاب والمشكلات في بعض بلاد غرب إفريقيا:


    أبرز المشاكل التي تُواجه المسلمين في غانا:



    المشاكل التي تُواجه المسلمين في غاناومن أبرز المشاكل التي تُواجه المسلمين في غانا هي تغلغل النفوذ الصهيوني، والْفِرَق الضالَّة كالقادِيانِيَّة والماسونية، واضطهاد البعثات التنصيرية لهم، ومن مظاهر اضطهاد النصارى للمسلمين تلك المذبحة التي وقعت يوم 2 من فبراير 1994م بالمنطقة الشمالية، والتي بدأت بهجوم من قبيلة كونكمبا النصرانية على قرية بمبلا التي تبعد 960كم عن العاصمة أكرا، وسرعان ما انتشر الهجوم ليشمل 150 قرية، وكانوا يُركِّزون على هدم وإحراق المساجد على المُصلِّين، ويُقَدَّر عَدَد المساجد التي حُرِّقت وهُدِّمت بمائة مسجد بحسب الإحصاء الحكومي، وتُقَدَّر البيوت التي حُرِّقَت بستمائة بيتٍ، إضافةً إلى إحراق حوالي ألف مزرعة، وقَتْل حوالي ثمانية آلاف، والمشردون حوالي عشرين ألفًا.



    وقد نشط المسلمون هناك في تكوين منظمات وهيئات إسلامية تخدم العمل الإسلامي، ومنها: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وجمعية أنصار السنة، ورابطة الشباب المسلم، وقد تمَّ إنشاء مكتب إسلامي لرعاية المُعَاقِين المسلمين في غانا، بهدف الوقوف في وجه الزحف التنصيري عبر تقديم المساعدات المالية والعينية للمعاقين المسلمين تحت شعار المساعدات الإنسانية؛ لتكون وسيلة سهلة لتنصيرهم[1].


    المسلمون في غينيا الاستوائية

    بدأ الإسلام في غينيا الاستوائية في أواخر القرن الخامس الهجري عن طريق المرابطين، فكانوا يُرسِلُون الدُّعاة من المغرب إلى جهات إفريقيا، وعن طريق التجار والعمال المسلمين القادمين من نيجيريا، وفي النصف الأول من القرن السادس عشر الميلادي بدأ الإسلام ينتشر بين أفراد قبيلة فانج وشيوخها، وذلك عن طريق فانج الكاميرون.



    وقد استعمرت إسبانيا غينيا الاستوائية عام 1194هـ/ 1879م، ووضعت العراقيل أمام الدعوة الإسلامية، وتعاملت معها برُوحٍ صليبية متعصبة، ثم منحتها استقلالها عام 1388هـ/ 1968م. ويُقِيم أكثر المسلمين في إقليم ريموني، في حين يسكن أكثر النصارى الكاثوليك في إقليم فيرناندوبو، وهو الأكثر تحضُّرًا، واللغة الرسمية هي الإسبانية، ويتكلَّم السكان لغة البانتو.



    ودعم انتشار الإسلام في الآونة الأخيرة هجرة عدد كبير من العمال والتجار النيجيريين إليها (حوالي 40 ألفًا)، ومن أبرز التحديات التي تُواجه المسلمين هناك نشاط البعثات التنصيرية[2].


    المسلمون في ليبريا

    المسلمون في ليبريافي عام 1827م قامت أمريكا بتأسيس مستعمرة ليبريا على الساحل الغربي لإفريقيا؛ لتنقل إليها ستة وأربعين ألف إفريقي من أبناء الزنوج الأفارقة بأمريكا، وقامت ببناء عاصمتها مونروفيا؛ لتكون ليبريا هي نقطة الانطلاق لاحتلال الأراضي الإسلامية بغرب القارة وتنصير أهلها، فقامت باحتلال الساحل، وحصرت أهلها في المناطق الداخلية. وفي عام 1847م أُجْبِرَ المسلمون على استخدام اللغة الإنجليزية، كما أُجْبِرُوا على تغيير أسمائهم الإسلامية إلى أسماء إنجليزية، وطُبِّق عليهم الدستور الأمريكي، وقد كان الزنوج القادمون من أمريكا هم المسيطرون على الحُكْم.



    ولكن في عام 1980م قاد الرئيس صومويل -وهو من السكان الأصليين- انقلابًا عسكريًّا أنهى به فترة احتكار الزنوج الأمريكان للسلطة، إلا أن تشارلز تيلور -وهو زنجي أمريكي- أعلن تمرُّده عليه.


    وقوع الكارثة:

    صورة لما يتعرض له المسلمون في ليبريافي مساء يوم 24 من ديسمبر 1989م قامت عصابة تشارلز تيلور بقتل مائة ألف مسلم شرَّ قتلة، وأحرقت 75 من الدعاة والأئمة بصبِّ البنزين عليهم، كما قاموا بقطع آذان المؤذِّنِين وألسنتهم، وهُمْ أحياء، وتشريد 700 ألف مسلم أُجْبِرُوا على تَرْك ديارهم وأموالهم، وهُدِّمت المساجد والمدارس الإسلامية التي كان عددها قبل المذبحة 720 مسجدًا، و150 مدرسة ابتدائية، و45 مدرسة ثانوية.



    وفي عام 1990م تعرَّض المسلمون لحرب إبادة أخرى، حيث ركَّز رجال تشارلز على القرى ذات النشاط الإسلامي المزدهر، وقتلوا مَن فيها بالرصاص أو السكاكين المسمومة، وقد فرَّ مَن بقي منهم على قيد الحياة إلى غينيا وسيراليون. وبعد أن انتهت عصابة تشارلز تيلور من قتل المسلمين في ليبريا دخلت سيراليون لاستكمال خُطَّتها في قَتْل مَن فرَّ إليها من المسلمين، ومِن الذين استُشهدوا الشيخ باه رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وقد عاونت غينيا اللاجئين بشكل حسن، ونظرت إليهم على أنهم إخوة في الدين، أما باقي المسلمين في أنحاء العالم فلم يُعْطُوا القضية الليبرية حقَّها من العناية.



    وقد فجَّرت هذه الأفعال رُوح الجهاد الإسلامي، حيث توحَّدت الصفوف، وانخرط الكثير من الشباب المسلم في الجهاد، وتتوَّج هذا الأمر بتأسيس حركة (إنقاذ مسلمي ليبريا)، التي تُمثِّل جميع المسلمين على الصعيد السياسي.



    وبدأت حركة الإنقاذ عملياتها الجهادية في 15 من صفر 1412هـ، وبدأت انتصاراتها تتحقق باستعادة الكثير من المناطق التي كانت تحت سيطرة عصابة تشارلز تيلور، وحاول النصارى التصدي لرُوح الجهاد وإغداق الأموال على الكنائس للقيام بحملات صليبية مكثَّفة، ولكن نتج عن مكرهم هذا تجدُّد القتال، وعودة الكثير من اللاجئين إلى غينيا، ولكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين[3].



    ومن المؤسف أن دور المسلمين في إنقاذ إخوانهم في غرب إفريقيا ضئيل، يقتصر على بعض المنظمات الإغاثية التي تقدِّم جهد المقلِّ، بينما ترتبط مواقف حكومات الدول الإسلامية بالمواقف الغربية التي لا تُرِيد تدخُّلًا من أحدٍ سواها في هذه البقاع؛ لكي تستطيع إتمام مخططاتها لاستئصال الإسلام منها.



    وبعدُ، فهذه أوراق قليلة تحدَّثت عن قصة الإسلام في غرب إفريقيا، وهي قصة حافلة بالدروس والعِبَر، فضلاً عن المسئولية التي تُلقيها على عاتق المسلمين الآن من أجل الوقوف بجانب إخوانهم هناك. نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان.

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:47

    شرق أفريقيا

    للإسلامِ في كلِّ مكانٍ وَصَلَ إليه قِصَّةٌ؛ تحكى جهود الأجداد في نشر الإسلام في ربوع الأرض، وبين كل البشر، ليَعُمَّ الخيرُ، وينتشر العدلُ، وتُشرق الأرض بنور ربها.

    ومن بين البقاع التي نَعِمت بنور الإسلام في وقت مبكر، تلك الأرض الممتدة على الساحل الشرقي للقارة الإفريقية والأراضي القريبة منها كذلك، والتي تضم اليوم مجموعة من الدول هي إريتريا وإثيوبيا والصومال وكينيا وتنزانيا وأوغندا وجيبوتي وموزمبيق ومدغشقر وملاوي وزامبيا وزمبابوي وبوروندي ورواندا وجزر القمر وموريشيوس وسيشيل... وقد كان يُطلق على الأراضي الساحلية منها[1] أرض الزنج[2].



    شرق أفريقياغير أننا قبل أن نخوض في العَلاقات الوثيقة بين الإسلام وشرق القارة السمراء، نغوص معًا في أعماق التاريخ لنبدأ القصة من أوَّلها، ولنكشف الستار عن الأحداث التي مهَّدت لهذه العَلاقات الوطيدة التي جاء الإسلام ليُثَبِّتها ويُوطِّدها، لا ليبتدئها أو ينشئها.


    بداية العلاقات العربية الأفريقية

    كان السبئيون (عرب جنوب شبه الجزيرة العربية) أول الشعوب العربية التي أتت إلى الساحل الشرقي لإفريقيا بغرض التجارة لا الغزو، وعلى الرغم من أنهم وفدوا في أعداد قليلة إلا أنهم داوموا في تجارتهم، واختلطوا بأهل الساحل، وتزوَّجوا منهم، وأقاموا محطات تجارية، وفي منتصف الألف سنة التي سبقت ميلاد المسيح بدأ الطابع العربي يَظْهَر على طول الساحل، ولم يَفْقِد هذا الساحل شخصيته المميَّزة، إذ كان يُدْعَم بشكل دائم بالوافدين من جزيرة العرب والخليج العربي[3].



    ويذكر مؤرِّخو الإغريق القدماء عن "الزنج" الذين كانوا يعيشون في سواحل شرق إفريقيا، أنهم شيَّدوا مدنًا ساحلية كانت على عَلاقات تِجارية راسخة مع شبه الجزيرة العربية والهند[4].



    ومن المرجَّح أن يكون عرب جزيرة العرب -خاصَّة عرب الجنوب- هم أقدم الشعوب العربية اتِّصالًا بالسواحل الشرقية الإفريقية، بحكم الجوار الجغرافي، وساعدهم على قيام هذه الصلات نظام الرياح الموسمية، والتي كانت تمكِّن السفن الشراعية الصغيرة من القيام برحلتين على الأقل في العام؛ ففي الخريف تدفعها الرياح الموسمية الجنوبية الغربية من خليج عُمَان وسواحل الجزيرة العربية نحو الساحل الإفريقي، وفي فصل الربيع تدفعها في اتجاه الشمال الشرقي، حيث تمكِّنها من العودة إلى قواعدها، وفي خلال دورة الرياح يتمُّ التعامل التِّجاري[5].



    كانت تلك إذن هي بدء العَلاقات بين سكان شبه الجزيرة العربية وبين شرق القارة الإفريقية، وقد مهَّدَ هذا الأمر لوصول الإسلام ثُمَّ نَشْرِهِ بعد ذلك في تلك الأماكن.


    هجرة المسلمين للحبشة

    هجرة المسلمين للحبشةوقد كانت التجارة بين عرب شبه الجزيرة العربية وشعوب شرق إفريقيا ما زالت مستمرَّة حين جاء الإسلام، فلمَّا اشتدَّ أذى مشركي مكة للمسلمين أذن رسول الله لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، حيث يوجد بها النجاشي، ولقد وصفه الرسول بأنه لا يُظلم عنده أحد، ومن ثَمَّ كان اختيار الحبشة كمكان لهجرة المسلمين ابتداءً، وكان الاستقبال الحافل والحفاوة البالغة التي تمَّ بها استقبال المسلمين كَفِيلَة باستمرارهم، وتَكَرَّرت هجرتهم مرَّة أخرى بِفَوْج أكبر من الفوج الأول، فبلغ عددهم ثلاثة وثمانين رجلًا وتسعَ عشرةَ امرأة[6]، وقد حاولت قريش الإيقاع بين المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة وبين النجاشي ومَن معه من النصارى، ولكن قوَّة الحُجَّة عند المسلمين وحُسْن تصرفهم حالَ دون هذه الوقيعة، وازداد تمسُّك النجاشي بهم وحمايته لهم[7].



    وقد كان للعَلاقات الودِّيَّة بين الرسول والنجاشي، والمعاملة الطيبة التي لقيَها المسلمون المهاجرون إلى الحبشة أكبر الأثر في توثيق العَلاقات بين نصارى الحبشة وبين الإسلام، إلاَّ أن هذه الهجرات الإسلامية الأولية في عهد رسول الله لم تترك أثرًا في حياة البلاد، وإن كانت قد تركت أثرًا في نفوس الأحباش، وأطلعتهم على الينبوع الرُّوحي الجديد المتفجِّر بالقوَّة والحياة، ووطَّدت الصلات بين الدولة الإسلامية في عهد الرسول وبين الأحباش، وحين بلغ الرسولَ وفاةُ النجاشي صلَّى عليه هو وأصحابه[8]؛ فعن أبي هريرة قال: نعى لنا رسول الله النجاشي صاحب الحبشة اليومَ الذي مات فيه فقال: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ". وعنه أيضًا قال: إِنَّ النَّبِيَّ صَفَّ بهم بِالْمُصَلَّى فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا[9]. وعن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما مات النجاشي كان يُتَحَدَّث أنه لا يزال يُرَى على قبره نور[10].



    وفي السنة التاسعة من الهجرة، أرسل رسول الله الصحابي الجليل علقمة بن مُجَزِّز على سريَّة في اتجاه الحبشة؛ لأن بعض مراكبهم كانت تقترب من مكة بحرًا، ولكنه لم يَلْقَ كيدًا كما تَذْكُر الرواية[11].



    ومن هنا كانت منطقة شرق إفريقيا أسبق بقعة في العالم القديم في استقبال الدعوة الإسلامية الخالدة[12].


    فتح الحبشة

    لم تكن الحبشة ضمن الممالك التي وجَّه المسلمون إليها حملاتهم في ذلك العهد الأول الذي شهد الفتوحات الإسلامية العظيمة لنشر دين الإسلام، ويبدو أن ذلك راجع إلى عدَّة عواملَ، منها تركيز المسلمين على كسر شوكة الإمبراطوريتين المجاورتين لبلاد العرب، واللَّتين يُخشى منهما على الدولة الإسلامية الناشئة وهما إمبراطورية الفرس والإمبراطورية الرومانية الشرقية، وكذلك اعتبار المسلمين أن مصر أكثر أهمية من الحبشة لمركزها المهم وسبقها في ميدان الحضارة والعمران. ومن أهمِّ الأسباب أيضًا قُرْب عهد المسلمين بالعَلاقات الطيبة التي كان للنجاشي فيها فضلٌ مشكور، حتى يُروى أن النبي نَصَحَ بِتَرْكِ الأَحْبَاشِ وشأنهم طالما أنهم لم يبدءوا بالعدوان، ففي الحديث الشريف: "اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ"[13].



    ولكن بعد فترة من الزمن أخذ بعض القراصنة الأحباش يهدِّدون تجارة العرب في البحر الأحمر، مما اضطرَّ الخليفة عمر بن الخطاب إلى إيفاد حملة بحرية صغيرة لتأديبهم، ولكنها لم تُكَلَّل بالنجاح.

    وعاود القرصان نشاطهم مرَّة أخرى في عصر الخلافة الأموية، حيث اتخذوا من خرائب ميناء "عدوليس"[14] على جدة مأوى لهم، ودمروا السفن الراسية فيه، بل وهدَّدوا الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، فاضطرَّ المسلمون عام 83هـ إلى اتخاذ خطوة حاسمة لوضع حدٍّ لتلك العمليات، بأن جرد عبد الملك بن مروان حملة بحرية لاتخاذ مركز حربي على الشاطئ الغربي، وتمَّ الاستيلاء على مجموع جزر "دهلك"[15] المجاورة لمدينة "مصوع"[16]، وكان أَخْذُ المسلمين لهذا المركز الممتاز بَدْءَ استيلائهم على باقي المراكز البحرية على الشاطئ الإفريقي، وعلى الانتشار التدريجي للإسلام في شرق إفريقية[17].


    السيطرة على دهلك

    كانت السيطرة العربية على جزر "دهلك" سببًا في تطوُّرات عديدة مُهِمَّة في تاريخ المنطقة، من أهمها أنها أعطت فرصة لانتشار الإسلام من قاعدة ثابتة، فضلًا عن ارتباط حركة التجارة في المنطقة بالواقع الجديد الذي أحلَّ النظام والعدل محلَّ الفوضى والقرصنة[18].



    وتَنْسِب الروايات تأسيس الإمارات العربية الأُولَى في شرقي إفريقيا لعهد عبد الملك بن مروان ورجاله الشاميين، وما زال اسم عبد الملك بن مروان يُذْكَر في تلك الجهات، لدرجة أن السكان قد حرَّفوا اسمه، فينطقون (عبد المالك) (ابن مرواني)، ومرُّد ذلك ضعف اللغة العربية وظهور اللغة السواحلية.

    وفي أواخر عهد الدولة الأموية كانت هجرة الزُّيُود من اليمن عقب مقتل زيد بن علي زين العابدين عام (122هـ/740م)؛ فِرَارًا من اضطهاد بني أمية لهم، وعُرِف هؤلاء بالزيدية، واستقرَّت هذه الجماعات -كما أشارت المصادر- في ساحل (بنادر) الصومالي، وحكموا فيه ما يقرب من مائَتَيْ سنة، ونشروا الإسلام بين قبائل (بنادر)، كما أصلحوا الأراضي، وزرعوا بعض النباتات، بل توغَّل الزيدية إلى داخل الأراضي الصومالية ونشروا الإسلام بين قبائل (أنهار جوبا) و(شبيلي) من بينها قبائل (الجالا) التي اعتنقت الإسلام بحماسة كبيرة، بدليل أن كثيرًا من الصوماليين من أفراد هذه القبائل قد أصبحوا فقهاء ووعَّاظًا، واضطلعوا بنشر الإسلام بين القبائل الوثنية[19].


    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:47

    أسباب انتشار الإسلام في شرق أفريقيا

    سماحة الإسلام سبب في انتشارهكان من أهمِّ أسباب انتشار الإسلام عَبْر ربوع إفريقيا أيضًا بساطة تعاليمه، وسهولة فَهْمه، ويُسْرُ الدعوة إليه، فكلُّ مسلم يُعْتَبَر داعية، فلا توجد تعقيدات كهنوتية كما في المسيحية، وما يكتنفها من غموض، مما يجعلها صعبة الفَهم بالنسبة للإفريقي، وعلى العكس يَسَّرَت تعاليمُ الإسلام وسُمُوِّها بالبَشَرِ ومساواتها بين الناس، سهلت مهمَّة الدعوة للإسلام، وأيضًا مما ساعد على انتشار الإسلام عدالته ومساواته بين الناس، وبغضه للتفرقة العنصرية، وهي عُقْدَة الأفارقة، حيث مارسها بعضهم، ويمارسون جميع ألوانها في جنوب إفريقيا تحت ظلال المسيحية، مما يجعل الأخوة في كنف التنصير ليست إلا أكذوبة، لَمَسَها الإفريقي واقتنع بها[1].



    وبعد انهيار الخلافة الأُموية، انقسم الهاربون من الخلافة العباسية إلى قسمين: أحدهما اتجه إلى الأندلس، وأنشأ الدولة الإسلامية بالأندلس، والآخر اتجه إلى إريتريا؛ لبُعدها عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، وكونها خصبة للتجارة بالنسبة للأمويين الهاربين من الحكم العباسي، وللدعوة بالنسبة لآل البيت (الأشراف).



    وقد تزامن هذا مع صراعات عنيفة داخل الممالك الحبشية، ممَّا عزلها تمامًا عن التأثير في الأحداث، بسبب الصراعات التي نشبت بين الأسرة السليمانية وأسرة زاقي، وقد وطَّد الإسلام في هذه الفترة أقدامه في التُّرْبة الإريترية مِن بَدْء مجيئه، فأسلم "آل الجبرتا"، وإليهم ينسب المؤرخ المصري الشهير عبد الرحمن الجبرتي، ولهم رواق خاصٌّ بهم بالجامع الأزهر الشريف، لا يزال موجودًا حتى الآن، ويُسمَّى "رواق الجبرتا"، وكانوا من أوائل الناس إسلامًا في إريتريا، وقد ذهب منهم وَفْدٌ ضِمْنَ وفد النجاشي للرسول ، وكانوا يقطنون هضبة "التجراي"[2].


    بناء مقديشو

    تأسَّست مدينة مقديشو في عهد الخلافة العباسية ، ولهذا التأسيس قصة، فحينما وصلت أكبر الهجرات العربية والإسلامية إلى ساحل الصومال، المعروف بساحل (بنادر)، وهي هجرة الإخوة السبعة، فقد هاجرت هذه الجماعة العربية في مَشَارِف القرن العاشر في حوالي عام (301هـ/ 913م) من (الأحساء) عاصمة دولة القرامطة، والإخوة السبعة من قبيلة (الحارث) العربية، جاءوا في ثلاث سفن محمَّلة بالرجال والعتاد الحربي، وقد نما إلى علم هذه الجماعة العربية أخبار الجماعات العربية التي سبقتهم إلى ذلك الساحل، وربما سمعوا عنها من التجار، أو من جنود سعيد الجنَّابي، وقد كان في صفوفهم جندٌ من الزنج والأَرِقَّاء الذين جاءوا إلى الجزيرة العربية والعراق في فترة من الفترات؛ لذلك قرَّرت هذه الجماعات الإسلامية أن تحذُوَ حَذْوَ الهجرات التي سبقتها، يراودهم الأمل العريض في تكوين وطن جديد، وقد تحقق لهم ما أرادوا بفضل جهودهم.



    خريطة مقديشيواستولى الإخوة السبعة على كل سواحل (بنادر) بعد أن قاموا بتأسيس مدينة (مقديشو)، والتي جعلوها عاصمة لدولتهم الجديدة، فامتدَّ نفوذهم حتى جنوبي (ممبسة)، وربما وصلوا إلى جزيرة (مدغشقر)، وقد وصف المسعوديُّ هذه الجزيرة، وذكر أن فيها قومًا من المسلمين.



    ولم تمضِ فترة طويلة على استقرار هذه الجماعات المسْلِمَة، حتى أصبح كل الساحل سُنِّيًّا على المذهب الشافعي، وذلك بعد أن اصطدم الإخوة السبعة بالزيدية الشيعة، الذين اضطروا للانسحاب إلى الداخل، ولا يزال المذهب الشافعي هو السائد في بلاد شرقي إفريقيا، وقد اكتفى هؤلاء المسلمون على بسط نفوذهم في المنطقة الساحلية فقط؛ إذْ إنَّ الداخل لم يكن معروفًا لديهم، إما لأنهم يجهلونه، أو لصعوبة التوغُّل، فسيطروا على الساحل ريثما يتمُّ لهم كشف مجاهل إفريقيا المختلفة، وكان من نتيجة هذه الهجرة الأخيرة أن بسطت (مقديشو) نفوذها، وساعدت العرب المسلمين على إنشاء مواطن استقرار على طول الساحل الممتدِّ من (مقديشو) في الشمال إلى مدينة (سوفالا) في الجنوب.


    تشكيل الحكومة

    وبعد أن تغلَّب الإخوة السبعة على الصعاب التي واجهتهم في أوَّل أمرهم، بدءوا في وضع الأُسُس والتشريعات المختلفة التي تَكْفُل لهم الاستقرار والحياة الكريمة، فتكوَّن مجلس من كبار المسلمين، وأعضاؤه اثنا عشر شخصًا، يرأسهم شيخ لا يحمل لقب سلطان أو مَلِكٍ، ويُسَمَّى هذا المجلس باسم (مجلس المدينة)، وكان هذا النظام أفضل نظام طبّقه المسلمون في ساحل (بنادر) في هذا الزمن، ويتمتَّع هذا المجلس بِكُلِّ السلطات، وله حقُّ النظر في القضايا المدنية والجنائية وفضِّ المنازعات، وكان بجانب هذا المجلس مجالسُ فرعية في كل حيٍّ من أحياء المدينة، وهي في شكل طائفة تَخْضَع لشيخها الذي يتولَّى أمرها، ويقوم بإكرام الغرباء، وقضاء حاجاتهم.



    كان اختصاص هذا المجلس هو حفظ الأمن، وتطبيق العدالة بين الجماعات، ووضع حَدٍّ لهجمات بعض القبائل الرعوية الصومالية على التجار من العرب والفرس، وبالتالي لمواجهة غزاة آخرين كانوا يأتون من البحر، وتمَّ هذا الاتحاد بعد أن أصبحت (مقديشو) عاصمة لساحل بنادر، والذي ضمَّ هذه المشيخة وإماراتها التابعة لها، مثل: مركة، وبراوة التي سيجيء تفصيلهما، هذا إضافة إلى الأراضي المحيطة بهم، وكان يطلق على جميع هذه الأراضي (مقاديش)، وعُرِف أحيانًا سكان هذه الجهات باسم سكان بنادر، وبضائعهم باسم بضائع بنادر.



    لقد استمرَّ مجلس هذه المشيخة والممثَّل في سلطة الشورى بين المسلمين والفرس والصوماليين نحو أكثر من مائتي عام على ذلك النحو، حتى انْتُخِبَ أبو بكر فخر الدين عام 1100م حاكمًا على جميع أراضي هذه البلاد، وهو من سلالة الإخوة السبعة بتعضيد من قبيلة بني قحطان العربية التي أصبح لها النفوذ والسيادة.



    وفي عهد أبي بكر فخر الدين احتفظت قبائل قحطان ومكري بنفوذها ومكانتها الدينية الممتازة؛ لأن قاضي الوَحدة قبل قيام السلطنة التي أسَّسها أبو بكر فخر الدين كان من بين أبناء هاتين القبيلتين، وبفضل قبائل قحطان ومكري استطاع أبو بكر فخر الدين أن يُقِيم سلطنة وراثية في (مقديشو)، كما أقرَّ السلطان أبو بكر قبائل مكري على امتيازاتها، وقد استمرَّ حُكْم أبي بكر فخر الدين سبعةَ عشَرَ عامًا حتى تُوُفِّيَ عام 1117م[3].


    اضمحلال سلطنة (مقديشو)

    أما في عصر المماليك فقد كان للأحباش اتِّصال دائم مع ملوك أوربا للعمل معًا ضدَّ المسلمين، وقد ظهر هذا خلال أوقات متباعدة، فعند الغزو الصليبي قدَّم الأحباش المساعدات، وأصبح لهم دَيْر خاصٌّ في بيت المقدس، وحرصت الحبشة على مساعدة مَلِكِ قبرص النصراني، وتحريضه على غزو مصر، وكان نتيجة لذلك غزو الإسكندرية عام 767هـ، وأقدمت الحبشة على القيام ببعض الأعمال التخريبية، إلا أن تحرُّك الجيوش المملوكية قد حال دون استمرار أعمال الأحباش.

    وعندما فتح المماليك في مصر "جزيرةَ قبرص" عام 830هـ/ 1427م اتَّصل الأحباش بملوك أوربا للعمل ضدَّ المماليك، وقد تجاوب مع ذلك ملك فرنسا وملك أرغون، وهدَّد مَلِكُ الحبشة المماليكَ بالقيام بغزو بلاد العرب والأماكن المقدسة، وتحويل مجرى نهر النيل[4].



    وفي مطلع القرن العاشر الهجري حملت راية الجهاد في شرق الحبشة إمارة "عدل"، ووصل نفوذها إلى حافَّة الهضبة الحبشية، في الوقت الذي كان العثمانيون يدخلون من الشمال لبلاد العرب؛ ليُوَحِّدوا المسلمين، ويقفوا في وجه البرتغاليين وأطماعهم في المنطقة، إلا أن حُكَّام إمارة "عدل" قد اضطروا فيما بعدُ إلى مسالمة الأحباش بعد أن هُزِمُوا أمامهم.



    ثم حملت إمارة "هرر"[5] راية الجهاد، وأسلمت الشعوب البدوية مثل "الدناقل" وغيرها، وشجع الهرريُّون وصول العثمانيين إلى المنطقة، ووقوفهم في وجه الحلف البرتغالي الحبشي، إذ دَعَمُوا سلطان "هرر" أحمد بن إبراهيم الملَّقب بالقرين، وأمدُّوه بالأسلحة، فاستمرَّت غزواتهم في الحبشة خمسةَ عشرَ عامًا، وكانت النتيجة أن دخل سلطان "هرر" أجزاءً من هضبة الحبشة، وعاد إلى الإسلام عدد من الذين سبق لهم أن تنصّروا تحت ضغط الأحباش، كما بدأت قبائل "الجالا" الوثنية الدخول في الإسلام، كما أن هذه القبائل قد استغلَّت الخلاف الذي حدث بين الأحباش والبرتغاليين فشقَّت طريقها إلى الهضبة من الجنوب.



    وازداد عدد المسلمين في القرن الحادي عشر الهجري، ودخل التُّجار الكانميُّون[6] إلى بلاد الحبشة، فأسلم على أيديهم كثيرون، واتَّجه المظلومون من الأحباش إلى عدالة الإسلام، وكان المسلمون من الأحباش ذوي مكانة اجتماعية وثقافية وخُلُقِيَّة، معرُوفِينَ بالجدِّ في العمل، والأمانة في المعاملة، وقد عَرَف لهم هذا الأحباشُ الذين كانوا على غير دينهم، إلاَّ أن بعض المتعصِّبين من النصارى كثيرًا ما كانوا يُسِيئُون إلى المسلمين، ويُصِرُّون على إقصائهم عن الوظائف الرسمية، ومع هذا فقد وَجَد الإسلامُ طريقَه إلى قلوب كثير من الزعماء[7].


    انتشار الثقافة العربية الإسلامية

    انتشرت الثقافة العربية الإسلامية في منطقة الساحل وبين السكان على اختلاف عناصرهم بالعلوم الدينية واللغة العربية، فمِن "كلوة"[1] سافر طلاب العلم إلى شبه الجزيرة العربية ليَنْهَلُوا من علوم المعرفة، وكان مِن بينهم الأمراء، فقد تَنَقَّل السلطان أبو المواهب (1308- 1334) قبل ارتقائه عرش السلطنة في "كلوة" بين عدن ومكة لطلب العلم، وكان قد وصل إلى مكة وهو لم يزل في الرابعة عشرة من عمره، وممَّا يُؤَكِّد شدَّة حاجة سكان الساحل إلى تحصيل العلوم العربية ما رواه أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد العزيز الميورقي (ت 474هـ)، الذي زار البصرة في سنة 469هـ/ 1076م، إذ رَكِبَ من عمان إلى "بلاد الزنج"، وكان معه من العلوم أشياء فما نَفَق عندهم إلا النحو، وقال: لو أردت أن أكسب منهم ألوفًا لأمكن ذلك، وقد حصل لي منهم نحو ألف دينار، وتأسَّفوا على خروجي من عندهم[8].



    ومن الجدير بالذكر أن المدَّ الإسلاميَّ الوافد إلى ساحل شرق إفريقيا في ركاب الهجرات الإسلامية القادمة من جنوب الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي لم يتوقف على مرِّ السنين، وتوقَّف على ذلك أن تأسَّست مدن إسلامية مزدهرة على الساحل صارت بيئة صالحة لانتشار الإسلام بين الأفارقة من ناحية، وتغَلُّب مظاهر الثقافة العربية الإسلامية عليهم من ناحية أخرى.



    ونلْمَسُ ذلك بوضوح في دولة الزنج التي ظهرت في الساحل في القرن العاشر الميلادي، وظلَّت باقية حتى أوائل القرن السادس عشر، رغم القلاقل والانقسامات التي تنازعتها، فقد شيَّدت تلك الدولة عدَّة مدن إسلامية، وأقامت المساجد في كل مدينة، حيث عَرَف الكثيرُ من القبائل الطريقَ إليها، وفي هذا المظهر الديني يتوفَّر الدليل القاطع على أن كثيرًا من الأفارقة قد تحوَّلوا إلى الإسلام.



    والحقُّ أنه من المبالغة أن نقول إن الوثنية اختفت تمامًا من المدن الساحلية، حيث ما زالت تعتنقها عدَّة قبائل، وإن كان لا يمكن أن نقارنها بمراكز الوثنية في مناطق الأدغال في غرب ووسط وجنوب القارة الإفريقية، ولكن هذا لا يُقَلِّل من الدور الذي قامت به دولة الزنج في الدعوة إلى الإسلام، وقد كان بوُسع تلك الدول أو العرب المسلمين المقيمين على طول الساحل أن يَصْبُغوا الأفارقة كلَّهم بطابع الإسلام لو لم تقتحم أساطيل الغزو البرتغالي في أوائل القرن السادسَ عشرَ مياه هذا الساحل، الأمرُ الذي أعاق مسيرة المدِّ الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية قُرَابة قرنين ونصف، وهي حِقبة طويلة[2]؛ لتبدأ إفريقيا عهدًا جديدًا، وهو عهد الاستعمار الأوربي البغيض، الذي نهب خيراتها، وأذاقها الويلات.

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:48

    التحرك الصليبي ضد الإسلام

    وللحديث عن هذا العهد سنقسِّم دول شرق إفريقيا إلى دول ذات أغلبية مسلمة، وأخرى ذات أقلية مسلمة. أما الدول ذات الأغلبية المسلمة فهي الموضحة بالجدول التالي:

    - الصومال .. 100%

    - جيبوتي .. 100%

    - جزر القمر .. 99.5%

    - إريتريا .. 85%

    - تنزانيا .. 65%

    - إثيوبيا .. 65% .. ورغم أن الأغلبية المسلمة إلا أن الأرثوذكسية هي الدين الرسمي للدولة!!

    - موزنبيق .. 55% [1]

    بدأت الصليبية العالمية في التحرك عقب سقوط الأندلس عام 1492م، فتوحَّدت كل القوى الصليبية بمباركة البابوية، والهدف هو تَعَقُّب المسلمين، والقضاء على آخر معاقلهم على الساحل الإفريقي، ترتَّب على ذلك أن قامت الحملات الاستعمارية المتتالية في محاولة جادَّة لتطويق المسلمين، وذلك بمساندة ملوك إفريقيا النصارى، وعلى رأسهم ملك الحبشة، فلمع نجم البرتغاليين والأسبان من القرن الخامس عشر حتى القرن التاسع عشر الميلادي، لكن الصبغة التي انتحاها كلٌّ من البرتغاليين والأسبان كانت صبغة صليبية صِرفة، من أجل القضاء على المسلمين، وتتبُّع الهاربين من الأندلس[2].



    كان "فاسكو دي جاما" قد وصل إلى نهاية القارة الإفريقية عام 1491م ودار حول القارة الإفريقية حتى وصل إلى الساحل الشرقي، وقد رسا بأسطوله عند مصب نهر أطلق عليه الرحمة، فوصل إلى ثغر موزمبيق في مارس عام 1498م، وبعد رحيل فاسكو دي جاما قَدِم فرنسيسكو ألميدا[3]، وبدأت ظاهرة جديدة هي الاستعراض بالسلاح، من خلال الأساطيل البحرية البرتغالية في المحيط الهندي. وعلى الرغم من الترحيب الذي كان يَلْقَاه البرتغاليون من العرب والأفارقة إلا أن السياسة البرتغالية المتَّبعة كانت تعتمد على استعراض القوَّة، والبطش في التعامل، ولما احتلَّ البرتغاليون جزيرة زنجبار في الساحل الشرقي الإفريقي كان الهدف الأساسي لها هو محاربة الإسلام، وإجهاض الإمارات الإسلامية في شرق إفريقيا، وهو ما اتَّضح جليًّا حينما "استطاعت البرتغال عام 1542م أن تساعد الحبشة المسيحية، وأن تمنع القوَّة التركيَّة الموجودة في سلطنة عدن الصومالية من دخول المملكة الحبشية المسيحية"[4].



    استقرَّ الأمر للبرتغاليين في الفترة ما بين 1498م إلى 1698م، قاموا خلالها بتكثيف مخططهم، وهو الدعوة للإنجيل والمسيح، وكانت الحروب الشرسة التي قامت بين البرتغاليين وقاطني المناطق الشرقية من إفريقيا -خاصَّة المسلمين منهم- بمنزلة حروب صليبية حقيقية على غرار ما كانت من الأوربيين أنفسهم في حوض البحر المتوسط خلال القرن الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين.



    وحينما سقطت البرتغال في يد ملك إسبانيا فليب الثاني، وإعلانها تابعة لسلطان إسبانيا عام 1580م، بدأت البرتغال في فُقْدَان مستعمراتها الإفريقية، بسبب ضعف مواردها البشرية؛ فهي دولة صغيرة محدودة المساحة والسكان، وهو ما أدَّى إلى "عدم قدرتها على السيطرة التامة على هذه الإمبراطورية الساحلية الكبيرة، التي بسطت نفوذها عليها"[5].


    الصراع العربي الأوربي في شرق إفريقيا

    وعندما تحرَّرت عُمَان من الاستعمار البرتغالي عام 1650م في عهد الأمير سلطان بن سيف، هبَّ هذا السلطان في نفس العام لمهاجمة المستعمرات البرتغالية في السواحل الشرقية لإفريقيا، وبدأت الحاميات البرتغالية الممتدَّة على الساحل الشرقي في السقوط والتقهقر، حتى كانت النهاية الفاجعة للبرتغاليين والمتمثِّلة في سقوط قلعة يسوع المسيح، وإخضاع ممبسة عام 1698م، وبعد ضعف دولة اليعاربة في عُمَان، استقلَّت معظم الإمارات الإفريقية الشرقية، وكان ذلك في عام 1744م[6].


    أسباب الاحتلال الأوربي للقارة الإفريقية

    ولم تكد هذه الدُّول تستقرُّ حتى بدأت قوًى استعمارية أخرى لا تَقِلُّ خطورة عن البرتغاليين والأسبان، فتكالبت كلٌّ من فرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، وبلجيكا، وهولندا، وإيطاليا، بجانب البرتغال وإسبانيا، على القارَّة الإفريقية العاجزة، وكان من جملة الأسباب الرئيسية في احتلال الأوربيين للقارة الإفريقية ما حدث بعد هزيمة الفرنسيين على يَدِ بسمارك المستشار الألماني، وعَقْدِ معاهدة فرانكفورت عام 1871م، التي أَجْبَرَت فرنسا على التنازل عن إلزاس واللورين[7] لألمانيا، وهو ما أهَّل ألمانيا من الناحية المعنوية وخاصَّة عند الشباب الألماني، والناحية المادَّية -والمتمثلة في زيادة الثروات الاقتصادية- في البحث عن مناطقَ جديدةٍ لفرض السيطرة، ولزيادة قدرتها التنافسية، من أَجْلِ تحسين صناعتها، وتطوير التجارة الألمانية.



    صورة جنود أفارقة بمستعمرة الكاميرون الألمانيةومع كلِّ هذه المخططات الألمانية لم تَكُنْ ألمانيا على استعداد في مواجهة جديدة ضدَّ أي قوَّة أوربية أخرى، خشية أن تَعْتَرِضَها فرنسا التي لم تَثْأَرْ لهزيمتها بعدُ، فاتَّجهت ألمانيا إلى القارة الإفريقية، وكوَّنت في غضون عام واحد أربع مستعمرات شملت كُلًّا من تنجانيقا -تنزانيا حاليًّا- في شرق إفريقيا، والكاميرون وتوجو في الغرب، وناميبيا في جنوب غرب القارة الإفريقية[8].



    كلُّ هذه التحرُّكات الألمانية وما قابلها من تحرُّكات فرنسية استعماريَّة في إفريقيا، دفعت بريطانيا للخروج من عزلتها وانحيادها في التحرُّك في جنوب القارة، فبدأت الصراعات بين القوى الثلاث، وبدأت المحالفات بين ألمانيا والبرتغال مذكِّرة الأخيرة ما كان لها من مجد قويٍّ يجب إحياؤه من جديد، وقد لاقت المعاهدة البريطانية البرتغالية الموثَّقة في عام 1884م معارضة قويَّة، أحدثت تقاربًا بين كُلٍّ من ألمانيا وفرنسا[9]، فأسرعت كلُّ قوَّة من هذه القوى في السيطرة على مناطق جديدة في القارة، فتطلعت إيطاليا في السيطرة على بعض الأجزاء وخاصَّة في المناطق الشرقية من إفريقيا، وفكَّر ملك بلجيكا ليوبولد في السيطرة على حوض نهر الكونغو، الذي كان منطقة إستراتيجية[10]، كلُّ هذا بهدف بناء الإمبراطوريات، وتحقيق الأمجاد القوميَّة، وسيادة الرجل الأبيض، وتطبيق النظريَّات العنصرية، كلُّ هذه الأسباب جعلت الدول الأوربية تسعى سعيًا حثيثًا للجلوس معًا للتفاهم، وهو ما كان مسوِّغًا أساسيًّا في عقد مؤتمر برلين عام 1884- 1885م.


    تقسيم إفريقيا

    دَعَتْ بريطانيا ألمانيا إلى عقد مؤتمر دَولي لشئون إفريقيا في برلين، يجمع الدُّول المتصارعة مع روسيا، والنمسا، والدنمارك، والسويد، وإيطاليا، وتركيا، والولايات المتحدة، واتخذ المؤتمر مجموعة من القرارات، كانت في مجملها تَنُصُّ على حُرِّيَّة التجارة في حوض الكونغو والنيجر، وإلغاء الرقيق، وحياد إقليم الكونغو، ووَضْعِه تحت سيطرة ملك بلجيكا، وقرَّر المؤتمر حُرِّيَّة الملاحة، في حوضه وحوض النيجر، وأصدر المؤتمر قراراته التي وضعت اتجاهات تجزئة القارة دون حسابٍ لحقوق مواطنيه[11]؛ فوقع شرق إفريقيا بعد التقسيم تحت الاستعمار، فكانت ممتلكات فرنسا في الشرق الإفريقي الصومال الفرنسي (جيبوتي) ومدغشقر، واحتلَّت إيطاليا الصومال الجنوبي وإريتريا، واحتلَّت بريطانيا الجزء الشمالي من الصومال المعروف حاليًّا بجمهورية أرض الصومال، وجزيرتَيْ زنجبار وتنجانيقا، وكينيا وأوغندا، كما احتلَّت ألمانيا تنجانيقا (إفريقيا الشرقية الألمانية)، واحتلَّت البرتغال موزمبيق[12].



    وبالرغم من خروج المؤتمر بالعديد من القرارات والموادِّ، إلاَّ أن المسائل المُهِمَّة والمتمثلة في القضايا الإقليمية الكبرى قد تمَّت دراستها والاتِّفاق بشأنها في سلسة من الاتِّفاقيات الثنائية امتدَّت عَشْرَ سنوات متواصلة بعد المؤتمر.



    صورة مكتوب عليها الاتفاق الأوربي على تقسيم أفريقيا

    وكانت السياسة المتَّبعة مع دُول شرق إفريقيا من جانب المستَعْمِر أن يتعامل معها تَبَعًا لموقعها الجغرافي والاستراتيجي، فكانت الصومال وكينيا وأوغندا من الأهداف الإستراتيجية لبريطانيا لتأمين مصر خصوصًا بعد افتتاح قناة السويس عام 1869م؛ فأوغندا منبع النيل، وهو ما يجعل الوضع مستقرًّا في مصر، واحتلال الصومال الشمالي يؤمِّن للإمبراطورية البريطانية حماية الطريق المؤدِّيَة للهند، أما موزمبيق بالنسبة للبرتغال فهي بمنزلة افتخار لحركات الكشوف الأولى للقارة الإفريقية، التي يرجع الفضل فيها للبرتغاليين أنفسهم، خصوصًا أن موزمبيق قد احتُلَّت مدَّة خمسة قرون كاملة.



    وطِبْقًا لمؤتمر برلين لم تُقَسَّم إفريقيا بالتساوي، فلم ترضَ كلٌّ من ألمانيا وإيطاليا عن نصيبيهما، فبدأت ألمانيا في زيادة قدراتها الحربية والعسكرية، بإنشاء الأساطيل الألمانية البحرية في عام 1897م، مسيطرةً بذلك على بحر الشمال، ثم بَدَأ النزاع بين فرنسا وألمانيا على القضية المراكشية[13]، فكان ممَّا لا بُدَّ منه وقوع نزاع جديد لإعادة تقسيم القارة والمستعمرات.



    ونشبت الحرب العالمية الأولى، ولتفوُّق الحلفاء العسكري -وخاصَّة من الناحية البحرية- وعَجْزِ ألمانيا على حماية البحار الواقعة تحت سيطرتها، استطاعوا إخراجها من إفريقيا، وكان وراء هذا الصراع معاهدات سرِّيَّة، فمنها معاهدة لندن السرِّيَّة (26 من إبريل 1915م)؛ فقد قدَّمت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا وَعْدًا إلى إيطاليا لحصولها على أجزاءٍ من إفريقيا، ووافقت الدولتان على تقسيم ممتلكات ألمانيا، بِنَاء على هذه الاتِّفاقيات السرِّيَّة، ثم هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، فوقعت المستعمرات الألمانية تحت الانتداب، فوُضِعَتْ إفريقيا الشمالية الشرقية التي كانت مستعْمَرَة ألمانية تحت الانتداب البريطاني، وسُحبت تنجانيقا، واستُثْنِيَت رواندا أوروندي فانْتُدِبَتْ لها بلجيكا[14].



    كل هذه الانتدابات ذات الأهداف التي كانت تدور في مجملها على تنمية الشعوب، ورفاهيتها، ورفع مستواها السياسي، كانت في حقيقتها مجموعة من الأباطيل؛ إذ هدف الاستعمار في حقيقته استنزاف الشعوب، والقضاء على خيراتها.


    العالم الإسلامي تحت الاحتلال

    وفي هذه الأثناء كان العالم العربي الإسلامي في سُبَاتٍ عميق، وتحت وطأة استغلال بغيض، فقد الْتَفَّت بريطانيا حول الوطن العربي، فاحتلَّت عدن في عام 1839م، كما احتلَّت فرنسا إفريقيا الشمالية (الجزائر)، ثم احتلَّت بريطانيا مصر في عام 1882م، وهو ما جعل شوكة هذه الدُّول في الازدياد والقوة، فوقعت معظم دول إفريقيا، ومنها شرقي إفريقيا تحت وطأة الاحتلال الأوربي.



    ونظرًا لهذا الضعف العامِّ الذي أصاب العالم الإسلامي، ففقد هيبته أمام المجتمع الدُّولي، ظلَّ المحتلُّ الغربي جاثمًا على صدور الأفارقة -واتسم الغالبية منهم بالإسلام- مستنزِفًا لثرواتهم، ومضيِّعًا لحقوقهم، إلا أن هناك مجموعة من الدُّول استطاعت التحرُّر والاستقلال، وساعدت بكل ما أُوتِيَت من قوَّة كل الدُّول الإفريقية الأخرى في التحرُّر؛ ففي اجتماع "أكرا" عاصمة "غانا" في إبريل عام 1958م -والذي اشتركت فيه مجموعة الدُّول الإفريقية الثماني[15] عدا جنوب إفريقيا- طالب الأعضاء بضرورة مساعدة الشعوب غير المستقلَّة في نضالها من أجل الاستقلال[16].



    ثم إن الدول الأوربية المستعمِرة كانت قد انتهجت أسلوبًا جديدًا في فلسفة الاستعمار ومفهومه، وهو استنزاف خيرات الدول، وتسيير مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية دون وقوعِ خسائرَ في الأموال والأنفس، خاصة بعد قيام الحركات التحررية في إفريقيا (1955م - 1965م) بالجهاد ضدَّ المستعمر.



    وإذا كُنَّا فيما مضى نتحدث عن شرق إفريقيا بصفة عامَّة، فالحال هنا مختلف؛ نظرًا لما أصاب هذا الشرق من تفكُّك بعد الاحتلال، وتفكيكُ التكتلاتِ الكبيرة هي وسيلة استعمارية لا تتغيَّر، يَتَّبعها المحتلُّون لتقطيع أوصال الضحيَّة، حتى يَسْهُلَ السيطرة عليها، ومن ثَمَّ نتحدَّث عن هذه الدُّولِ كلٍّ على حِدَة.


    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:49

    الاستعمار في الصومال

    ففي عام 1899م ظهر في الصومال محمد بن عبد الله حسن الشهير بالمُلاَّ، وقد نادى بالجهاد المقدَّس، واستطاع أن يستقلَّ بالبلاد مدَّة عشرين عامًا، مما ضايق البريطانيين، وأضرَّهم أشدَّ الضرر؛ واضطرهم إلى إخلاء الأقاليم الداخلية من الصومال في المدَّة ما بين عامَيْ 1900م إلى 1904م، وظلَّ الملا محمد بن عبد الله شوكةً قوية في حَلْقِ الإنجليز حتى عام 1920م، ولقد أوقع الملا وأتباعه في الإنجليز مجموعة من الهزائم المتتالية بلغت ما يقرب من أربعين موقعة.



    خريطة الصومالوبعد موت الشيخ محمد بن عبد الله استمرَّ الجهاد في الصومال ما يقرب من أربعين عامًا، ففي عام 1943م بَرَزَ في مقديشو حزب سياسي باسم "رابطة وَحدة الشباب" نادى بتحرُّر الصومال، ووَحدة أقاليمه الخمسة، واشترط البَرنامج الرسمي للحزب أن يكون الصومال جزءًا من الوطن العربي والإسلامي الكبير، وفي المدَّة ما بين 1948م إلى 1955م سلَّمت بريطانيا إلى الحبشة غدرًا أقاليم: "أوجادين، وهود، والمنطقة المحجوزة"، وقُسِّمت الصومال بين خمس دُول هي إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، والحبشة، وكينيا، وبعد نضال طويل واستنزاف في قوة المستعْمِر استقلَّ الصومال البريطاني، وتلاه الصومال الإيطالي في عام 1960م، ثم اتحد الاثنان في جمهورية واحدة عام 1961م[1].

    احتلال فرنسا لجيبوتي



    جيبوتيأما جيبوتي[2] التي كانت جزءًا من الصومال فقد احْتَلَّتها فرنسا عام 1882م، وهو نفس العام الذي احْتَلَّت فيه بريطانيا مصر، وكانت جيبوتي جزءًا من الصومال، وبعد مجموعة من المشاحنات بين فرنسا وإنجلترا على مناطق النفوذ على إقليم جيبوتي، اتَّفقت الدولتان على أن خطَّ السكك الحديدية الذي يمرُّ من جنوب جيبوتي إلى حدود الصومال وإثيوبيا يُعتَبَر حدًّا فاصلاً بين ما تمتلكه فرنسا في شماله، وما يقع تحت سيطرة إنجلترا في جنوبه، لكنَّ السكان في جيبوتي سعَوْا أكثر من مرَّة إلى الاستقلال والانفصال عن فرنسا.



    وقد استمرَّ الشعب في نضاله بعد الحرب العالمية الثانية، لكن فرنسا اعْتَبَرَت جيبوتي جزءًا من الاتحاد الفرنسي الذي أنشئ بعد مؤتمر برازفيل في عام 1944م، ثم إن فرنسا سمحت في عام 1950م بإنشاء مجلس تشريعيٍّ مؤلَّف من خمسة وعشرين عضوًا، لكنَّ السلطة الفعلية كانت في يد الحاكم الفرنسي، وظهرت في الإقليم بعض الأحزاب السياسية، منها حزب الاتحاد الجمهوري الذي يدعو للوَحدة مع الصومال، ومع استمرار أعمال النضال، والمحاولات المتتالية في الاستقلال عن فرنسا، وافقت فرنسا على استقلال جيبوتي في عام 1977م[3].

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:49

    المسلمون في إثيوبيا

    خريطة أثيوبياأما في إثيوبيا -الحبشة- فقد استطاعت القوى الاستعماريَّة أن تُجْبِرَ المسلمين -الذين يمثِّلون ثلثَيْ سكان الحبشة تقريبًا- أن يُحْكَمُوا عن طريق الأمهرة النصارى، وأدَّى تفوُّق "منليك" إمبراطور الحبشة، وانتصارُه واستيلاؤُه على مدينة "هَرَر" عام 1887م إلى سقوط الحكم الإسلامي الذي استمرَّ أربعمائة سنة دون انقطاع، رغم الثورات المتكرِّرة من شعب الأورومو وغيره من الشعوب الإسلامية الأخرى في بلاد الحبشة.



    وقد قام السلطان "محمد علي" -وهو من خيرة سلاطين الأورومو- بمقاومة حكم "منليك"، ولكنَّه هُزم، فاختار التَّنَصُّرَ الظاهريَّ على القتل، وقد أَنْجَبَ "ليج ياسو" من ابنة "منليك"، ولما تُوُفِّيَ "منليك" في عام 1913م انتقل الحكم لحفيده "ليج ياسو"، الذي ما لَبِثَ أن أعلن إسلامه، وأبدل العَلَمَ القديم الذي يحمل الصليب بالعَلَمِ الجديد الذي يحمل الهلال، والمنقوش عليه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله".



    لكنْ لم تَرْضَ كُلٌّ من إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وروسيا، فعَمِلوا على إقصائه من الحكم، وتعيين "هيلاسيلاسي" الذي قام بوضع "ليج ياسو" في السجن مدَّة عشرين عامًا، إلى أن مات هناك في عام 1936م، واستمرَّ حكم "هيلاسيلاسي" مدَّة خمسين سنة، مما أضفى على الحدود التي أمدَّها "منليك" صِفَةَ الأمرِ الواقع والمشروعيَّة الدُّولية، وعلى الرغم من هذه الحركات التحرُّريَّة والاستقلاليَّة المتتالية من شعب الأورومو المسلم، إلا أنهم ما زالوا في درجة من الضعف لا تُمَكِّنُهم من الاستقلال، ثم إنهم ما زالوا مطارَدِين من السلطات الإثيوبية. أما جبهة تحرير الصومال الغربي "أوجادين" التي كانت بلادهم "الصومال الغربي" واقعة منذ الاستقلال عام 1954م تحت سيطرة الصومال؛ فقد عُقِدَ اتِّفاق سِرِّيٌّ بين بريطانيا والحبشة في عهد "هيلاسيلاسي"، خُوِّل من خلاله "هيلاسيلاسي" من ضمِّ الإقليم المُسْلِم إلى أراضي الحبشة، ورغم التاريخ الجهادي الطويل منذ الاستقلال وحتى الآن، فإن الحكومة الإثيوبيَّة لا تقدِّم أدنى الاهتمامات لهذا الإقليم الفقير[1].



    والغريب أنه رغم كون المسلمين في إثيوبيا يمثِّلون ثلثي السكان تقريبًا، إلا أن الدِّينَ الرسمي للدولة هو المسيحية، وهو ما يؤيده إحصاء عام 1993م الذي أشار إلى أن عدد المسلمين في الحبشة بلغ 27 مليونًا من مجموع السكان البالغ عددهم 45 مليونًا، وقد حرص الرئيس "زيناوي" كسابقيه على إبقاء الطابع المسيحي للحبشة؛ فجعل نصيب المسلمين من مقاعد البرلمان 22% فقط، ونصيبهم من الوزارات ثلاث وزارات غير سياديَّة من أصل ثماني عشرة وزارة، كما يحرص زيناوي على شنِّ الحملات العسكريَّة على تجمعات القوميَّات الإسلامية من حين لآخر دون انقطاع[2].


    الحركة السياسية في إريتريا

    أما إريتريا فرغم الأغلبية المسلِمَة إلا أنها وقعت تحت الاحتلال الحبشي، وفي ظلِّه انخفضت نسبة المسلمين من 80% إلى 60%، وفي عام 1882م انسحبت مصر من إريتريا بسبب وقوعها تحت الاحتلال البريطاني، وهو ما أعطى الفرصة لإيطاليا لاحتلال إريتريا عام 1885م، وقد بقيت فيها حتى عام 1941م، حيث دخلتها قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1962م أعلن "هيلاسيلاسي" ضمَّ إريتريا للحبشة، وهو ما أدَّى لدخول إريتريا في صراع طويل مع الحبشة، وكان من جملة العوامل القويَّة التي أدَّت بإطاحة الإمبراطور "هيلاسيلاسي" عام 1974م، ولما تولى "منجستو" اتَّخذ سياسة أشدَّ بطشًا من سابقه "هيلاسيلاسي" في التعامل مع المسلمين؛ فقد استخدم أموال التبرعات الإغاثية المُقَدَّمة للمسلمين في تنفيذ خُطَّة سيِّئة في تهجير المسلمين، وتقتيلهم.



    خريطة إريترياوظلَّ المسلمون على ذلك حتى إعلان استقلال إريتريا عن الحبشة عام 1993م، وقد بلغ عدد القتلى ما يقرب من 100 ألف قتيل، وشُرِّد حوالي 750 ألف مسلم، ويُتِّم حوالي 90 ألف طفل، ورغم الاستقلال فإريتريا تتعرَّض لحملة اضطهاد صليبية شرسة من قِبَلِ الرئيس أسياس أفورقي، فقد قام أفورقي بضمِّ عدَّة أقاليم إسلامية إلى ثلاث مقاطعات مسيحية؛ وذلك في محاولة منه لتذويب قطاعات المسلمين في هذه المقاطعات، فقد ضمَّ إقليمَيْ بركة والقاش الإسلامِيَّيْن، والمشهورين بقوَّتَيْهما الاقتصاديَّة إلى مقاطعة سراي ذات الأغلبية المسيحية، في حين لا تبلغ سراي إلا حوالي ربع مساحة إقليم بركة، وقد قام أفورقي بتغييب الهُوَيَّة العربية والإسلامية عن إريتريا، فشكَّل الحكومة المؤقَّتة من اثني عشر وزيرًا؛ منهم تسعة نصارى، وثلاثة مسلمين، ورفض الانضمام للجامعة العربية، ثم رفض أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأمُّ، وجعل اللغة التجرينية هي الأمُّ، ثمَّ أنشأ الكنائس في المناطق التي لا يقطنها إلا المسلمون، وأعطى الأولويَّة في الوظائف الحكومية للنصارى[3].



    وأخطر ما يُهَدِّد إريتريا الآن هي الهيئات التنصرية التي انتشرت بكثرة مستغلَّة الفقر والحاجة التي يُعَاني منها المسلمون، وفي عَهْدِه ازداد بطشُ الجبهة الشعبية واعتداءاتها على حُرُمات المسلمين، ففي خلال الأشهر الأخيرة من عام 1989م قامت الجبهة بقيادة أفورقي بالاعتداء على 58 قرية مُسْلِمَة، وأخذت منها أكثر من 500 امرأة مسلمة، وأجبرتهن على الزواج من نصارى، ورغم هذه الاعتداءات والتحاملات القاسية على المسلمين، إلا أن حركة الجهاد الإسلاميِّ وجبهة التحرير استطاعت أن تُسيطر على ستِّ مقاطعات ريفية من بين ثماني محافظات، بل استطاعوا الوصول إلى ساحل البحر الأحمر[4].


    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:50

    الإسلام في تنزانيا

    من الدُّول ذات الأغلبية المسلمة في شرقي إفريقيا، والتي عانت كذلك من ويلات الاستعمار "تنزانيا" فقد كانت تحت سيطرة العُمَانِيِّين، إلا أنه بعد اتفاق برلين 1884م اعْتُبِرَت تنزانيا (زنجبار وتنجانيقا)[1] من أملاك ألمانيا، وقد وقَّع السلطان العُمَانِيُّ "السيد خليفة" في عام 1888م تنازلًا للشركة الألمانية عن أملاكه الواقعة على الشريط الساحلي فيما بين خليج "تونجي" ومصبِّ نهر "وانجا"، وفي عام 1890م اتَّفقت كل من ألمانيا وإنجلترا على أن الجزء الشرقي -وهو ما عُرف بمستعمرة شرق إفريقيا- يقع تحت سُلطة ألمانيا، وأن "زنجبار" تقع من نصيب بريطانيا.



    خريطة تنزانياوبعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة ألمانيا صارت تنجانيقا (تنزانيا) تحت الانتداب البريطاني.



    وقد استقلَّت تنجانيقا من بريطانيا في عام 1961م، ثم استقلَّت "زنجبار" وضُمَّت إلى تنجانيقا؛ لتكون فيما بعدُ جمهورية تنزانيا عام 1964م.



    وقد تَلا ذلك قيام انقلاب عسكري بقيادة "عبيد كرومي" ضدَّ السلطان جمشيد بن خليفة، وقد نُكِبَتْ هذه الأسرة العربية المسلمة، وأصبح القسُّ يوليوس نيريري رئيسًا للجمهورية الاتحادية، وعبيد كرومي نائبًا له؛ فقد حوَّلا البلاد إلى الماركسية وألغيا عددًا من التقاليد الإسلامية، حتى إنه أصدر مرسومًا أَجْبَر بمقتضاه الفتياتِ المسلماتِ على الزواج من النصارى.



    وبعد مقتل عبيد كرومي في عام 1972م هَدَأَت أحوال المسلمين، وتولى حكم زنجبار عبود جمبي، وقد سار في طريق الإصلاح، لكن رئيس الدولة "نيريري" أجبره على الاستقالة، وكلُّ مَن أتى بعدَ ذلك محاوِلًا إعادة البلاد إلى هُوِيَّتها الإسلامية يَلْقى كثيرًا من العوائق والعراقيل من رئيس الجمهورية القسِّ "نيريري"، وبعد وفاته بدأت في تنزانيا صحوة إسلامية متنامية، فانتشر المسلمون في أداء شعائرهم الدينية، وتحوَّل أكبر مساجد زنجبار "ماليندي" إلى مركز تجمع للمسلمين، لتعلُّم أمور دينهم[2].


    جزر القمر ترفع راية الإسلام

    كما تُعَدُّ جزر القمر "Comoros" من جُملة الدُّول الإسلامية الموجودة في شرق إفريقيا في المحيط الهندي، وقد استعمرها الفرنسيون في القرن التاسع عشر الميلادي، وبعد عدَّة محاولات من الجانب البريطاني والألماني في السيطرة على الجزيرة، ورَفْضِ السلطان القمري لهذه الضغوط قَبِلَ السلطان في نهاية الأمر بأن تكون جزر القمر تحت الحماية الفرنسية، وفي عام 1912م صدر قرارٌ صارت هذه الجزر مِن بَعْدِه مستَعْمَرَة فرنسية.



    موقع جزر القمروظلَّت هذه الجزر تُحْكَم كجزء من مدغشقر إلى أن صدر دستور الجمهورية الفرنسية الرابعة عام 1946م، وحَصَلَت على قَدْرٍ من الاستقلال والحكم الذاتي، وفي عام 1968م حَصَلت على استقلال داخلي، وصار لها مجلس حكومي يرأسه رئيس الوزراء.



    وبَعْدَ مجموعة من المحاولات والاستفتاءات على الاستقلال، وافقت فرنسا على استقلال جزر القمر في عام 1975م، وتَسَمَّت باسم "جمهورية جزر القمر الاتحادية الإسلامية"[1]. ومن السلبيات التي توجد في جزر القمر أنها تمتلك مساحات شاسعة صالحة للزراعة ومع ذلك لم يُستَثْمَر منها إلا 7% فقط، ورغم كثرة الثروة السمكية التي تمتاز بها جزر القمر إلا أنها تحتاج إلى رءوس الأموال، ثمَّ إن المؤسَّسات التعليميَّة تُخرِّج كل عام ما بين خمسة وستَّة آلاف خرِّيج ليس فيهم فنِّيُّون أو مِهَنِيُّون متخصِّصون.


    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: وثنية مظلمة.. ونور مشرق

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء 22 سبتمبر 2010 - 20:51

    المسلمون في موزمبيق

    في موزمبيق دخل الاستعمار البرتغالي في مطلع القرن العاشر الميلادي، واستمرَّ حتى استقلَّت في عام 1975م، وعانى المسلمون هناك من البرتغاليين أشدَّ المعاناة، وفرُّوا من تعذيبهم وبطشهم؛ إذ دمَّر البرتغاليون مدينة "كلوة" ومساجدها الثلاثمائة، ثم رحل المستعْمِر البرتغالي تاركًا المسلمين في حالة من الفقر والتخلُّف.



    والمسلمون الموزمبيقيُّون يُشَكِّلُون حوالي 55% من عدد السكان، ويتركزون في مناطق الشمال التي تشهد تزايد عدد المسلمين، وبالرغم من أن الوجود الإسلامي في موزمبيق منذ العصور القديمة كان له دور بارز في محاربة المستَعْمِر وإخراجه من البلاد، إلا أنهم يعانون من الفقر والتخلُّف؛ نظرًا لعدم اهتمام الحكومة بهم، ففي الغالب لا يُوَظَّفُون في وظائف الدولة، ولا يَحْصُلُون على المميِّزات التي يَحْصُل عليها غيرهم من باقي الملل، كما يواجِهون مشكلاتٍ في التعليم والصحة وأداء الشعائر الدينية[1]. كما أنهم يعانون من النشاط التنصيري المكثَّف، الذي زاد بشدَّة بعد بناء الجامعة التنصيرية، وتخريج كثير من أبناء موزمبيق قساوسة وكهنة، مما زاد هذا من قوَّة النصارى، كما أنه لا توجد أي منظمة سياسية تدافع عن حقوق المسلمين[2].



    هذه الدُّول يغلب الإسلام بين أهلها؛ ومع كثرة عدد المسلمين فيها إلا أنها تتعرَّض لمجموعة من المعوِّقات التي تجعلها في دول العالم الثالث، ومن جملة هذه المعوِّقات وجود الحملات التنصيرية بين أهلها خاصَّة في إريتريا وإثيوبيا، وانتشار الفقر والصراعات الداخلية مثل الصومال، أو المعوقات الاقتصادية وعدم استغلال الموارد الداخلية مثل جزر القمر.



    غير أن هناك مجموعة أخرى من دول شرق إفريقيا المسلمون فيها أقلِّية، وهم يعانون من الحرمان وسوء المعاملة من قِبَلِ حكوماتهم، والحرب بكل ألوانها، وهذا الجدول يُوَضَّح عدد سكان هذه الدُّول ونسبة المسلمين فيها:

    - كينيا .. 35 %

    - أوغندا .. 35%

    - زمبابوي .. 32%

    - ملاوي .. 30%

    - مدغشقر .. 25%

    - بوروندي .. 25%

    - موريشيوس .. 20% [3]


    المسلمون في كينيا

    خضعت كينيا لبريطانيا عام 1895م، بعد حكم أسرة البوسعيد العُمَانية الذي استمر مدَّة ستِّين عامًا، وقد لجأ الاستعمار البريطاني لمجموعة من الحيل السِّيئة للتخلص من اللغة العربية، وذلك بكتابتها باللغة اللاتينية، لصرف المسلمين عن قرآنهم، وإلغاء مادَّة التربية الدينية في المدارس.

    ويبلغ عدد المسلمين في كينيا 35%، فلهم وجود قوي حيث يُشرِفون على أكثر من 70 جمعية يضمُّها المجلس الأعلى لمسلمي كينيا.

    ويوجد عدد من الجمعيات والمؤسَّسات الإسلامية الصغيرة التي يَزِيد عددها على 400 جمعية، ويوجد في نيروبي أكثر من نصف مليون مسلم؛ ففي العاصمة وحدها أكثر من 30 مسجدًا، وقد أَصْدَرت طبعاتٍ لترجمة معاني القرآن الكريم، وعددًا كبيرًا من الكتب الإسلامية باللغات السواحلية والإنجليزية، وصدرت مجلة الإسلام باللغة الإنجليزية، كما تقدَّم الأحاديث الدينية بِلُغَاتٍ متعدِّدة، وإنشاء عِدَّة معاهد لتحفيظ القرآن الكريم.



    وقد ظهر في كينيا الشيخ الأمين علي المازروي الذي تأثَّر بحركات الإصلاح التي ظهرت في العالم الإسلامي، وقام بإصدار جريدتين باللغتين العربية والسواحلية، وأنشأ مدرسة عربية في مدينة شيلا، وقد تفرع عنها 40 مدرسة في كل أنحاء كينيا، وفي عام 1963م أُنْشِئت المدرسة الإسلامية في نيروبي، وهناك مشروعات إسلامية متعدِّدة في كينيا[4].



    ورغم هذا يواجِهُ المسلمون في كينيا مجموعة من المشاكل أهمها: تضاؤل وزنهم السياسي وعدم لعبهم الدور الذي يتناسب مع أوضاعهم، فمجلس الوزراء لا يضمُّ إلاَّ وزيرين مسلمين للتضامن الاجتماعي والتراث، وهما منصبان ثانويان، وهي مقدِّمة جيدة تُنْهِي سنوات الاضطهاد والتمييز التي كرَّسها جميع حكام كينيا، وكان آخرهم الرئيس دانيال أرب موي.



    ومع هذا فإن شرق وشمال كينيا على اتِّساعهما لا توجد فيهما جامعة إسلامية، بعكس مناطق الغرب والجنوب، ولا تختلف الأوضاع الاقتصادية عن سابقتها، فقد تعمَّدت الحكومات المتتالية تهميش مناطق المسلمين وعدم تمويل الخطط التنمويَّة بها، كي تظلَّ أسيرة الفقر والجهل والمرض، وتُصْبِح لقمة سائغة في فَمِ الكنائس والإرساليَّات التَّنصيريَّة التي تَقُوم بدورٍ متعاظمٍ في البلاد[5].


    مسلمو أوغندا بين التنصير والصهيونية

    أما "أوغندا" فكانت حتى عام 1875م تَدِينُ بالإسلام دِينًا رسميًّا، وكان ملكها "موتيسا" الأول يَؤُمُّ الناس في الصلاة، وفي عام 1861م أرسل الخديو إسماعيل ضباطًا لاكتشاف منابع النيل، وقام بضمِّ "أوغندا" إلى مصر وسمَّاها مديرية خطِّ الاستواء، وكان لهذا أثر طيِّب في تثبيت العقيدة الإسلامية بين الأهالي.



    لكنَّ الأمر قد ساء بقُدُوم الاستعمار البريطاني، وخروج المصريين من أوغندا عام 1886م، وقد أعلنت بريطانيا عدم دخول أي مسلم إلى أوغندا إلا بإذن مُسْبَق، في حين أنها أباحت دخول الإرساليات إليها، وعهدت إلى الإرساليات التنصيرية بالإشراف على التعليم؛ لقطع الصِّلَة بين مُسْلِمِي أوغندا والثقافة الإسلامية.



    ولما اسْتَقَلَّت أوغندا عام 1962م من بريطانيا، أَخَذ عدد المسلمين في التزايد خاصَّة بعد تولِّي رئيس مسلِمٌ هو "عيدي أمين" وذلك في عام 1970م؛ فقد حوَّل المدارس التبشيريَّة إلى مدارس حكومية، وأغلق سفارة إسرائيل بأوغندا، وأخرج الإرساليات التنصيرية من البلاد.



    وكانت الطامَّة الكبرى حينما افتعلت تنزانيا خلافًا مع أوغندا، وعاونت القوى العالميةُ تنزانيا برئاسة القس نيريري المتعصِّب في حربه مع عيدي أمين، فقام نيريري بقتل أكثر من نصف مليون مسلم، وشرَّد مثلهم، وأَسْقَطَ نظام عيدي أمين في عام 1979م، وأسرعت الإرساليات التنصيرية في عملها إلى القرى المهجَّرة، وجاء "يوسف لولي" بعد عيدي أمين، وكانت حكومته مكوَّنة من 50 وزيرًا، لا يوجد من بينهم وزير ولا وكيل وزارة مسلم.



    ويُعاني المسلمون من قلَّة الدُّعَاة والمعلِّمِين في أوغندا، في حين تبلغ نسبة المسلمين هناك 35% من السكان، ومع هذا فَهُم محرومون من الحقوق السياسية، فالبرلمان لا يوجد به سوى ثمانية نواب من بين 121 عضوًا، وقد أُعلن في كمبالا عن تأسيس أوَّل حزب إسلامي أوغندي، لكنَّ الحكومة رفضت تسجيله حين إقرار الدستور الجديد[6].


    غربة المسلمين في ملاوي

    أما "ملاَّوي" فقد وصل الأسكتلندي "ولفنجستون" إلى غرب بحيرة "نياسا" في عام 1859م، وعَبَّرَ أحد قادة بريطانيا في المنطقة وهو "رودس" عن أهمية "ملاوي" بوصفِهِ لها أنها بمنزلة قناة السويس للشمال؛ لأنها المفتاح الذي يفتح الطريق أمام إنجلترا شمالاً.



    خريطة مالاويوفي عام 1891م أعلنت بريطانيا حمايتها على المنطقة التي سُمِّيَت بعد ذلك باسم وسط إفريقيا البريطانية[7]، وكان أوَّل مُنَصِّر وصل إلى "ملاَّوي" في عام 1859م، وتأسَّس أوَّل مَقَرٍّ لبعثة تنصيريَّة بعد عامين، وتبلغ نسبة المسلمين في ملاَّوي حوالي 30% من السكان.



    وقد استَقَلَّت ملاوي عن بريطانيا عام 1966م، وأغلب المساجد هناك أَنْشَأها الهنود والباكستانيُّون، كما أَنْشئوا بعض المدارس الإسلامية لتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم اللُّغة العربية.



    وتَنْتَشِر في ملاوي المدارس التبشيرية التي تهدف في المقام الأوَّل إلى تشويه العقيدة الإسلامية عند المسلمين، ورغم الجهود المتواصِلَة من التنصيريِّين إلا أن الدعوة الإسلامية تنتشر بين القبائل الوثنية بشَكْلٍ واضح؛ بسبب بناء بعض المساجد في المناطق المتفاوِتَة، كما أن النساء العاملات في حقل الدعوة قد حقَّقْنَ نتائج طيبة بين النساء الوثنيَّات، وممَّا يَنْدَى له الجبين أن مَرَضَ الإيدز ينتشر في ملاوي بشكل مفجِع، فقد جاء في تصريح لنائب رئيس ملاوي نشرته جريدة الأهرام في 10/8/1994م أنه يُصاب كلُّ يوم في ملاوي بالإيدز ما يقرب من 443 إنسان!![8].



    وطبقًا لتقرير العمل الإنساني لعام 2007 الصادر عن اليونيسيف فإن نسبة السكان الحاملين لفيروس نقص المناعة البشرية في ملاوي يبلغ 14%، في حين يبلغ عدد الأطفال اليتامى مليون طفل، نصفهم تيتّموا بسبب الإيدز[9].



    وقد أظهرت الإحصاءات في مجال التعليم حديثًا أن من بين خمسة آلاف طالب جامعي هناك 65 طالبًا مسلمًا من بينهم طالبتان فقط، وقليل من الفتيات المسلمات اللاتي يُكْمِلْن تعليمهن الابتدائي، ومن بين سبعين ألف مُعَلِّم ملاوي هناك سبعمائة مُعَلِّم مُسْلِمٍ، أي بنسبة 1% ولا يوجد معهد إسلامي عالٍ في البلاد لتخريج طلاب مسلمين للمناصب الوظيفية، أو لمواصلة دراساتهم خارج البلاد[10].


    الاحتلال الفرنسي في مدغشقر

    أما "مدغشقر" فلقد ازدهر الإسلام فيها بواسطة أسرة البوسعيد العُمَانيَّة، وفي عام 1868م استطاعت فرنسا أن تدخل الجزيرة التي كانت تُسَمَّى (ملاجاش) قبل الاستقلال، ثم أعلنت فرنسا استعمارها لمدغشقر في عام 1896م، وشجَّعت البعثات التنصيرية، وفرضت العزلة على المسلمين، وقد كان للمسلمين -البالغة نسبتهم ما يقرب من 25% من إجمالي السكان- دورٌ كبير في الجهاد ضدَّ الفرنسيين، فقاموا بعِدَّة ثورات ضدَّ الفرنسيين كان آخرها عام 1948م[11].



    ويعاني المسلمون مشكلة في التعليم؛ لعدم توافُرِ مَن يتحدث العربية والفرنسية التي هي لغة السكان الأولى[12]، وقد استطاعت هيئة الإغاثة والمساعدات الإنسانية الحصولَ على تأسيس إذاعة إسلامية؛ حتى يتمكَّن المسلمون في مدغشقر من الاستماع إليها، وقد عبَّر 3.5 مليون مسلم يعيشون في بلد يبلغ تَعْدَاد سكانه 17 مليونًا عن عُمْقِ فرحهم بتأسيس الإذاعة بفرح كبير؛ لأنها ستساهم في تطوير حياتهم الثقافية[13].


    الإسلام في موريشيوس

    خريطة مريشيوسوفي "موريشيوس" أقلِّية مُسلِمَة لا يُستهان بها تبلغ 20% من مجموع السكان البالغ عددهم مليون نسمة تقريبًا، ويَصِلُ عدد المساجد هناك إلى 200 مسجد، كما أُقِيمت فيها عدَّة مراكز إسلامية أهمُّها مركز رابطة العالم الإسلامي، ولقد أُقِيم قبل عشرين عامًا، ودار العلوم، والمعهد الإسلامي التعليمي والتدريبي لمُعَلِّمي المدارس الإسلامية، أما الحلقة الإسلامية فهي أقدم منظمة إسلامية في موريشيوس وأُنشئت في عام 1988م تحت اسم دار القرآن، وهناك خمسة معاهد لتحفيظ القرآن، وتقوم هذه المعاهد وكذلك المدارس والمساجد كلٌّ حسب دوره بعمليَّات التوعية بالإسلام.



    ولقد بدأ اهتمام المسلمين باللغة العربية في أوائل السبعينيات، ويَجْرِي تدريسها حاليًّا في مدارس الحكومة، لكن قلَّة الإمكانات تَحُولُ حتى الآن من التوسُّع في تعليمها على نطاق أكبر، ويُقْبِلُ المسلمون في موريشيوس على التعليم أكثر من غيرهم، وتوجد لهم بعض المدارس والمعاهد الخاصَّة بهم؛ منها: مدرسة إمداد الإسلام، والمدرسة الإسلامية العالية (تأسَّست سنة 1375هـ)، وكلية الثقافة الإسلامية (تأسَّست سنة 1374هـ/ 1953م) كما توجد ثلاث مدارس ابتدائية، ومدرسة متوسطة، وخمسة معاهد لتحفيظ القرآن الكريم، والمسلمون هناك ينتظرون دعم المسلمين لهم في كل المجالات[14].



    هذه هي قصة الإسلام في شرق إفريقيا، والتي تدلُّ دلالة واضحة على أن الإسلام يكتسب كلَّ يومٍ أرضًا جديدة، وأنه بحقٍّ دِينُ المستقبل لهذا القارَّة، التي تصل نسبة المسلمين فيها الآن إلى 60% من إجماليِّ عدد سكانها.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 7 ديسمبر 2016 - 21:14