منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

أخي الزائر انت غير مسجل يمكنك التسجيل والمساهمة معنا في إثراء المنتدى ...وأهلا وسهلا بك دوما ضيفا عزيزا علينا ...شكرا لك لاختيار منتدانا كما ندعوك لدعوة اصدقائك للاستفادة من المنتدى وإثرائه ..شكرا وبارك الله فيكم جميعا
منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

منتدى تلات عبد القادر للعلوم والمعارف والثقافات لكل الفئات العمرية والأطياف الفكرية

اخي الزائر شكرا لك على اختيارك لمنتدانا ..كما نرجو لك وقتا ممتعا واستفادة تامة من محتويات المنتدى..وندعوك زائرنا الكريم للتسجيل والمشاركة في إثراء المنتدى ولو برد جميل ...دمت لنا صديقاوفيا..وجزاك الله خيرا.

المواضيع الأخيرة

» نسخة اصلية لكتاب اطلس التاريخ الإسلامي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:12 من طرف Admin

» أرشيف صور ثورة الجزائر الخالدة المصور
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:09 من طرف Admin

»  دليل المقاطع التعليمية للسنة الأولى ابتدائي و السنة الثانية ابتدائي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:00 من طرف Admin

» مناهج الجيل الثاني على شكل ppv ستساعدكم بإذن الله
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:58 من طرف Admin

» مذكرات الرياضيات للسنة أولى إبتدائي مناهج الجيل الثاني2016/2017
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:57 من طرف Admin

» منهجية تسيير جميع مقاطع ا اللغة العربية للسنة الأولى في الجيل الثاني
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:55 من طرف Admin

» مذكرات الأسبوع الخامس للسنة الأولى *** - الجيل الثاني - منقولة ،
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:55 من طرف Admin

» التقويم في منهاج الجيل الثاني وفق المقاربة بالكفاءات
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:53 من طرف Admin

» التدرج السنوي2016/2017 يشمل جميع المواد : الأدبية + العلمية + زائد مواد الإيقاظ وفق مناهج الجيل الثاني ،
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:52 من طرف Admin

» دليل المقاطع التعليمية للسنة أولى و الثانية ابتدائي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:51 من طرف Admin

» دفتر الأنشطة للغة+اسلامية+مدنية للسنة 2 بتدائي للجيل الثاني 2016-2017 م
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:50 من طرف Admin

» مناهج الجيل الثاني ابتدائي و الوثائق المرافقة لكل المواد في مجلد واحد
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:47 من طرف Admin

» الكراس اليومي مع مذكرات جميع أنشطة الأسبوع 6 سنويا المقطع 2 الأسبوع
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:46 من طرف Admin

» دليل الأستاذ السنة الثانية س2 رياضيات تربية علمية كاملا
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:44 من طرف Admin

» منهجية تسيير أسبوع الإدماج في اللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية المدنية للسنة الثانية الابتدائي لجميع المقاطع
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:43 من طرف Admin

التبادل الاعلاني

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

    العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    شاطر

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:17


    نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009




    بقلم / د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

    يقصد
    بعصر اكتشاف المعادن العصر الذي يلي العصر المسمى بالعصر الحجري الحديث ،
    وقد اكتشف فيه الإنسان القديم المعادن ، وبدأ يستعملها في قضاء حوائجه

    ، ويصنع منها الأدوات المختلفة ، ويبدأ هذا العصر حسب تقدير بعض الأثريين
    بعد العام 4000 قبل الميلاد، وينتهي عند القرن الحادي والثلاثين قبل
    الميلاد .


    وقد ملك مصر فيه نارمر الذي استطاع أن يخضع أقاليمها تحت ملكه ، فسُمي موحد القطرين الشمالي والجنوبي لذلك ، وليس لأنه أول من دعا إلى التوحيد كما زعم البعض .

    ويسمي علماء الآثار تلك الفترة ( فترة عصر المعادن ) بفترة الحضارة المصرية الأولى
    ؛ لأن المصريين بدءوا فيه في بناء نواة المدنية ، فكانت مدن طيبة وممفيس
    وبوتو وهيراكونوبليس وأليفاتانين وبوباستيس وتانيس ، وأبيدوس وسايس
    وأكسويس وهليوبوليس ..


    وتعرف فيه الإنسان على المعادن وطرق صهرها ، مثل النحاس والبرونز
    ، وظهرت الأدوات المنزلية المختلفة ، مثل الأزاميل والخناجر والحراب ،
    ولكنها كانت قليلة في البداية ثم ازداد استعمال النحاس ، وازدادت أهميته
    في الفترات التالية ، وظهر في هذا العصر أيضا الذهب والفضة ، فصُنع منهما
    الحلي بأنواعها المختلفة ، وكانت منطقة المعادى تعد في هذا العصر مركزاً
    تُصب فيه موارد النحاس من شبة جزيرة سيناء ..


    وفى هذا العصر أيضا تطورت صناعة نسيج الأقمشة والأخشاب والأواني الفخارية، وبنيت المساكن من اللّبن بدلاً من الطين والبوص، وفرشت بالحصير المصنوع من نبات البردي، وصنعت الوسائد كذلك.

    لكن أهم ما ميز هذا العصر هو صناعة الآنية الحجرية المصقولة
    ، وقد راجت هذه الصناعة في منطقة البداري ، إذ عُثر بها على أدوات تعود
    لذلك العصر ، وكذلك أصناف المرمر ، كما صنعت آنية من الجرانيت والديوريت
    والنيس ، وهى جميعا أحجار صلبة تحتاج إلى مجهود كبير في صنعها ، وإلى دقة
    ومهارة في إعدادها ؛ مما يدل على أن المصريين قد وصلوا وقتها إلى درجة
    عالية من المهارة والذوق الفني .


    هذا وقد كان المصريون في ذلك الوقت يعيشون على زراعة الشعير والقمح في أطراف الوادي ؛ مما يؤكد على أن مصر كانت من أولى الدول في زراعة الحبوب التي ـ للأسف ـ تعتمد على غيرها الآن في جلب الكثير منها ..

    كما اشتغلوا بتربية الماعز والأغنام والماشية والخنازير واصطياد الحيوانات البرية والبحرية ، وعملوا بزرع أشجار الثمار أيضا .

    هذا وقد قسمت حضارات هذا العصر على أساس تقسيم الفخار الذي ورد عنه إلى :

    1- حضارة العمرة ( بلدة جنوب شرق العرابة المدفونة , مركز البلينا بمحافظة سوهاج ) وتسمي كذلك بالحضارة القديمة لعصر ما قبل الأسرات.

    2- حضارة جرزة
    ، وتسمى كذلك بالحضارة الوسطي لعصر ما قبل الأسرات ، وتمتاز هذه بتقدم
    كبير في الزراعة وزيادة في الرقعة الزراعية ، ويُرجع البعض ذلك إلى حدوث
    ارتفاع في منسوب مياه النيل ، وذلك ساعد بدوره على انكماش مساحة
    المستنقعات ؛ مما كان له أكبر الأثر في زيادة إنتاج الغذاء ، وفى قيام
    فئات جديدة من الناس تمارس الصناعة والتجارة ، وظهور نوع من تقسيم العمل
    لم يكن معروفا من قبل ، وتدل الآثار على وجود تميز في المساكن والمقابر من
    حيث الحجم والمحتويات .


    3 ـ حضارة " نقادة "
    نسبة لبلدة نقادة إحدى مدن محافظة قنا ، وقد مرت هذه الحضارة بثلاث مراحل
    ، واشتهرت بفخارها الذي لعب دورا بارزا في تاريخ حضارات ما قبل التاريخ في
    مصر .


    وقد عرف أهل نقادة أنواعا كثيرة من الفخار، منها الفخار ذو الحافة السوداء، والفخار ذو الزخارف البيضاء المتقاطعة ، والفخار ذو الزخارف الحمراء .

    وقد دلت الآثار على أن أهل نقادة كانوا يصورون على الأسطح الخارجية والداخلية
    لفخارهم الحيوانات الكائنة في بيئتهم ، ومناظر لراقصين وراقصات ، وأخرى
    للصيد البري والنهري، وسجلوا الكثير من العناصر الزخرفية والهندسية
    والنباتية .


    وخطا أيضا سكان نقادة خطوات طيبة في مجال صناعة التماثيل من الصلصال والفخار، كما شكلوا صلاياتهم على هيئة الحيوانات، ونحتوا من العاج تماثيل للرجال والنساء .

    وقد عثر في جبانة نقادة على بعض الدبابيس وأدوات أخرى صغيرة مصنوعة من النحاس .

    أما عن مساكنهم فقد كانت بسيطة تشيد من أغصان الأشجار التي تكسى بالطين ، وأما المقابر فكانت عبارة عن حفرة بيضاوية قليلة العمق .

    أما نقادة الثانية فتميزت حضارتها بـأنها أوسع انتشارا من الحضارة السابقة
    ، وبأنها خطت خطوات واسعة في الصناعات الحجرية والمعدنية، وتوسعت في
    استخدام النحاس في صناعة الأدوات ، وبتقدم صناعة الفخار ، هذا الفخار الذي
    اشتهر بكثرة زخرفته إضافة إلى أن رسومه صورت بدقة الحياة الاجتماعية التي
    كانت سائدة وقتها كحرف الصيد والزراعة .. ، كما صورت المراكب التي كانت
    تستخدم لديهم بشكل دقيق نسبيا على سطوح فخارهم .


    كما راجت فيها صناعة الصلايات التي كانت تستخدم لصحن الكحل ، وكذلك أدوات الزينة والحلي المصنوعة من العاج .

    وتطورت المساكن فيها قياسا بمساكن أهل نقادة الأولى،
    وكانت مستطيلة وتبنى من الطوب اللبن ، أما عن المقابر فقد بدت هي الأخرى
    أكثر تطورا عن ذي قبل ، حيث جرى تحديد جوانب الحفرة وتقويتها بتكسيتها
    بالطمي أو بالبوص والحصير ..


    هذا وقد وجدت ملامح هذه الحضارة إلى جانب نقادة نفسها، في مواقع أخرى في الشمال ( في طرخان جرزة وأبوصير الملق )، وفي الجنوب ( في بلاد النوبة) .

    4- حضارة سمانية ، وتسمى كذلك بالحضارة الحديثة لعصر ما قبل الأسرات.

    5 ـ حضارة البدارى
    ، وتنسب هذه الحضارة إلى قرية البدارى الواقعة في محافظة أسيوط ، وهي
    تنتمي للعصر النحاسي، وهو العصر الذي بدأ فيه الإنسان استخدام النحاس في
    صنع أدواته، فنجد بالنسبة للبداريين أنهم استخدموا الفأس النحاسية إلى
    جانب الفأس الحجرية التي استخدمها أهل الحضارات السابقة ... كما صنعوا بعض
    المثاقب والدبابيس وحبات الخرز من النحاس .


    كما تميزت بصناعة الفخار ، حتى إنه يمكن اعتبار فخار البدارى من أرقى أنواع الفخار في مصر القديمة .. إذ تميزت جدرانه بالرقة،
    وبتزيينها ببعض النقوش والزخارف ، بالاهتمام بأدوات الزينة كالعقود
    والأساور والخواتم وأمشاط العاج ، وظهور الفن التشكيلي الذي يتمثل في
    مجموعة من التماثيل المصنوعة من الطين والفخار والعاج ، كما بدأ فيها
    الإنسان المصري الاهتمام بتشييد المساكن الجميلة واستخدام الأسرّة الخشبية
    والوسائد.


    كما تميز هذا العصر أيضا ببدء التحكم في فيضانات النيل
    ، ووضع المصريون فيه التقويم الذي يرجح أنه تم عام 4240 ق.م نتيجة لملاحظة
    الفيضان عاماً بعد عام ، وقسموا السنة إلى ثلاثة فصول : فصل الفيضان :
    وفصل الزراعة ، وفصل الحصاد ..


    وبدأ الإنسان المصري القديم يعتمد اعتمادا كليا على زراعة القمح والشعير في مصدر رزقه وعيشه ، ولاسيما في وقت انخفاض منسوب النيل .

    وساعد العمل في الزراعة في هذا العصر على الاستقرار وتكوين المجتمعات المحلية
    ، وهذه كانت خطوة نحو تكوين مجتمعات أكبر ، وبدأت تظهر على الوجود فكرة
    المملكات بعد أن اتحدت تلك المجتمعات الصغيرة ، ثم ظهر بمصر من تلك
    الممالك مملكتان ، إحداهما في الجنوب والأخرى في الشمال ، ثم استغل نارمر
    سطوته في إخضاع المملكتين معا تحت حكمه .


    وبرواج المحاصيل الزراعية وقيام المجتمعات بدأت تظهر فكرة التجارة لتلبي حاجات الناس ومتطلباتهم
    ، وكانت في البداية قاصرة على التبادل التجاري بين المجتمعات الداخلية
    الصغيرة من خلال الدكاكين الصغيرة ، ثم بدأت تتسع لتشمل التبادل بين
    المجتمعات داخل مصر وخارجها بعد ظهور الممالك ، وخاصة البلاد التي كانت
    تشابه مصر في عراقة الحضارة والعمران مثل العراق والشام ..


    وهذا التبادل التجاري ساعد على تبادل الخبرات ، فاستفاد المصريون من بعض حرف البلاد التي رحلوا إليها للتجارة ، وكذلك استفاد أهل البلاد الأخرى من حرف وخبرات المصريين ، ومن هنا كان التشابه بين الحضارات القديمة وفنونها ..

    فمع احتكاك الشعبين المصري والعراقي عرفت الكتابة
    ، والتي ربما ساعد على ابتكارها حاجة التجار إلى تسجيل طلباتهم ومعاملاتهم
    المادية والتجارية ، والتي كانت في البداية كتابة صورية ، أي تستخدم الصور
    بدلا من الكلمات والحروف .


    ومع التطور التجاري والزراعي بدأ المصريون يعرفون نظام التقويم
    ، ويظهر أن أول تقويم عندهم قد نشأ في الدلتا ، وكان ذلك في القرن الثالث
    والأربعين قبل الميلاد ، أي قبل قيام الأسرة الأولى بألف عام ، وهذا يدل
    على نضج الفكر الإنساني في مصر في هذا الزمن المبكر ، ودقة الملاحظة ،
    والمشاهدة المنتظمة ، فقد لاحظ الإنسان المصري ظاهرة الفيضان المتكررة
    سنوياً بانتظام واقترانها بظهور نجم الشعرى اليمانية عند الأفق مع شروق
    الشمس في نفس اليوم الذي تصل فيه مياه الفيضان إلى رأس الدلتا عند
    هليوبوليس .


    وبذلك يمر عام عندما يتكرر نفس الحدث ، فاخترعوا التقويم المكون من 365 يوماً
    ، وقد قسموا السنة إلى 12 شهرا ، والشهر إلى ثلاثين يوماً ، تضاف إليها
    خمسة أيام من الأعياد كل عام ، وقد بقى هذا النظام قائماً إلى أن أدخل
    عليه الرومان بعض التعديلات التي تصحح ربع اليوم الزائد في كل سنة ..


    كما ظهرت آلات الحرب والقتال بكثرة آخر عصر ما قبل الأسرات بسبب ظهور الصراعات بين زعماء العشائر المحلية ، والتي ما لبثت أن خضعت جميعا تحت قطر واحد كما ذُكر من قبل .

    أما عن حضارة المعادى فترتبط بموقع المعادى
    ، حيث عثر هناك على بقايا محلة عمرانية كبيرة تتكون من أكواخ ذات شكل
    بيضاوي مفتوح من الجهة الجنوبية الغربية ، يحيط بها قوائم خشبية من جذوع
    الأشجار ، رصت حولها أغصان الأشجار الدقيقة ، والتي كست القوائم من الخارج
    بطبقة من الطين ، ولسنا نعرف على وجه الدقة ما إذا كانت تلك المساكن
    مسقوفة أو غير مسقوفة رغم أن الغرض الرئيسي من تشييدها هو حماية أهلها من
    الرياح الشمالية الباردة شتاء.


    ويكاد
    يكون نظام المساكن واحدا ، حيث يوجد الموقد دائما قرب المدخل ،
    وبجواره قدر كبير لحفظ الماء ، وقدور أخرى لخزين الغلال ، وأنواع الطعام

    ، وقد حفرت لتلك القدور حفراً عميقة في التربة الرملية ، وإلى جانب ذلك
    فقد استخدمت بعض المخازن التي كانت عبارة عن حفر عميقة رأسية الجوانب توضع
    بها بعض الآنية الفخارية الصغيرة ، وقد ظل ذلك النظام بالقرى المصرية
    متبعا حتى عقود قليلة ثم بدأ ينقرض مع طغيان أساليب الحياة الحديثة على
    سائر سكان القرى .


    وللآنية الفخارية بالمعادى ميزات خاصة تجعلها من أجمل الأنواع المعروفة في مصر ما قبل التاريخ
    ، بعضها حمراء اللون ذات شكل مستطيل وقاعدة خفيفة ، وبعضها سوداء اللون
    ذات شكل كروي لها قاعدة ملساء ، وكلها مصنوعة باليد ، بما في ذلك القدور
    الكبيرة علي الرغم من حجمها الضخم .


    كما عرف سكان المعادى صناعة النسيج ، حيث عُثر على قطعة صغيرة من خرقه بالية محترقة على عمق كبير تعود لذلك العصر.



    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:20


    نحو نظرة جديدة لتاريخنا العربي القديم







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009




    بقلم / محمود عمر السباعي
    إذا ألقينا نظرة على مصور طبيعي لشمال إفريقية وجنوب غرب آسية نرى شريطًا صحراويًّا يمتد من شواطئ موريتانيا على المحيط الأطلسي،
    ويخترق شمال إفريقية من الغرب إلى الشرق، مشكلاً الصحراء الإفريقية
    الكبرى، التي تشكل مصر جزءًا منها، لولا النيل الذي وهبها الحياة، فمصر
    هبة النيل كما قال هيرودوت، ثم يستمر الشريط الصحراوي في شبه الجزيرة
    العربية وبادية الشام، حتى تحتضنه جبال زاغروس ومياه الخليج العربي في
    شرقه.

    على هذا الامتداد من
    شواطئ إفريقية الشمالية المطلة على المحيط الأطلسي غربًا، وحتى جبال
    زاغروس والخليج العربي شرقًا - تكوَّن الوطن العربي طبيعيًّا وبشريًّا،
    يحيط به من الشمال البحر المتوسط في إفريقية، وجبال طوروس في غربي آسية،
    ويحدُّه من الجنوب بحر العرب في آسية، والنهايات الجنوبية للصحراء
    الإفريقية الكبرى.

    يقسم
    العلماء الجيولوجيُّون عمر الأرض إلى الأحقاب التالية: الحقب الأول،
    والحقب الثاني، والحقب الثالث، والحقب الرابع الذي نعيش فيه،

    ويقسمون الحقب الرابع إلى عصرين: (البليوستوسين) و(العصر الحديث) والعصر
    الحديث هو الاسم الجيولوجي للآلاف القليلة من السنين التي انقضت منذ نهاية
    (البليوستوسين).

    وهذا الأخير شاهد
    بسبب التقلبات المناخية أربعة أدوار للزحف الجليدي، غطى فيها الجليد النصف
    الشمالي من الكرة الأرضية على مساحات واسعة، وبعد انحسار كلٍّ من تلك
    الأدوار الجليدية؛ كان يتلوه مرحلة جفاف تدعى (مرحلة ما بين الدورين) وقد
    مرت بالكرة الأرضية أربعة مراحل، كان متوسط الحرارة في بعضها أعلى مِمَّا
    هُوَ عليْهِ الآن، ونحن نعيش الآن المرحلة الرابعة منها؛ لذا يعتقد بعض
    العلماء أنه إذا استمرت الشروط والعوامل المؤثرة على ما هي عليه الآن؛ فإن
    نهاية المرحلة الرابعة التي نعيشُها ستنتهي في غضون خمسين ألف سنة، ويبدأ
    دور خامس للجليد.

    ففي
    أثناء أدوار الجليد؛ كانت المناطق المحصورة بين درجتي عرض 50 شمالاً
    وجنوبًا من خط الاستواء بعيدة عن متناول الجليد، وكان مناخها مطيرًا،

    ولذلك كان الشريط الصحراوي الذي وصفناه آنفًا يمرُّ بفترات متعاقبة من
    الرطوبة والجفاف، بين الخصوبة والقحط، قبل أن يستقر على وضعه الحالي
    الصحراوي.

    نخلص من ذلك كله إلى
    النتيجة التالية: إن هذا الشريط الصحراوي المذكور لم يكن صحراء في الدور
    الجليدي الرابع؛ بل كان مناخه معتدلاً رطبًا، يتلقى أمطارًا كافية لجعل
    أراضيه خصبة ممرعة، تُنبت المروج والنباتات البريَّة والأشجار، وتعيش فيها
    الحيوانات المختلفة والإنسان، بسبب الجليد الذي غطَّى أوروبا الوسطى، وما
    بدر منها شماليَّ درجة العرض 50 شمالاً، وعندما أخذ الجليد بالانحسار
    والتراجع رويدًا رويدًا؛ بدأ المناخ في هذا الشريط الصحراوي شمال إفريقية
    وغرب آسية يميل الجفاف شيئًا فشيئًا، حتى أصبح على ما هو عليه الآن، وأخذ
    الناس ضمن هذا الشريط يلتجؤون إلى مجاري الأنهار وضفاف الواحات، ليؤمِّنوا
    حياتهم، ونشأ نتيجةً لذلك نمطان للحياة: حياة الزراعة على ضفاف الواحات
    والأنهار، وحياة البداوة في البراري والقفار، ولا يزال هذان النظامان
    قائمين حتى الآن.

    أطلق
    الأوربيون على سكان القسم الغربي من الوطن العربي في إفريقية اسم (بربر)،
    وهذه كلمة يونانية الأصل، أطلقها اليونان على كل الشعوب التي كانت خارج
    نطاق الحضارة اليونانيَّة؛
    بمعنى: شعوب غير متحضرة! وانتقلت من اليونان إلى الرومان، وعن طريق لغتهم اللاتينيَّة تسرَّبت إلى اللغات الأوروبيَّة الأخرى.
    والأصح من ذلك: أن ندعوهم بالاسم الذي يدعون به أنفسهم، وهو (أمازيغ)، وهي كلمة في لغتهم تعني (الرجل الحرَّ)(1).
    استقر (الأمازيغ) في
    موطنهم شماليِّ إفريقية منذ عهد سحيق، وقد ذكرهم المؤرخون والجغرافيون
    الأوروبيُّون بأسماء متعدِّدة؛ فقالوا بأن (النسامين
    Nassamous ) و(البسبل psylle ) يقطنون برقة وطرابلس الغرب، وأنَّ (الكرمانتس garamantis ) يعيشون عيشة بدويَّة في الصحراء، و(الماكبل Malcyles ) و(الماكسي maxis ) على الساحل التونسي، والموسولان والنبوميدييِّن في المغرب الشرقي، و(الكبتول getules ) على حدود الصحراء والهضاب المرتفعة، ويعيش (المور maures )
    في المغرب الأوسط والمغرب الأقصى، وأقدم الأخبار عنهم: تلك التي تذكر أن
    قبيلة (مشوشة) أغارت على مصر في حكم الأسرة التاسعة عشرة، وأن (المتريك)
    أغاروا على مصر قبل مجيء العرب المسلمين(2).

    إنَّ
    تاريخ الأمازيغ في العصور القديمة غير واضح وغير مكتمل، والسبب في ذلك:
    أنَّ لهم لغة وليس لهم كتابة خاصة بهم، وبقوا كذلك حتى مجيء العرب
    المسلمين في أواخر القرن السابع الميلادي، فاقتبسوا خطهم وكتبوا به، وقبل
    ذلك: "بقيت لهجاتهم لهجات محليَّة، يُتكلم بها، ولكن لا تكتب"(3).

    وعلى كلٍّ؛ فيمكن أن
    نلاحظ أنَّ هناك حادثين هامين في العصور القديمة؛ الأول منهما: مجيء
    الفينيقيين من الشرق عن طريق البحر المتوسط، وكانوا يتكلمون لغةً هي من
    المجموعة التي تنتمي إليها لغة الأمازيغ، ويبدو أنَّ هذا العامل جعل
    الأمازيغ يرحبون بهم، ويتعاملون معهم بكل أمانة وصدق، مما ساعد قرطاجة
    التي بناها الفينيقيون قرب تونس الحالية على الازدهار ازدهارًا رائعًا في
    القرن السادس ق.م: "وامتدت حدودها من حدود ليبية، إلى أعمدة (هيركويوليس)؛
    أي: مضيق جبل طارق حاليًا، وضمَّت جزر الباليار ومالطة وسردينية، وبعض
    المواقع على إسبانيا والغال، وأدى ذلك التوسع إلى نزاعها مع رومة الآخذة
    بالظهور، حتى قيل للرومان بأنَّه لا يمكنهم غسل أيديهم في مياه البحر
    المتوسط بدون إذن قرطاجة"(4).

    إنَّ
    الذين قضوا على قرطاجة واستأصلوا شأفتها وأحرقوا أرضها ليسوا الأمازيغ؛ بل
    الرومان القابعين على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط، والذين دامت حروبهم
    مع قرطاجة من (218 – 146 ق.م
    ) تلك الحروب
    المعروفة بالحروب البونيَّة، التي انتهت بانتصار الرومان، وحرق قرطاجة
    التي تُركت طعمةً للنيران لمدة سبعة عشر يومًا، حتى أخفت موقعها كومة من
    الرماد! ثم أعملوا المحراث فيها، ولعنوا أرضها إلى الأبد!!

    إنَّ مثل تلك القسوة
    وذاك الكره لا يصدر إلا من الأجانب، لقد كان الرومان أجانب عن إفريقية،
    أمَّا القرطاجيون فلم يكونوا أجانب عن (الأمازيغ) الذين كانوا يحيطون بهم،
    والذين كانوا يعاملونهم بكل أمانة وصدق منذ القرن الثامن ق.م، وكانت هذه
    المعاملة مع الأمازيغ مظهرًا من مظاهر ازدهار قرطاجة حتى نهايتها على يد
    الرومان.

    لقدِ احتلَّ الرومان
    شمالي إفريقية، ولكن ذهبوا وحل مكانهم العرب المسلمون الذين جاؤوا بعدهم،
    فلا يزال وجودهم الحضاري قائمًا منذ أربعة عشر قرنًا حتى الآن!!

    أليس في ذلك ملاحظة يجدر التأمل فيها واستخلاص النتائج منها؟
    أمَّا
    القِسْمُ الشرقيُّ من الوطن العربي؛ فقد مرَّ بالظروف المناخيَّة التي
    مرَّ بها القسم الغربيِّ؛ من حيث الخصوبة والجفاف؛ ففي أواخر الدور
    الجليدي الرابع
    ، الذي كانت فيه معظم النواحي
    الأوروبية وشمالي آسية تغطي أراضيها الثلوج - كانت جزيرة العرب ذات جو
    معتدل وأمطار غزيرة وأشجار وزروع، وكانت هضبة إيران تكسوها الثلوج التي
    تحول دون تكوين مواطن صالحة للأحياء، وكانت الوديان الكبرى في الجزيرة
    العربية - وهي وادي العيون، ووادي الرُّمة، ووادي الدواسر، ووادي السرحان
    - أنهارًا تطفح بالماء المنحدر من المرتفعات والجبال التي تغذيها.

    ثم أخذ الجو يتغير
    في شبه الجزيرة العربية بانحسار الجليد؛ ففقد رطوبته وسارت الجزيرة
    العربيَّة بصورة مستمرة وبطيئة نحو الجفاف منذ أكثر من (14) ألف سنة،
    وغاضت تلك الأنهار الفياضة؛ وتحولت إلى وديان جافة، واستحالت مروجها
    الفيحاء إلى صحاري قاحلة.

    كان أول من قال بتغير مناخ الجزيرة العربية: المستشرق الإيطالي (كايتاني caitani - 1869-1926
    الذي لفت أنظار العلماء إلى هذه الظاهرة المهمة، ظاهرة التغير الذي طرأ
    على مُناخ جزيرة العرب، والجفاف الذي حل َّ بها مع انحسار الدور الجليدي
    الرابع(5) .

    لقد لاقت نظرية
    كايتاني تلك رواجًا بين عدد كبير من المستشرقين، وعدَّها السير (توماس
    آرنولد) من أهم النظريات التي اكتشفها المؤرخون الحديثون بالنسبة للتاريخ
    العربي، وكان على رأس معارضيها (لويس موزيل
    Loismusil
    إلاَّ أن المكتشفات الحديثة والدراسات التي أجرتها البعثات الأثريَّة في
    شبه الجزيرة العربيَّة بعد الحرب العالمية الثانية أضفت المزيد من الثقة
    على نظرية كابتاني، وكان آخرها البعثة البلجيكية التي قامت برحلة علمية
    إلى السعودية عام 1951م، ولقيت من الحكومة السعودية كل مساعدة وترحيب، وقد
    انضم إليها مستشار الملك عبد العزيز بن سعود، الحاج عبد الله فيلبي، وهو
    أحسن من عرف الجزيرة من الأوربيين: "عثرت البعثة على آلاف النقوش في
    المنطقة الواقعة بين جدَّة ونجران بخط الكتابات اليمنية البدائية
    والسبئية، واستطاعت دراسة مخطط مدينة نجران، حيث قام قديمًا الملك اليمني
    ذو نواس باضطهاد سكانها النصارى والتنكيل بهم، وكشف اسمه الحقيقي بواسطة
    إحدى المخطوطات التي عثرت عليها، وهو (يوسف أسر)، ثم تحركت البعثة من
    نجران إلى الربع الخالي، فاكتشفت آثار مدن متهدَّمة وبعض الكتابات على
    الصخور وهي في الطريق إلى الرياض"(6).

    -
    استنادًا إلى نظرية (كايتاني)؛ فإن الجفاف الذي أعقب انسحاب الجليد في
    الدور الرابع أثر في حياة سكان الجزيرة العربيَّة وحيواناتها ونبتاتها؛
    فانقرض ما لم يتمكن من تكييف نفسه مع البيئة،
    أما
    الناس الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية؛ فمنهم مَنْ هاجر نحو
    الهلال الخصيب، ومنهم مَنْ تآلف مع تغيرات المناخ الطارئة؛ فنشأت الحياة
    البدوية وما فيها من ارتحال؛ طلبًا للماء، وانتجاعًا للكلأ والمرعى.

    أولئك الناس هم الذين أطلق عليهم العلماء الغربيون اسم الساميين، فمن أين أتت تلك التسمية، وما مقدار صحتها؟
    في العام (1781م) كان العالم الألماني (شلوتسر schlozer )
    يبحث في اللغات العربية والعبرية والسريانية والحبشية، فوجد وجه الشبه
    فيما بينها: من حيث الابتداء بالفعل، وطرق الاشتقاق، وتعدد الحروف
    الحلقية؛ مثل: العين والحاء والهاء والألف، ومن حيث اهتمامها بالأصوات
    الساكنة، ومن حيث الزمن؛ فالعربية - على سبيل المثال - ليس فيها إلا
    صيغتان للزمن؛ هما: الماضي والحاضر، أما الأمر فهو في الحاضر، وأما
    المستقبل فلا صيغة خاصة به، وإنما الحصول على المستقبل فسَبْق المضارع
    بالسِّين أو سوف، أما في اللغات الأوربية - كالفرنسية والانكليزية - فهناك
    صيغ لعشرة أزمنة أو أكثر.

    وقد أراد (شلوتسر) أن يطلق اسمًا على مجموعة هذه اللغات؛ فرجع إلى التوراة، وانتزع اسم "سام" من الإصحاح العاشر من (سفر التكوين)،
    وأطلق على مجموعة اللغات التي كان يدرسها - وهي العربية والعبرية
    والسريانية والحبشية - التي كانت معروفة آنذاك، ثم أُضيف إليها لغات
    الهلال الخصيب القديمة بعد أن حُلَّت رموزها في أواخر القرن التاسع عشر
    وأوائل العشرين، وهي: الأكادية والأشورية، والآمورية والكنعانية، أضيف
    إليها منذ بضع أعوام اللغة الإبلائية، التي دلت دراسات المختصين على أنها:
    "أصل اللغة الفينيقية، التي تسبقها بألف عام"(7).

    وعُرفت هذه اللغات
    حسب تسمية (شلوتسر) باللغات السامية، وأطلق الاسم فيما بعد على الشعوب
    التي تتكملَّها؛ فعرفت بـ(الشعوب السامية) ونحن لا نرضى بهذه التسمية،
    ونجدها غير علميَّة؛ للأسباب التالية:

    1- لا يمكن أن نعد
    "العهد القديم" من "الكتاب المقدس" - أي "التوراة" - مصدرًا موثوقًا
    لتاريخ العرب القديم؛ لوجود أخطاء علمية بدأت تكشف عنها الدراسات
    التاريخية الحديثة، مما دفع كبار المؤرخين المختصين إلى الإشارة إليها.

    فالدكتور
    فيليب حتي يقول في كتابه "تاريخ سورية ولبنان وفلسطين": "إنه ليتضح أنَّ
    الذي كتبه العبرانيون عما سبق الدور القبلي ليس بتاريخ! وليس من السهل
    استخلاص لب الحقائق التاريخية من المرويَّات التي تتعلق بالدور القبلي
    نفسه"(Cool ويقول أيضًا:
    "إن التفسير التقليدي المألوف الذي يذهب إلى أن الساميين قد تحدَّروا من كبير أبناء نوح - لا تؤيده الأبحاث العلمية الحديثة"(9) .
    ويقول الدكتور أنيس
    فريحة: "لم يستطع العبرانيون تثبيت أقدامهم شمالي جبل الشيخ؛ فإن (دان)
    منطقة الحولة كانت أقصى حدودهم الشماليَّة، وقد حاولوا في زمن النبي داود
    إخضاع آرام دمشق فلم يفلحوا"(10).

    في أخبار "الأيام
    الثاني"، يرد في الإصحاح الثامن الآية الرابعة التي تقول عن سليمان: "بنى
    تدمر في البرية"، والواقع أن سليمان لم ير "تدمر"، ولم تطأ قدماه أرضها،
    وكانت حدود مملكته في أقصى اتساعها منطقة (دان) - أي الحولة - كما رأينا
    آنفًا.

    نال
    الدكتور عدنان البني شهادة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في
    جامعة القديس يوسف في بيروت، على رسالته "تدمر والتدمريُّون"

    بإشراف الدكتور نقولا زيادة، بتاريخ 17 آذار 1978، ناقشتها لجنة برئاسة
    الدكتور قسطنطين زريق، وعضوية الأستاذ الدكتور ديمتري برامكي، والأب
    الدكتور بوتريه، ونال عليها المؤلف مرتبة الشرف الأولى، يرد في الصفحة
    (68) من الكتاب: "ويرى جونز أن خطأ المؤلف "أخبار الأيام" بنسبة تأسيسها
    إلى سليمان - يدل على أنها كانت مركزًا هامًّا في أيامه في القرن الرابع
    ق.م على الأرجح"(11).

    ولو كان هذا الكلام خطأً لاعترضت عليه لجنة المناقشة!!
    كذلك ترد فيه بعض الأخطاء الناجمة عن فقدان الحس الزمني لدى كتاب الأسفار.
    فقد
    ورد في الإصحاح العشرين من (سفر التكوين) الآية: "فأرسل إيمالك ملك جرار
    وأخذ سارة"، و(إيمالك) ليس اسم علم، وإنما هو لقب كان يطلق على كل واحد من
    الملوك الفلسطينيين - كفرعون مصر مثلاً -
    والفلسطينيون
    كما هو معلوم أتوا فلسطين في القرن الثالث عشر ق.م، بينما إبراهيم يجعل
    قاموس الكتاب المقدس ظهوره عام (1996 ق.م) - "وفقًا للتاريخ الذي حسبه
    الأسقف آرثر"(12)- أي في القرن العشرين ق.م، وبين التاريخين أكثر من
    سبعمائة سنة!!

    كذلك يرد اسم (أور
    الكلدانيين) في (سفر التكوين) في الإصحاحات (28 - 31 - 51)، ومدينة أور
    مدينة سومرية تعود إلى الألف الرابع ق.م، والكلدانييون هم الذين قضوا على
    الإمبراطورية الآشورية؛ وأقاموا دولة بابل الثانية، ومنهم (بختنصَّر) الذي
    استولى على أورشاليم عاصمة يهوذا، وسبى اليهود إلى بابل عام 597 ق.م، أي
    بين السومريين وبين الكلدانيين أكثر من ثلاثة آلاف سنة!!

    وأحدث الأمثلة جاء من مدينة أريحا:
    سفر يشوع، سادس أسفار التوراة، وأول سفر بعد الأسفار الخمسة المعروفة بـ (أسفار موسى) أو (البنتاتوك pentateuque
    وتهتم الآن إسرائيل بتدريسه من الصف الرابع الابتدائي إلى الصف الثامن في
    المدارس الثانوية العامَّة(13) لاحتوائه على وصف دخول بني إسرائيل إلى أرض
    فلسطين، وتوزيع الأرض على الأسباط.

    إن أول مدينة بعد
    اجتياز الأردن هي (أريحا)، ويصف كاتب السفر في الإصحاح السادس حصار
    المدينة، ثم سقوطها بيد يشوع، وكيف كانوا يدورون حولها دورة كاملة في كل
    يوم، ويتكرر ذلك ستَّ مرات في ستة أيام، وفي اليوم السابع سقطت المدينة في
    أيديهم، بعد أن داروا حولها سبع مرات متتالية: "وكان حين سمع الشعب صوت
    البوق بأن هتف الشعب هتافًا عظيمًا، فسقط السور في مكانه، وصعد الشعب إلى
    المدينة، وكل رجل مع وجهه، وأخذوا المدينة، وحَزموا كل ما في المدينة من
    رجل وامرأة، ومن طفل وشيخ، حتى البقر والغنم - بحدِّ السيف"(14).

    في العام 1949 م، أرسل معهد الآثار البريطاني في القدس بعثة تنقيب برئاسة (كاثلين كينون Kathleen Kenyon )
    إلى مدينة أريحا، لدراسة آثارها وتحديد عمر تلك الآثار؛ باستعمال طريقة
    جديدة، كانت هي أول من أدخلها إلى الشرق الأوسط(15) ، هي طريقة (الكربون
    المشع 14)، وتعد هذه الطريقة من أدق الطرق التي استعملت حتى الآن، وانتهت
    البعثة إلى النتيجة التالية:

    "إن
    أريحا قد دُمِّرت في القرن الرابع عشر ق.م"؛ أي: كانت مقفرة في الوقت الذي
    قال فيه يشوع : إنه احتلها(16) على الصورة الواردة في سفره.

    4- وجود تناقض في
    الرواية الواحدة بين سفرين؛ فمثلاً: إن (سفر القضاة) يناقض ما ذكره (سفر
    يشوع) من الدخول إلى أرض كنعان قبله، بعكس الصورة التي رأيناها في (سفر
    يشوع)، بأن القبائل الموحدة، في دولة واحدة، تحت إمرة قائد واحد - دخلت
    أرض كنعان، وقضت على السكان كافةً المتواجدين على طريق تقدمها، ويورد (سفر
    القضاة) سيرة عمليات تسلل بطيئة، يغلب عليها طابع المسالمة في معظم
    الأحيان؛ فقد ورد في (سفر القضاة): "وحارب بنو يهوذا أورشليم، وأخذوها
    وخربوها بحد السيف، وأشعلوا المدينة بالنار"(17) وفي الآية 21 من السفر
    نفسه: "وبنو بنيامين لم يطردوا اليبوسيين سكان أورشليم؛ فسكن اليبوسيون مع
    بني بنيامين في أورشليم إلى هذا اليوم".

    إنَّ
    النَّصَّ التوراتي الموجود بين أيدي الناس ليس نص موسى من حيث زمن
    الكتابة؛ فالتوراة بدئ بتدوينها بعد السبي البابلي، ويروي لنا صاحب "قصة
    الحضارة" كيفية البدء بتدوينها على النحو التالي:

    "لم يكن في وسع
    اليهود بعد عودتهم أن يقيموا لهم دولة حربية؛ ذلك أنهم لم يكن لهم من
    العدد ومن الثروة ما يمكنهم من إقامة هذه الدولة، ولما كانوا في حاجة إلى
    نوع من الإدارة يعترفون فيه بسيادة الفرس عليهم؛ ويهيئ لهم في الوقت نفسه
    سبيل الوحدة القومية والنظام؛ فقد تسرع الكهنة في وضع قواعد حكم ديني يقوم
    - كما كان يقوم ملكهم (لاشيا) - على المأثور من أقوال الكهنة وتقاليدهم،
    وعلى أوامر الله، وفي عام (444 ق.م) دعا عزرا - وهو كاهن عالم - اليهود
    إلى اجتماع خطير، وشرع يقرأ عليهم من مطلع النهار إلى منتصفه "سفر شريعة
    موسى، وظل هو وزملاؤه اللاويون سبعة أيام كاملة يقرؤون عليهم ما تختزنه
    لغات هذا السفر"(18) .

    هكذا
    كانت بداية تدوين التوراة بعد السبي، وبين هذه البداية وبين موسى ثمانية
    قرون! لقد بدأ الكهان بتدوينها دون وجود حق سابق يعتمد عليه؛ بل تركوا
    العنان لأفكارهم ومخيلاتهم، تصف الحوادث وتؤلفها حسب أهوائهم، وهذا هو سبب
    الأخطاء والتناقضات التي أشرنا إليها.

    لهذا كله؛ لا يمكن
    أن نعد العهد مصدرًا موثوقًا لتاريخ العرب القديم، وبالتالي التسمية التي
    اعتمدها (شلوتسر) وأطلقها المستشرقون على الشعوب القديمة التي سكنت الهلال
    الخصيب، وهي الشعوب الساميَّة، فماذا ندعو تلك الشعوب إذًا؟.

    اعتمد (شلوتسر) في
    تسميته (الساميين) على القرابة، ولدينا من المسوغات أكثر مما كان لدى
    (شلوتسر) بأن ندعوهم (العرب القدماء)؛ لوحدة لأصل أولاً، والقرابة اللغوية
    ثانيًا، وقدم العرب ثالثًا.

    فأما
    وحدة الأصل والمنشأ: فنعني بها أن أجداد هؤلاء العرب القدماء كانوا يقيمون
    أولاً في شبه الجزيرة العربية، وفي المناطق الداخلية منها، عندما كان
    مناخها لطيفًا وسماؤها مطيرة،
    تُنبت الأعشاب
    والأشجار، على الصورة التي ذكرها في مطلع هذا البحث، ثم تغير المناخ، وأخذ
    يميل نحو الجفاف شيئًا فشيئًا؛ حتى غاضت الأنهار، وتحولت إلى وديان جافة
    تحمل ضفافها آثار تلك الحياة.

    إن (كايتاني caitani )
    أول من لفت أنظار العلماء إلى هذه الظاهرة المهمة، ظاهرة التغير الذي طرأ
    على جو البلاد في الجزيرة العربية والجفاف الذي بدأ يحل بها في أواخر
    الدور الجليدي الأخير
    ، ففقد الجو فيها رطوبته،
    وسارت بصورة مستمرة وبطيئة نحو الجفاف منذ أكثر من أربعة عشر ألف سنة،
    فأثر ذلك بالطبع في حياة سكانها وحيواناتها ونباتاتها؛ فانقرض ما لم يتمكن
    من تكييف نفسه مع المحيط، وظهر نمط الحياة اليدوية الذي أدى بعد ذلك إلى
    حدوث هجرات من داخل الجزيرة العربية نحو أطراف الهلال الخصيب، كلما ضاقت
    الجزيرة بسكانها(19).

    وقد
    قسم (كيتاني) شبه جزيرة العرب إلى قسمين؛ قسم غربي: وهو الممتد من فلسطين
    إلى اليمن وينتهي ببحر العرب، وتكون حدوده الشرقية السراة والغربية البحر
    الأحمر وباب المندب،
    وقسم شرقي: وهو ما وقع شرقي
    السراة إلى الخليج العربي، وقد ظهر الجفاف على رأيه في القسم الشرقي قبل
    الغربي، ولهذا صار سكانه يهاجرون منه بالتدريج إلى مواطن جديدة تكون صالحة
    للاستيطان؛ مثل العراق والشام، كما صار سببًا لظهور الصحاري الشاسعة في
    هذا القسم بصورة لا نعهدها في القسم الغربي"(20).

    إذًا،
    من قلب الجزيرة العربية كانت تخرج تلك الهجرات العربية القديمة نحو أطراف
    الهلال الخصيب في العراق والشام، وهي على النحو التالي:

    1- هجرة الأكاديين
    والآشوريين نحو الجزء الشرقي من الهلال الخصيب، بدأت منذ (3500 ق.م)، فسكن
    الآشوريون في القسم الشمالي من العراق، وسكن الأكاديون في القسم الجنوبي،
    حيث اختلطوا بالسومريين الذين كانوا سبقوهم إلى سكن المنطقة، فأخذوا منهم
    كتاباتهم المسمارية، وبعض مظاهر حضارتهم، ثم أسسوا دولة (أكاد) في عهد
    صارغون الأول (2584 - 2529)، التي كانت أول إمبراطورية عربية في التاريخ،
    امتدت من جبال زاغروس حتى البحر المتوسط.

    2- هجرة الآموريين إلى القسم الغربي من العراق وبلاد الشام الداخلية (2500 ق.م).
    3- هجرة الآراميين إلى القسم الداخلي من بلاد الشام (1500 ق.م).
    4- هجرة الأنباط إلى جنوب بلاد الشام (500 ق.م).
    5- هجرة المناذرة والغساسنة إلى جنوبي العراق وجنوبي الشام (150 م).
    6- هجرة العرب
    المسلمين في منتصف القرن السابع للميلاد، الذين قضوا على الإمبراطورية
    الفارسية في الشرق، وقوضوا أركان الإمبراطورية البيزنطية في الغرب.

    فمن الأمثلة على الهجرات في العصور الحديثة:
    هجرة قبيلة كلاب في
    القرن العاشر الميلادي من نجد نحو شمالي الشام، التي دفعت بقبائل عقيل
    وعنيز وقشير إلى الجزيرة، وهؤلاء دفعوا بقايا تغلب نحو الشمال، وأكرهوهم
    على الدخول ضمن الحدود البيزنطية؛ حيث تنصروا واستقروا(21).

    أما
    من حيث القرابة اللغوية: فكل تلك الأقوام التي ذكرناها من الأكاديين في
    القرن الرابع ق.م، إلى العرب المسلمين في منتصف القرن السابع بعد الميلاد

    - كانوا يتكلمون لغات متقاربة من بعضها بعضًا، وتشترك جميعها بالابتداء
    بالفعل، وبطرق الاشتقاق، وبوجود زمنين فقط لصيغة الفعل، ماض أو حاضر،
    والاهتمام بالأصوات الساكنة دون أحرف اللين، كما تتشابه في الضمائر؛ وهي
    طريقة اتصالها بالأسماء والأفعال والحروف، كما يشترك معظمها في المفردات
    الأساسية المتعلقة بأعضاء الجسم، مثل: (رأس، عين، أنف، فم، إذن، سِنْ،
    يد)، وفي أسماء الحيوانات والنباتات: (كلب، جمل، حمار، ذئب، قمح، زيتون)،
    وفي المفردات الدالة على صلات القرابة: (أب، أم، أخ، ابن، بعل)، وكلها
    تشير إلى بيئة واحدة عرفتها كل الشعوب العربية القديمة التي ذكرناها(22).

    كلُّ
    ذلك دفع المستشرقين إلى افتراض وجود (لغة أم) اشتقت منها اللغات
    الأكاديَّة والآشوريَّة والكنعانيَّة والآراميَّة والنبطيَّة والعربيَّة،

    ويرى معظم المستشرقين أنَّ اللغة العربية التي نتكلمها الآن هي أقرب
    اللغات إلى (اللغة الأم)، ويقول فيليب حتي: "يجب أن ننظر إلى اللغات
    الآشوريَّة، والأكادية، والكنعانيَّة، والآراميَّة، والعربيَّة
    الجِنْوَيِيَّة، والحبشيَّة، والعربيَّة، على أنها لهجات تفرَّعت من لغة
    واحدة، هي اللغة الأم"(23).

    ويذكر إسرائيل
    ولفنستون: " أنَّ اللغة العربيَّة تشتمل على عناصر لغوية قديمة جدًّا،
    بسبب وجودها في مناطق منعزلة عن العالم، بعيدة عما يتوارد عليه من تقلبات
    وتغيرات يكثر حدوثها وتختلف نتائجها اختلافًا مستمرًّا في البلدان
    العمرانيَّة"(24) .

    ومن هذه العناصر - على سبيل المثال - أداة الاستفهام (مَنْ)؛ فهي في لغة (إيبلا): (مي mi)، وكذلك في الكنعانيَّة والأوغاريتيَّة ولغة ماري ما قبل الصارغونية، أمَّا في الأكاديَّة القديمة فهي (مَنْ)، وكذلك في الآموريَّة، ونجد عنصرًا آخر في لغة (إيبلا) لا يزال في اللغة العربيَّة، وهو (كَ ka )، "ويعني في لغة (إيبلا): (مِثل)، كما في الاسم (مي كا إل) (MI – KA - IL )، ومعناه (مَنْ مثل إيل)"(25).
    وفي اللغة العربية تكون (ك) حرف جر، وهي أحيانًا اسم بمعنى (مثل)، ويعرب الاسم بعدها مجرورًا بالإضافة إليها، كما قال المتنبي:

    وَمَا قَتَلَ الأَحْرَارَ كَالعَفْوِ عَنْهُمُ وَمَنْ لَكَ بِالحُرِّ الَّذِي يَحْفَظُ اليدا

    فالكاف هنا بمعنى
    (مثل)، وتعرب فاعلاً لـ (قَتَلَ) و (العفوِ) مجرور بالإضافة إلى الكاف،
    وهذا الاسم تحوَّل في اليونانيَّة إلى (ميخائيل)، وفي الفرنسية إلى (ميشيل
    Michel )، ويلفظ في الإنكليزيَّة (ميكائيل Michael )، وكلُّ صوره في اللغات الأوروبيَّة تعود إلى أصله العربي القديم!!
    "هذه
    القرابة اللغويَّة بين الشعوب التي تتكلَّم اللغات الأكاديَّة والآشوريَّة
    والآموريَّة والكنعانيَّة والآراميَّة والعربيَّة؛ تسوِّغ ضمَّهم تحت اسم
    واحد، ولكنَّها ليست الرابطة الوحيدة
    ، فإذا ما
    قارنا مؤسساتهم الاجتماعيَّة، وقصائدهم الدينيَّة، وصفاتهم النفسية،
    وأوصافهم الطبيعية - انفتحت لنا نواحٍ هامة للتشابه، وعندئذ لا بدَّ من
    الاستنتاج: أنْ بعض أسلافهم كانوا - غالبًا - يشكِّلون جماعة واحدة قبل أن
    تحصل بينهم هذه الاختلافات، وأنَّ هذه الجماعة كانت تتكلم اللغة نفسها،
    وتعيش في المكان نفسه"(25) ؛ كما يقول فيليب حتي.

    أمَّا قدم العرب أنفسهم:
    "فإنَّ
    أول إشارة مدوَّنة في التاريخ إلى موضع معين في جزيرة العرب، وإلى قوم من
    العرب، ما ذكره (جوديا) السومري، حاكم مدينة (لاغاش)، نحو (2400 ق.م)،
    وأنَّه دبَّر حملة على (مغان) و(ملوخا) طلبًا للتجارة والخشب لبناء هيكله،
    وهما منطقتان في شرقي الجزيرة العربيَّة.

    والإشارة التالية
    جاءت في كتابة على تمثال من حجر الديوريت لـ (نارام يس) - نحو (2300 ق.م)
    - حفيد صارغون الأول الأكادي، وهي تنص على أنه: "أخضع (مغان)، وغلب سيدها
    (مالتيوم)".

    وأوَّل إشارة ثابتة
    إلى العرب، هي تلك التي وردت في نقش الملك الآشوري (شملنصر الثالث)، الذي
    قاد في السنة السادسة لملكه حملة على ملك دمشق الآرامي وحليفيه (آخاب) ملك
    إسرائيل، و(جندب) أحد مشايخ العرب، فاصطدم الجيشان في (قرقر) شمالي حماة،
    عام (854 ق.م)، وهذا هو نصه:

    "قرقر عاصمته
    الملكية، أنا خرَّبتها، أنا دمرتها، أنا أحرقتها بالنار، 1200 مركبة، 1200
    فارس، 20000 جندي لحدد عازر صاحب آرام (دمشق)، 1000 جمل لـ (جندب)
    العربي... هؤلاء الملوك الاثنا عشر الذين استقدمهم لمعونته برزوا إلى
    المعركة والقتال، تألبوا عليَّ".

    ويعلق فيليب حتي على ذلك بقوله: "ومن بديع الاتفاق: أن اسم أول عربي يسجله التاريخ جاء مقرونًا باسم الجمل!"(27) .
    بعد
    هذا كلِّه؛ أليس لدينا من المسوغات بإطلاق اسم (اللغات العربيَّة القديمة)
    على تلك اللغات التي اشتقت من (اللغة الأم)، أكثر مما كان لدى (شلوتسر)
    عندما أطلق عليها اسم (اللغات الساميَّة)، نسبةً إلى إنسان يُشكْ بوجوده؟

    فنحن في تسميتنا
    (اللغات العربيَّة القديمة) نكون أقرب من (شلوتسر) إلى العقل، وأدنى إلى
    المنطق، وألصق بالعلم من تسميته تلك، وعندما نطلق على الأقوام التي تكلمت
    تلك اللغات اسم (الشعوب العربيَّة القديمة)؛ فإننا نتبع تقليدًا عربيًّا،
    هو تسمية الكل باسم الجزء، وهذا وارد في اللغة العربيَّة كما تعلمون،
    والقبائل الشماليَّة أو العدنانيَّة يطلق عليها أيضًا اسم (القبائل
    القيسيَّة)؛ نسبةً إلى (قيس)، وهي قبيلة عدنانية.

    ولا تنفرد اللغة
    العربيَّة وحدها بهذا التقليد؛ بل نجده لدى الألمان؛ "فالألمان ليسوا
    إلاَّ إحدى القبائل الجرمانية التي تسكن ألمانية حاليًّا"(28) ومع ذلك
    أطلق اسمهم على الدولة كلها؛ بل على الإمبراطوريَّة الألمانية بعد إنشائها
    (1871)، وبقيت محتفظة بهذا الاسم حتى الآن.

    جرت عادة المؤرخين الأوروبيين على تقسيم العصور التاريخية إلى العصور التالية:
    1-العصور القديمة: تمتد من اكتشاف الكتابة (3500 ق.م)، إلى (476 ق.م - سقوط الإمبراطورية الرومانية).
    2-العصور الوسطى: من (476 ق.م) إلى (1492 م - سقوط غرناطة، واكتشاف أمريكا).
    3- العصور الحديثة: من (1492 م) حتى الوقت الحاضر.
    هذا التقسيم لا
    ينطبق إلاَّ على تاريخ أوروبة الحالية فقط ؛ ولا ينطبق على تاريخ الصين
    مثلاً، ولا على تاريخ العالم الجديد في أستراليا والأمريكتين، ونقترح
    عوضًا عنه تقسيمًا آخر خاصًّا بالتاريخ العربي، على النحو التالي:

    أ- تاريخ العرب القديم: (3500 ق.م) إلى (622 م - الهجرة النبويَّة إلى يثرب).
    ب- تاريخ العرب الوسيط: من (622 م) إلى (1516 م - بداية الاحتلال العثماني للوطن العربي).
    جـ- تاريخ العرب الحديث: (1516 م)، إلى (1916 م - قيام الثورة العربيَّة الكبرى).
    د- تاريخ العرب المعاصر: (1916)، حتى الوقت الحاضر.
    بهذا التقسيم نكون قد ضممنا تاريخ العرب كله في نظرة وحدوية أصيلة، وبدأنا بانتزاعه من هيمنة الآخرين عليه وتحكمهم به.
    والخطوة الأخرى: هي تخليصه من (الإسرائيليات) التي تسربت إليه.
    فمن المعروف أنَّ
    (الإسرائيليات) تغلغلت في الفكر العربي مع ظهور الإسلام ودخول بعض اليهود
    فيه؛ فاستغلوا معرفتهم بالتوراة وما سردته من أحداث وقصص تبدأ منذ الخليقة
    حتى تاريخ كتابتها، لتفسير ما جاء موجزًا في القرآن الكريم من الإشارة إلى
    بعض القصص القديمة، عن كيفية خلق السموات والأرض، ثم عن كيفية خلق
    الإنسان، ثم عن تكاثره وتشعبه إلى أمم وقبائل... الخ.

    وأبرز الأشخاص الذين
    يعود إليهم أمر توفير المادة الإخبارية من (الإسرائيليات)، ومن عرب ما قبل
    الإسلام: كعب الأحبار، وعبيد بن شريَّة، ووهب بن منبه.

    فكعب
    الأحبار: هو كعب بن ماتع، كان قبل الإسلام من كبار علماء اليهود في اليمن،
    أدرك النبيَّ، ولم يسلم إلا في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في عهد عمر بن
    الخطاب؛
    فأخذ عنه الصحابة وغيرهم من المسلمين
    كثيرًا من أخبار الأمم الماضية، وأخذ هو عنهم علم القرآن والسُّنة، وبعد
    اغتيال عمر أشارت إليه أصابع الاتهام بالتحريض على قتله، فخرج إلى الشام
    وسكن حمص، وتوفي فيها عام (652 م) عن مائة وأربع سنوات.

    ويعدُ كعب الأحبار
    أول مَنْ روَّج بشكل كبير للإسرائيليات؛ ما دخل فكرها وتراثها، ونشره بين
    المسلمين، "وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس، وهذا يعلل
    ما في تفسيره من (إسرائيليات)، وأبو هريرة، ولم يؤثر عنه أنَّه ألف كما
    أُثر عن وهب بن منبه"(29) .

    ووهب
    بن منبِّه: يجيء من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وله
    أخبار كثيرة وقصص تتعلق بأخبار الأول، ومبدأ العالم، وقصص الأنبياء، وكان
    يقول: "قرأتُ من كتب الله اثنين وسبعين كتابًا"(30) وتوفي سنة (732 م)
    بصنعاء.

    أما عبيد بن شرية
    الجرهمي: فشخص شبه أسطوري، تروي المصادر أنه عمِّر بضعَ مئات من السنين،
    وكان في زمن معاوية، وأدرك النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يسمع منه
    شيئًا، وكان في عهد معاوية بن أبي سفيان يسكن الرقة، فأرسل إليه معاوية
    بمشورة عمرو بن العاص ليحدثه عن أخبار الأمم القديمة، وقد عاش عبيد إلى
    أيام عبد الملك بن مروان، وينسب إليه كتاب "الأمثال"(31) .

    وقد دخل على العرب المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثيرٌ، كان لهم فيهم أثر غير صالح.
    وعند كتابة تاريخ العرب القديم؛ يجب الإصرار على توضيح الأمور التالية:
    1-إن مفهوم لفظ
    العرب يشمل جميع الشعوب التي خرجت من الجزيرة العربية، وانساحت على شكل
    هجرات منذ الأكاديين والآشوريين في القرن الرابع قبل الميلاد، وحتى هجرتهم
    السادسة في منتصف القرن السابع الميلادي.

    2- إبراز المآثر
    التي قدمها العرب بهذا المفهوم إلى الحضارة الإنسانية؛ ففي جنوب غربي آسية
    ومصر قامت ديانات التوحيد، وعلى الشواطئ الشرقية للمتوسط أوجد الفينيقيون
    اللون الأحمر؛ الذي دفع اليونان إلى تسميتهم (فونيكس)؛ أي: (الأرجوان)،
    أما اسمهم الأصيل فهو: (كنعانيو الساحل)، وهم الذين قدموا للبشرية النعم
    الحضارية الثلاث: الكتابة، والأبجدية، والزجاج، والوصول إلى غرب المحيط
    الأطلسي غربًا وأوربة، وقد وصف (جاك بيرين) وصولهم إلى غربي أوربا بقوله:
    "إن اكتشاف الغرب من قبل الفينيقيين في القرن الحادي عشر ق. م؛ كان بداية
    عصر جديد في التاريخ القديم، كما كان اكتشاف أمريكا في نهاية القرن الخامس
    عشر الميلادي بداية العصور الحديثة في تاريخ أوربة"(32) .

    كما
    أنَّ الفينيقيين قاموا برحلة حول إفريقية في عهد نجاد الثاني (609 - 594
    ق.م)؛ فكانوا أوَّل مَنْ دار حول إفريقية من البشر، وسبقوا فاسكو دو غاما
    بـ(2000) سنة.

    وإذا كان
    الفينيقيُّون سادة البحر المتوسط في القرن السادس قبل الميلاد؛ فإن
    الآراميين نشروا لغتهم باعتبارها لغة رسمية في أرجاء إمبراطورية (داريوس
    الكبير 528 – 486 ق.م)، وأصبحت الآرامية حتى فتوحات الإسكندر اللغة
    المتداولة في إمبراطورية تمتد من الهند إلى الحبشة، وإن مثل هذا الفوز
    الذي حققته لغة لا تدعمها سلطة إمبراطورية من أهلها، ليس له مثيل في
    التاريخ، وقد تم ذلك بسبب نفوذهم التجاري في المنطقة.

    3- أن نرفض تسمية
    (الساميين)؛ لأنها دلالة على هيمنة الفكر اليهودي، ومظهر من مظاهر تسلطه،
    وقد عمدت وزارة التربية إلى تعديل كتب التاريخ في هذا الاتجاه، وذلك في
    التعديل الأخير للمناهج، وبقي أن تنتقل هذه المبادرة إلى المرحلة
    الجامعية؛ حتى لا يكون هناك تناقض بين ما يدرسه الطالب من التاريخ القديم
    في المرحلة الثانوية، وبين ما يدرسه بعد ذلك من التاريخ القديم في المرحلة
    الجامعية، وحتى لا تهدم وزارة التعليم العالي ما أسسته وزارة التربية.

    إن تاريخ العرب القديم - بهذه النظرة التي عرضناها - سلاح فكري هام في مقاومة إدعاءات الصهاينة، الذين يبنونها على نظرات (قبلية)،
    لم تؤيدها البحوث العلمية أو المكتشفات الأثرية، من نص موثوق أو أثر
    ملموس، والبعض يعمد إلى تزوير قراءاته للنصوص القديمة، وعندما ينشرها لا
    يشير إلى الرقم المتحفي للأثر أو الرقيم؛ حتى لا يأتي من يفضح كذبه ويصحح
    خطأه، ويردَّهُ إلى جادة الصواب، كما حدث لنصوص ورقم (ماري) مع (أندريه
    ياروا)، الذي نصب من نفسه وصيًّا عليها، فراح يفسرها وفق فكره التوراتي،
    وقد شعر بسوء عمله الكثير من العلماء الأوروبيين؛ فامتنعوا عن دعوته لحضور
    المؤتمرات الدولية لعدم الثقة به"[33].

    من كل ما مر بنا؛ ندرك الأهمية الفائقة لإيجاد جهاز مختص (بتاريخ العرب القديم)، يتقن أعضاؤه اللغات العربية القديمة،
    وتوضع على عواتقهم قراءة النصوص المكتشفة في بلادنا، ثم كتابة ذلك التاريخ
    استنادًا إليها، وبذلك نخلِّص تاريخنا من سيطرة الآخرين عليه وتحكمهم به،
    وهذه من أجلِّ الخدمات التي يمكن أن تقدم لهذا الوطن العربي الحبيب، ولهذه
    الأمة العربية الغالية.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الهوامش :
    - دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربيَّة، المجلَّد الرابع، مادة ( أمزيغ ) ، ص ( 411 ) .
    2 - المصدر نفسه.
    3 - روم لاندو: تاريخ المغرب، ترجمة الدكتور نقولا زيادة، ص 105.
    4- فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين: جـ (1)، ص 116.
    5 - جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، ص 159.
    6 - أحمد إبراهيم هبُّو، تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 33.
    7 - س مازونب: مجلة "أكلس" باللغة الفرنسية، عدد تشرين الثاني، 1977، ص 49.
    8 - حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، جـ (1)، ص 192.
    9- حتي ورقاق: تاريخ العرب (مطوَّل)، جـ (1)، ص 9.
    10 - د. أنيس فريحة: أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها، حاشية 49 من المقدمة.
    11 - د. عدنان البني: تدمر والتدمريون، ص 68.
    12 - قاموس الكتاب المقدس: ص 12.
    13 - روجيه غارودي: إسرائيل - الصهيونية السياسية، ترجمة اللواء جبرائيل بيطار، ص 77.
    14 - يشوع: 6، 20 - 21.
    15 - الحوليات الأثرية: المجلد الثالث والثلاثون، جـ (2)، تقرير السيد بيتر بار peterpar في اللغة الإنكليزية عن مشروع تل النبي مند (the tell nabi mand project )، ص 104.
    16 - روجيه غارودي: المصدر المذكور سابقًا، ص 77.
    17 - قضاة: 1/8.
    18 - ويل ديورانت: قصة الحضارة - الترجمة العربية، جـ (4)، ص 366.
    19 - جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، ص 163.
    20 - جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، ص 163.
    21 - صبح الأعشى، جـ (1)، ص 340 - 343.
    22 - د. أحمد إبراهيم أهبو: المدخل إلى اللغة السريانية وآدابها، حلب، بدون تاريخ، ص 22 - 25.
    23- حتي: تاريخ العرب (مطوَّل) - الترجمة العربيّة، جـ (1)، ص 14.
    24 - تاريخ اللغات الساميَّة، ص 7.
    25 - د. عيد مرعي: بعض الملاحظات حول اللغة الإملائية وقواعدها - (دراسات تاريخية) – العددان: (23 – 24)، ص 160.
    26 - تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، جـ (1)، ص 67.
    27 - تاريخ العرب (مطوَّل) - الترجمة العربية، جـ (1)، ص (43 – 45).
    28 - أحمد إبراهيم أهبو: تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 14، الحاشية رقم (1).
    29 - أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 160، 161.
    30 - أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 160، 161.
    31 - أحمد أمين: فجر الإسلام، ص 167.
    32 - gacquis piernne "les grands orients k flistene revivesselle ton 1p. 83
    33 - تشرين: العدد (4170)، تاريخ 9 / 5 / 1988 م، ص 3.
    مصادر البحث
    أ- العربية:
    1- دائرة المعارف الإسلامية: الترجمة العربية، المجلد الرابع، القاهرة، بدون تاريخ.
    2- روم لاندو: تاريخ المغرب، ترجمة الدكتور نقولا زيادة، دار الثقافة، بيروت، 1963 م.
    3-فيليب حتي: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، جـ (1)، ترجمة د. جورج حداد ورفاقه، دار الثقافة، بيروت، 1958 م.
    4- جواد علي: تاريخ العرب قبل الإسلام، جـ (1)، بغداد، 1950 م.
    5- د. أحمد إبراهيم أهبو: تاريخ العرب قبل الإسلام، ص 33، منشورات جامعة حلب، 1980 م.
    6- حتي ورفاقه: تاريخ العرب (مطوَّل)، جـ (1)، بيروت، 1949 م، دار الكشاف.
    7- د. أنيس فريحة: أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها، بيروت، 1956 م.
    8- د. عدنان البني: تدمر والتدمريون، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1978 م.
    9- قاموس الكتاب المقدس: منشورات مكتبة المشعل، بيروت، 1981 م، الطبعة السادسة.
    10- روجيه جارودي: إسرائيل - الصهيونية السياسية، ترجمة اللواء جبرائيل بيطار، دمشق، 1984 م.
    11-الكتاب المقدس: بيروت، جـ (11)، 1904 م.
    12- ويل ديورانت: قصة الحضارة - الترجمة العربية، جـ (2)، القاهرة، 1920 م، لجنة التأليف والترجمة والنشر.
    13- صبح الأعشى: أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي، القاهرة، 1963 م.
    14- د. أحمد إبراهيم أهبو: المدخل إلى اللغة السريانية وآدابها، قلعة حلب، بدون تاريخ.
    15-إسرائيل ولفنستون: تاريخ اللغات السامية، دار القلم، بيروت، 1980.
    16- دراسات تاريخية: العددان (23 - 24)، 1986 م.
    17- أحمد أمين: فجر الإسلام، القاهرة، 1945 م، مكتبة النهضة المصرية.
    18-صحيفة تشرين، العدد (4170)، تاريخ 9 / 5 / 1988 م، تحقيق حول الآثار في حلب، ص 3.
    ب- الأجنبية
    1-lauroosse encyclopedia of the earth: first edition، 1961، Paul Hamlyn .
    2- stefonia mazzami: ebla، emprire disfarar defuis، 5000 aus aujand for mbouri، atlas November، 1977.
    المصدر : موقع الألوكة

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:21


    وهل تزني الحرة ؟ !!







    كتب:





    22/ذو القعدة/1430 الموافق 10/11/2009





    بقلم الأستاذة : إيمان الوزير
    غبار حوافر الخيل تملأ المكان.. ووقع الحوافر يتأجج ما بين مضرم بنار ثأر
    وآخر متحفز للدفاع عن معقل الإسلام الجديد... والأرض تخبئ تحت ترابها
    قصصاً لبطولات عانقت أكف السماء... والتراب متوهج يستعد ليرتوي من دماء
    الشهداء.. إنها أحد.. إحدى معارك الإسلام ومعلمة الأجيال بأن كلمات القائد
    لا بد وأن تكون نقشاً يعتلي جباه الجنود لا رجعة فيه.
    بين صلال السيوف يطل وجه امرأة قرشية تعتلي هامة فرس تصول بين ذويها القادمين من براثن الوثنية الثملين على كأس الثأر صائحة..
    مشي القطا البوارق
    نمشي على النمارق
    نحن بنات طـــارق
    إن تقبلوا نعانق
    والدر في المخانق
    والمسك في المفارق
    أو تدبروا نفــارق
    فــراق غير وامق
    حتى إذا ما التحمت الجيوش صلصلت مجلجلة تطلب ثأر أبيها وأخيها وعمها فتقول:
    ويها بني عبد الدار
    ويها حماة الدار
    ضرباً بكل بتار
    حتى إن صوت صليلها ليضايق المسلمين فيراودهم الخاطر في قتلها لولا أن كرامة الإسلام تأبى قتل امرأة لم تحمل السيف إلا بلسانها فقط.
    لا بد وأنكم عرفتموها..إنها هند بنت عتبة بن ربيعة القرشية.. زوجة أبي سفيان وصاحبة أكبر ثأر وأعظم مصاب تحدثت عنه كتب التاريخ.
    حين تقابل المسلمون مع قوى الشرك في بدر كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله
    عنه يقدم للإسلام أعظم ضروب القوة والتحدي فقد استطاع في المبارزة التي
    سبقت التحام الجيشين في بدر أن يقتل عمها ويجهز على أبيها ثم أخيها لتستعر
    نيرات الثأر في قلبها على حمزة منذ تلك اللحظة.. فكان مصابها أوقع من خنجر
    مسموم في صدر امرأة عرفت بقوة شكيمتها التي فاقت بها بعض الرجال.. وإذا
    بالدمعة تتحجر في عينها فلا تدعها تخرج حتى لا يصل خبرها لمن أرادت أن
    تأخذ بثأرها منهم .. وحرمت على نفسها الطيب والقرب من فراش أبي سفيان حتى
    تثأر لقتلاها في بدر .. ولئن عزت دمعتها فإن لسانها وصف حالها حين قالت :
    أعيني جودا بدمع سرب ** على خير خندف لم ينقلب
    تداعى له رهطه غدوة ** بنو هاشم وبنــــــو المطلب
    يذيقونه حد أسيــــــــــــافهم ** يعُلّونه بعدما قد عطب
    يجرونه وعفير التراب ** على وجهه عاريا قد سُلب
    فكان يوم أحد هو يوم الثأر عند هند لتشفي به غليلاً جاش في صدرها وأضرم
    ناره عاماً كاملاً.. ترى هند بصيص أمل في تحقيقه في صورة (وحشي) ذاك العبد
    الحبشي الذي لم يخطئ رمحه الهدف قط فتمنيه بالفضة وعتق الرقاب قائلة :
    اليوم يومك أبا دسمة اشف واستشف.
    ليقتل وحشي حمزة غيلة بظلم ثأر استشرت نيرانه لتطعن في أسود الإسلام حقداً
    على ضراوتهم.. لكن ذلك لم يشف غليل هند وبؤس جاهليتها.. فنرى أنياب الثأر
    تطل من أعماقها لتلوك كبد حمزة وهو في عرف البشر ميت.. ثم تجدع أنفه وتقطع
    أذنيه في أبشع صورة عرفها الانتقام في فعل امرأة ثم تعلقهما أقراطاً
    وسلاسل تتزين بها بعد أن خلعت كل ما اعتلى قدّها من جواهر لتعطيها لوحشي.
    أي هند هذه.. والوحشية تعانق قلبها تمحو من خطواتها معالم الإنسانية..
    تقطع في طريقها أوصال الحنان والرأفة من قلب امرأة.. في سبيل الثأر الذي
    سيطر على العقل في شيطانية تعلن عن انتصار روح العصبية القبلية من قلوب
    أعراب رفضوا دعوة رجل منهم يقول : ربي الله !!! رغبة منهم في التمسك
    بخطوات الضلالة يقدمونها قرابين في معابد الشيطان.
    تلك هي الصورة الموحشة من حياة هند بن عتبة.. أقوى نساء العرب وأكثرهن شكيمة وشهرة على الإطلاق.
    وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علم أنها لاكت كبد حمزة على
    التوثق ممن شاهدوا فعلتها إن كانت بلعتها أم لا.. تحسباً من بلعها فيحرم
    الله جسدها بمضغة من كبد حمزة على النار.. يا لطهر قطعة من كبد حمزة حين
    يصعب على وثنية هند ابتلاعها.. فكيف للباطل أن يبتلع الحق.. وهل يقوى
    الشيطان على هضم نور من أنوار الله !!! لتظل هذه الصفحة نقطة سوداء تشوه
    حياة امرأة من أشرف بيوت العرب.
    وهذا الأمر يدفعنا للتساؤل : هل لو كانت هند بنت عتبة مع المسلمين وعدوها
    الذي لاكت كبده من المشركين أكانت تفعل ذلك ؟؟ بالطبع لا فالإسلام يهذب
    الأخلاق ويزرع رياحين الخير في طباع أهله .. يقضي عبر أنواره على تعطشهم
    للدماء إلا ما كان دفاعاً عن دين الله وفي سبيل مرضاته.. وأيم الله لو أن
    نساء المسلمين قاطبة أمسكن بوحش معاصر كالصهيوني المتغطرس شارون الذي
    يرتوي كل صباح من دماء الشعب الفلسطيني لما فعلن به هذه الفعلة لأن
    إنسانيتنا كمسلمين أقوى من مطالب التشفي بالثأر إلا في غمار الخطوب.
    وبعد أعوام على هذه الواقعة يفتح الله على المسلمين مكة.. ليعلو صوت الحق
    ممتشقاً عنان السماء محطماً لمعقل الوثنية الأول في جزيرة العرب.. معلناً
    عن عودة الإسلام إلى رحاب مهبط الوحي فترتعد هند من ذكرياتها الدامية..
    ترتجف من إهدار النبي صلى الله عليه وسلم لدمها اعترافاً منها بخطأ لحق
    بها جراء وحشية أثقلت كاهلها حتى أخذت بثأرها .. وكأن الاعتراف بالخطأ بات
    حملاً ثقيلاً يستوجب معه الصفح والغفران من صاحبه .. فخرجت مع نساء مكة
    لتلتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تنقبت بنقاب يغطي وجهها حتى لا
    يعرفها أحد .. فلما دنت منه عليه السلام قالت له : يا رسول الله الحمد لله
    الذي أظهر هذا الدين الذي اختاره لنفسه.. لتنفعني رحمتك يا محمد.. إني
    امرأة مؤمنة بالله مصدقة لرسوله.. أنا هند بنت عتبة، فقال لها النبي عليه
    الصلاة والسلام : مرحبا بك ... لتنزل كلمات الترحيب على قلبها كغيث عذب
    يغسل في طريقه كل ضباب الجاهلية وأوحالها، فترد عليه قائلة : ( والله ما
    كان على الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلوا من خبائك .. ولقد أصبحت وما
    على الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يعزوا من خبائك).
    ثم بدأت بيعة الرسول الكريم لنساء مكة وهند فيهن.. فيخاطبهن النبي صلى
    الله عليه وسلم كعادته في بيعة النساء (تبايعنني على ألا تشركن بالله
    شيئاً) ، فقالت هند بفطنة المرأة حين سمعت ببيعة النبي للرجال من قريش :
    وإنك والله لتأخذ علينا ما لم تأخذه على الرجال فسنؤتيكه. فقال النبي عليه
    السلام : (ولا تسرقن) ، فردت عليه معترفة بخطئها حين كانت تأخذ من مال أبي
    سفيان شيئاً لنفسها دون علمه قائلة : والله إني كنت لأصيبن من مال أبي
    سفيان الهنة والهنة. فقال أبو سفيان وكان حاضراً : أما ما مضى فأنت منه
    حل.
    ثم أكمل نبي الله عليه الصلاة والسلام : (ولا تزنين) ، فردت هند بروح
    المرأة الصادقة الأبية (وهل تزني الحرة ؟!).. ليردف النبي صلى الله عليه
    وسلم قائلاً : ( ولا تأتين ببهتان تفترينه من بين أيديكن ولا أرجلكن)،
    فتقول هند : إنه لعمل قبيح !! كلمات عابرة مرت عبر غياهب التاريخ دون أن
    يتلمس حروفها أحد.. صاحبتها امرأة قوية الشكيمة لاكت كبد حمزة بن عبد
    المطلب وجدعت أنفه وقطعت أذنه.. اليوم تستهجن عبر حروفها قائلة : ( أو
    تزني الحرة ) .. تأنف باستنكار واضح رذيلة تعافها المرأة في جاهليتها وحتى
    يوم أباحت مضغ أكباد الرجال وأباحت لنفسها السجود للأصنام !! لنقف هنا
    وقفة مع المرأة الحرية حين تعاف الرذيلة وتبغضها قبل أن تعتنق الإسلام ،
    وتصفها بالقبح والإسلام بعد حديث عهد في قلبها لم يبلغ بها مبلغ
    السابقين.. فهل يعني هذا أن العفة تسكن قلب المرأة الحرة بغض النظر عن
    دينها ؟ وأن دماثة الخلق يمكن أن تأنس لقلوب لم يسكنها الإيمان بالله بعد
    ؟
    نعم .. وهند أصدق دليل !!!
    فكيف بنا نحن المجتمع المسلم وهذه الرذيلة تنهش في أعراضنا وتستشري نارها
    في ديارنا.. حين تغرق بعض النساء من مجتمعاتنا في خصلة هي قبيحة في
    الجاهلية فكيف بها في الإسلام.. يعلق البعض السقوط بها على شماعة الفقر
    والظروف !!! ألا يحق لنا الآن أن نطالب بحرية نسمو بها بفضائلنا قبل أن
    نسجد لخالقنا ونصلي لبارئنا !!!
    وهذه الخصلة الدنيئة تأنف منها الأحرار النساء الجاهليات ، وصدق لسان
    العرب حين قال : (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) ، فكيف بنا ونحن نعيش في
    ظل مجتمعاتنا المسلمة التي ولدنا وتربينا في أحضانها.
    هاتان صورتان للمرأة الصلبة التي دقت طبول الثأر تتحدى بها الصعاب رغم
    الأخطار الأبية التي تأنف القبح الذي لا يتفق مع الفطرة والأعراف .. ولنا
    من مواقف النساء عبرة لمن أرادت أن تعتبر.
    مجلة المنار ، العدد 67 ، صفحة 50

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:22


    في العهد القديم (الله يتعب ويجهل ويندم ويأكل ويصارع!! )







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009




    بقلم / الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ .

    هل يمكن أن يتعب الله، وأن يأخذه الإعياء بعد عمل ما ؟!!

    القرآن
    الكريم يجب على هذا السؤال: “ أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض
    ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى ؟ بلى إنه على كل شيء قدير “
    (الأحقاف: 33) ومن البدائة أن يكون الخلاق الكبير فوق الإجهاد، وذهاب
    القوة: “ وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم “
    (البقرة: 255) .


    ولذلك
    يقول مثبتاً هذه الحقيقة : “ ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة
    أيام وما مسنا من لغوب” (ق: 38) لكن العهد القديم يذهب غير المذهب، ويصف
    الله فيقول:“ وفرغ الله في اليوم السادس من عمله فاستراح في اليوم السابع
    من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع
    عمله الذي عمل الله خالقاً “ (سفر التكوين: الإصحاح الثاني) ودعك من
    الركاكة التي صيغت بها هذه العبارات، فقد يكون المترجم هابط الأسلوب في
    التعبير عن معنى ما، لكنك لا تستطيع أن تفهم معنى آخر من هذا الكلام إلا
    أن الله “ استراح “ من جميع أعماله في اليوم السابع، هذه الأعمال التي
    أداها بوصفه خالقاً .


    واليهود
    يحرمون العمل يوم السبت، ويقدسونه، وجاء في التوراة أن موسى أمر بأن يقتل
    رجماً أحد الحطابين الذين أبوا إلا الكدح في هذا اليوم ! كيف جرى الحديث
    عن الله بهذه الكلمات ؟ لعلها غلطة ناقل ، لكن الحديث عن عجز الله تبعه
    حديث آخر عن جهله !!.


    واسمع
    إلى وصف العهد القديم لآدم وزوجه بعدما أكلا من الشجرة: “ وسمعا صوت الرب
    الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه
    الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم ، وقال له: أين أنت ؟
    فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت . فقال: من أعلمك أنك
    عريان، هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟ .. “ (سفر
    التكوين: الإصحاح الثالث) .


    ما
    هذا ؟ كان الإله يتمشى في الجنة خالي البال مما حدث، ثم تكشفت له الأمور
    شيئاً فشيئاً، فعرف أن آدم خالف عهده، وأكل من الشجرة المحرمة !


    تصوير ساذج يبدو فيه رب العالمين وكأنه فلاح وقع في حقله ما لم ينتظر !

    ما
    أبعد الشقة بين هذا التصوير وبين وصف الله لنفسه في القرآن العظيم: “ ولقد
    خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد “
    (ق: 16) “ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا
    كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه “ (يونس: 61)


    وقد أعقب هذا “ الجهل الإلهي “ قلق غريب، فإن الله يبدو وكأن ملكه مهدد بهذا التمرد الآدمي .

    لقد
    أكل آدم من الشجرة ـ شجرة المعرفة ـ وارتفع بهذا العصيان إلى مصاف الآلهة
    فقد أدرك الخير والشر، وكان الرب عندما خلقه حريصاً على بقائه جاهلاً بهما
    .


    ومن يدري ربما ازداد تمرده ، وأكل من شجرة الخلد وظفر بالخلود، إنه عندئذ سوف ينازع الله حقه، إذن فليطرد قبل استفحال أمره .

    جاء
    في العهد القديم:“ وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا
    عارفاً الخير والشر، والآن لعله يمد يده ، ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً،
    ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي
    أخذ منها، وطرد الإنسان وأقام شرقي جنة عدن الكروييم ، ولهيب سيف متقلب
    لحراسة طريق شجرة الحياة “ (التكوين: الإصحاح الثالث) .


    لكن
    سيرة آدم وأبنائه على ظهر الأرض لم تكن مرضية لله ، إن منهجه في الحياة ضل
    بالآثام والمتاعب، ولم يكن الله حين خلقه يعرف أنه سيكون شريراً إلى هذا
    الحد، لقد فوجئ بما وقع ، ومن أجل ذلك حزن الرب ، وتأسف في قلبه أن خلق
    آدم وأبناء آدم ..


    قال
    العهد القديم:“ فحزن الرب أنه عمل الإنسان، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما
    هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان الذي خلقته، .. الإنسان مع
    بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أنى عملتهم..“ (التكوين: الإصحاح
    السادس) ..


    الحق
    أنني أدهش كل الدهشة للطفولة الغريرة التي تضح من هذا الحديث الخرافي عن
    الله جل جلاله ، إن الإله في هذه السياقات الصبيانية كائن قاصر .. متقلب
    .. ضعيف .


    وما أشك في أن مؤلف هذه السطور كان سجين تصورات وثنية عن حقيقة الألوهية ، وما ينبغي لها ..

    وأول ما نستبعده حين نقرأ هذه العبارات أن تكون وحياً، أو شبه وحى ..

    ومع
    ذلك فإن اليهود والنصارى يقدسون ذلك الكلام، ويقول أحد القساوسة: “ الكتاب
    المقدس ـ يعنى العهدين معاً ـ هو صوت الجالس على العرش، كل سفر من أسفاره
    أو إصحاح من إصحاحاته أو آية من آياته هو حديث نطق به الكائن الأعلى ! “ .


    والمرء
    لا يسعه إلا أن يستغرق في الضحك وهو يسمع هذا الكلام ! إنه إله أبله هذا
    الذي ينزل وحياً يصف فيه نفسه بالجهل والضعف والطيش والندم ، ونحن ـ
    المسلمين ـ نعتقد أن الكتاب النازل على موسى بريء من هذا اللغو، أما
    التوراة الحالية فهي تأليف بشرى سيطرت عليه أمور ثلاثة:


    الأول: وصف الله بما لا ينبغي أن يوصف به ، وإسقاط صورة ذهنية معتلة على ذاته “ سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً “ .

    الثاني:
    إبراز بني إسرائيل وكأنهم محور العالم، وأكسير الحياة، وغاية الوجود ..
    فهم الشعب المختار للسيادة والقيادة ، لا يجوز أن ينازعوا في ذلك .


    الثالث: تحقير الأمم الأخرى، وإرخاص حقوقها، وإلحاق أشنع الأوصاف بها وبأنبيائها وقادتها .

    وقد تتخلل هذه الأمور بقايا من الوحي الصادق، والتوجيهات المبرأة، بيد أن الأسفار الشائعة الآن تغلب عليها الصبغة التي لاحظناها .

    وها نحن أولاء نسوق الأدلة على ما قلنا مكتفين بالشواهد من سفر التكوين وحده، لأن الانتقال إلى غيره يطيل حبل الحديث .

    في
    هذا السفر أعلن الله ندمه على إغراق الأرض بالطوفان ، وقال لنوح: لن أرتكب
    هذه الفعلة مرة أخرى ! وسأضع علامة تذكرني بذلك حتى لا أعاود إهلاك الحياة
    والأحياء ، وهاك النص:“ وكلم الله نوحاً وبينه معه قائلاً: .. أقيم ميثاقى
    معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان، ولا يكون أيضاً طوفان
    ليخرب الأرض، وقال الله: هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم
    وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر، وضعت قوسي في
    السحاب ، فتتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض، فيكون متى أنشر سحاباً على
    الأرض ، وتظهر القوس في السحاب .. فمتى كان القوس في السحاب أبصرها ،
    لأذكر ميثاقاً أبدياً بين الله وبين كل نفس حية في كل جسد على الأرض .. “
    (الإصحاح التاسع من سفر التكوين).


    هذا
    هو التفسير لقوس قزح، وتحلل اللون الأبيض إلى عناصره المعروفة بألوان
    الطيف، كما شرح ذلك علماء الطبيعة .. قوس قزح هي قوس الله يبرزها في الأفق
    إشارة إلى العهد الذي أخذه على نفسه كي لا يغرق الأرض مرة أخرى، إنه يرى
    هذه القوس فيتذكر، حتى لا يتورط في طوفان آخر !!..


    ورأيي
    أن الطوفان القديم كان عقوبة لقوم نوح وحدهم، وأنه ليس غرقاً استوعب سكان
    القارات الخمس ، فما ذنب هؤلاء المساكين ونوح رسالته محلية لا عالمية،
    اللهم إلا إذا كان المعمور يومئذ من هذا الكوكب ديار نوح وحسب .


    وأياً
    ما كان الأمر، فإن وصف الله بالضيق لما ارتكب من إغراق الأرض، وتعهده ألا
    يفعل ذلك، أمر يليق بالخلق لا بالخالق .. بالناس لا برب الناس .


    على
    أن هذه القصة أيسر من دعوة الله إلى ضيافة نبيه إبراهيم، لقد قدم الله في
    شكل رجل مع اثنين من ملائكته، وأقام لهم إبراهيم وليمة دسمة، فأكلوا منها
    جميعاً !! .


    وكان
    إبراهيم حريصاً على إحراز هذا الشرف، شرف أن يأكل الله في بيته، فلما لبى
    الله الدعوة أسرع الرجل الكريم في إعداد مائدة مناسبة ! وهاك القصة كما
    رواها سفر التكوين:“ وظهر له الرب .. ونظر وإذا ثلاثة رجال .. وقال: يا
    سيد (يقصد الله) إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك .. فأسرع
    إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: اعجني واصنعي خبز ملة، ثم ركض إبراهيم
    إلى البقر ، وأخذ عجلاً رخصاً وحيداً ، وأعطاه للغلام ، فأسرع ليعمله ثم
    أخذ زبداً ولبناً والعجل الذي عمله ، ووضعها قدامهم ، وإذا كان هو واقفاً
    لديهم تحت الشجرة أكلوا، وقالوا له: .. ويكون لسارة امرأتك ابن .. فضحكت
    سارة في باطنها قائلة: بعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ ! فقال الرب
    لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة .. ؟ هل يستحيل على الرب شيء ؟ “ (الإصحاح
    الثامن عشر من سفر التكوين) .


    ونتجاوز
    هذه المائدة الدسمة التي أكل منها الرب وملائكته، لنقف بإزاء قصة أخرى من
    أغرب وأفجر ما اختلق الروائيون !!القصة الجديدة تحكي مصارعة بين “ الله “
    وعبده “ يعقوب “ !.. وهذه المصارعة دامت ليلاً طويلاً، وكاد يعقوب يفوز
    فيها لولا أن الطرف الآخر في

    المصارعة
    ـ وهو الله !! ـ لجأ إلى حيلة غير رياضية هزم بعدها يعقوب ! ومع ذلك فإن
    يعقوب تشبث بالله ، وأبى أن يطلقه حتى نال منه لقب “ إسرائيل “ !!.


    ومنحه الله هذا “ اللقب الفخري “ ثم تركه ليصعد إلى العرش ، ويدير أمر السماء والأرض، بعد تلك المصارعة الرهيبة !!.

    أي سخف هذا، وأي هزل ؟؟

    أي عقل مريض أوحى بهذا القصص السفيه ؟؟

    ولكن
    اليهود يريدون أن يرفعوا مكانة جدهم الأعلى، ولا عليهم أن يختلقوا ما
    يستغربه الخيال، وهاك القصة بأحرفها من سفر التكوين:“ فبقي يعقوب وحده ،
    وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه
    ، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطلقني ! .. فقال: لا أطلقك
    إن لم تباركنى ! فقال له: ما اسمك ؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك في
    ما بعد يعقوب بل إسرائيل .. وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك ، فقال: لماذا تسأل عن اسمي ؟ وباركه هناك .


    فدعا يعقوب اسم المكان “ فينيئل “ قائلاً: لأني نظرت الله وجهاً لوجه ونجيت نفسى ..

    لذلك
    لا يأكل بنو إسرائيل “ عرق النسا “ الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم لأنه
    (الله) ضرب حق فخذ يعقوب على عرق النساء !! “ (سفر التكوين الإصحاح: 32) .


    .. نعم تخليداً لذكرى هذه المصارعة نشأ حكم فقهي بتحريم العمل يوم الراحة الإلهية .

    وكم يفخر اليهود إذ كان أبوهم بهذه المثابة من القوة التي عاجزت الإله، وكادت توقع به الهزيمة !!. ..

    المصدر : كتاب قذائف الحق

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:24


    في ظلال الجوار







    كتب:





    22/ذو القعدة/1430 الموافق 10/11/2009





    هددت
    قريش أبا طالب بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت الطرف الذي بدأ
    فلوح بالدماء , فأبى أبو طالب إلا أن يضعها في إطار حجمها حريصا عليها ـ
    في الوقت نفسه ـ أن تهتز مكانتها بين العرب , فأعلن عن مواجهتها في أسرع
    خاصية إعلامية في هذا الوقت , فأنشد " لاميته " التي أخبرهم فيها كما أخبر
    غيرهم أنه لن يُسقِط جواره عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا هو
    بتاركه لشيء حتى يهلك دونه , وإنه ليعلم أن قريشا ـ على قوتها الفائقة ـ
    أعجز ما تكون عن حربه لأمور عدة .


    فليس بطن من بطون
    قريش ـ إلا ولرسول الله نسب يتصل بهم ؛ وذلك وحده مانع زعماء الوثنية على
    ما أوتوا من قوة وعصبية وكفر ومقت أن يجمعوا قريشا لحرب قريش .


    كذلك فإن حرب بني
    هاشم وبني عبد المطلب لا تقره المشيخة من قريش ؛ فإنها لا تقر حربا بينها
    وبين غيرها من القبائل , وتلك سياسة استقر كيانها منذ حرب " الاستقلال
    التي قام بها ـ في مشارف القرن الرابع الميلادي ـ الجد الرابع لرسول الله
    ـ قصي بن حكيم حين قهر خزاعة وطردها من مكة , فاستقام لقريش أمر مكة ـ
    وحرصت من يومئذ على بقاء وحدتها القومية , وصيانة البلد الحرام , فهم
    الخُلّص من أبناء إسماعيل بن إبراهيم عليهما ونبينا أفضل الصلاة والسلام ,
    وهم أولى الناس بحفظه , وأشدهم غيرة عليه , وضننا به , وترحيبا وإكراما
    لزائريه , وعرفت لهم العرب هذا الحياد , وأقرتهم عليه , وحرب كتلك التي
    هدد بها بعض زعمائهم كفيلة بإبادة ما حرصوا عليه .


    وماذا بعد قتال
    الأجداد للأحفاد والآباء للأبناء إلا ما تنوء به قيم الشرف والعرض , إلا
    بقاء اليتامى ودموع المثكلات , وضياع الوحدة , واستباحة البلد الحرام ؟!.


    وإشارة أبي طالب إلى
    هذا المعنى واضحة جدا , حيث يقول بعد جزمه بعدم تسليم محمد صلى الله عليه
    وسلم لهم إلا بعد أن تأتي الحرب عليه , وعلى قومه من بني هاشم وبني المطلب
    :


    وينهض قوم بالحديد إليكم نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

    ثم كان هناك إلى ما تقدم من أسلم خفية في تلك البطون , ونجح في كتمان إسلامه , وذب عن الإسلام ما استطاع .

    لقد كانت الحرب بكل
    المقاييس ممتنعة شكلا وموضوعا , استبان لقريش عجزها , وسكن أساطينها ؛
    ترقبا للأحداث إلا أبا جهل , فقد ناء بهذه النتيجة , وفقد معها رؤية
    البصيرة , وهانت عليه تقاليد الشرف , واحترام الجوار , فأبى إلا أن يخفر
    أبا طالب جواره , ولعلمه مسبقا أن أحدا من أشراف قومه لن يعضده , رضي أن
    يتحملها وحده , فقال في نادي قومه في ثورة تعكس إحباطه , وتكشف عن حنقه :
    " يا معشر قريش , إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا , وشتم آبائنا ([1]) وتسفيه
    أحلامنا , وسب آلهتنا , إني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر؛ فإذا سجد في
    صلاته فضخت به رأسه , فليصنع ـ بعد ذلك ـ بنو عبد مناف ما بدا لهم " .


    لكنه في اليوم
    التالي عاد يحمل حجره مرعوبا قد يبست عليه يداه , ممتقعنا لونه مرتجفا
    فؤاده , يقول :" لما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل , والله ما رأيت هامته
    , ولا قصرته ( عنقه ) , ولا أنيابه لفحل قط , فهمّ أن يأكلني " وذكر الخبر
    لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : " ذلك جبريل , ولو دنا منه لأخذه
    " وهكذا عصم الله نبيه , ومضى الجوار .


    وإذا لم تكن الحرب
    ممكنة , وكان الإجماع عليها مستحيلا , فقد تشاورت قريش فيما بينها لإسقاط
    الجوار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفض قومه من بني هاشم والمطلب عنه
    عليه الصلاة والسلام , فأجمعت أمرها على مقاطعة البطنين , وقبل تلك
    المقاطعة ـ على غضاضة ـ سادة قريش منهم : أبو البختري بن هشام بن الحارث
    بن أسد , والمطعم بن عدي, وزهير بن أبي أمية بن المغيرة , وزمعة بن الأسود
    , وهشام بن عمرو .


    قال ابن كثير : "
    فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأجمعوا
    على ذلك , اجتمع المشركون من قريش فاجمعوا أمرهم : ألا يجالسوهم , ولا
    يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل , وكتبوا في
    مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق : لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا , ولا
    تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل " .


    وفي رواية الإمام
    البيهقي بسنده إلى محمد بن إسحاق : " لما مضى رسول الله صلى الله عليه
    وسلم على الذي بعث به , وقامت بنو هاشم وبنو عبد المطلب دونه ... وعرفت
    قريش ألا سبيل إلى محمد اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم
    وبني المطلب : ألا يناكحوهم , ولا ينكحوا إليهم , وألا يبايعوهم ولا
    يبتاعوا منهم , وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة " , فكان ذلك منهم
    حلفا على بني أبيهم أبناء هاشم والمطلب , وسعيا لفرض القوة ـ لأول مرة ـ
    لإسقاط جوار .


    قال ابن كثير " يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    تقبل أبو طالب حلفهم
    هذا بشموخ عزيز , وإباء رفيع , بل ورماهم بأبيات تزن ما فيهم من نقيصة ,
    وتطرح مكنون ما انطوت عليه صدورهم , إذ لم ينالوا ما يبغونه من رسول الله
    متعاليا عليهم برفعته عن دنس ما يفعلون مهددا من حدثته نفسه أن ينال بطنيه
    بأذى , قال :


    ولما رأيت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل

    وقد حالفوا قوما علينا أظنة يعضون غيظا خلفنا بالأنامل

    صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة وأبيض عضب من تراث المقاول

    وقامت المقاطعة
    واستمرت وأوى البطنان إلى شعبهم ثلاث سنوات, واشتد عليهم البلاء والجهد ,
    فقد قطعوا عنهم الأسواق , ولم يتركوا طعاما يقدم مكة إلا بادروا إليه
    فاشتروه , حتى لا يقع منه شيء بأيدي بني هاشم وبني المطلب , وبلغت بهم
    الفتنة الجهد الشديد , حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشِعب
    من شدة الجوع , لا يصل إليهم شيء إلا سرا , مستخفيا به من أراد صلتهم من
    قريش مثل " حكيم بن حزام " رضي الله عنه .


    ولم يُسقط أبو طالب , ولا قومه جوارهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسلموه , ومضت المقاطعة " .

    فلما كان رأس ثلاث
    سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي , ورجال من سواهم من قريش قد
    ولدتهم نساء من بني هاشم , ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم , واستخفوا بالحق "
    وأعلن صلى الله عليه وسلم انقراض الصحيفة إلا عن اسمه عز وجل وضاقت مروءة
    الممتعضين منها , واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض تلك الصحيفة والبراءة
    مما فيها من غدر وسفه , وبنقضها انتهى الحصار , واسئأنف بنو هاشم والمطلب
    حياة طبيعية .


    ولا يحسبن أحد أن
    تلك الأحداث دفعت برسول الله إلى مهادنة القوم , أو نهنهت من أمر الدعوة ,
    فقد استمر عليه الصلاة والسلام في تردده على البيت والصلاة فيه على مرأى
    منهم ومسمع .


    وقد ازداد حماسا في
    الدعوة ؛ لما وقر في قلبه من حب لقومه , ورغبة في نجاتهم , وبرا بهم ؛
    ليكونوا أسبق الناس إلى نشرها في العالمين , حتى إنه ليدعو أبا جهل نفسه
    إلى التوحيد في تلك الظروف العصيبة .


    روى الإمام البيهقي
    رضي الله عنه أن رسول الله مر بأبي جهل يمشي يصحبه المغيرة بن شعبة , "
    فقال له : يا أبا الحكم , هلم إلى الله وإلى رسوله , أدعوك إلى الله .
    فقال أبو جهل : يا محمد , هل أنت منته عن سب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد
    أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت , فوالله لو أني أعلم ما تقول حق
    لاتبعتك " .


    كان الجوار يقمع
    بشدة غيظ قوم أن يُحول سوط عذاب , تشقى به أجساد المسلمين , وتشفى به صدور
    الوثنيين , وكان من توفيق المولى عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم إذنه
    لأصحابه ـ إذ أنذرت الحوادث بالمقاطعة ـ أن يهاجروا إلى الحبشة , فذهبوا
    إليها أرسالا , وتعقبتهم حكومة مكة ببعث إلى النجاشي , مؤملين أن يعود بهم
    , فلم تظفر سفارتهم إليه بشيء .


    وبينما كان رسول
    الله بالبيت الحرام , أنزل عليه سورة " النجم " فلم يلبث أن أخذ في
    تلاوتها , وارتفع بها صوته الشريف صلى الله عليه وسلم وهي غضة عن الله غزو
    وجل , فإذا من بالبيت يشرئبون إليه , ساكني الجوارح , صامتين , قد أخذتهم
    روعة الآيات , وحسن الأداء , فانزاح إلى مدى عن قلوبهم حمقها , وانزجر عن
    نفوسهم عنادها .


    فلما أشرفت الآيات
    على النهاية , وجاء قوله تعالى في ختامها : "فبأي آلاء ربك تتمارى , هذا
    نذير من النذر الأولى , أزفت الآزفة , ليس لها من دون الله كاشفة , أفمن
    هذا الحديث تعجبون , وتضحكون ولا تبكون , وأنتم سامدون , فاسجدوا لله
    واعبدوا" سجد القوم لربهم مذعنين , وسرت شائعة قوية أن أهل مكة قد آمنوا
    وصلّوا .


    وكانت الشائعة من
    القوم حتى إنها طرقت آذان مهاجري الحبشة , فمال ـ إلى تصديقها ـ بضعة
    وثلاثون منهم , وأسرعوا بالعودة إلى أرض الوطن بعد نحو ثلاثة أشهر من
    رحيلهم , وفوجئ القادمون بخلاف ما يتوقعون , فلا قريش أذعنت لبارئها , ولا
    هي صلت لخالقها ؛ بل ازدادت عتوا واستكبارا , ورأت في رجوع تلك الفئة
    غنيمة باردة , فاعتقلوا منهم من سبقوا إليه , ولاذ المستطيعون بالفرار إلى
    الحبشة في هجرة ثانية , ولم يتمكن من الدخول سالما إلا من وجد له مجيرا .


    فدخل أبو سلمة : عبد
    الله بن عبد الأسد المخزومي في جوار أبي طالب , فقد كان أبو سلمة ابن أخته
    برة بنت عبد المطلب , وضاقت بذلك بنو مخزوم , فمشى رجال منهم إلى أبي طالب
    , فقالوا : يا أبا طالب ها أنت ذا منعت منا ابن أخيك محمدا , فمالك
    ولصاحبنا تمنعه منا ؟ قال : إنه استجار بي , وهو ابن أختي , وإن أنا لم
    أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي . وأجار الوليد بن المغيرة عثمان بن مظعون
    رضي الله عنه , وهكذا .


    واشتد الأذى على
    المسلمين حتى تطاول إلى السادة منهم , كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما
    واجتمعوا على عمر رضي الله عنه وكان من القوة بحيث يدفعهم حتى تكاثروا
    عليه . روى ابن إسحاق بسند جيد قوي إلى ابن عمر قال : وثاروا عليه , فما
    برح يقاتلهم ويقاتلونه , حتى قامت الشمس على رؤوسهم , قال : وطلح ( تعب )
    فقعد وقاموا على رأسه , وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم , فأحلف بالله أن لو
    قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا .


    فينما هم على ذلك إذ
    أقبل شيخ من قريش عليه حُّلة حَبِرة ( العباءة الحريرية الموشاة المزخرفة
    ) , وقميص موشى حتى وقف عليه , فقال : ما شأنكم ؟ فقالوا : صبأ عمر . قال
    : فمه , رجل اختار لنفسه أمرا , فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي يسلمون لكم
    صاحبكم هكذا ؟! خلوا عن الرجل , قال : فوالله لكانما كانوا كثوب كشط عنه ,
    قال : فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة : يا أبت من الرجل الذي زجر
    القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟ قال : ذاك , أي بني العاص بن
    وائل السهمي ".


    هكذا أجار العاص عمر , وكان بينه وبني عدي قوم عمر حِلف , وقال لعمر : لا سبيل إليك فأنا لك جار , فأمن عمر .

    وتلت سنوات المقاطعة
    الثلاث , ثلاث سنوات أشد منها عسرة على رسول الله وحده : ماتت السيدة
    خديجة أولى أمهات المؤمنين رضي الله عنها , ومات أبو طالب . وضاع أنس
    البيت , وأمن الطريق , صحيح أن قد كان بمكة مؤمنون يعذبون , لكن كانت لهم
    فسحة من الهجرة حيث يشاءون , حين يتمكنون من خلاص سريع .


    فقد أذن لهم رسول
    الله بذلك , وعلى مدى هذه السنوات فر معظمهم , لم يبق إلا أفراد معدودون ,
    لكن كان على رسول الله أن يبقى ! فلم يؤذن له بعد بالهجرة , ومات المجير !
    وتكأكأ على رسول الله حقد السنين , ونالت قريش من رسول الله أذى لم تكن
    تطمع أن تفعله في حياة أبي طالب , حتى اجترأ عليه سفهاء قريش .


    آذوه في الشارع ,
    والبيت الحرام , وخُص عمه أبو لهب , والحكم بن أبي العاص بن أمية , وعقبة
    بن أبي معيط , وعدي بن الحمراء , وابن الأصداء الهذلي بأذيته في بيته .


    فلم يعد لرسول الله
    مكان يخلو من أذى , قال عليه الصلاة والسلام :" ما نالت مني قريش شيئا
    أكرهه حتى مات أبو طالب " وفي رواية : ما زالت قريش كاعين ( جبناء ) حتى
    مات أبو طالب , لقد كان أبو طالب يصد الناس عن أذيته عليه الصلاة والسلام
    وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال .


    ومع ذلك بقي رسول الله ليحقق في هذه الظروف أعظم نصر على قريش قبل أن يولي وجهه شطر المدينة.



    المصدر : مجلة الأزهر المصرية , العدد 60 , الجزء الخامس , جمادى الأولى سنة 1407هـ



    ([1])
    فأما الشتم للآباء فما كان من رسول الله , كيف وقد منع عليه الصلاة
    والسلام حين عز الإسلام أن يتناولوا الآباء بذكر سيئاتهم ؛ لما في ذلك
    من إساءة للأحياء من أبنائهم ؟! وإنما ذلك من أبي جهل تحريض للقوم
    واستثارة لعصبيتهم .

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:25


    في العهد القديم (الله يتعب ويجهل ويندم ويأكل ويصارع!! )







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009




    بقلم / الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ .

    هل يمكن أن يتعب الله، وأن يأخذه الإعياء بعد عمل ما ؟!!

    القرآن
    الكريم يجب على هذا السؤال: “ أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض
    ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى ؟ بلى إنه على كل شيء قدير “
    (الأحقاف: 33) ومن البدائة أن يكون الخلاق الكبير فوق الإجهاد، وذهاب
    القوة: “ وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم “
    (البقرة: 255) .


    ولذلك
    يقول مثبتاً هذه الحقيقة : “ ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة
    أيام وما مسنا من لغوب” (ق: 38) لكن العهد القديم يذهب غير المذهب، ويصف
    الله فيقول:“ وفرغ الله في اليوم السادس من عمله فاستراح في اليوم السابع
    من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع
    عمله الذي عمل الله خالقاً “ (سفر التكوين: الإصحاح الثاني) ودعك من
    الركاكة التي صيغت بها هذه العبارات، فقد يكون المترجم هابط الأسلوب في
    التعبير عن معنى ما، لكنك لا تستطيع أن تفهم معنى آخر من هذا الكلام إلا
    أن الله “ استراح “ من جميع أعماله في اليوم السابع، هذه الأعمال التي
    أداها بوصفه خالقاً .


    واليهود
    يحرمون العمل يوم السبت، ويقدسونه، وجاء في التوراة أن موسى أمر بأن يقتل
    رجماً أحد الحطابين الذين أبوا إلا الكدح في هذا اليوم ! كيف جرى الحديث
    عن الله بهذه الكلمات ؟ لعلها غلطة ناقل ، لكن الحديث عن عجز الله تبعه
    حديث آخر عن جهله !!.


    واسمع
    إلى وصف العهد القديم لآدم وزوجه بعدما أكلا من الشجرة: “ وسمعا صوت الرب
    الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه
    الرب الإله في وسط شجر الجنة، فنادى الرب الإله آدم ، وقال له: أين أنت ؟
    فقال: سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت . فقال: من أعلمك أنك
    عريان، هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها ؟ .. “ (سفر
    التكوين: الإصحاح الثالث) .


    ما
    هذا ؟ كان الإله يتمشى في الجنة خالي البال مما حدث، ثم تكشفت له الأمور
    شيئاً فشيئاً، فعرف أن آدم خالف عهده، وأكل من الشجرة المحرمة !


    تصوير ساذج يبدو فيه رب العالمين وكأنه فلاح وقع في حقله ما لم ينتظر !

    ما
    أبعد الشقة بين هذا التصوير وبين وصف الله لنفسه في القرآن العظيم: “ ولقد
    خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد “
    (ق: 16) “ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا
    كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه “ (يونس: 61)


    وقد أعقب هذا “ الجهل الإلهي “ قلق غريب، فإن الله يبدو وكأن ملكه مهدد بهذا التمرد الآدمي .

    لقد
    أكل آدم من الشجرة ـ شجرة المعرفة ـ وارتفع بهذا العصيان إلى مصاف الآلهة
    فقد أدرك الخير والشر، وكان الرب عندما خلقه حريصاً على بقائه جاهلاً بهما
    .


    ومن يدري ربما ازداد تمرده ، وأكل من شجرة الخلد وظفر بالخلود، إنه عندئذ سوف ينازع الله حقه، إذن فليطرد قبل استفحال أمره .

    جاء
    في العهد القديم:“ وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا
    عارفاً الخير والشر، والآن لعله يمد يده ، ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً،
    ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي
    أخذ منها، وطرد الإنسان وأقام شرقي جنة عدن الكروييم ، ولهيب سيف متقلب
    لحراسة طريق شجرة الحياة “ (التكوين: الإصحاح الثالث) .


    لكن
    سيرة آدم وأبنائه على ظهر الأرض لم تكن مرضية لله ، إن منهجه في الحياة ضل
    بالآثام والمتاعب، ولم يكن الله حين خلقه يعرف أنه سيكون شريراً إلى هذا
    الحد، لقد فوجئ بما وقع ، ومن أجل ذلك حزن الرب ، وتأسف في قلبه أن خلق
    آدم وأبناء آدم ..


    قال
    العهد القديم:“ فحزن الرب أنه عمل الإنسان، وأن كل تصور أفكار قلبه إنما
    هو شرير كل يوم، فحزن الرب أنه عمل الإنسان الذي خلقته، .. الإنسان مع
    بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أنى عملتهم..“ (التكوين: الإصحاح
    السادس) ..


    الحق
    أنني أدهش كل الدهشة للطفولة الغريرة التي تضح من هذا الحديث الخرافي عن
    الله جل جلاله ، إن الإله في هذه السياقات الصبيانية كائن قاصر .. متقلب
    .. ضعيف .


    وما أشك في أن مؤلف هذه السطور كان سجين تصورات وثنية عن حقيقة الألوهية ، وما ينبغي لها ..

    وأول ما نستبعده حين نقرأ هذه العبارات أن تكون وحياً، أو شبه وحى ..

    ومع
    ذلك فإن اليهود والنصارى يقدسون ذلك الكلام، ويقول أحد القساوسة: “ الكتاب
    المقدس ـ يعنى العهدين معاً ـ هو صوت الجالس على العرش، كل سفر من أسفاره
    أو إصحاح من إصحاحاته أو آية من آياته هو حديث نطق به الكائن الأعلى ! “ .


    والمرء
    لا يسعه إلا أن يستغرق في الضحك وهو يسمع هذا الكلام ! إنه إله أبله هذا
    الذي ينزل وحياً يصف فيه نفسه بالجهل والضعف والطيش والندم ، ونحن ـ
    المسلمين ـ نعتقد أن الكتاب النازل على موسى بريء من هذا اللغو، أما
    التوراة الحالية فهي تأليف بشرى سيطرت عليه أمور ثلاثة:


    الأول: وصف الله بما لا ينبغي أن يوصف به ، وإسقاط صورة ذهنية معتلة على ذاته “ سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً “ .

    الثاني:
    إبراز بني إسرائيل وكأنهم محور العالم، وأكسير الحياة، وغاية الوجود ..
    فهم الشعب المختار للسيادة والقيادة ، لا يجوز أن ينازعوا في ذلك .


    الثالث: تحقير الأمم الأخرى، وإرخاص حقوقها، وإلحاق أشنع الأوصاف بها وبأنبيائها وقادتها .

    وقد تتخلل هذه الأمور بقايا من الوحي الصادق، والتوجيهات المبرأة، بيد أن الأسفار الشائعة الآن تغلب عليها الصبغة التي لاحظناها .

    وها نحن أولاء نسوق الأدلة على ما قلنا مكتفين بالشواهد من سفر التكوين وحده، لأن الانتقال إلى غيره يطيل حبل الحديث .

    في
    هذا السفر أعلن الله ندمه على إغراق الأرض بالطوفان ، وقال لنوح: لن أرتكب
    هذه الفعلة مرة أخرى ! وسأضع علامة تذكرني بذلك حتى لا أعاود إهلاك الحياة
    والأحياء ، وهاك النص:“ وكلم الله نوحاً وبينه معه قائلاً: .. أقيم ميثاقى
    معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه الطوفان، ولا يكون أيضاً طوفان
    ليخرب الأرض، وقال الله: هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم
    وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر، وضعت قوسي في
    السحاب ، فتتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض، فيكون متى أنشر سحاباً على
    الأرض ، وتظهر القوس في السحاب .. فمتى كان القوس في السحاب أبصرها ،
    لأذكر ميثاقاً أبدياً بين الله وبين كل نفس حية في كل جسد على الأرض .. “
    (الإصحاح التاسع من سفر التكوين).


    هذا
    هو التفسير لقوس قزح، وتحلل اللون الأبيض إلى عناصره المعروفة بألوان
    الطيف، كما شرح ذلك علماء الطبيعة .. قوس قزح هي قوس الله يبرزها في الأفق
    إشارة إلى العهد الذي أخذه على نفسه كي لا يغرق الأرض مرة أخرى، إنه يرى
    هذه القوس فيتذكر، حتى لا يتورط في طوفان آخر !!..


    ورأيي
    أن الطوفان القديم كان عقوبة لقوم نوح وحدهم، وأنه ليس غرقاً استوعب سكان
    القارات الخمس ، فما ذنب هؤلاء المساكين ونوح رسالته محلية لا عالمية،
    اللهم إلا إذا كان المعمور يومئذ من هذا الكوكب ديار نوح وحسب .


    وأياً
    ما كان الأمر، فإن وصف الله بالضيق لما ارتكب من إغراق الأرض، وتعهده ألا
    يفعل ذلك، أمر يليق بالخلق لا بالخالق .. بالناس لا برب الناس .


    على
    أن هذه القصة أيسر من دعوة الله إلى ضيافة نبيه إبراهيم، لقد قدم الله في
    شكل رجل مع اثنين من ملائكته، وأقام لهم إبراهيم وليمة دسمة، فأكلوا منها
    جميعاً !! .


    وكان
    إبراهيم حريصاً على إحراز هذا الشرف، شرف أن يأكل الله في بيته، فلما لبى
    الله الدعوة أسرع الرجل الكريم في إعداد مائدة مناسبة ! وهاك القصة كما
    رواها سفر التكوين:“ وظهر له الرب .. ونظر وإذا ثلاثة رجال .. وقال: يا
    سيد (يقصد الله) إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك .. فأسرع
    إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: اعجني واصنعي خبز ملة، ثم ركض إبراهيم
    إلى البقر ، وأخذ عجلاً رخصاً وحيداً ، وأعطاه للغلام ، فأسرع ليعمله ثم
    أخذ زبداً ولبناً والعجل الذي عمله ، ووضعها قدامهم ، وإذا كان هو واقفاً
    لديهم تحت الشجرة أكلوا، وقالوا له: .. ويكون لسارة امرأتك ابن .. فضحكت
    سارة في باطنها قائلة: بعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ ! فقال الرب
    لإبراهيم: لماذا ضحكت سارة .. ؟ هل يستحيل على الرب شيء ؟ “ (الإصحاح
    الثامن عشر من سفر التكوين) .


    ونتجاوز
    هذه المائدة الدسمة التي أكل منها الرب وملائكته، لنقف بإزاء قصة أخرى من
    أغرب وأفجر ما اختلق الروائيون !!القصة الجديدة تحكي مصارعة بين “ الله “
    وعبده “ يعقوب “ !.. وهذه المصارعة دامت ليلاً طويلاً، وكاد يعقوب يفوز
    فيها لولا أن الطرف الآخر في

    المصارعة
    ـ وهو الله !! ـ لجأ إلى حيلة غير رياضية هزم بعدها يعقوب ! ومع ذلك فإن
    يعقوب تشبث بالله ، وأبى أن يطلقه حتى نال منه لقب “ إسرائيل “ !!.


    ومنحه الله هذا “ اللقب الفخري “ ثم تركه ليصعد إلى العرش ، ويدير أمر السماء والأرض، بعد تلك المصارعة الرهيبة !!.

    أي سخف هذا، وأي هزل ؟؟

    أي عقل مريض أوحى بهذا القصص السفيه ؟؟

    ولكن
    اليهود يريدون أن يرفعوا مكانة جدهم الأعلى، ولا عليهم أن يختلقوا ما
    يستغربه الخيال، وهاك القصة بأحرفها من سفر التكوين:“ فبقي يعقوب وحده ،
    وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه
    ، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطلقني ! .. فقال: لا أطلقك
    إن لم تباركنى ! فقال له: ما اسمك ؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك في
    ما بعد يعقوب بل إسرائيل .. وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك ، فقال: لماذا تسأل عن اسمي ؟ وباركه هناك .


    فدعا يعقوب اسم المكان “ فينيئل “ قائلاً: لأني نظرت الله وجهاً لوجه ونجيت نفسى ..

    لذلك
    لا يأكل بنو إسرائيل “ عرق النسا “ الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم لأنه
    (الله) ضرب حق فخذ يعقوب على عرق النساء !! “ (سفر التكوين الإصحاح: 32) .


    .. نعم تخليداً لذكرى هذه المصارعة نشأ حكم فقهي بتحريم العمل يوم الراحة الإلهية .

    وكم يفخر اليهود إذ كان أبوهم بهذه المثابة من القوة التي عاجزت الإله، وكادت توقع به الهزيمة !!. ..

    المصدر : كتاب قذائف الحق

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:27


    على خطى هاجر عليها السلام







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009





    بقلم / منال المغربي
    قضى الله تبارك وتعالى بجعل نُسك من مناسك الحج والعمرة - وهو السعيبين الصفا والمروة – على خطى امرأة ؛ إكراماً وتعظيماً لشأنها ، وإظهاراً لدورها ، وثناءًعلى جهدها الذي بذلته خدمةً لدينها؛ وهي هاجر ـ عليها السلام ـ التي عُرِفَتْ بأمِّالعَرَب العدنانيين ، وبأم الذبيح (إسماعيل عليه السلام).
    كانت هاجر ـ عليها السلامـ جارية مصرية وَهَبَهَا ملكُ مِصرَ إلى السيدة سارّة عليها السلام، وبدورها وهبتهاإلى إبراهيم عليه السلام ليتزوجها، عسى الله تعالى أن يرزقه منها ولدا يشاركه مسؤوليةالدعوة إلى الله تعالى ، لاسيما بعد أن طعنت سارّة في السن، ولم تنجب، وعندما وضعتهاجر وليدها أخذها إبراهيم إلى صحراء مكة لحكمة يريدها الله تعالى، وفي تلك البقعةالمقدسة بدأت فصول قصتها التي نستشف من خلالها ملامح من شخصيتها ، ميّزتها عن غيرهامن نساء العالمين؛ منها:
    1- يقين راسخ بالله تعالى وتوكّل عليه: ذكرتْ كتب التفاسيرأنّه حينما أخذ إبراهيم هاجر ورضيعها عليهم السلام إلى مكّة ، وليس فيها يومئذٍ أحد،وليس بها ماء، وضع عندهما جِراباً فيه تمر ، وسِقاء فيه ماء، وعندما همّ بالانصرافقامت إليه هاجر ، وتعلّقت بثيابه وقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتدعنا ههنا ، وليس معناما يكفينا؟ وفي رواية أخرى: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به إنس ولا شيء؟فلم يُجبها، فلما ألحّت عليه وهو لا يجيبها، قالت له: الله أمرك بهذا؟؛ فقال: نعم،فقالت: إذن لا يضيِّعنا.
    2- القدرة على التكيف مع الظروف المستجدّة؛ محطات كثيرة منحياة هاجر عليها السلام أكّدت تمتعها بهذه الصفة؛ فلقد كانت جارية لفرعون أو ملكمصر ، أي أنّها كانت ترفل بنعيم القصور ، ومعتادة على هذه الأجواء ، خصوصاً وأنّ مصر فيذلك الوقت كانت بلد النماء والمال والحركة، وبعد أن أهداها الفرعون لسارّة عليهاالسلام انتقلت برفقتها وزوجها إبراهيم عليهم السلام إلى بلاد الشام ذات الطبيعةالمعتدلة ، ومعهم أنعام وعبيد ومال جزيل.
    وبأمرٍ من الله عز وجل اضطُرت للسكن فيصحراء الجزيرة العربية ، حيث طبيعة وبيئة مختلفة وحدها هناك ، بلا أنيس ولا جليس ولاطعام أو شراب ، بعيدة عن أجواء المدنية التي اعتادت عليها.
    3- شجاعة تقهر المخاوف ،ظهرت في مواجهتها خوف الوحدة والوحشة(من خلال السماح لإحدى القبائل بمجاورتها) وخطرالهلاك من الجوع والعطش (بالسعي والبحث عن الماء والكلأ) يقول ابن كثير في كتابه))قصص الأنبياء)): "إنه لما نفذ ما في السِّقاء عَطِشت هاجر، وعَطِش ابنها، وجعلتتنظر إليه يتلوى، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرضيليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذابلغت الوادي سعت سعي الإنسان المجهود، ثم أتت المروة فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبعمرات حتى أنبع الله تعالى لهاجر وابنها الماء ، بواسطة الملك الذي ضرب موضع زمزمبعَقِبه – جناحه- حتى ظهر الماء ، ثمّ قال لها: لا تخافوا الضَّيعة، فإنّ ههنا بيتالله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لا يضيِّع أهله" .
    ولا ننسى مواجهتهاالعوامل الطبيعية لصحراء مترامية الأطراف ، تموج بكل ما لا يخطر على بال إنسان منحيوانات مفترسة ، وحشرات ضارّة ، وعوامل جوّية ، وبيئية مختلفة كل ذلك بالصبر والتحمّل، وبثبات نادر قلّ نظيره.
    4- القدرة على إدارة الأزمات وتوظيفها لصالحها ، ويتجلّى هذاالأمر بالنقطة السابقة التي تمّ ذكرها ، وأيضاً في حادثة تفجّر ماء زمزم؛ فبعد أنشربت منه هاجر ، وأرضعت ولدها حتى ارتويا ، تضيف كتب التفسير أنّ رفقة من جُرهم ، وهيقبيلة من قبائل العرب نزلوا في أسفل مكّة، فرأوا طائراً ، فقالوا: " إن هذا الطائرليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء".
    فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء،فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء، فقالوا: نعم. وبذلك استطاعت هاجر أن تضمن لنفسها ولولدها مصدر رزق تعتاش منه ، فنزلواوأرسلوا أهليهم فنزلوا معهم.
    5- الصبر على شظف العيش ومرارته وعوامل الطبيعة ، وعلىغياب الزوج وتربية الولد.
    6- فن صناعة الرجال؛ فهاجر ـ عليها السلام ـ رغم الظروف الصعبةالتي نشأ بها ابنها إسماعيل ـ عليه السلام ـ من غياب الأب، وكون إسماعيل الولد الوحيدلأمّه إلا أنّ صحبتها وتربيتها له لم تفسده، بل على العكس كانت على قدر المسؤوليةالتي أُنيطت بها؛ فلقد تخرّج إسماعيل من بين يديها رجلاً مؤهلاً لحمل رسالة النبوة.
    ونجاح هاجر ـ عليها السلام ـ في أدائها هذه المهمّة يتجلّى بـ:
    ـ عدم حقد إسماعيل علىأبيه لتركه وأمّه في صحراء قاحلة، وتفهّمه لهذا الغياب على أنه التزاماً لأمر اللهتعالى.
    - طاعته له في محنة الذبح ومعاونته بعد ذلك في بناء البيت العتيق .
    - سعيالقبيلة لتزويجه بإحدى بناتهم بعدما – أعجبهم حين شب - ولو لم يكن على خلق لمازوّجوه؛ لذلك سعي هاجر بين الصفا والمروة عبر سبعة أشواط ، وتخليد الله سبحانه وتعالىلهذا الحدث بجعله ركناً من أركان الحج الأساسية ما هو إلا رمز وإشارة على أنّ تربيةالأولاد وإعدادهم ؛ ليكونوا رجال المستقبل ليست بالأمر اليسير ، بل تستلزم بذل الجهدوالتعب والصبر.
    7- التضحية في سبيل الله ونصرة دينه ، سواء التضحية بالنفس (ما عانتههاجر أكبر دليل على ذلك) والزوج (بتحمّل غيابه) والولد (حيث زرعت هذه القيمة أيضاًبولدها، نُلاحظ ذلك بسرعة استجابته لطلب والده ( يا أبتِ افعل ما تؤمر)، وماالأُضحية إلا تكريساً لهذا المفهوم وانعكاساً له ، والله تعالى أعلم.
    8- الحفاظ علىالموارد وحسن استثمارها؛ فعندما فجّر الله تعالى تحت قدمي إسماعيل ـ عليه السلام ـ ماءزمزم عمدت هاجر عليها السلام إلى جمعها بكلتا يديها ، وهي تقول لها: "زمي زمي" أياجتمعي ، ثمّ استثمرتها بمشروع خاص بها يدرّ عليها وعلى ولدها الربح الوفير.
    كما كانتهاجر ـ عليها السلام ـ مثالاً للزوجة المحبّة المطيعة والأم الرؤوم الشفوق والمسلمةالواعية الحكيمة والمرأة الإدارية والقيادية الناجحة.
    هذه بعض من ملامح شخصية هاجرـ عليها السلام ـ كما صورتها كتب التفسير والسِيَر والأحاديث... نستذكرها في هذه الأيامالمباركة عسى أن تكون معلَماً هادياً لغيرها من النساء ، ونموذجاً يُقاس عليه ويحتذىبه .
    المصدر : موقع التاريخ

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:31


    يوم داحس والغبراء







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009





    وكانت
    بين عبس وذبيان، وكانت الحرب بينهما سجالاً وانتهت بصلح، وداحس والغبراء:
    اسما فرسين لقيس بن زهير، وتشتمل هذه الحرب أيام المريقب وذي حساء
    واليعمرية والهباء وفروق وقطن .

    سار قيس بن زهير بن جذيمة العبسي إلى المدينة ليتجهز لقتال بنى عامر،
    ويأخذ بثأر أبيه زهير بن جذيمة الذي قتله خالد بن جعفر الكلابي العامري،
    فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعاً موصوفة، فقال له: لولا أن تذمني بنو
    عامر لوهبتها لك، ولكن اشترها بابن لبون. ففعل ذلك، وأخذ الدرع وكانت تسمى
    ذات الحواشي ووهبه أحيحة أدراعاً أخرى، وعاد إلى قومه، وقد فرغ من جهازه.

    واجتاز بالربيع بن زياد العبسي، ودعاه إلى مساعدته على الأخذ بثأر أبيه،
    فأجابه إلى ذلك. ولما أراد فراقه نظر الربيع إلى عيبته وقال له: ما في
    حقبيبتك ؟ فقال: متاع عجيب، لو أبصرته لراعك. وأناخ راحلته، وأخرج الدرع
    من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته، ولبسها فكانت في طوله، فمنعها من قيس
    ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في طلبها، ولج
    الربيع في منعها.

    فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى مكة، وأقام ينتظر غرة الربيع،
    ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلأ، وأمر أهله فظعنوا،
    وركب فرسه وسار إلى المنزل.

    ولما بلغ الخبر قيساً سار إلى أهله وإخوته، فعارض ظعائن الربيع ، فوجد
    فيها أم الربيع فاطمة بنت الخرشب الأنمارية ، فاقتاد جملها ، يريد أن ير
    تهنها بالدرع حتى ترد إليه ، فقالت له : ما تريد يا قيس ؟ فقال : أذهب بكن
    إلى مكة ، فأبيعكن بها بدرعي ؟ فقالت : ما رأيت كاليوم فعل رجل ! أي قيس،
    ضل حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد، وقد أخذت أمهم، فذهبت بها يميناً
    وشمالاً، فقال الناس في ذلك ما شاءوا، وحسبك من شر سماعه.

    فعرف قيس ما قالت له، فخلى سبيلها، وأطرد الإبل، وسار بها إلى مكة، فباعها
    من عبد الله بن جدعان القرشي، واشترى بها خيلاً، وتبعه الربيع فلم يلحقه،
    فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء.

    ثم إن قيس بن زهير أقام بمكة، فكان أهلها يفاخرونه - وكان فخوراً- ، فقال
    لهم: نحوا كعبتكم عنا وحرمكم، وهاتوا ما شئتم، فقال له عبد الله بن جدعان:
    إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور ، والحرم الآمن فبم نفاخرك ؟ فمل قيس
    مفاخرتهم وعزم على الرحلة ، وسر ذلك قريشاً ، لأنهم قد كانوا كرهوا
    مفاخرته ،فقال لإخوته : ارحلوا بنا من عندهم أولاً وإلا تفاقم الشر بيننا
    وبينهم ، والحقوا ببني بدر بن فزارة ، فإنهم أكفاؤنا في الحسب ، وبنو عمنا
    في النسب ، وأشراف قومنا في الكرم ، ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا
    معهم ، ثم لحق ببني بدر.

    وأجاره حذيفة بن بدر، وأخوه حَمَل بن بدر، فأقام فيهم ، وكان معه أفراس له
    ولإخوته لم يكن في العرب مثلها ، وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس ، فينظر
    إلى خيله ، فيحسده عليها ، ويكتم ذلك في نفسه.

    وأقام قيس فيهم زماناً يكرمونه وإخوته، ولما علم بذلك الربيع بن زياد غضب
    ونقم منهم ذلك، ولكن بنى بدر لم يتغيروا عن جوار قيس، فغضب الربيع، وغضبت
    بنو زياد لغضبه.

    ثم إن حذيفة كره قيساً، وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجة، وعزم قيس على
    العمرة، فقال لأصحابه: إني قد عزمت على العمرة، فإياكم أن تلابسوا حذيفة
    بشيء، واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع، فإني قد عرفت الشر في وجهه، وليس
    يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنوه على الخيل ، وكان قيس ذا رأى لا يخطئ
    فيما يريده، ثم صار يريد مكة.

    زار الورد العبسى حذيفة بن بدر فعرض عليه حذيفة خيله، فقال: ما أرى فيها
    جواداً مبِرّاً فقال له حذيفة: فعند من الجواد المبر ؟ فقال: عند قيس بن
    زهير، فقال له : هل لك أن تراهنني عليه ؟ قال : نعم ، قد فعلت. فراهنه على
    ذكر من خيله وأنثى. ثم إن ورداً العبسى أتى قيس بن زهير وقال: إني قد
    راهنت على فرسين من خيلك ذكر وأنثى، وأوجبت الرهان، فقال: ما أبالي من
    راهنت غير حذيفة، فقال: ما راهنت غيره ! فقال قيس: إنك ما علمت لأنكد !

    ثم ركب قيس حتى أتى حذيفة فوقف عليه، فقال له حذيفة: ما غدا بك ؟ فقال:
    غدوت لأواضعك الرهان، فقال حذيفة: بل غدوت لتغلقه، فقال قيس: ما أردت ذلك،
    فأبى حذيفة إلا الرهان، فقال قيس: أخيرك ثلاث خلال، فإن بدأت واخترت قبلي،
    فلي خلتان ولك الأولى، وإن بدأت فاخترت قبلك، فلك خلتان ولي الأولى. قال
    حذيفة: فابدأ، قال قيس: الغاية من مائة غلوة – [ الغلوة: الرمية بالنشابة
    ]، قال حذيفة: فالمضمار أبعون ليلة، والمجرى من ذات الإصاد [ ذات الإصاد:
    ردهة بين أجبل في ديار عبس، والردهة: نقير في حجر يجتمع فيها الماء ].
    ففعلا ووضعا السبق على يدي أحد بنى ثعلبة بن سعد.

    ثم ضمروا الخيل، فلما فرغوا استقبل الذي ذرع الغاية بينهما من ذات الإصاد
    وهي ردهة وسط هضب القليب فانتهي الذرع إلى مكان ليس له اسم. فقادوا الخيل
    إلى الغابة وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد، وأجرى قيس داحساً
    والغبراء، وحذيفة الخطّار والحنفاء. وملئوا البركة ماء، وجعلوا السابق أول
    الخيل يكرع فيها. وأقام حذيفة رجلاً من بنى أسد في الطريق، وأمره أن يلقى
    داحساً في الطريق فإن جاء سابقاً ردوا وجهه عن الغابة.

    ثم إن حذيفة بن بدر وقيس بن زهير أتيا المدى ينظران إلى الخيل كيف خروجها
    منه، فلما أرسلت عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، فقال قيس: ترك الخداع
    من أجرى من مائة. ثم ركضا ساعة، فجعلت خيل حذيفة تسبق خيل قيس، فقال
    حذيفة: سبقت يا قيس. فقال قيس: جرى المَذَكّيات غلاب.

    فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقاً بيناً والناس ينظرون، فلما هبط داحس في
    الوادي عارضه الأسدي فلطم وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم
    يخرج إلا وقد فاتته الخيل. وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه
    قد أبطأ، ثم عاد إلى الطريق، واجتمع مع فرسي حذيفة ، ثم سقطت الحنفاء وبقي
    الخطار والغبراء.

    ثم إن الغبراء جاءت سابقة، وتبعها الخطار، ثم الحنفاء، ثم جاء داحس بعد
    ذلك والغلام يسير به على رسله، وأخبر الغلام قيساً بما صنع بفرسه. فأنكر
    حذيفة ذلك، وادعى السبق ظلماً، وقال: جاء فرساي متتاليين.

    ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين ضربوا داحساً، وجاءه الأسدي
    نادماً على ضرب داحس، واعترف لقيس بما صنع، وبما أمره به حذيفة. فرجع قيس
    وأصحابه إلى حذيفة وأصحابه وقال: يا قوم إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شراً
    من الظلم، فأعطونا حقنا، فأبت بنو فزارة أن يعطوهم شيئاً، وكان الخطر[ أي
    السباق يتراهن عليه ] عشرين من الإبل، فقالت بنو عبس: أعطونا بعض سبقنا
    فأبوا، فقالوا: أعطونا جزوراً ننحرها ونطعمها أهل الماء، فإن نكره القالة
    في العرب، فقال رجل من فزارة: مائة جزور وجزور واحدة سواء، والله ما كنا
    لنقر لكم بالسبق علينا، ولم نُسبق.

    فقام رجل من بنى مازن بن فزارة فقال: يا قوم، إن قيساً كان كارهاً لأول
    هذا الرهان وقد أحسن في آخره ، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى شر ، فأعطوه
    جزوراً من نعمكم ، فأبوا ، فقام إلى جزور من إبله ، فعقلها ليعطيها قيساً
    ويرضيه ، فقام ابنه فقال : إنك لكثير الخطأ ، أتريد أن تخالف قومك، وتلحق
    بهم خزية بما ليس عليهم ، وأطلق الغلاء عقالها ، فلحقت بالنعم. فلما رأى
    ذلك قيس بن زهير احتمل عنهم ومن معه من بنى عبس.

    ثم إن حذيفة لج في ظلمه، وأرسل إلى قيس ابنه ندبة يطالبه بالسبق، فلم
    يصادفه، فقالت له امرأته: ما أحب أنك صادفت قيساً. فرجع إلى أبيه فأخبره
    بما قالت. فقال: والله لتعودن إليه. ورجع قيس فأخبرته امرأته الخبر، فأخذت
    قيس زفرات. ولم ينشب ندبة أن رجع إلى قيس، فقال: يقول أبي: أعطني سبقي ،
    فتناول قيس الرمح فطعنه فدق صلبه ، وعادت فرسه إلى أبيه عاثرة ، ونادى قيس
    : يا بنى عبس ، الرحيل ! فرحلوا كلهم.

    ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده قتل، فصاح في الناس، وركب فيمن معه،
    وأتى منازل بنى عبس فرآها خالية، ورأى ابنه قتيلاً، فنزل إليه، وقبله بين
    عينيه ودفنوه. واجتمع الناس، فاحتملوا دية ندبة مائة عشراء، فقبضها حذيفة
    وسكن الناس.

    وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجاً في فزارة وهو نازل فيهم، فأرسل إليه
    قيس: إني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت، فالحق بنا وإلا قتلت، فلم يجبه
    وقال: إنما ذنب قيس عليه.

    ثم إن قيساً أرسل إلى الربيع بن زياد يطلب منه العود وإليه والمقام معه، إذ هم عشيرة وأهل، فلم يجبه ولم يمنعه، وظل مفكراً في ذلك.

    وعاد حذيفة بن بدر فدس لمالك بن زهير فرساناً على أفراس من مسان خيله
    وقال: لا تنتظروا مالكاً إن وجدتموه أن تقتلوه، فانطلق القوم وقتلوه.

    ولما بلغ عبساً مقتل مالك بن زهير جزعت عليه، وأتت بنو جذيمة حذيفة فقال
    بنو مالك بن زهير لمالك بن حذيفة: ردوا علينا ما لنا. فأشار سنان بن أبي
    حارثة على حذيفة ألا يرد أولادها معها، وأن يرد المائة بأعيانها، فقال
    حذيفة: أرد الإبل بأعيانها ولا أرد النسل، فأبوا أن يقبلوا ذلك.

    وعلم الربيع بن زياد بمقتل مالك بن زهير، فجزع عليه، وأرسل إلى قيس عيناً
    بأتيه بالخبر، فرجع العين إلى الربيع فأخبره بما قال قيس، فبكى الربيع على
    مالك.

    ولما علم قيس بجزع الربيع ركب هو وأهله، وقصدوا الربيع بن زياد، وهو يصلح
    سلاحه، فنزل إليه قيس، وقام الربيع فاعتنقا وبكيا، وأظهرا الجزع لمصاب
    مالك، ولقي القوم بعضهم بعضاً فنزلوا، فقال قيس للربيع:إنه لم يهرب منك من
    لجأ إليك ، ولم يستغن عنك من استعان بك ، وقد كان لك شر يومي ، فليكن لي
    خير يوميك ، وإنما أنا بقومي وقومي بي ، وقد أصاب القوم مالكاً ، ولست أهم
    بسوء ، لأني إن حاربت بنى بدر نصرتهم بنو ذيبان ، وإن حاربتني خذلتني بنو
    عبس ، إلا أن تجمعهم عليّ ، وأنا والقوم في الدماء سواء ، قتلت ابنهم
    وقتلوا أخي ، فإن نصرتني طمعت فيهم ، وإن خذلتني طمعوا فيّ.

    فقال الربيع: يا قيس، إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل مالا أراه لي ،
    ولا ينفعك أن ترى لي مالا أراه لك ، وأنت ظالم ومظلوم ، ظلموك في جوادك ،
    وظلمتهم في دمائهم ، وقتلوا أخاك بابنهم ، فإن يبؤ الدم بالدم ، فعسى أن
    تلقح الحرب.

    وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاءوا ونزلوا مع الربيع، وبلغ حذيفة أن الربيع وقيسًا اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء.

    ثم تلاقت جموع بنى ذيبان وعبس واقتتلوا قتالا شديداً، وكانت الشوكة في
    ذيبان، وقتل منهم عوف بن بدر، وقتل عنترة ضمضم أبو الحصين المري، والحارث
    بن بدر، وأسر الربيع حذيفة بن بدر، وكان حر بن الحارث العبسى قد نذر إن
    قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف ، وله سيف قاطع يسمى الأصرم ، فأراد ضربه
    بالسيف لما أسر وفاء بنذره ، فنهوه عن قتله ، وحذروه عاقبة ذلك ، فأبى إلا
    ضربه ، فوضعوا عليه الرجال ، فضربه فلم يصنع السيف شيئاً ، وبقى حذيفة
    أسيراً.

    فاجتمعت غطفان وسعوا في الصلح، واصطلحوا على أن يهدروا دم بدر بن حذيفة
    بدم مالك بن زهير، ويعقلوا عوف بن بدر [ أي يؤدوا ديته ]، ويعطوا حذيفة عن
    ضربته التي ضربه حر مائتين من الإبل، وأن يجعلوها عشاراً كلها وأربعة
    أعبد، وأهدر حذيفة دماء من قُتِل من قومه ذيبان في الوقعة، وأطلق من الأسر.

    فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك، فساءت مقالته في بنى عبس، وركب قيس بن
    زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة وتحدثا معه، فأجابهما إلى الاتفاق،
    وأن يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما – وكانت توالدت عنده – وبينما هم في
    ذلك إذ جاءهم سنان بن أبي حارثة المري ، فقبح رأي حذيفة في الصلح ، وقال :
    إن كنت لا بد فاعلاً فأعطهم إبلا عجافاً مكان إبلهم ، واحبس أولادها ،
    فوافق ذلك رأى حذيفة ، وأبى قيس وعمارة ذلك.

    ثم إن مالك بن بدر- أخو حذيفة - خرج يطلب إبلاً له ، فرماه جندب أحد بنى
    رواحة بسهم فقتله ، ومن ثم أخذ الشر يعظم بين عبس – ويرأسهم الربيع بن
    ذبيان - وذيبان – ويرأسهم حذيفة بن بدر- ، وهزمت بنوعبس واتبعتهم بنو
    ذيبان.

    فأشار قيس على الربيع بن زياد أن يماكرهم، وخاف إن قاتلوهم ألا يقوموا
    لهم، وقال: إنهم ليسوا في كل حين يجتمعون، وحذيفة لا يستنفر أحداً
    لاقتداره وغلوه، ولكن نعطيهم رهائن من أبنائنا فندفع حدهم عنا، فإنهم لن
    يقتلوا الولدان ولن يصلوا إلى ذلك منهم مع الذين نضعهم على أيديهم، وإن هم
    قتلوا الصبيان فهو أهون من قتل الآباء، وكان رأي الربيع مناجزتهم فقال: يا
    قيس، أملأ جمعهم صدرك ؟

    وقال قيس: يا بنى ذيبان، خذوا منا رهائن إلى أن تنظروا، فقد ادعيتم ما
    تعلم وما لا نعلم ، ودعونا حتى نتبين دعواكم ، ولا تعجلوا إلى الحرب ،
    فليس كل كثير غالباً ، وضعوا الرهائن عند من ترضون به ونرضاه ، فقبلوا ذلك
    ، وتراضوا أن تكون الرهائن عند سبيع بن عمرو ( من بنى ثعلبة بن زيد بن
    ذيبان) ، فمات سبيع وهم عنده ، فلما حضرته الوفاة قال لا بنه مالك : إن
    عندك مكرمة لا تبيد إن أنت احتفظت بهؤلاء الأغيلمة ، وكأني بك لو قد مت
    أتاك حذيفة خالك ، فعصر عينيه وقال : هلك سيدنا ، ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم
    إليه ، فقتلهم ، فلا شرف بعدها ، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم.

    فلما ثقل سبيع جعل حذيفة يبكى ويقول: هلك سيدنا، فوقع ذلك في قلب مالك،
    فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك فأعظمه، ثم قال له: يا مالك، إني
    خالك، وإني أسن منك، فادفع إليّ هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي إلى أن ننظر
    في أمرنا فإنه قبيح أن تملك شيئاً، ثم لم يزل به حتى دفعهم إليه باليعمرية.

    وأحضر أهل الذين قتلوا فجعل كل يوم يبرز غلاماً فينصبه غرضاً ويرمى بالنبل
    ثم يقول: ناد أباك، فينادي أباه، حتى يمزقه النبل، ويقول لواقد بن جندب:
    ناد أباك. فجعل ينادى يا عماه - خلافاً عليهم – ويكره أن يأبس – الأبس :
    القهر والحمل على المكروه- أباه بذلك ، وقال لابن جنيدب بن عمرو بن
    عبدالأسلع : ناد جنيبة – وهو لقب أبيه - ، فجعل ينادي : يا عمراه ! باسم
    أبيه حتى قتل، وقتل أيضاً عتبة بن شهاب بن قيس بن زهير. و لما بلغ ذلك بني
    عبس أخذوا ما كانوا جمعوا من الديات ، فحملوا عليه الرجال واشتروا السلاح.

    ثم خرج قيس في جماعة ، فلقوا ابناً لحذيفة ، ومعه فوارس من ذبيان فقتلوهم
    ، فجمع حذيفة قومه وسار إلى عبس وهو على ماء يقال له عراعر ، فاقتتلوا
    وكان الظفر لذيبان ، ورجعت سالمة.

    ثم جد حذيفة في الحرب ، وكرهها أخوه حمل بن حذيفة ، وندم على ما كان ،
    وقال لأخيه في الصلح فلم يجب إلى ذلك ، وجمع الجموع من أسد وذيبان وسائر
    بطون غطفان وسار نحو بني عبس.

    ولما بلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم تشاوروا بينهم، فقال قيس: أطيعوني
    فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري. قالوا: فإنا
    نطيعك. فأمرهم فسرحوا السوام والضعاف بليل ، وهو يريدون أن يظعنوا من
    منزلهم ذلك ، ثم ارتحلوا في الصبح وقد مضى سوامهم وضعافهم.

    فلما أصبحوا طلعت عليهم الخيل، فقال قيس: خذوا غير طريق المال – أي غير
    طريق الإبل-، فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم، ولا يريدون بكم في
    أنفسكم شراً من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال. ولما رأى حذيفة
    الأثر قال: أبعدهم الله ! وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم ؟ ثم اتبع المال
    وسارت ظعن بنى عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذيبان المال،
    فلما أدركوه ردّوا أوله على آخره، ولم يفلت منه شيء، وجعل الرجل يطرد ما
    قدر عليه من الإبل، فيذهب بها، ثم تفرقوا واشتد الحر.

    فقال قيس بن زهير: يا قوم ، إن القوم قد فرق بينهم المغنم ، فاعطفوا الخيل
    في آثارهم ، فلم تشعر بنو ذيبان إلا والخيل دوائس – أي يتبع بعضها بعضاً -
    ، فلم يقاتلهم كبير أحد ، إذ أن همة الرجال من بني ذيبان كانت أن يحرر
    غنيمته ويمضي بها ، ووضعت بنو عبس فيهم السلاح ، وقتلوا منهم مالك بن سبيع
    التغلبي سيد غطفان وكثيراً غيره حتى ناشدتهم بنو ذيبان البقية ، وانهزمت
    ذيبان وحذيفة معهم.

    ولم يكن لعبس هم غير حذيفة، فأرسلوا خيلهم مجتهدين في أثره، ثم تبعه قيس
    بن زهير والربيع بن زياد، وقرواش بن عمرو، وريان بن الأسلع، وشداد بن
    معاوية وغيرهم، وقال لهم قيس: كأني بالقوم وردوا جفر الهباء ونزلوا فيه،
    وأنا أعلم أن حذيفة بن بدر إذا احتدمت الوديقة مستنقع في الماء – الوديقة:
    شدة الحر-.

    وكان حذيفة قد استرخى حزام فرسه، فنزل عنه ووضع رجله على حجر مخافة أن
    يقتص أثره، وعرفوا فرسه فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر الهباء وقد اشتد
    الحر، فرمى بنفسه ومعه حمل بن بدر وجماعة من أصحابه، وقد نزعوا سروجهم
    وطرحوا سلاحهم، ووقعوا في الماء، وتمعكت دوابهم – أي تمرغت -.

    ولما اقترب منهم قيس بن زهير وأصحابه أبصرهم حمل بن بدر فقال لهم: من أبغض
    الناس أن يقف على رؤوسكم ؟ فقالوا : قيس بن زهير والربيع بن زياد، فقال :
    هذا قيس بن زهير قد أتاكم ، ولم ينقض كلامه حتى وقف قيس وأصحابه وحالوا
    بينهم وبين الخيل ، وحمل جنيدب على خيلهم فاطّردها ، واقتحم عمرو بن
    الأسلع وشداد عليهم في الجند ، وهم ينادون : لبيكم لبيكم ، وقال لهم قيس :
    كيف رأيتم عاقبة البغي ؟ فقال حذيفة: يا بنى عبس: فأين العقول والأحلام ؟
    ناشدتك الله والرحم يا قيس: فضربه أخوه حمل بين كتفيه وقال: (اتق مأثور
    الكلام).

    ثم قال حذيفة لقيس: بنو مالك بمالك، وبنو حمل بذي الصبية ونرد السبق، قال
    قيس: لبيكم لبيكم، قال حذيفة: لئن قتلتني لا تصلح غطفان بعدها أبداً. فقال
    قيس: أبعدهم الله ولا أصلحها. ثم إن قرواش بن هني جاء من خلف حذيفة، فقال
    له بعض أصحابه: احذروا قرواشاً وكان قد رباه، فظن أنه سيشكر ذلك له، قال:
    خلوا بين قرواش وظهري، فنزع له قرواش بمعلبه – وهو نصل طويل عريض - فقصم
    به صلبه ، وابتدره الحارث بن زهير وعمرو بن الأسلع فضرباه بسيفهما حتى
    أجهزا عليه.

    وقتل الحارث بن زهير حمل بن بدر، واستبقوا حصن بن حذيفة لصباه.

    أيام العرب في الجاهلية ، لمحمد أحمد جاد المولى وصاحباه ، ص 246

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:32


    يوم بعاث







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009




    كانت
    الأوس قد استعانت ببني قريظة والنضير في حروبهم التي كانت بينهم ، وبلغ
    ذلك الخزرج ، فبعثت إليهم : إن الأوس فيما بلغنا قد استعانت بكم علينا ،
    ولن يعجزنا أن نستعين بأعدادكم وأكثر منكم من العرب ، فإن ظفرنا بكم فذاك
    ما تكرهون ، وإن ظفرتم لم ننم عن الطلب أبداً ، فتصيروا إلى ما تكرهون ،
    ويشغلكم من شأننا ما أنتم الآن منه خالون ، وأسلم لكم من ذلك أن تدعونا
    وتخلوا بيننا وبين إخواننا.

    فلما سمعوا ذلك علموا أنه الحق ، فأرسلوا إلى الخزرج : إنه قد كان الذي
    بلغكم ، والتمست الأوس نصرنا ، وما كنا لننصرهم عليكم أبداً ، فقالت لهم
    الخزرج : فإن كان ذلك كذلك فابعثوا إلينا برهائن تكون في أيدينا ، فبعثوا
    إليهم بأربعين غلاماً منهم ، ففرقهم الخزرج في دورهم ، ومكثوا بذلك مدة.

    ثم إن عمرو بن النعمان البياضي قال لقومه بياضة : إن أباكم أنزلكم منزل
    سوء بين سبخة ومفازة ، وإنه والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني
    قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل ، ثم راسلهم : إما أن تخلوا
    بيننا وبين دياركم نسكنها ، وإما أن نقتل رهنكم ، فهموا أن يخرجوا من
    ديارهم ، فقال لهم كعب بن أسد القرظي : يا قوم ، امنعوا دياركم وخلوه يقتل
    الرهن ، والله ما هي إلا ليلة يصيب فيها أحدكم امرأته حتى يولد له غلام
    مثل أحد الرهن ، فاجتمع رأيهم على ذلك ، فأرسلوا إلى عمرو بألا نسلم لكم
    دورنا ، وانظروا الذي عاهدتمونا عليه في رهننا فقوموا لنا به ، فعدا عمرو
    بن النعمان البياضي على رهنهم هو ومن أطاعه من الخزرج فقتلوهم ، وأبى عبد
    الله بن أبي وقال : هذا عقوق ومأتم وبغي ، فلست معيناً عليه ، ولا أحد من
    قومي أطاعني ، وخلى عمن عنده من الرهن.

    فناوشت الأوس الخزرج يوم قتل الرهن شيئاً من قتال غير كبير ، واجتمعت
    قريظة والنضير إلى كعب بن أسد القرظي ، ثم تآمروا أن يعينوا الأوس على
    الخزرج ، فبعثت إلى الأوس بذلك ، ثم أجمعوا عليه ، على أن ينزل كل أهل بيت
    من النبيت- وهو حي في الأوس- على بيت من بنى قريظة ، فنزلوا معهم في
    دورهم. ثم أرسلوا إلى سائر الأوس في الحرب والقيام معهم على الخزرج ،
    فأجابوهم إلى ذلك.

    فاجتمع الملأ منهم ، واستحكم أمرهم ، وجدوا في حربهم ، فلما سمعت الخزرج
    اجتمعوا حتى جاءوا عبد الله بن أبي ، وقالوا له : قد كان الذي بلغكم من
    أمر الأوس وأمر قريظة والنضير واجتماعهم على حربنا ، وإنا نرى أن نقاتلهم
    ، فإن هزمناهم لم يحرز أحد منهم معقله ولا ملجأه حتى لا يبقى منهم أحد.

    فلما فرغوا من مقالهم قال لهم عبد الله : إن هذا بغي منكم على قومكم وعقوق
    ، والله ما أحب أن رِجلاً – أي جماعة - من جراد ألفيناهم ، وقد بلغني أنهم
    يقولون هؤلاء قومنا منعونا الحياة أفيمنعوننا الموت ؟ والله إني أرى قوماً
    لا ينهون أو يهلكوا عامتهم ، وإني لأخاف إن قاتلوكم أن ينصروا عليكم
    لبغيكم عليهم ، فقاتلوا قومكم كما كنتم تقاتلونهم ، فإذا ولوا فخلوا عنهم
    ، فإذا هزموكم فدخلتم أدنى البيوت خلوا عنكم ، فقال له عمرو بن النعمان
    البياضي : انتفخ والله سحرك - وهي عبارة تقال للجبان، أي ملأ الخوف قلبه
    -يا أبا الحارث حين بلغك حلف الأوس وقريظة والنضير. فقال عبد الله : والله
    لا حضرتكم أبداً ، ولا أحد أطاعني أبداً ، ولكأني أنظر إليك قتيلاً تحملك
    أربعة في عباء.

    وتابع عبد الله رجال من الخزرج ، واجتمع كلام الخزرج على أن رأسوا عليهم
    عمرو بن النعمان البياضي ، وولوه أمر حربهم ، ولبث الأوس والخزرج أربعين
    ليلة يتصنعون للحرب ، ويجمع بعضهم لبعض ، ويرسلون إلى حلفائهم من قبائل
    العرب ، فأرسلت الخزرج إلى جهينة وأشجع ، وأرسلت الأوس إلى مزينة ، وذهب
    حضير الكتائب الأشهلى إلى أبي قيس الأسلت ، فأمره أن يجمع له أوس الله ،
    فجمعهم له أبو قيس ، فقام حضير ، فاعتمد على قوسه ، وعليه نمرة تشف عن
    عورته ، فحرضهم ، وأمرهم بالجد في حربهم ، وذكر ما صنعت بهم الخزرج من
    إخراج النبيت ، وإذلال من تخلف من سائر الأوس في كلام كثير ، وجعل كلما
    ذكر ما صنعت بهم الخزرج يستشيط ويحمى ، فأجابته أوس الله بالذي يحب من
    النصرة والمؤازرة والجد في الحرب.

    ثم اجتمعت الأوس مرة أخرى ، فأجالوا الرأي ، فقالوا : إن ظفرنا بالخروج لم
    نبق منهم أحداً ، ولم نقاتلهم كما كنا نقاتلهم. فقال حضير : يا معشر الأوس
    ، ما سميتم الأوس إلا لأنكم تؤسون الأمور الواسعة – أي تعالجون الأمور- .

    ثم طرحوا بين أيديهم تمراً ، وجعلوا يأكلون، وحضير الكتائب جالس وعليه
    بردة له قد اشتمل بها الصماء ، وما يأكل معهم، ولا يدنو إلى التمر غصباً
    وحنقاً ، فقال : يا قوم ، اعقدوا لأبي قيس بن الأسلت ، فقال لهم أبو قيس:
    لا أقبل ذلك ، فإني لم أرأس على قوم في حرب قط إلا هزموا وتشاءموا برياستي.

    ثم جاءتهم أوس مناة ، وقدمت مزينة ، فانطلق حضير وأبو عامر الراهب إلى أبي
    قيس ، فقالوا : جاءتنا مزينة واجتمع إلينا من أهل يثرب مالا قبل للخزرج به
    ، فما الرأي إن نحن ظهرنا عليهم : الإنجاز أم البقية ؟ فقال أبو قيس:
    اقتلوهم حتى يقولوا : بزابز – وهي كلمة كانوا يقولونها إذا غلبوا- . ثم
    اختلفوا في ذلك ، فأقسم حضير ألا يشرب الخمر ، أو يظهر ويهدم مزاحماً :
    أطم عبد الله بن أبي . ثم لبثوا شهرين يعدون ويستعدون.

    وكان اللقاء ببعاث ، وحشد الحيان فلم يتخلف عنهم إلا من لا ذكر له ، ولم
    يكونوا حشدوا قبل ذلك في يوم التقوا فيه. فلما رأت الأوس الخزرج أعظموهم
    وقالوا لحضير : يا أبا أسيد ، لو حاجزت القوم ، وبعثت إلى من تخلف من
    حلفائك من مزينة ؟ فطرح قوساً كانت في يده ثم قال : أنتظر مزينة، وقد نظر
    إليّ القوم ونظرت إليهم ! الموت قبل ذلك. واقتتلوا قتالاً شديداً ،
    فانهزمت الأوس حين وجدوا مس السلاح ، فولوا مصعدين في حرة قورى – موضع في
    نواحي المدينة - ، فنزل حضير ، وصاحت بهم الخزرج: أين الفرار ، فلما سمع
    حضير طعن بسنان رمحه فخذه ، ونزل وصاح: وعقراه والله لا أريم حتى أقتل فإن
    شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا ، فتعطفت عليه الأوس ، وقام وعلى
    رأسه غلامان من بني عبدالأشهل ، وهما يومئذ معرسان ذوا بطش ، فقاتلا حتى
    قتلا ، وأقبل سهم حتى أصاب عمرو بن النعمان البياضي رأس الخزرج فقتله ، لا
    يدرى من رمى به.

    ثم انهزمت الخزرج ، ووضعت الأوس فيهم السلاح ، وصاح صائح : يا معشر الأوس
    ، أسجحوا ولا تهلكوا إخوتكم، فتناهت الأوس وكفت عن سلبهم بعد إثخان فيهم ،
    وسلبهم قريظة والنضير.

    وحملت الأوس حضيراً من الجراح التي به ، وهم يرتجون حوله يقولون :
    كتيبة زينها مولاها ................................................لا كهلها هد ولا فتاها
    وجعلت الأوس تحرق على الخزرج نخلها ودورها. ثم خرج سعد بن معاذ الأشهلي ،
    حتى وقف على باب بني سلمة وأجارهم وأموالهم جزاء لهم بيوم الرعل – الرعل
    مال لعبد الأشهل ، ويوم الرعل يوم كانت فيه بنو سلمة أغارت على مال لبني
    عبد الأشهل وقاتلوهم ، فجرح سعد بن معاذ الأشهلي جراحة شديدة ، فاحتمله
    بنو سلمة إلى عمرو بن الجموح الخزرجي فأجاره وأخاه وأجار الرعل من الحريق
    وقطع الأشجار، فلما كان يوم بعاث جازاهم سعد -.

    وأقسم كعب بن أسد القرظي: ليذلن عبد الله بن أبي ، وليحلقن رأسه تحت حصنه
    مزاحم. فناداه كعب : انزل يا عدو الله ، فقال عبدالله : أنشدك الله ! ما
    خذلت عنكم. فسأل عما قال ، فوجده حقاً ، فرجع عنه.

    وخرج حضير الكتائب وأبو عامر الراهب حتى أتيا أبا القيس بن الأسلت بعد
    الهزيمة ، فقال له حضير : يا أبا قيس ، إن رأيت أن نأتي الخزرج قصراً
    قصراً وداراً داراً ، نقتل ونهدم حتى لا يبقي منهم أحد ! فقال أبو قيس :
    والله لا نفعل ذلك ، فغضب حضير وقال : ما سميتم الأوس إلا لأنكم تؤسون
    الأمر أوساً ، ولو ظفرت الخزرج بمثلها ما أقالونا. ثم انصرف إلى الأوس
    فأمرهم بالرجوع إلى ديارهم.

    وثقل على حضير الجرح ، فذهب به كليب بن عبدالأشهل إلى منزله ، فلبث عنده أياماً ، ثم مات.

    وعاد أبو قيس بن الأسلت إلى امرأته ،بعد أن مكث في الحرب أشهراً آثرها على
    كل شيء ، حتى شحب لونه وتغير ، فدق الباب ففتحت له ، فأهوى إليها بيده
    فدفعته وأنكرته ، فقال : أنا أبو قيس ، فقالت : والله ما عرفتك حتى تكلمت
    .

    أيام العرب في الجاهلية ، لمحمد أحمد جاد المولى وصاحباه ، ص 73

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:33


    يوم ذي قار







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009





    كان
    من أعظم أيام العرب ، وأبلغها في توهين أمر الأعاجم ، وهو يوم لبني شيبان
    ، وهوأول يوم انتصرت فيه العرب على العجم . وخبره كالتالي :

    ذكر كسرى بن هرمز يوماً الجمال العربي ، وكان في مجلسه رجل عربي يقال له :
    زيد بن عدي ، وكان النعمان قد غدر بأبيه وحبسه ثم قتله ، فقال له : أيها
    الملك العزيز إن خادمك النعمان بن المنذر عنده من بناته وأخواته وبنات عمه
    وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة .

    وأرسل كسرى زيداً هذا إلى النعمان ومعه مرافق لهذه المهمة ، فلما دخلا على
    النعمان قالا له : إن كسرى أراد لنفسه ولبعض أولاده نساءاً من العرب ،
    فأراد كرامتك ، وهذه هي الصفات التي يشترطها في الزوجات . فقال له ا
    لنعمان : أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته ؟ يا زيد
    سلّم على كسرى ، قل له : إن النعمان لم يجد فيمن يعرفهن هذه الصفات ،
    وبلغه عذري . ووصل زيد إلى كسرى فأوغر صدره ، وقال له : إن النعمان يقول
    لك : ستجد في بقر العراق من يكفينك .

    فطار صواب كسرى وسكت لكي يأمن النعمان بوائقه ، ثم أرسل إلى النعمان
    يستقدمه ، فعرف النعمان أنه مقتول لا محالة ، فحمل أسلحته وذهب إلى بادية
    بني شيبان حيث لجأ إلى سيدهم هانئ بن مسعود الشيباني وأودع عنده نسوته
    ودروعه وسلاحه ، وذهب إلى كسرى ، فمنعه من الدخول إليه وأهانه ، وأرسل
    إليه من ألقى القبض عليه ، وبعث به إلى سجن كان له ، فلم يزل به حتى وقع
    الطاعون هناك فمات فيه .

    وأقام كسرى على الحيرة ملكاً جديداً هو إياس بن قبيصة الطائي ، وكلفه أن
    يتصل بهانئ بن مسعود ويحضر ما عنده من نساء النعمان وسلاحه وعتاده ، فلما
    تلقى هانئ خطاب كسرى رفض تسليم الأمانات ، فخيره كسرى إما أن يعطي ما بيده
    ، أو أن يرحل عن دياره ، أو أن يحارب ، فاختار الحرب ، وبدأ يعد جيشاً من
    بكر بن وائل ومن بني شيبان ومن عجل ويشكر والنمر بن قاسط وبني ذهل .

    وفي أثناء ذلك جمع كسرى نخبة من أبطال الفرس ومن قبائل العرب التي كانت
    موالية له وخصوصاً قبيلة إياد ، ووجههم ليجتاحوا هانئاً ويحضروه صاغراً
    إلى كسرى.

    فلما وصل جيش كسرى وحلفاؤهم من العرب أرسلت قبيلة إياد إلى هانئ : نحن
    قدمنا إلى قتالك مرغمين ، فهل نحضر إليك ونفرّ من جيش كسرى؟ فقال لهم : بل
    قاتلوا مع جنود كسرى ، واصمدوا إلينا أولاً ، ثم انهزموا في الصحراء ، وإذ
    ذاك ننقض على جيش كسرى ونمزقهم .

    وقدم الجيش الفارسي وحلفاؤهم من إياد فوجدوا جيش هانئ قد اعتصم بصحراء لا
    ماء فيها ولا شجر ، وقد استقى هانئ لجيشه من الماء ما يكفيهم ،فبدأ الفرس
    يموتون من العطش ، ثم انقضوا على جيش هانئ كالصواعق ، وبينما هم في جحيم
    المعركة انهزمت قبيلة إياد أمام هانئ وانقضت على الفرس الذين حولها ،
    فأثخنت فيهم ومزقتهم ، وقتل كل أبطال فارس الذين أرسلهم كسرى لإحضار هانئ
    حياً ، فلما رجعت بعض فلول الفرس إلى كسرى إذا هم كالفئران الغارقة في
    الزيت .

    وكانت ساحة ذي قار أرضاً يغطي الزفت والقطران كثيراً من أرضها ، فلما رآهم
    كسرى على ذلك الشكل قال لهم : أين هانئ ؟ وأين أبطالكم الذين لا يعرفون
    الفرار، فسكتوا فصاح بهم ، فقالوا : لقد استقبلنا العرب في صحرائهم فتهنا
    فيها ومات جميع القادة وخانتنا قبيلة إياد حين رأوا بني جنسهم ، فكاد كسرى
    يفقد عقله ، ولم يمضي عليه وقت قصير حتى مات حسرة ، فتولى مكانه ابنه
    شيرويه .

    وقد حدث بعض من حضر يوم ذي قار أن قبائل بكر استصحبوا من خلفهم نساءهم
    وانقضوا على الجيش الفارسي ، فبرز أحد العلوج وطلب المبارزة فانقض عليه
    عربي من بني يشكر اسمه برد بن حارثة اليشكري فقتله ، وكان هانئ قد نصب
    كميناً من وراء الجيش الفارسي ، فانقض الكمين على الملك الجديد الذي كان
    كسرى عينه خلفاً للنعمان بن المنذر ، وفي أثناء ذلك أحس العرب روابط
    الأخوة التي تنتظمهم ، فانسحب من جيش فارس كثير من العرب الذين كانوا
    يعطون ولاءهم لفارس من قبائل تميم وقيس عيلان فانقضوا على الفرس الذين
    يلونهم بعد أن كانوا يدينون بالولاء لهم ، وعرف العرب أنهم كانوا مخدوعين
    بملك رخيص كان كسرى يضحك به على بعض أذنابه منهم .

    وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما بلغه انتصار قبائل بكر بقيادة هانئ
    بن مسعود الشيباني على عساكر الفرس قال : ( هذا أول يوم انتصف فيه العرب
    من العجم ، وبي نصروا ) .

    والحق أن انتصار العرب على العجم في ذي قار كان نواة لمعركة القادسية التي
    أعز الله فيها قبائل العرب بنور الإسلام ، ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام
    .

    أبطال ومواقف ، لأحمد فرح عقيلان ،ص 11 ، وأيام العرب في الجاهلية لمحمد أبو الفضل وآخرين ،ص6

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:40


    يوم الوقيط ( من أيام العرب في الجاهلية )









    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009




    يطلق
    يوم الوقيط على المعركة التي وقعت بين اللهازك وبني تميم ، وهي من الحروب
    التي قامت بين العرب بعضهم وبعض ، أو ما يسمى بالنزاعات الداخلية ، وما
    أكثرها قبل الإسلام !! .
    وكان
    من سببها أن اللهازم تجمعت، وهي قيس وتيم اللات ابنا ثعلبة بن عكابة بن
    صعب بن علي بن بكر بن وائل ومعها عجل بن لجيم وعنزة بن أسد بن ربيعة بن
    نزار لتغير على بني تميم وهم غارون.
    فرأى
    ذلك الأعور وهو ناشب بن بشامة العنبري، وكان أسيراً في قيس بن ثعلبة، فقال
    لهم: أعطوني رجلاً أرسله إلى أهلي أوصيهم ببعض حاجتي ، فقالوا له:ترسله
    ونحن حضور ؟ قال: نعم.
    فأتوه
    بغلام مولد، فقال: أتيتموني بأحمق ؟! فقال الغلام: والله ما أنا بأحمق !
    فقال: إني أراك مجنوناً ! قال: والله ما بي جنون ! قال: أتعقل ؟ قال: نعم
    إني لعاقل.
    قال: فالنيران أكثر أم الكواكب ؟ قال: الكواكب، وكلٌّ كثيرة، فملأ كفه رملاً وقال: كم في كفي ؟ قال: لا أدري فإنه لكثير.
    فأومأ
    إلى الشمس بيده وقال: ما تلك ؟ قال: الشمس. قال: ما أراك إلا عاقلاً، اذهب
    إلى قومي فأبلغهم السلام وقل لهم ليحسنوا إلى أسيرهم فإني عند قوم يحسنون
    إلي ويكرموني
    ، وقل لهم : فليعروا جملي الأحمر ويركبوا ناقتي
    العيسار بآية ما أكلنا منهم حيساً ، وليرعوا حاجتي في بني مالك، وأخبرهم
    أن العوسج قد أورق، وأن النساء قد اشتكت، وليعصوا همام بن بشامة فإنه
    مشئوم مجدودٌ، وليطيعوا هذيل بن الأخنس، فإنه حازم ميمون، واسألوا الحارث
    عن خبري.
    وسار
    الرسول فأتى قومه فأبلغهم، فلم يدروا ما أراد، فأحضروا الحارث وقصوا عليه
    خبر الرسول ، فقال للرسول : اقصص علي أول قصتك ، فقص عليه أول ما كلمه حتى
    أتى على آخره.
    فقال:
    أبلغه التحية والسلام ، وأخبره أنا نستوصي به ، فعاد الرسول؛ ثم قال لبني
    العنبر: إن صاحبكم قد بين لكم، أما الرمل الذي جعل في كفه فإنه يخبركم أنه
    قد أتاكم عددٌ لا يحصى
    ، وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول ذلك
    أوضح من الشمس، وأما جمله الأحمر فالصمان فإنه يأمركم أن تعروه، يعني
    ترتحلوا عنه، وأما ناقته العيساء فإنه يأمركم أن تحترزوا في الدهناء، وأما
    بنو مالك فإنه يأمركم أن تنذروهم معكم، وأما إيراق العوسج فإن القوم قد
    لبسوا السلاح، وأما اشتكاء النساء فإنه يريد أن النساء قد خرزن الشكاء،
    وهي أسقية الماء للغزو.
    فحذر
    بنو العنبر وركبوا الدهناء وأنذروا بني مالك، فلم يقبلوا منهم ، ثم إن
    اللهازم وعجلاً وعنزة أتوا بني حنظلة فوجدوا عمراً قد أجلت، فأوقعوا ببني
    دارم بالوقيط فاقتتلوا قتالاً شديداً ،
    وعظمت الحرب بينهم فأسرت
    ربيعة جماعةً من رؤساء بني تميم، منهم ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة
    فجزوا ناصيته وأطلقوه، وأسروا عثجل بن المأمون بن زرارة، وجويرة بن بدر بن
    عبد الله بن دارم، ولم يزل في الوثاق حتى رآهم يوماً يشربون، فأنشأ يتغنى
    يسمعهم ما يقول:
    وقائلةٍ ما غاله أن يزورنا ... وقد كنت عن تلك الزيارة في شغل
    وقد أدركتني والحوادث جمّةٌ ... مخالب قومٍ لا ضعافٍ ولا عزل
    سراعٍ إلى الجّلى بطاءٍ عن الخنا .. . رزانٍ لدى الباذين في غير ما جهل
    لعلّهم أن يمطروني بنعمةٍ ... كما صاب ماء المزن في البلد المحل
    فقد ينعش الله الفتى بعد ذلّةٍ .. . وقد تبتني الحسنى سراة بني عجل
    فلما
    سمعوا الأبيات أطلقوه ، وأسر أيضاً نعيم وعوف ابنا القعقاع بن معبد بن
    زرارة وغيرهما من سادات بني تميم، وقتل حكيم بن جذيمة بن الأصيلع النهشلي،
    ولم يشهدها من نهشل غيره.
    وعادت بكر فمرت بطريقها بعد الوقعة بثلاثة نفر من بني العنبر لم يكونوا ارتحلوا مع قومهم، فلما رأوهم طردوا إبلهم فأحرزوها من بكر.
    وأكثر الشعراء في هذا اليوم، فمن ذلك قول أبي مهوش الفقعسي يعير تميماً بيوم الوقيط:
    فما قاتلت يوم الوقيطين نهشل . .. ولا الأنكد الشؤمى فقيم بن دارم
    ولا قضبت عوفٌ رجال مجاشعٍ .. ولا قشر الأستاه غير البراجم
    وقال أبو الطفيل عمرو بن خالد بن محمود بن عمرو بن مرثد:
    حكّت تميمٌ بركها لّما التقت .. . راياتنا ككواسر العقبان
    دهموا الوقيط بجحفلٍ جمّ الوغى ... ورماحها كنوازع الأشطان
    المصدر : موقع التاريخ

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:41


    يوم الصفقة







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009





    قال ابن الكلبيّ :

    بعث كسرى أنو شروان إلى عامله باليمن بعير تحمل شجراً للقسي والسهام ،
    وكانت عير كسرى يحميها المقاتلون من المدائن حتى تدفع إلى النعمان بن
    المنذر بالحيرة ، والنعمان يحميها من بني ربيعة حتى تدفع إلى هوذة بن علي
    الحنفي باليمامة ، فيحميها حتى يخرجها من أرض بني حنيفة ، ثم تدفع إلى بني
    تميم ، وتجعل لهم جعالة – أي مكافأة – فتسير بها إلى أن تبلغ اليمن ،
    وتسلم إلى عمال كسرى باليمن .


    ولما بعث كسرى بهذه العير ووصلت إلى اليمامة قال هوذة بن علي للأساورة
    الذين يرافقونها: انظروا الذي تجعلونه لبني تميم فأعطونيه ، وأنا أكفيكم
    أمرهم ، وأسير بها معكم حتى تبلغوا مأمنكم .

    وخرج هوذة والأساورة والعير معهم من هجر ، حتى إذا كانوا بنطاع – واد
    باليمامة – بلغ بني تميم ما صنع هوذة ، فساروا إليهم وأخذوا ما كان معهم ،
    واقتسموه ، وقتلوا عامة الأساورة وسلبوهم ، وأسروا هوذة بن علي ، فاشترى
    هوذة نفسه بثلاثمائة بعير ، فساروا معه إلى هجر ، وأخذوا منه فداء .

    وعند ذلك عمد هوذة إلى الأساورة الذين أطلقهم بنو تميم – وكانوا قد سلبوا
    – فكساهم وحملهم ، ثم انطلق معهم إلى كسرى ، فدخل عليه وقص عليه أمر بني
    تميم وما صنعوا ، فدعا كسرى بكأس من ذهب فسقاه فيها ، وأعطاه إياها ،
    وكساه قباء ديباج منسوجاً بالذهب واللؤلؤ ، وقلنسوة قيمتها ثلاثون ألف
    درهم ، ودعا بعقد من در فعقد على رأسه .

    ثم إنه سأله عن ماله ومعيشته فأخبره أنه في عيش رغد ، وأنه يغزو المغازي
    فيصيب ، فقال له كسرى : كم ولدك ؟ قال : عشرة ، قال : فأيهم أحب إليك ؟
    قال : غائبهم حتى يقدم ، وصغيرهم حتى يكبر ، ومريضهم حتى يبرأ .

    قال كسرى : الذي أخرج منك هذا العقل حملك على أن طلبت مني الوسيلة ، ثم
    قال : يا هوذة ، رأيت هؤلاء الذين قتلوا أساورتي وأخذوا مالي ، أبينك
    وبينهم صلح ؟ قال هوذة : أيها الملك ، بيني وبينهم حساء الموت، وهم قتلوا
    أبي ، فقال كسرى : قد أدركت ثأرك ، فكيف لي بهم ؟ قال هوذة : إن أرضهم لا
    تطيقها أساورتك وهم يمتنعون بها ، ولكن احبس عنهم الميرة ، فإذا فعلت ذلك
    بهم سنة أرسلت معي جندا ًمن أساورتك ، فأقيم لهم السوق ، فإنهم يأتونها ،
    فتصيبهم عند ذلك خيلك .

    فعل كسرى ذلك ، وحبس عنهم الميرة في سنة مجدبة ، ثم أرسل إلى هوذة فأتاه ،
    فقال : إيت هؤلاء فاشفني منهم واشتف ، وأرسل معه ألفاً من الأساورة بقيادة
    رجل يقال له المكعبر ، فساروا حتى نزلوا المشقّر – حصن حياله حصن يقال له
    الملحم وبينهما نهر- من أرض البحرين ، وبعث هوذة إلى بني حنيفة فأتوه
    فدنوا من حيطان المشقر ، ثم نودي : إن كسرى قد بلغه الذي أصابكم في هذه
    السنة ، وقد أمر لكم بميرة ، فتعالوا فامتاروا .

    فانصب عليهم الناس وكان أعظم من أتاهم من سعد ، فجعلوا إذا أتوا إلى باب
    المشقر أدخلوا رجلاً رجلاً ، حتى يذهب به إلى المكعبر فتضرب عنقه ، وقد
    وضع سلاحه قبل أن يدخل ، فإذا مر رجل من بني تميم بينه وبين هوذة إخاء أو
    رجل يرجوه قال للمكعبر : هذا من قومي فيخليه له ، فنظر خيبرى بن عبادة إلى
    قومه يدخلون ولا يخرجون ، فقال : ويلكم ! أين عقولكم ؟ فوالله ما بعد
    السلب إلا القتل ، وتناول سيفاً ، وضرب سلسلة كانت على باب المشقر ،
    فقطعها وقطع يد رجل كان واقفاً بجانبها ، فانفتح الباب ، فإذا الناس
    يقتلون ، فثارت بنو تميم .

    فلما علم هوذة أن القوم قد نذروا به كلم المكعبر في مائة من خيارهم ، فوهبهم له يوم الفِصح .

    أيام العرب في الجاهلية ، لمحمد أبو الفضل وآخران ، ص 2

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:42


    يوم البرادان







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009





    كان
    حجر بن عمرو بن معاوية الكندى –كان يعرف بآكل المرار ، وهو جد امرئ القيس
    - قد أغار في كندة وربيعة على البحرين ، فبلغ زياد بن الهبولة – كان ملكاً
    على الشام - خبرهم ، فسار إلى كندة وربيعة وأموالهم ، وهم خلوف ، ورجالهم
    في غزاتهم المذكورة ، فأخذ الحريم والأموال ، وسبى منهم هند بنت ظالم زوج
    حجر ، وسمع حجر بغارة زياد فطلبه ، وصحبه من أشراف ربيعة : عوف بن محلم بن
    ذهل بن شيبان ، وعمرو بن أبي ربيعه بن ذهل بن شيبان وغيرهما ، فأدركوا
    عمراً بالبردان ، وقد أمن الطلب .

    فنزل حجر في سفح جبل ، ونزلت بكر وتغلب وكندة مع حجر دون الجبل. فتعجل عوف
    بن ملحم وعمرو بن أبي ربيعة وقالا لحجر : إنا متعجلان إلى زياد لعلنا نأخذ
    منه بعض ما أصاب منا ، فسارا إليه ، وكان بينه وبين عوف إخاء فدخل عليه
    وقال له : يا خير الفتيان : اردد عليّ امرأتي أمامة ، فردها عليه ، وهي
    حامل.

    ثم إن عمرو بن أبي ربيعة قال لزياد : يا خير الفتيان ، اردد عليّ ما أخذت
    من إبلي فردها عليه ، وفيها فحلها ، فنازعه الفحل إلى الإبل فصرعه عمرو ،
    فقال له زياد : ياعمرو ، لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل
    لكنتم أنتم أنتم. فقال له عمرو : لقد أعطيت قليلاً ، وسميت جليلاً ، وجررت
    على نفسك ويلاً طويلاً ، ولتجدن منه ، ولا والله لا تبرح حتى أروى سناني
    من دمك ، ثم ركض فرسه حتى صار إلى حجره فأخبره الخبر.

    فأقبل حجر في أصحابه حتى إذا كان بمكان يقال له الحفير ، أرسل سدوس بن
    شيبان وصليع بن عبد غنم يتجسسان له الخبر ، ويعلمان علم العسكر ، فخرجا
    حتى هجما على عسكره ليلاً ، وقد قسم الغنيمة ، وأطعم الناس تمراً وسمناً ،
    فلما أكل نادى : من جاء بحزمة حطب فله فدرة تمر – أي قدر تمر- ، فجاء سدوس
    وصليع بحطب ، فناولها تمراً ، وجلسا قريباً من قبته ، ثم انصرف صليع إلى
    حجر فأخبره بعسكر زياد ، وأراه التمر.

    وأما سدوس فقال : لا أبرح حتى آتيه بأمر جليّ ، وجلس مع القوم يتسمع ما
    يقولون. وهند امرأة حجر خلف زياد ، فقالت لزياد : إن هذا التمر أهدى إلى
    حجر من هجر ، والسمن من دومة الجندل.

    ثم تفرق أصحاب زياد عنه، فضرب سدوس يده إلى جليس له ، وقال له : من أنت ؟
    مخافة أن يستنكره الرجل ، فقال : أنا فلان بن فلان ، ودنا سدوس من قبة
    زياد بحيث يسمع كلامه ، ودنا زياد من هند امرأة حجر فقال لها : ما ظنك
    الآن بحجر ؟ فقالت : ما هو ظن ، ولكنه يقين ، وإنه والله لن يدع طلبك حتى
    يطالع القصور الحمر – تعنى قصور الشام – وكأني به في فوارس من بنى شيبان
    يذمرهم ويذمرونه – ذمره أي حضه ولامه وحثه- ، وهو شديد الكلب تزبد شفتاه ،
    وكأنه بعير آكل مرارا ،- المرار : شجر مر إذا أكلته الإبل قلصت شفتاها -
    فالنجاء النجاء ، فإن وراءك طالباً حثيثاً ، وجمعاً كثيفاً ، وكيداً
    متيناً ، ورأياً صليباً، فرفع يده فلطمها ، ثم قال لها : ما قلت هذا إلا
    من عجبك به ، وحبك له. فقالت : والله ما أبغضت ذا نسمة قط بغضي له ولا
    رأيت رجلاً أحزم منه نائماً ومستيقظاً ، إن كان لتنام عيناه فبعض أعضائه
    مستيقظ ، وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عسًا – العس : إناء
    كبير- من لبن ، فبينما هو ذات ليلة نائم وأنا قريب منه أنظر إليه إذ أقبل
    أسود سالخ – أسود سالخ : الشديد السواد من الحيات ، ويقال له سالخ لأنه
    يسلخ جلده كل عام - إلى رأسه فنحى رأسه ، فمال إلى يده فقبضها ، فمال إلى
    رجله فقبضها ، فمال إلى العس فشربه ثم مجه ، فقلت : يستيقظ فيضر به فيموت
    فأستريح منه ، فانتبه من نومه ، فقال : عليّ بالإناء ، فأتيته له ، فشمه
    ثم ألقاه فهريق ، فقال : أين ذهب الأسود ؟ فقلت : ما رأيته . فقال : كذبت
    والله ! وذلك كله بأذن سدوس ، فلما نامت الأحراس خرج يسري ليلته حتى صبح
    حجراً ، فقال :

    أتاك المرجفون برجم غيب ..... على دهش وجئتك باليقين
    فمن يك قد أتاك بأمر لبس ....قـد آتي بأمـر مستبيـن

    ثم قص عليه ما سمع به ، فأسف ونادى بالرحيل ، فساروا حتى انتهوا إلى عسكر
    ابن الهبولة ، فاقتتلوا قتالاً شديداُ ، فانهزم أصحاب ابن الهبولة ،
    وقتلوا قتلاً ذريعاً ، واستنفدت بكر وكندة ما كان بأيديهم من الغنائم،
    وعرف سدوس زياداً فحمل عليه فاعتنقه وصرعه ، وأخذه أسيراً ، فلما رآه عمرو
    بن أبي ربيعة حسده فطعن زياداً فقتله ، فغضب سدوس وقال : قتلت أسيري ،
    وديته دية ملك ، فتحاكما إلى حجر فحكم على عمرو وقومه لسدوس بدية مِلك ،
    وأعانهم من ماله ، وأخذ حجر زوجته هند فربطها في فرسين ، ثم ركضهما حتى
    قطعاها ، وقال فيها :
    إن من غره النساء بشيء........ بعد هند لجاهل مغـرور
    حلوة العين والحديث ومـر....كل شيء أجن منها الضمير
    كل أنثى – وإن بدا لك منها..آية الحب – حبها خيتعور
    والخيتعور : كل شيء يتلون ولا يدوم على حال . وسمي هذا اليوم يوم البرادان
    نسبة إلى مواضع كثيرة ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان ، ولم يعين
    الموضع الذي وقع فيه ذلك اليوم .

    أيام العرب في الجاهلية ، لمحمد أحمد جاد المولى وآخرون ، ص 42

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:43


    يـوم حـلـيمة







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009





    لما
    تولى المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة ، واستقر في ملكه سار إلى الحارث
    الغساني ملك الغساسنة طالباً بثأر أبيه عنده ، وبعث إليه : إني قد أعددت
    لك الكهول على الفحول ، فأجابه الحارث : قد أعددت لك المرد على الجرد.
    وسار المنذر حتى نزل بمرج حليمة ، وسار إليه الحارث أيضاً ، ثم اشتبكوا في
    القتال ، ومكثت الحرب أياماً ينتصف بعضهم من بعض.

    فلما رأى ذلك الحارث قعد في قصره ، ودعا ابنته حليمة ، وكانت من أجمل
    النساء ، فأعطاها طيباً وأمرها أن تطيب من مر بها من جنده ، فجعلوا يمرون
    بها وتطيبهم ، ثم نادى : يا فتيان غسان ، من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي.
    فقال لبيد بن عمرو الغسائي لأبيه : يا أبت ؟ أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول
    دونه لا محالة ، ولست أرضى فرسي فأعطني فرسك ، فأعطاه فرسه ، فلما زحف
    الناس واقتتلوا ساعة شد لبيد على المنذر فضربه ضربة ، ثم ألقاه عن فرسه ،
    وانهزم أصحاب المنذر من كل وجه ، ونزل لبيد فاحتز رأسه ، وأقبل به إلى
    الحارث وهو على قصره ينظر إليهم ، فألقى الرأس بين يديه ، فقال له الحارث
    : شأنك بابنة عمك – أي حليمة - ، فقد زوجتكها. فقال : بل أنصرف فأواسي
    أصحابي بنفسي ، فإذا انصرف الناس انصرفت.

    ورجع فصادف أخا المنذر قد رجع إليه الناس وهو يقاتل ، وقد اشتدت نكايته ،
    فتقدم لبيد فقاتل حتى قتل ، ولكن لخماً انهزمت ثانية ، وقتلوا في كل وجه،
    وانصرفت غسان بأحسن الظفر ، بعد أن أسروا كثيراً ممن كانوا مع المنذر من
    العرب.

    وكان من أسرهم الحارث مائة من بنى تميم ، فيهم شأس بن عبدة ، ولما سمع
    أخوه علقمة وفد إليه مستشفعاً ، وأنشده هذه القصيدة ، ومما قيل فيها:

    إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي................ لكلكلها والقصـر بين وجيب
    لتبلغني دار امرئ كان نائيــــــــا...........فقد قربتني من نداك قـروب
    وأنت امـرؤ أفضت إليك أمانتي................... وقبلك ربتني فضعت ربــوب
    فأدت بنو كعب بن عوف ريبها...................وغودر في بعض الجـنود ربيب
    فوالله لولا فارس الجـون منهم ..................لآبوا خـزايـا والإياب حبــيب
    تقدمــه حتى تغيب حجــولــــه ............... وأنت لبيض الدار عين ضروب
    مظاهر سربالي حديد عليهمــا.......................عقيلا سيوف مخذم ورسوب
    فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم..................وقد حان من شمس النهار غروب
    وقاتل من غسان أهل حفاظه ....................... وهنب وفأس جـالدت وشبب
    تخشخش أبدان الحديد عليهـم................... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب
    تجـود بنفس لا يجاد بمثلهــــا............... وأنت بها يوم اللقــاء خصيب
    كأن رجال الأوس تحت لبانــه ...................... وما جمعت جل معاً وعتيب
    رغا فوقهم سقب السماء فداحض..................... بشكته لم يستلب وسـليب
    كأنهم صابت عليهـم سحابـة......................... صواقعها لطيرهـن ريب
    فلم تنج إلا شطبـة بلجامهـــا................... وإلا طمر كالقناة نجيب
    وإلا كمي ذو حفــاظ كأنه.................... بما ابتل من حد الظباة خصيب
    وأنت الذي آثاره في عـدوه....................من البؤس والنعمى لهن ندوب
    وفي كل حي قد خبطت بنعمة ....................... فحث لشأس من نداك ذنوب
    فلا تحرمني نائلاً عن جنابة.................... فإني امرؤ وسط القباب غريب

    ولما بلغ إلى قوله : ( فحق لشأس من نداك ذنوب) ، قال الملك : أي والله
    وأذنبة ، ثم أطلق شأساً وقال له : إن شئت الحباء ، وإن شئت أسراء قومك.
    وقال لجلسائه : إن اختار الحباء على قومه فلا خير فيه ، فقال : أيها الملك
    ، ما كنت لأختار على قومي شيئاً ، فأطلق له الأسرى من تميم وكساه وحباه ،
    وفعل ذلك بالأسرى جميعهم وزودهم زاداً كثيراً ، فلما بلغوا بلادهم أعطوا
    جميع ذلك لشأس وقالوا له : أنت كنت السبب في إطلاقنا ، فاستعن بهذا على
    دهرك ، فحصل له كثير من إبل وكسوة وغير ذلك.

    وفي هذا اليوم ضرب المثل : ما يوم حليمة بسر .

    أيام العرب في الجاهلية ، لمحمد أحمد جاد المولى وآخرين ، ص 54

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:47


    حروب الفجار







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009




    اليوم الأول :

    كانت حروب الفجار بين كنانة وقيس، سميت الفجار لأنها كانت في الأشهر الحرم
    ، وهي الشهور التي يحرمونها ففجروا فيها ، وهي فجاران ؛ الفجار الأول
    ثلاثة أيام ، والفجار الثاني خمسة أيام في أربع سنين ، وقد حضر النبي صلى
    الله عليه وسلم يوم عكاظ مع أعمامه وكان يناولهم النبل ، وانتهت سنة 589م .


    كان بدر بن معشر الغفاري رجلا منيعاً مستطيلاً بمنعته على من ورد عكاظ.
    وفي أحد المواسم بعكاظ اتخذ مجلساً بها ، وقعد فيه ، وجعل يتطاول على
    الناس ويقول :
    نحن بنو مدركة بن خندق....من يطعنوا في عينه لا يطرف
    ومن يكونوا قومه بغطرف....كأنـهم لجــة بحـــر مسدف
    [ ومعنى يغطرف في البيت الثاني مأخوذ من الغطريف وهو السيد الشريف السخي الكثير الخير ، ومسدف أي مظلم ] .

    ثم مد رجله وقال : أنا أعز العرب ، فمن زعم أنه أعز منى فليضربها بالسيف !
    فوثب رجل من بنى نصر بن معاوية ، فضربه بالسيف على ركبته فأندرها –أي
    قطعها - ، ثم قال : خذها إليك أيها المخندف - وهو ماسك سيفه - ثم قام رجل
    من هوازن فقال :
    أنا ابن همدان ذو التغطرف... بحر بحور زاخر لم ينزف
    نحن ضربنا ركبة المخندق.....إذ مدها في أشهر المعرف
    [ ومعنى أشهر المعرف أي الموقف بعرفات ] .

    قال أبو عبيدة : فتحاور الحيان عند ذلك ، حتى كاد أن يكون بينهما الدماء ، ثم تراجعوا ورأوا أن الخطب يسير.

    اليوم الثاني :

    قالوا : إن شباباً من قريش وكنانة كانوا ذوى غرام ، فرأوا امرأة من بنى
    عامر وضيئة حسانة بسوق عكاظ جالسة ، عليها برقع لها ، وقد اكتنفها شباب من
    العرب وهي تحدثهم.

    فجاء الشباب من قريش وكنانة ، وأطافوا بها وسألوها أن تسفر ، فأبت ، فقام
    أحدهم فجلس خلفها وحل طرف ردائها ، وشده إلى فوق حجزتها [ أي فوق معقد
    الإزار من السراويل ] بشوكة وهي لا تعلم، فلما قامت انكشف درعها عن ظهرها
    ، فضحكوا وقالوا : منعتنا النظر إلى وجهك ، وجُدت لنا بالنظر إلى ظهرك.

    فنادت : يال عامر ! فساروا وحملوا السلاح ، وحملته كنانة ، واقتتلوا ،
    ووقعت بينهم دماء يسيرة ، فتوسط حرب بن أمية ، واحتمل دماء القوم ، وأرضى
    بني عامر من مثلة صاحبتهم.

    اليوم الثالث :

    كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن دين على رجل من كنانة، فلواه به [ أي
    ماطله ] وطال اقتضاؤه إياه، فلم يعطه شيئاً ، فلما أعياه وافاه الجشمي في
    سوق عكاظ بقرد وجعل ينادي : من يبيعني مثل هذا الرباح [ أي القرد ] بمالي
    على فلان بن فلان الكناني ! من يعطيني مثل هذا بمالي على فلان بن فلان
    الكناني ! رافعاً صوته بذلك ، فلما طال نداؤه بذلك ، وتعييره به كنانة مر
    به رجل منهم ، فضرب القرد بسيفه فقتله ، فهتف الجشمي : يا آل هوازن ! هتف
    الكناني : يا آل كنانة ! فتجمع الحيان حتى تحاجزوا ، ولم يكن بينهم قتلى ،
    ثم كفوا وقالوا : أفي رباح تريقون دماءكم وتقتلون أنفسكم ! وأصلح عبد الله
    بن جدعان بينهم.

    أيام العرب في الجاهلية ، لمحمد أحمد جاد المولى وصاحباه ، ص 322

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 13:49


    حرب البسوس .. دامت أربعين سنة







    كتب:





    12/رمضان/1430 الموافق 02/09/2009






    وقعت
    هذه الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل ، وقد مكثت أربعين سنة ، وقعت فيها هذه
    الأيام : يوم النهى ، ويوم الذنائب ، ويوم واردات ، ويوم عنيزة ، ويوم
    القصيبات ، ويوم تحلاق اللمم ، وجميعها أسماء مواضع تمت فيها الحروب ،
    ماعدا تحلاق اللمم لأن بني بكر حلقوا فيه جميعاً رؤوسهم فسمي بذلك.
    وانتصرت تغلب في أربع حروب، وبكر في واحدة، وتكافأت القبيلتان في حرب
    واحدة.

    وهذه قصة هذه الحروب:

    لما فض كليب بن ربيعة – اسمه وائل وكليب لقبه ، ولد سنة 440 م ، ونشأ في
    حجر أبيه ، ودرب على الحرب ، ثم تولى رئاسة الجيش : بكر وتغلب زمناً حتى
    قتله جساس بن مرة سنة 494 م - جموع اليمن في خزازى وهزمهم اجتمعت عليه معد
    كلها ، وجعلوا له قسم الملك وتاجه وطاعته ، وغبر بذلك حيناً من دهره ، ثم
    دخله زهو شديد ، وبغى على قومه لما هو فيه من عزة وانقياد معدّ له ، حتى
    بلغ من بغيه ، أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه ، وإذا جلس لا يمر
    أحد بين يديه إجلالاً له ، لا يختبئ أحد في مجلسه غيره ، ولا يغير إلا
    بإذنه ، ولا تورد إبل أحد ، ولا توقد مع ناره ، ولم يكن بكرى ولا تغلبي
    يجير رجلا ولا بعيراً أو يحمى إلا بأمره .

    وكان يجبر على الدهر فلا تخفر ذمته ، وكان يقول : وحش أرض في جواري ، فلا
    يهاج ! وكان هو الذي ينزل القوم منازلهم ويرحلهم ، ولا ينزلون ولا يرحلون
    إلا بأمره ، وقد بلغ من عزته وبغيه أنه اتخذ جرو كلب ، فكان إذا نزل به
    كلأ قذف ذلك الجر وفيه فيعوى ، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه ، وكان
    يفعل هذا بحياض الماء فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب ، فضرب به
    المثل في العز فقيل : أعز من كليب وائل ، وكان يحمى الصيد فيقول : صيد
    ناحية كذا وكذا في جواري فلا يصيد أحد منه شيئاً.

    وتزوج كليب جليلة بنت مرة بن ذهل بن شيبان، وكان لمرة عشرين بنين جساس
    أصغرهم ، وكانت بنو جشم ، وبنو شيبان تقيم في دار واحدة إرادة الجماعة
    ومخافة الفرقة.

    وحدث أن كليباً دخل على امرأته جليلة يوماً فقال لها: هل تعلمين على الأرض
    أمنع مني ذمة ؟ فسكتت، ثم أعاد عليها الثانية فسكتت، ثم أعاد عليها
    الثالثة فقالت: نعم، أخي جساس – وهو جساس بن مرة ، كان فارساً شهماً أبياً
    ، وكان يلقب الحامي الجار ، المانع الذمار ، وهو الذي قتل كليباً ، مات
    سنة 534 م - وندمانه، ابن عمه عمرة المزدلف بن أبى ربيعة بن ذهل ابن
    شيبان.فسكت كليب ، ومضت مدة ، وبينما هي تغسل رأسه وتسرحه ذات يوم إذ قال
    لها : من أعز وائل ؟ قالت: أخواي جساس وهمام. فنزع رأسه من يدها وخرج.

    وكانت لجساس خالة اسمها البسوس بنت منقذ، جاءت ونزلت على ابن أختها جساس،
    فكانت جارة لبنى مرة، ولها ناقة خوارة، ومعها فصيل لها، فلما خرج كليب
    غاضباً من قول زوجه جليلة رأى فصيل الناقة فرماه بقوسه فقتله. وعلمت بنو
    مرة بذلك، فأغمضوا على ما فيه وسكتوا، ثم لقي كليب ابن البسوس فقال له: ما
    فعل فصيل ناقتكم ؟ فقال: قتلته وأخليت لنا لبن أمه، وأغمضت بنو مرة على
    هذا أيضاً.

    ثم أن كليباً أعاد القول على امرأته فقال: من أعز وائل ؟ فقالت: أخواي !
    فأضمرها في نفسه وأسرها وسكت، حتى مرت به إبل جساس وفيها ناقة البسوس،
    فأنكر الناقة، ثم قال: ما هذه الناقة ؟ قالوا: لخالة جساس. فقال: أو بلغ
    من أمر ابن السعدية – أي جساس - أن يجير عليّ بغير إذني ؟ ارم ضرعها يا
    غلام، فأخذ القوس ورمى ضرع الناقة، فاختلط دمها بلبنها.

    وراحت الرعاة على جساس فأخبروه بالأمر، وولت الناقة ولها عجيج حتى بركت
    بفناء البسوس، فلما رأتها صاحت: واذلاه ! فقال لها جساس: اسكتي فلك بناقتك
    ناقة أعظم منها، فأبت أن ترضى حتى صاروا لها إلى عشر، فلما كان الليل
    أنشأت تقول – بخطاب سعداً أخا جساس وترفع صوتها تسمع جساساً:

    يا أبا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل.. فإني في قوم عن الجار أموات
    ودونك أذوادي إليك فإنني.. محاذرة أن يغدروا ببنياتي
    لعمرك لو أصبحت في دار منقذ..لما ضم سعد وهو جار لأبياتي
    ولكنني أصبحت في دار معشر..متى يعد فيها الذئب يعدو وعلى شاتي

    فلما سمعها جساس قال لها: اسكتي لا تراعي: إني سأقتل جملاً أعظم من هذه
    الناقة، سأقتل غلالاً - وهو فحل إبل كليب لم ير في زمانه مثله، وإنما أراد
    جساس بمقالته كليباً -.

    ثم ظعن ابنا وائل بعد ذلك، فمرت بكر على نهى - أي غدير - يقال له شبيث ،
    فنفاه، كليب عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على نهى آخر يقال له
    الأحص ، فنفاهم عنه وقال : لا يذوقون منه قطرة ، ثم مروا على بطن الجريب -
    واد عظيم - فمنعهم إياه ، فمضوا حتى نزلوا الذنائب ، واتبّعهم كليب وحيه
    حتى نزلوا عليه ، فمر عليه جساس ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل ، وهو
    واقف على غدير الذنائب ، فقال له : طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم
    عطشا ! فقال كليب : ما منعناهم من ماء إلا ونحن له شاغلون. فقال له : هذا
    كفعلك بناقة خالتي ، فقال له : أوقد ذكرتها أما إني لو وجدتها في غير إبل
    مرة لا ستحللت تلك الإبل بها ، أتراك مانعي أن أذب عن حماي ، فعطف عليه
    جساس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضني – الحضن مادون الإبط إلى الكشح- .

    فلما تداءمه الموت قال: يا جساس ، اسقني من الماء. فقال : ما علقت
    استسقاءك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه. فالتفت إلى عمرو وقال له: يا
    عمرو ، أغثني بشربة ماء ، فنزل إليه وأجهز عليه .

    وأمال جساس يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله على فرسه يركضه ، وقد بدت
    ركبتاه ، ولما رأته أخته قالت لأبيها : إن ذا لجساس آتى كاشفاً ركبتاه ،
    فقال : والله ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم.

    فلما جاء جساس قال له : ما وراءك يا بني ؟ قال : ورائي أني قد طعنت طعنة
    لتشغلن بها شيوخ وائل زمنا. قال: وماهي ؟ لأمك الويل أقتلت كليبا؟ فقال :
    نعم ، فقال أبوه : إذن نسلمك بجريرتك ، ونريق دمك في صلاح العشيرة ، والله
    لبئس ما فعلت ! فرقت جماعتك، وأطلت حربها ، وقتلت سيدها في شارف من الإبل
    ، والله لا تجتمع وائل بعدها ، ولا يقوم لها عماد في العرب ، ولقد وددت
    أنك وإخوتك كنتم متم قبل هذا ، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل ، فأقبل
    قوم مرة عليه وقالوا : لا تقل هذا ولا نفعل فيخذلوه وإياك ، فأمسك مرة .

    ولما قتل كليب اجتمع نساء الحي للمأتم، فقلن لأخت كليب: رحلي جليلة من
    مأتمك ، فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب ، فقالت لها : يا هذه
    ، اخرجي عن مأتمنا ، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا ، فخرجت وهي تجر
    أعطافها ، فقالت لها أخت كليب : رحلة المعتدي وفراق الشامت ، ويل غداً لآل
    مرة ، من السكرة بعد السكرة، فبلغ قولها جليلة فقالت : وكيف تشمت الحرة
    بهتك سترها ، وترقب وترها ،أسعد الله جد أختي ، أفلا قالت : نفر الحياء ،
    وخوف الاعتداء .

    ولما ذهبت إلى أبيها مرة قال لها: ما وراءك يا جليلة ؟ فقالت: ثكل العدد
    وحزن الأبد ، وفقد حليل ، وقتل أخ عن قليل ، وبين ذين غرس الأحقاد ، وتفتت
    الأكباد ، فقال لها : أو يكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات ؟ فقالت: أمنية
    مخدوع ورب الكعبة أبا لبدن تدع لك تغلب دم ربها.

    وكان همام بن مرة ينادم المهلهل أخا كليب وعاقده ألا يكتمه شيئاً. فلما
    ظعن مره بأهله أرسل إلى ابنه همام فرسه مع جارية ، وأمره أن يظعن ويلحق
    بقومه. وكانا جالسين، فمر جساس يركض به فرسه مخرجاً فخذيه، فقال همام : إن
    له لأمراً ، والله ما رأيته كاشفاً فخذيه قط في ركض ، ولم يلبث إلا قليلاً
    حتى انتهت الجارية إليها ، وهما معتزلان في جانب الحي. فوثب همام إليها،
    فسارته أن جساساً قتل كليباً، وأن أباه قد ظعن مع قومه، فأخذ همام الفرس
    وربطه إلى خيمته ورجع ، فقال له المهلهل : ما شأن الجارية والفرس ؟ وما
    بالك ؟ فقال: اشرب ودع عنك الباطل، قال: وما ذاك ؟ فقال: زعمت أن جساساً
    قتل كليباً، فضحك المهلهل، وقال: همة أخيك أضعف من ذلك، فسكت. ثم أقبلا
    على شرابهما ، فجعل مهلهل يشرب شرب الآمن ، وهمام يشرب شرف الخائف ، ولم
    تلبث الخمر أن صرعت مهلهلا ، فانسل همام وأتى قومه من بنى شيبان ، وقد
    قوضوا الخيام ، وجمعوا الخيل والنعم ، ورحلوا حتى نزلوا بما يقال له النهى.

    ورجع المهلهل إلى الحي سكران ، فرآهم يعقرون خيولهم ، ويكسرون رماحهم
    وسيوفهم ، فقال : ويحكم ما الذي دهاكم ؟ فلما أخبروه الخبر قال : لقد
    ذهبتم شر مذهب ، أتعقرون خيولكم حين احتجتم إليها ؟ وتكسرون سلاحكم حين
    افتقرتم إليه. فانتهوا عن ذلك، ورجع إلى النساء فنهاهن عن البكاء وقال:
    استبقين للبكاء عيوناً تبكى إلى آخر الأبد.

    ولما أصبح غدا إلى أخيه فدفنه، وقام على قبره يرثيه ، وما زال المهلهل
    بيكي أخاه ويندبه ، ويرثيه بالأشعار ، وهو يجتزئ بالوعيد لبنى مرة ، حتى
    يئس قومه ، وقالوا : إنه زير نساء ، وسخرت منه بكر ، وهمت بنو مرة بالرجوع
    إلى الحمى ، وبلغ ذلك المهلهل فانتبه للحرب ، وشمر ذراعيه ، وجمع أطراف
    قومه ، ثم جز شعره ، وقصر ثوبه ، وآلى على نفسه ألا يهتم بلهو ولا يشم
    طيباً ، ولا يشرب خمراً ، ولا يدهن بدهن حتى يقتل بكل عضو من كليب رجلاً
    من بنى بكر بن وائل.

    وحث بنى تغلب على الأخذ بالثأر ، فقال له أكابر قومه : إننا نرى ألا تعجل
    بالحرب حتى نعذز إلى إخواننا ، فبالله ما تجدع بحرب قومك إلا أنفك ، ولا
    تقطع إلا كفك ! فقال: جدعه الله أنفاً ، وقطعها كفاً ، والله لا تحدثت
    نساء تغلب أني أكلت لكليب ثمناً ولا أخذت له دية ، فقالوا : لا بد أن تغض
    طرفك وتخفض جناحك لنا ولهم ، فكره المهلهل أن يخالفهم فينفضوا من حوله ،
    فقال: دونكم ما أردتم.

    وانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل فعظموا ما بينهم
    وبينه، وقالوا له: إنكم أتيتم أمراً عظيماً بقتلكم كليباً بناب من الإبل،
    وقطعتم الرحم، ونحن نكره العجلة عليكم دون الإعذار، وإننا نعرض عليكم إحدى
    ثلاث، لكم فيها مخرج ولنا مرضاة.

    إما أن تدفعوا إلينا جساساً فنقتله بصاحبنا، فلم يظلم من قتل قاتله ، وإما
    أن تدفعوا إلينا هماماً فإنه ند لكليب ، وإما أن تقيدنا من نفسك يا مرة ،
    فإن فيك رضا القوم.

    فسكت وقد حضرته وجوه بنى بكر بن وائل فقالوا: تكلم غير مخذول ، فقال: أما
    جساس فغلام حديث السن ركب رأسه ، فهرب حين خاف ، فوالله ما أدري أي البلاد
    انطوت عليه . وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم لصيح بنوه
    في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره. وأما أنا فلا أتعجل الموت
    ، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل ! لكن هل لكم في غير
    ذلك ؟ هؤلاء بنيّ فدونكم أحدهم فاقتلوه ، وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها
    لكم بكر بن وائل. فغضبوا وقالوا : إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك ، ولا
    لتسومنا اللبن. ورجعوا فأخبروا المهلهل، فقال: والله ما كان كليب بجزور
    نأكل له ثمناً.

    واعتزلت قبائل من بكر الحرب ، وكرهوا مساعدة بني شيبان ومجامعتهم على قتال
    إخوتهم ، وأعظموا قتل جساس كليباً بناب من الإبل ، فظعنت عجل عنهم ، وكفت
    يشكر على نصرتهم ، ودعت تغلب النمر من قاسط فانضمت إليها ، وصاروا يداً
    معهم على بكر ، ولحقت بهم عقيل بنت ساقط.

    وكان الحارث بن عباد بن ضبيعة من قيس بن ثعلبة من حكام بكر وفرسانها
    المعدودين، فلما علم بمقتل كليب أعظمه ، واعتزل بأهله وولد إخوته وأقاربه
    ، وحل وتر قوسه ، ونزع سنان رمحه.

    ووقعت الحرب بين الحيين، وكانت وقعات مزاحفات يتخللها مغاورات، وكان الرجل
    يلقى الرجل والرجلان والرجلين هكذا ، وأول وقعة كانت على ماء لهم يقال له
    النهى كان بنو شيبان نازلين عليه ، ورئيس تغلب المهلهل ورئيس شيبان الحارث
    بن مرة فكانت الدائرة لتغلب ، وكانت الشوكة في شيبان ، واستحر القتال فيهم
    ، إلا أنه لم يقتل ذلك اليوم أحد من بني مرة.

    ثم التقوا بالذنائب فظفرت بنو تغلب ، وقتلت بكر مقتلة عظيمة ، ثم التقوا
    بواردات فظفرت بنو تغلب ، وكان جساس بن مرة وغيره طلائع قومهم وأبو نويرة
    التغلبي طلائع قومهم أيضاً ، فالتقوا بعض الليالي فقال له أبو نويرة :
    اختر إما الصراع أو الطعان ، أو المسايفة – أي التضارب بالسيوف- ، فاختار
    جساس الصراع فاصطرعا ، وأبطأ كل واحد منهما على أصحاب حيه ، وطلبوهما
    فأصابوهما وهما يصطرعان ، وقد كاد جساس يصرعه ففرقوا بينهما.

    ثم التقوا بعنيزة فتكافأ الحيان، ثم التقوا بالقصيبات وكانت الدائرة على
    بكر ، وقتل في ذلك اليوم همام بن مرة أخو جساس ، فمر به مهلهل مقتولاً
    فقال له : والله ما قتل بعد كليب قتيل أعز عليّ فقداً منك.

    ثم كانت بينهم معاودة ووقائع كثيرة، كل ذلك كانت الدائرة فيها لبنى تغلب،
    ثم إن تغلب جعلت جساساً أشد الطلب، فقال له أبوه مرة: الحق بأخوالك
    بالشام، فامتنع، فألح عليه أبوه فسيره سراً في خمسة نفر ، وبلغ الخبر
    مهلهل ، فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلاً من شجعان أصحابه ، فساروا
    مجدين، فأدركوا جساساً فقاتلهم ، فقتل أبو نويرة وأصحابه ولم يبق منهم غير
    رجلين ، وجرح جساس جرحاً شديداً مات منه ، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين
    أيضاً، فعاد كل واحد من السالمين إلى أصحابه.

    فلما سمع مرة بقتل ابنه جساس قال: إنما يحزنني أن كان لم يقتل منهم أحداً،
    فقيل له: إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم، وقتل معه خمسة عشر رجلاً ما
    شركه أحد منا في قتلهم، وقتلنا نحن الباقين، فقال: ذلك مما يسكن قلبي عن
    جساس.

    فلما قتل جساس أرسل أبوه مرة إلى مهلهل: إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساساً
    فاكفف عن الحرب، ودع اللجاج والإسراف، فهو أصلح للحيين وأنكأ لعدوهم، فلم
    يجب إلى ذلك.

    ثم إن بنى بكر اجتمعوا إلى الحارث بن عباد، وقالوا له: قد فني قومك !
    فأرسل بجيراً ابن أخيه إلى مهلهل وقال له: قل له: إني قد اعتزلت قومي
    لأنهم ظلموك، وخليتك وإياهم ، وقد أدركت ثأرك وقتلت قومك. فأتاه بجبر فهمّ
    المهلهل بقتله ، فقال له امرؤ القيس بن أبان – وكان من أشراف بنى تغلب
    وكان على مقدمتهم زمناً - : لا تفعل ، فوالله لئن قتله ليقتلن به منكم كبش
    ، لا يسأل عن خاله من هو ؟ وإياك أن تحقر البغي ، فإن عاقبته وخيمة ، وقد
    اعتزلنا عمه وأبوه وأهل بيته. فأبى مهلهل إلا قتله، فطعنه بالرمح وقتله
    وقال له: (بؤ بشسع نعل كليب)! فلما بلغ قتله الحارث – وكان من أحلم أهل
    زمانه وأشدهم بأساً- قال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل ! فقيل له:
    إنما قتله بشسع نعل كليب، فلم يقبل ذلك.

    وأرسل الحارث إلى مهلهل: إن كنت قتلت بجير بكليب، وانقطعت الحرب بينكم
    وبين إخوانكم فقد طابت نفسي بذلك. فأرسل إليه مهلهل: إنما قتلته بشسع نعل
    كليب ! فغضب الحارث ودعا بفرسه – وكانت تسمى النعامة – فجز ناصيتها وهلب
    ذنبها- الهلب: الشعر كله وقيل في الذنب وحده -.

    ثم ارتحل الحارث مع قومه، حتى نزل مع جماعة بكر بن وائل، وعليهم يومئذ
    الحارث بن همام، فقال الحارث بن عباد له : إن القوم مستقلون قومك ، وذلك
    زادهم جرأة عليكم ، فقاتلهم بالنساء ، قال له الحارث بن همام : وكيف قتال
    النساء ؟ فقال : قلد كل امرأة إداوة من ماء ، وأعطها هراوة ، واجعل جمعهن
    من ورائكم ، فإن ذلكم يزيدكم اجتهاداً ، وعلموا قومكم بعلامات يعرفنها ،
    فإذا مرت امرأة على صريع منكم عرفته بعلامته فسقته من الماء ونعشته ، وإذا
    مرت على رجل من غيركم ضربته بالهراوة فقتلته ، وأتت عليه.

    فأطاعوه، وحلقت بنو بكر يومئذ رؤوسها، استبسالاً للموت ، وجعلوا ذلك علامة
    بينهم وبين نسائهم ، وقال جحدر بن ضبيعة- وإنما سمي جحدراً لقصره - : لا
    تحلقوا رأسي ، فإني رجل قصير ، ولا تشينوني ، ولكن أشتريه منكم بأول فارس.
    يطلع عليكم من القوم، فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله.

    واقتتل الفرسان قتالا شديداً ، وانهزمت بنو ثغلب ، ولحقت بالظعن بقية
    يومها وليلتها ، واتبعهم سرعان بكر بن وائل ، وتخلف الحارث بن عباد ، فقال
    لسعد بن مالك : أتراني ممن وضعته الحرب ! فقال : لا ، ولكن لا مخبأ لعطر
    بعد عروس.

    وأسر الحارث مهلهلاً بعد انهزام الناس وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على
    المهلهل. قال: ولي دمي ؟ فقال: ولك دمك، قال: ولى ذمتك وذمة أبيك ؟ قال:
    نعم ، ذلك لك. قال المهلهل- وكان ذا رأي ومكيدة- : فأنا مهلهل خدعتك عن
    نفسي ، والحرب خدعة، فقال : كافئني بما صنعت لك بعد جرمك ودلني على كفء
    لبجير ، فقال : لا أعلمه إلا امرأ القيس بن أبان ، هذاك علمه. فجز ناصيته
    وأطلقه ، وقصد امرئ القيس فشد عليه فقتله .

    فلما رجع مهلهل بعد الوقعة والأسر إلى أهله جعل النساء والوالدان
    يستخبرونه: تسأل المرأة عن زوجها وابنها وأخيها، والغلام عن أبيه وأخيه
    ،ثم إن مهلهلاً قال لقومه : قد رأيت أن تبقوا على قومكم ، فإنهم يحبون
    صلاحكم ، وقد أتت على حربكم أربعون سنة ، وما لمتكم على ما كان من طلبكم ،
    فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت تمل من طولها ، فكيف وقد فني
    الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد ، ورب نائحة لا تزال تصرخ في النواحي ،
    ودموع لا ترفأ ، وأجساد لا تدفن ، وسيوف مشهورة ، ورماح مشرعة ، وإن القوم
    سيرجعون إليكم غداً بمودتهم ومواصلتهم ، وتتعطف الأرحام حتى تتواصوا ، أما
    أنا فما تطيب نفسي أن أقيم فيكم، ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب، وأخاف
    أن أحملكم على الاستئصال ، وأنا سائر عنكم إلى اليمن.

    ثم خرج حتى لحق بأرض اليمن، فخطب إليه أحدهم ابنته فأبى أن يفعل، فأكرهوه
    وساقوا إليه أدَماً في صداقها فأنكحها إياه ، وكان قد بلغ قبائل بكر وتغلب
    زواج سليمى في مذحج ، وكان بين القومين منافسة ونفور، فغضبوا وأنفوا،
    وقصدوا بلاد القوم فأخذوا المرأة وأرجعوها إلى أبيها بعد أن أسروا زوجها.

    وملت جموع تغلب الحرب فصالحوا بكراً، ورجعوا إلى بلادهم ، وتركوا الفتنة ،
    ولم يحضر المهلهل صلحهم ، ثم اشتاق إلى أهله وقومه ، ولجت عليه ابنته
    سليمي بالمسير إلى الديار ، فأجابها إلى ذلك ، ورجع نحو قومه ، حتى قرب من
    قبر أخيه كليب ، وكانت عليه قبة رفيعة ، فلما رآه خنقته العبرة ، وكان تحت
    بغل نجيب، فلما رأى البغل القبر في غلس الصبح نفر منه هارباً ، فوثب عنه
    المهلهل ، وضرب عرقوبيه بالسيف ، وسار بعد ذلك حتى نزل في قومه زماناً ،
    وما وكده – أي قصده - إلا الحرب ، ولا يهم بصلح ، ولا يشرب خمراً ، ولا
    يلهو بلهو ، ولا يحل لأمته ، ولا يغتسل بماء ، حتى كان جليسه يتأذى منه من
    رائحة صدأ الحديد.

    فلما كان ذات يوم دخل عليه رجل من تغلب اسمه ربيعة بن الطفيل، وكان له
    نديماً، فلما رأى ما به قال : أقسمت عليك أيها الرجل لتغتسلن بالماء
    البارد ، ولتبلن ذوائبك بالطيب ! فقال المهلهل: هيهات ! هيهات ! يا بن
    الطفيل ، هبلتني إذا يميني ، وكيف باليمين التي آليت ! كلاً أو أقضي من
    بكر أربى ، ثم تأوه وزفر .

    ونقض الصلح، وعادت الحرب، ثم إن المهلهل أغار غارة على بنى بكر، فظفر به
    عمرو بن مالك أحد بنى قيس بن ثعلبة، فأسره وأحسن إساره، فمر عليه تاجر
    يبيع الخمر - وكان صديقاً للمهلهل- فأهدى إليه وهو أسير زقاً من خمر،
    فاجتمع شبان من قيس بن ثعلبة ونحروا عنده بكراً، وشربوا عند مهلهل في بيته
    الذي أفرد له ، فلما أخذ فيهم الشراب تغنى مهلهل بشعر ناح فيه على أخيه.

    فلما سمع عوف ذلك غاظه وقال: لا جرم إن الله على نذراً، إن شرب عندي قطرة
    ماء ولا خمر حتى يورد الخضير – أي لا يشرب شيئاً قبل خمسة أيام -، فقال له
    أناس من قومه: بئس ما حلفت ! فبعثوا الخيول في طلب البعير فأتوا به بعد
    ثلاث أيام، وكان المهلهل مات عطشاً.

    أيام العرب في الجاهلية ، لمحمد جاد المولى وصاحباه ، ص

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 14:27


    السّفراء والسّفارة عند العرب قبل الإسلام







    كتب:





    10/رمضان/1430 الموافق 31/08/2009




    السفارة
    لغة: السعي في الصلح بين القوم، والسفير: الرسول، والمصلح ، وسفر بينهم
    سفارة وسَفارة: أصلح ، وفي حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال
    لعثمان بن عفان رضي الله عنه:
    إن الناس استسفروني بينك وبينهم ، فالسفير من يسعى في الصلح بين الأقوام، ومن يسافر في حوائج قومه، وكل رسول سفير.


    ولعل
    لطبيعة المرحلة الرعوية التي عاشها عرب الجاهلية فوق أرض بائسة أثراً
    هاماً في نشوء السفارة وعلو مقامها، حيث اتسمت حياتهم بالفوضى والاضطراب
    والاحتراب، ولا سيما في القرن الذي سبق ظهور الإسلام
    ، ولم يكن
    للعرب خيار في التغور والاقتتال، فقد تضافرت عوامل طبيعية ومعاشية فضلاً
    عن غياب الشعور القومي الجامع، وسيادة العصبية القبلية، لتدفع بالحرب على
    أرض العرب، وتدفع بالعرب على شفا هوة، فكثرت الأيام والوقائع ، واستحكم
    الضعف في القبائل، وتشتت الألفة، وتباينت الأهواء.


    وقد
    اقتضت تلك الحياة الصاخبة أن ينشط السفراء، وأن تتنوع مجالات سعيهم، فكثرت
    السفارات، وكان للسفراء أثر هام في حياة الجزيرة العربية.


    فضل السفارة والسفير:

    تتطلب
    السفارة دراية وحنكة وحكمة، لعلو المطلب وخطورة النتائج، ولقد عرفت العرب
    فضلها وعلو مقامها لما تحقق من الغايات التي تعجز عن تحقيقها أزجة الرماح
    , وتصلح في كثير من الأحايين ما أفسدته الحروب والغارات، يقول جرير:


    ستعلم ما يغني حكيم ومنقع إذا الحرب لم يرجع سفيرها(1)

    وقد
    وجب على السفير أن يكون حليماً حكيماً، منكراً داهياً، خراجاً ولاّجاً،
    صحيح الفطرة، بصيراً بمخارج الكلام وأجوبته، يقول عمر بن أبي ربيعة:


    فبعثنا طبَّة محـتالة تمزج الجد مراراً باللعــب
    ترفع الصوت إذا لانت لها وتراخى عند سورات الغضب(2)

    تلك
    سفيرة هوى، فما حال سفير قوم، يرعى مصالح قومه، أو يدفع شر خصمه، أو يقف
    بين يدي ملك جبار، تتنازعه الرغبة والرهبة، فيوطد لقومه في حيطة وحذر, إنه
    لا بد أن يجمع الفطانة والفصاحة، فيتخير الكلام، ويستعذب الألفاظ ، حتى
    يطفئ جمرة الغيظ، ويسل دفائن الحقد.


    ولقد
    كان سفير العرب هو المقدم في عشيرته، وعميدها الذي من قوته تنزع، أو
    حكيمها الذي عن رأيه تصدر، أو شاعرها الذي عن لسانها يعرب ، ولبعد همة
    السفراء وعلو قدرهم فخرت العرب بهم، يقول المثقب العبدي:


    أبي أصلح الحيين بكراً وتغلباً وقد أرعشت بكر وخفت حلومها
    وقام بصلح بين عوف وعامر وخطة فصل ما يعاب زعيمها(3)

    معاملة السفراء:

    ليتمكن
    السفراء من إطفاء النائرة، وإحلال السلم، كان لا بد من حصانة يتمتعون بها،
    وحماية متعارف عليها بين القبائل، تمكنهم من الوفود آمنين مطمئنين ؛ لذا
    فقد أكرمت العرب السفراء , وأحسنت معاملتهم، ووفرت لهم الحماية والأمن،
    وقد قدم في يوم ذي قار النعمان بن زرعة التغلبي على بكر رسولاً من كسرى،
    يخيرهم خلالاً ثلاثاً: أن يسلموا حلقة النعمان، أو يرتدوا إلى الصحراء، أو
    يأذنوا بحرب ، وكان لهم في الأولى الدنية، وفي الثانية المنية عطشاً، فلم
    يكن من هانئ بن قبيصة سيد بكر إلا أن قال له: لولا أنك رسول ما أبت إلى
    قومك سالماً(4).

    وبعث مسيلمة بن حبيب الحنفي الكذاب إلى النبيصلى
    الله عليه وسلم رسولين يحملان كتاباً، يقول فيه: "من مسيلمة رسول الله إلى
    محمد رسول الله. سلام عليك، فإني قد أشركت في الأمر معك، وأن لنا نصف
    الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون".


    فلما
    قرأ النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب، قال للرسولين: فما تقولان أنتما؟
    قالا: نقول كما قال مسيلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أما والله
    لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما"(5).


    أغراض السفارة:

    1-تعزيز القبيلة:
    سعى
    السفراء في عزة قبائلهم ومنعتها، فساروا يوثقون المواثيق، ويشدون الأحلاف،
    ولا سيما عندما تشتد عليهم الخطوب، وتغلب عليهم الخصوم ، ووقف الشعراء
    السفراء بين يدي الملوك في الحكومات، يبينون ما يراه قومهم حقاً، ويدفعون
    ما يرونه جوراً من خصمهم وتعدياً، ولقد كان الحارث بن حلِّزة الشاعر سفير
    بكر إلى ابن هند الملك اللخمي، في خصومتها مع تغلب للدفاع عن حياة مائة
    رهينة من بكر، كانت في يد عمرو بن هند، فأنشد ابن هند معلقته:


    آذنتنا بينها أسماء رب ثاو يملُّ منه الثواء(6)

    رفع
    فيها الحارث صوت العقل، ودفع عن قومه الشر والتجني، فحكم عمرو بن هند أنه
    لا يلزم بكر بن وائل ما حدث لرهائن تغلب، ودفع رهائن بكر إلى الحارث.


    ولم
    يقصر السفراء سعيهم خارج قبائلهم أو بطون عشائرهم، دعاة صلح، أو سعاة حلف،
    بل سعوا في قومهم الأدنيين، يقيمون ميلهم، ويزجرونهم عن الغدر والظلم،
    ويدعونهم إلى الوفاء بالعهد والعقد، ويسعون في رشدهم عندما تضل حلومهم،
    وتطيش سهامهم، ولقد عرف نابغة بني ذبيان بالحزم ورجاحة العقل وصدق النظر،
    مما جعل منه ناصحاً مرشداً لقبيلته، فضلاً عن كونه سفيرها وشفيعها عند
    الغساسنة، وقد تمكن بحسن سياسته ومهارته من انتزاع قومه من معارك لا ناقة
    لهم فيها ولا جمل، وجنبهم الغدر بالحلفاء والوقوع في مصائد الأعداء، وقد
    قتلت بنو عبس نضلة الأسدي، فقتلت بنو أسد رجلين من عبس فأراد عُيينة بن
    حصن سيد ذبيان أن يخرج حلفاءه من بني أسد من ذبيان، ويعاون عبساً عليهم،
    واندفع في هذا الأمر بحماسة وطيش شأن فتيان الحرب، فشق ذلك على النابغة،
    وأدرك بنفاذ بصيرته وتجربته أن هذا الأمر سيجلب الشر والضر على ذبيان،
    وأنه ليس من حسن السياسة أن يقطع قومه حلفهم، بعد كل البلاء الذي أبلته
    أسد في الدفاع عنهم فخاطب عُيينة، وقال:


    ألكني يا عيُين إليك قولاً سأبديه إليك، إليك عني
    أتخذل ناصري، وتعز عبساً أيربوع بن غيظ للمعن
    إذا حاولت في أسد فجوراً فإني لست منك ولست مني
    ولو أني أطيعك في أمور عضضت أناملي وقرعت سني(7)

    وكان
    المتلمس الضبعي رسول الثورة في قومه، فقد أفنى حياته وهو يسعى في ثورة بكر
    على الطغيان اللخمي، ويدعو بحرقة ومرارة للتمرد على الضيم:


    يا آل بكر ٍ: ألا لله أُمُّكم طال الثواء وثوب العجز ملبوس
    أغنيت شأني، فأغنوا اليوم شأنكم واستحمقوا في مرأس الحرب أو كيسوا(Cool

    وفي قصيدة أخرى أرسلها الشاعر المنفي في الشام إلى قومه في العراق، يقول:

    إن الهوان حمار القوم يعرفه.......... والحر ينكره والرسلة الأجد
    ولن يقيم على خسف يسام به......... إلا الأذلان: عير الأهل والوتد(9)

    2-الفداء وفك الأسراء:
    وركبت
    سفراء القبائل ووجوهها على سادة القبائل وملوك المناذرة والغساسنة يسعون
    في فداء أساراهم وسباياهم: ولأن الخصاصة والحاجة قد دفعت القبائل إلى
    التغاور , فقد كان المال وسيلة لافتداء الأسرى، وقد وفد لقيط بن زرارة
    التميمي على بني عامر في فداء أخيه معبد، فأغلوا فداءه، فتركه في قيد
    الأسر ورجع إلى قومه، فقال شريح بن الأحوص العامري أبياتاً في لقيط، منها:


    لقيط وأنت امرؤ ماجد ولكن حلمك لا يهتدي
    رفعت برجليك فوق الفراش تهدي القصائد في معبد
    وأسلمته عند جد القتال وتبخل بالمال أن تقتدي(10)

    وقد
    عرفت العرب بفصاحتها وسحر بيانها؛ لذا فقد فعل الحديث الساحر والكلم الطيب
    في نفوسهم فعل السحر، وقد حدَّث متمم بن نويرة عمر بن الخطاب، فقال:
    "أسرتني بنو تغلب في الجاهلية، فبلغ ذلك أخي مالكاً، فجاء ليفديني، فلما
    رآه القوم، أعجبهم جماله، وحدثهم فأعجبهم حديثه فأطلقوني له بغير
    فداء"(11).


    ولأن
    العربي أحب المديح وخشي الهجاء فقد اتخذ الشعراء السفراء من المديح طريقاً
    لفك الأسراء من ذل الأسر وقيوده , وإطلاق السبايا من عار السبي وشكوله،
    وقد سفر المثقب العبدي على الملك اللخمي عمرو بن هند في أسراء قومه وسبيهم
    فقال:


    فأنعم أبيت اللعن أنك أصبحت لديك لكيز كهلها ووليدها
    وأطلقهم تمشي النساء خلالهم مفككة وسط الرحال قيودها(12)

    وسفر
    علقمة بن عبدة التميمي الشاعر على الحارث الأعرج الغساني في أخيه شأس
    وتسعين أسيراً من تميم، وقعوا في الأسر يوم حليمة، فأنشد الحارث بائيته
    السائرة:


    طحا بك قلب في الحسان طروب بُعيد الشباب عصر حان مشيب
    وفي كل حي قد خبطت بنعمة .فحق لشأس من نداك ذنوب
    فلا تحرمني نائلاً عن جنابة ..فإن امرؤ وسط القباب غريب

    فأطلق
    له الحارث شأساً وأسرى تميم، وكساهم، وحباهم، وزودهم زاداً كثيراً(13)
    ولنابغة بني ذبيان وحاتم طيء وأعشى بكر وغيرهم سفارات كثيرة.


    وسعت سادة الأقوام في أسرى جيرانها ومالهم، وقد ركب دريد بن الصمة إلى يزيد بن عبد المدان في مال جاره:
    بني الديان ردوا مال جاري وأسرى في كبولهم الثقال
    وردوا السبي إن شئتم بمنٍ وإن شئتم مفاداة بمال
    فأولوني بني الديان خيراً أقر لكم به أخرى الليالي

    فأطلق له يزيد الأسرى والسبايا ورد المال، وأقر دريد له بذلك الخير الذي أولاه إياه في قصيدة حمد وعرفان:

    مدحت يزيد بن عبد المدان فأكرم به من فتى ممتدح
    إذا المدح زان فتى معشرٍ. فإن يزيد يزين المدح
    حللت به دون أصحابه فأورى زنادي لما قدح(14)

    3-السعي في السلم:

    وقد
    كره العرب اللجاج في الحروب، وسعى السفراء من حلماء القبائل وحكمائهم
    لإطفاء نار الفتن، ودفع الشر، وتلافي القرحة وإقرار الأمن، وارتفعت أصوات
    العقلاء تدفع الحرب المبيرة عن الأهل والعشيرة، ورأوا أن الظلم مطية الشر
    وسبيل التهلكة، فتنادوا إلى رفع الظلم، وإقرار الحق:


    يا قومنا لا تظلمونا حقنا والظلم أنكد غبُّه مشؤوم(15)


    وسعى
    الحلماء السفراء ما وسعهم السعي لإحلال الأمن والطمأنينة بين القبائل ,
    فتحدثوا عن الحرب ووصفوا بشاعتها، ودعوا إلى اجتنابها، ووصفوا مر ثمارها،
    وشؤم نتاجها:


    ولا تجنيا حربا تجر عليكما عواقبها يوماً من الشر أشأما
    فإن جناة الحرب للحين عرضة تفوقهم منها الذعاف المقشما
    حذار فلا تستنبئوها فإنها تغادر ذا الأنف الأشم مكشما(16)

    وكان
    لحلمائهم وعقلائهم عظة وعبرة من تفاني القبائل في أيامها العظام، حيث
    استمر القتل وكثرت الدماء، فذكَّروا في سفاراتهم بما كان من أمر تلك
    القبائل لمَّا تسافهت أحلامها ودعوا إلى التعقل والحلم، وقد دعا دريد ابن
    الصمة في سفارته بين حيَّين من سُليم أن يتعظا بحروب ربيعة وغطفان،
    واليحابر:


    سليم بن منصور ألما تخبروا بما كان من حربي كليب وداحس
    وما كان من حرب اليحابر من دم مباح وجدع مؤلم للمعاطس
    تسافهت الأحلام فيها جهالة وأضرم فيها كل رطب ويابس
    فكفوا خفافاً عن سفاهة رأيه وصاحبه العباس قبل الدهارس(17)

    وكان للعرب سفارات على الفرس والروم والأحباش لا تتسع مقالتنا هذه للحديث عنها.

    خصائص السفارة:

    حوت
    السفارة الجاهلية مادة طريفة، ضمت باقة من عيون أشعار العرب، وجيد كلامها،
    فادخرت سحر بيانها، وغرائب فطنتها، وخلاصة حكمتها، وأبرزت دهاءها،
    وكياستها وحسن تخلصها، ولطف اعتذارها ، ومن جيد كلامهم وسحر بيانهم خطبة
    قبيصة بن نعيم، وكان سفير بني أسد في وفد كبير إلى امرئ القيس الكندي
    الشاعر، بعد أن قتلت بنو أسد ملكها حجراً الكندي، وقد قال فيها لامرئ
    القيس: "إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه،
    وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ ولا تذكرة مجرب.. كان
    لحجر التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد، وطيب الشيم ، لو كان
    يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك،
    ولفديناه منه، ولكن مضى به سبيل، لا يرجع أولاه على أخراه، ولا يلحق أقصاه
    أدناه.."(18).


    ومن
    ذلك حديث مرثد الخير بن ينكف في سعيه في الصلح بين سبيع وميثم حين تنازعا
    الشرف، وخيف أن يقع بين حييهما الشر، فقد قال: "إن التخبط وامتطاء الهجاج
    واستحقاب اللجاج سيقفكما على شفا هوة في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع
    الوسيلة ، فتلافيا أمرا كما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت
    الألفة، وتباين السهمة.. فإنه إذا سفكت الدماء استحكمت الشحناء، وإذا
    استحكمت الشحناء تقضبت عرى الإبقاء وشمل البلاء.. ولا تؤرثوا نيران
    الأحقاد ففيهاً المتلفة المستأصلة، وعفوا بالحلم أبلاد الكلم.."(19).


    ولم
    يكن للعرب نصيب من الفلسفة، غير أن رجاحة عقولهم، وصحة منطقهم وتجربتهم
    الغنية في الحياة، جعلتهم ينطقون بالحكمة العملية ، ونجد بعضاً من هذه
    الحكمة في سفارة قس بن ساعدة على قيصر الروم، فقد سأله القيصر: ما أفضل
    العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه ، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء
    عند علمه ، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه، قال: فما
    أفضل المال؟ قال: ما قضيت به الحقوق"(20) ..


    كما
    نجد شيئاً من الحكمة في سفارة هوذة بن علي الحنفي على كسرى، فقد سأله: كم
    ولدك؟ قال: عشرة. قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: غائبهم حتى يقدم، وصغيرهم حتى
    يكبر، ومريضهم حتى يبرأ(21).


    ونجد
    في تلك السفارات مواقف ذكية ولفتات بارعة كيسة، وقد وفد حاجب بن زرارة
    التميمي على كسرى، ليأذن لهم بدخول العراق، فاستأذن عليه، فأوصل إليه كسرى
    أسيد العرب أنت؟ قال: لا. قال: فسيد مضر، قال: لا. قال: فسيد بني أبيك
    أنت؟ قال: لا. فلما أذن له، ودخل عليه، قال له: من أنت؟ قال سيد العرب.
    قال كسرى: أليس قد أوصلت إليك، أسيد العرب أنت؟ فقلت : لا، حتى اقتصرت بك
    على بني أبيك، فقلت : لا؟ قال حاجب: أيها الملك، لم أكن كذلك حتى دخلت
    عليك ، فلما دخلت عليك صرت سيد العرب ، قال كسرى: آه، املؤوا فاه دراً(22).

    وقد
    أحسنوا التخلص في المواقف العسيرة , وقد تخلص ثابت أبو حسان الشاعر من قيد
    الأسر بعد أن عزّ الفداء بفطنته وذكائه في تفسير الفداء الذي طلب منه،
    بطريقة تنجيه من العار وتلحقه بأعدائه ، فقد أسرت مزينة ثابتاً، فعرض
    عليهم الفداء، فقالوا: لا نفاديك إلا بتيس – وكانت مزينة تسب بالتيوس –
    فأبى وأبوا ، وطال مكثه في الأسر، ثم أرسل إلى قومه: أن أعطوهم أخاهم،
    وخذوا أخاكم(23).


    ولم
    يغب عن بال الجاهليين ما في السياسة من أحابيل وأخاديع، فقد فقهوا معظم
    أبوابها وبرعوا براعة فائقة في الخديعة والمكيدة، فالسفير الجاهلي شديد
    الدهاء واسع الحيلة، لا يدع سبيلاً من سبل السياسة يؤدي إلى غايته إلا
    سلكه، وقد عرف أبو جهل كيف يحل قريشاً من حلف عقدوه، وندموا عليه، حين
    استفاد من غيرة الأنصار الشديدة على نسائها.


    وكانت
    الأوس قد سارت إلى مكة، وحالفت قريشاً على الخزرج، وأبو جهل غائب ، فلما
    قدم أنكر ذلك، وقال لقريش: ويل للأهل من النازل، إنهم لأهل عدد وجلد،
    ولقلما نزل قوم على قوم إلا أخرجوهم من بلادهم، وغلبوهم عليها، قالوا: فما
    المخرج من حلفهم؟ قال: أنا أكفيكموهم ، فقدم على الأوس، وقال: إنكم حالفتم
    قومي، وأنا غائب، فجئت لأحالفكم، وأذكر لكم من أمرنا ما تكونون بعده على
    رأس أمركم...


    إنا
    قوم تخرج إماؤنا إلى أسواقنا، ولا يزال الرجل منا يدرك الأمة فيضربها على
    عجيزتها، فإن طابت أنفسكم أن تفعل نساؤكم مثل ما تفعل نساؤنا حالفناكم،
    وإن كرهتم ذلك فردوا إلينا حلفنا ، وكان في سائر الأنصار غيرة شديدة،
    فقالوا: لا نقر بهذا، وردوا إلى قريش حلفها وساروا إلى بلادهم(24).


    ومن
    طريف أخاديع السفراء ومكائدهم ما روي عن زيد مناة وبكر بن وائل، وقد وفدا
    على بعض الملوك، وخاف زيد مناة أن يحظى بكر من الملوك بفائدة، يقل معها
    حظه، فقال له يا بكر : لا تلق الملك بثياب سفرك، ولكن تأهب للقائه، وادخل
    عليه في أحسن زينة ، ففعل بكر ذلك ، وسبقه زيد مناة إلى الملك، فسأله عن
    بكر، فقال: ذلك مشغول بمغازلة النساء والتصدي لهن، وقد حدث نفسه بالتعرض
    لبنت الملك، فغاظه ذلك، وأمسك عنه، ونمي الخبر إلى بكر، فدخل إلى الملك،
    فأخبره بما دار بينه وبين زيد مناة، وصدقه عنه، واعتذر إليه.


    فلما
    اجتمعا عند الملك من يوم غد، قال الملك لزيد مناة: ما تحب أن أفعل بك؟
    قال: لا تفعل ببكر شيئاً إلا فعلت بي مثله، وكان بكر عور العين اليمنى قد
    أصابها ماء فذهب بها، فكان لا يعلم من رآه أنه أعور، فسأل الملك بكراً: ما
    تحب أن أفعل بك؟ قال: تفقأ عيني اليمنى، وتضعف لزيد مناة. فأمر بعينه
    العوراء ففقئت، وأمر بعيني زيد مناة ففقئتا، فخرج بكر أعور بحاله، وخرج
    زيد مناة وهو أعمى(25).


    وبعد:

    فقد
    كان للسفارة فضل كبير في حياة القبائل العربية قبل الإسلام حيث سار
    السفراء يعقدون الأحلاف، ويفتكُّون الأسرى، ويسعون في إقرار السلم والأمن
    على أرض العرب.


    واتسمت هذه السفارات بالكياسة والدهاء، وحسن التأتي للأمور، وصدق النظر في العواقب، وحضور الجوانب، وسعة الحيلة، وحسن التخلص.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الألفاظ، والحواشي:
    المنقع
    الذي يستشفى برأيه ، وآذنتنا: أعلمتنا. والثاوي: المقيم. والثواء:
    الإقامة. وكيسوا: من الكيس وهو العقل. والرسلة: السهلة. والأجد: الموثقة
    الخلق. وأراد علقمة بالجنابة: نزوله فيهم غريباً. والكشم: الذي قطع أنفه
    من أصله. واليحابر من مذحج، ولعل دريد بن الصمة أشار إلى يوم فيف الريح،
    وكان بين بني عامر وبني الحارث بن كعب، وشاركت فيه مراد.

    المصادر:
    1-النقائض 1:9. دار الكتاب العربي، بيروت 1909م.
    2-شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة: 378. المطبعة الأولى: مطبعة السعادة، مصر، 1952م.
    3-ديوان شعر المثقب العبدي: 257. معهد المخطوطات العربية، القاهرة، 1971م.
    4-النقائض 2: 639 وما بعدها.
    5-تاريخ الطبري 3: 166 وما بعدها. مكتبة خياط، بيروت.
    6-القصائد السبع الطوال الجاهليات: 433 وما بعدها، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر، 1382هـ.
    7-ديوان النابعة الذبياني: ق 44. تحقيق شكري فيصل، دار الفكر، دمشق: 1968م.
    8-ديوان المتلمس الضبعي: ق4. معهد المخطوطات العربية، القاهرة، 1970م.
    9-المصدر نفسه: ق 12.
    10-مختار الأغاني 8: 298. لابن منظور. الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1965م.
    11-الشعر والشعراء لابن قتيبة 1: 337 وما بعدها. دار المعارف: مصر، 1966م.
    12-ديوان شعر المثقب العبدي: ق 3.
    13-ديوان علقمة الفحل: ق 1. دار الكتاب العربي، حلب، 1970.
    14-الأغاني 10: 3500 وما بعدها. طبعة دار الشعب، مصر، 1969م.
    15-الحماسة للبحتري: 114. الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي، بيروت 1967. والبيت لجواس بن القعطل.
    16-الآمالي للقالي 1: 92 وما بعدها. الطبعة الثالثة، مطبعة السعادة، مصر، 1953م والأبيات لمرثد الخير ابن ينكلف.
    17-الأغاني 19: 6834.
    18-الأغاني 9: 3223 وما بعدها.
    19-أمالي القالي 1: 91 وما بعدها.
    20-العقد الفريد 2: 254. لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1965م.
    21-الأغاني 19: 6643: وانظر العقد الفريد 2: 243.
    22-العقد الفريد 2: 20.
    23- طبقات فحول الشعراء لابن سلام 1: 216. مطبعة المدني، القاهرة، 1974م.
    24-الكامل لابن الأثير 2: 415 وما بعدها ، الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1967.
    25-الأغاني 21: 200.
    المصدر : مجلة التراث العربي- دمشق ـ العددان :15 و 16 - السنة الرابعة - رجب وشوال 1404 - نيسان "أبريل" و تموز "يوليو" 1984

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 14:29


    المجتمع العربي قبل الإسلام: دراسة قرآنية







    كتب:





    10/رمضان/1430 الموافق 31/08/2009





    المجتمع العربي قبل الإسلام: دراسة قرآنية

    بقلم / عبد الرحمن حللي

    كاتب سوري

    تمهيد:

    تعتبر البيئة التي شهدت ختم النبوة ذات دلالة هامة حول علاقة الرسالة بالواقع والسياق الجغرافي والتاريخي الذي بدأت فيه،
    كما أن معرفتها مهمة في فهم طبيعة الرسالة الخاتمة وخصائصها، والإلمام
    بهذه البيئة يكتنفه الكثير من الصعوبات والغموض , لاسيما فيما يخص الواقع
    الديني الذي كان سائداً آنذاك، إذ المراجع التاريخية حول هذه المرحلة وفي
    الجانب الديني بالخصوص قليلة جداً، وما وجد منها لا يفيد في الموضوع , إلا
    إشارات ودلالات عامة لا تفسر العقلية والتفكير الديني الذي كان سائداً ,
    بخلاف مناطق ومراحل تاريخية أخرى , إذ توجد حولها نصوص ونقوش مفصلة
    أحياناً، وهذا ما عانى منه مختلف المؤرخين الذين اشتغلوا في الموضوع(1) .


    أما
    النص القرآني فأسلوبه بشكل عام يبتعد عن التفصيل في المواضيع التاريخية ,
    إذ يأتي بذكرها لتحقيق هدف خاص هو العبرة والنقد والتوجيه نحو المستقبل ,
    واكتشاف السنة الإلهية، لذلك فهو غير صريح في الدلالة على ما كان سائداً،
    لكن ما ورد فيه من نقد متواتر لما كان سائداً من عادات وتقاليد وأفكار
    يمكن أن يكون مرجعاً غير مباشر لاكتشاف تلك البيئة المثيرة(2) .


    وهذا
    ما سنتتبعه في هذه المقاربة مستأنسين ببعض ما ورد في الدراسات التاريخية
    المتخصصة في تلك المرحلة، وقد لوحظ أن القرآن يقدم عن الدين الجاهلي صورة
    تختلف تماماً عما تقدمه كتب التاريخ والأدب(3) ، لاسيما وأن تلك المصادر
    سعت إلى تقليل شأن عصر النبي وبيئته قبل البعثة من الناحية المادية
    والأدبية , والمدارك العقلية حيث تصفها بصفات الجهل والانحطاط والغلظة..،
    وهي نظرة تخالف ما تلهمه نصوص القرآن عن تلك الفترة(4) .


    المجتمع بين البدو والحضر:

    من
    الصعوبات التي نود أن نشير إليها والتي لم يسعف فيها النص القرآني ولا
    الدراسات التاريخية الخلط في المصادر بين البيئة الحضرية المكية التي بعث
    فيها الرسول وبين عادات وتقاليد أهل البدو والمناطق غير الحضرية، فما ورد
    عن العرب في الجزيرة العربية يتم تداوله مجملاً من غير تفصيل(5) ، فهل ما
    ورد كان خاصاً بأهل مكة من العرب , أم يشمل ما جاورهم في أصقاع الجزيرة
    العربية من بواد وحواضر أخرى غير مكة وهي غير قليلة وعلى صلة مباشرة بأهل
    مكة، وما يدعو إلى إثارة هذا التساؤل ما يمكن ملاحظته من تناقض في
    العادات(6) ، والقيم الواردة عنهم مجملة دون تفصيل، بل إن بعض المستشرقين
    شكك في مدينة مكة باعتبارها محطة للقوافل(7) .


    وإذا تأملنا في القرآن نجد إشارات خاصة إلى الأعراب(Cool الذين يكونون عادة حول القرى(9)، وبينت الآيات بعض أخلاقهم وعاداتهم وكيفية تعاملهم مع الرسول مشيرة إلى كونهم أشد كفراً وغلظة من أهل الحضر(10)
    ، مما يدل على تفاوت في قيم التعامل مع الرسالة بين أهل القرى وأهل
    البادية، كما أن الأعراب أنفسهم -كما تشير الآيات - لم يكونوا على درجة
    واحدة في تلقي الرسالة وتعاملهم معها(11) ، ومما يلح على ضرورة التمييز
    بين البدو الحضر هو ظاهرة تعميم حال البدو الرُّحَّل , واعتبارهم مقياساً
    للثقافة العربية فيما قبل الإسلام(12) .


    لكن
    بعض الباحثين لاحظ ضرورة إعادة الاعتبار للقرشيين الذين كانوا أكثر وعياً
    وذكاء وإنسانية من الجموع البدوية، وأنه كانت لهم قدرات أخلاقية وفكرية
    استثنائية، لا يستبعد أنها تكرست عبر تحول الشخصية لأناس كانوا بدواً في
    الماضي , وذلك بفضل الاستقرار الذي ساعد عليه توطد التجارة في مكة(13) .


    وأن هذا الوضع الجديد للقرشيين في مكة أدى إلى دخول قيم جديدة بفضل الثروة , ومن هذه القيم النزعة الفردية
    , وروح المنافسة مقابل المثل الجماعية التي كانت طاغية , ويحاول هذا
    التفسير إبراز حاجة المجتمع إلى قيم جديدة تحافظ على القبيلة(14) .


    أياً
    يكن الأمر فيما يخص الاختلاف بين أهل القرى وأهل البادية وما كان سائداً
    بين كل من نظُمٍ وقيمٍ، فإن من ميزات الإسلام أنه استطاع صهر المجموعات
    البدوية والحضرية في نسق واحد ووجههم في خط الرسالة(15) ، والأهم هو فهم
    هذا المنهج القرآني من خلال الأفكار التي نقدها القرآن مجملة من غير تفصيل
    بيئتها وخلفيتها وأصحابها، كما هو الشأن في الكثير من القصص القرآني.


    فما
    لم يكن التاريخ مؤثراً في العبرة والدلالة يهمل، والذي يمكن تلمسه من خلال
    هذا العموم القرآني في الحديث عما كان سائداً قبل البعثة هو الثراء
    والتنوع والتناقض في القيم والأديان والعادات التي كانت سائدة قبل البعثة،
    حتى اعتبرت الجزيرة العربية مختزلة لأديان ومعتقدات العالم السماوي منها
    والأرضي(16) .


    وفي
    هذا الإطلاق والتنوع في بيئة جغرافية مركزية تشهد حركية منقطعة النظير بين
    مختلف المناطق من العالم دلالة على الحكمة من كون الرسالة الخاتمة تنطلق
    من هذه البيئة إلى العالم
    ,إذ ستأخذ
    طابع البيئة التي انطلقت منها وهو العالمية، وهذا ما يدعونا إلى اكتشاف
    مكة في عصر ما قبل البعثة , وما أهَّلها لاحتضان مبعث النبوة الخاتمة .


    مكة قبل البعثة:

    إذا
    ذكرت مكة تعود الذاكرة إلى إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ورفعهما
    القواعد من البيت , ونداء إبراهيم في الناس بالحج، ودعاء إبراهيم لأهل هذا
    البيت(17) ، وفي هذه الإشارة والعلاقة بين إسماعيل وذريته والبيت الحرام
    دلالة على التقابل مع إسحق , وتوالي الأنبياء من ذريته، فكانت ذرية
    إبراهيم قد شرفت بالتاريخ الرسالي والجغرافية المقدسة والمحرمة، فلئن اختص
    نسل إسحق بالأنبياء فإن نسل إسماعيل ارتبط بالمكان الذي أصبح مركزاً
    ومآلاً للرسالات التي ختمت به ؛ لتنطلق إلى العالم بصيغة نهائية تناسب
    الكونية التي غدت تحتلها مكة وبيتها الحرام، أول بيت وضع للناس(18) ، الذي
    سيصبح مركز التاريخ الإنساني(19) .


    هذه المركزية والعمق التاريخي لمكة الذي يشير إليه القرآن يدعو لمعرفة أحوالها , وذلك لفهم الأساس الذي قام عليه الإسلام(20) .

    يطلق
    القرآن على مكة اسم أم القرى(21) مما يحمل دلالة على محوريتها بين القرى
    الأخرى التي ترجع إليها , وتقلدها كعاصمة توجه المنطقة(22) ، فموقفها من
    أي قضية يؤثر بموقف المناطق الأخرى حتى إذا فتحت ودانت بالإسلام تبعها
    الناس(23) ، ومما لا يحتاج إلى تأكيد أن وجود الكعبة ومناسك الحج فيها كان
    العامل الأكبر في مكانة مكة , والمركز المعنوي الذي تتمتع به(24) .


    إضافة
    إلى ما كانت تتمتع به من حركية تجارية بفضل موقعها على الطريق التجاري
    البري بين اليمن وبلاد الهلال الخصيب، وممارسة أهلها للتجارة مع مختلف
    بقاع العالم براً وبحراً، وكذلك المهن المرتبطة بالتجارة(25) ، والقرآن
    يحفل بالآيات الدالة على ذلك .


    فالقرآن
    يستعمل تعابير مالية وتجارية لا بد كانت مفهومة ومتداولة مثل: الحساب
    والميزان والقسطاس والذرة والمثقال والقرض، كما ذُكرت السفن والجواري
    والمنشآت في البحر،
    وتردد فيه ذكر
    تجارة البحر، كما كانت ظاهرة الاستثمار بالربا والقرض ظاهرة منتشرة كما
    تدل آيات الربا في القرآن، وسورة قريش(26) واضحة الدلالة على الرحلات
    التجارية البرية , وما كان يعقد فيها من اتفاقيات وعلاقات، والسور المكية
    تحفل بما يدل على ثرواتهم الطائلة(27) .


    كما
    أن عاداتهم في استقبال القوافل التجارية بقيت مستمرة لما بعد الإسلام(28)
    ، كل ذلك يدل على المكانة التجارية التي كانت تحتلها مكة قبل البعثة،
    ويستتبع هذه المكانة مستوى من الوعي الضروري الذي أهَّلهم للقيام بهذا
    الدور.


    هذا
    والمكانة الدينية التي تحتلها مكة منذ القديم(29) هي العامل الأساسي في
    نجاحها التجاري , إذ شكل موسم الحج فيها سوقاً تجارياً سنوياً، والأهم من
    ذلك ما وفره الحرم من أمن لمكة , تلك المدينة التي لا تمتلك عوامل الأمن
    الطبيعية فجاء أمنها من قدسيتها واحترامها عند الناس, وقد أشار القرآن
    إلى هذا الجانب في قوله تعالى : "
    وَقَالُوا
    إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا , أَوَلَمْ
    نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
    " [القصص:57].


    بل هناك آية قرآنية صريحة في كثرة خيراته , وهي"يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ" وقد أشار اللَّهُإلى العلاقة بين الكعبة وموسم الحج وبين التجارة التي فيها قوام الحياة في قوله تعالى : "جعل الله الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ" [المائدة:97](30).

    قدسية
    مكة ومكانتها هذه فرضت بعض الوظائف الدينية والاجتماعية لدى أهل مكة الذين
    شرفوا بها، وهي وظائف متداخلة، فهي اجتماعية باعتبار علاقة الأقوام
    والقبائل بها , ودينية من حيث ارتباطها بالبيت الحرام ورعايته، ومن هذه
    الوظائف التي أشار القرآن إلى قيامهم بها: النسيء وهو تحديد مواعيد الأشهر
    الحرم من كل عام بما يتناسب مع مصالحهم(31) ، والسقاية وعمارة المسجد
    الحرام ورعايته(32) .


    هذه الصورة العامة لواقع مدينة مكة تدل على كونها مدينة تمتلك من مقومات النظام ما يؤهلها لقيادة ما حولها من الحواضر،
    بل وتنظيم العلاقات واللقاءات بين مختلف القبائل والوفود القادمة إليها،
    ولئن كان غامضاً طبيعة النظام الذي كان سائداً فإن هناك إشارات قرآنية
    عديدة إلى بعض الآليات التي كانت سائدة في إدارة مكة وقيادتها، من ذلك
    ظاهرة النوادي التي كان يجتمع فيها الناس ويتداولون الشأن العام , وقد
    أشار القرآن إلى ذلك(33) .


    إضافة
    إلى العديد من المفردات التي تم تداولها في القرآن , والتي تدل على وجود
    ملامح الشوكة والسلطة والحكم في تلك البيئة، من ذلك: الجند، الإثبات
    والإخراج من مكة، الملأ، الحبس، السجن، أولو الأمر.. ، كل هذه المفردات
    تدل على مفهوم السلطة , وقد استعملت في آيات مكية، ومنها ما هو مباشر يخص
    أهل مكة , ومنها ما يدل السياق على علمهم بمضمونها ومعانيها(34) .


    ونفس
    الأمر بالنسبة للقضاء فهناك آيات ومصطلحات – أبرزها مفردة الحكم
    ومشتقاتها- تدل على وجود نمط من السلطة القضائية تحل النزاعات بين الناس،
    وكانت تستند إلى التقليد والعرف، ويقوم بها الوجهاء، وتتم بالاختيار(35) .


    هذا
    عن المعالم العامة لمكة قبل البعثة، أما الشرائح السكانية التي كانت تقطن
    في مكة فهناك آية تشير إلى وجود بعض الأجانب إلى جانب العرب(36)

    ، لكن هناك آيات مكية كثيرة(37) تدل على وجود جالية لا بأس بها من أهل
    الكتاب يعيشون مع العرب في مكة وأكثرهم من النصارى وفيها بعض اليهود(38) .


    أما
    جذور وتاريخ اليهود في الجزيرة العربية فليس هناك من النصوص التاريخية ما
    يتحدث عن وجودهم قبل الميلاد , أما بعده فقد ثبتت هجرتهم إلى الحجاز إثر
    ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين(39) ، أما النصرانية فقد
    دخلت الحجاز عن طريق التبشير والنساك والرهبان الذين قدموا إليها(40) .


    وقد
    دخل بعض العرب في النصرانية , أما اليهود فقد كانوا أقلية في مكة ,
    وانتشروا في المدينة أكثر , ويدل الخطاب القرآني لهم بـ ( بني إسرائيل )
    على الإطلاق على الصلة بين معاصري عصر الرسول وأسلافهم وعلى كونهم طارئين
    على الحجاز , وأنهم غير عرب(41) .


    هذه
    الجالية الأجنبية المقيمة بمكة بما تحمله من أفكار وعادات، إضافة إلى
    الوفود السنوية من مختلف المناطق التي تفد إلى مكة في موسم الحج أو
    القوافل التجارية التي تمر عبر طريقها، كل ذلك سيكون له دوره في التلاقح
    الفكري الذي من الطبيعي أن يكون له أثره في أفكار وربما عقائد المكيين،
    وفضلاً عن هذا الجانب فإن لحضور هذه الجاليات دلالة على كون مكة فضاء
    مفتوحاً , وكون المكيين على إحاطة بما يجري في العالم , وعلى اتصال دائم
    بما حولهم، كل هذه المعطيات تؤكد المكانة الحضارية التي كانت تمتاز بها
    مكة مما أهلها لاحتضان الرسالة الخاتمة التي ستنطلق إلى العالم المختزل في
    عالم مكة الأرخبيلي.


    لكن
    المحور الأهم في حياة المكيين هو الأفكار والعقائد التي كانت سائدة قبل
    البعثة، ولئن كان القرآن المكي يشتمل على بيانها فإن السياق القرآني يعالج
    هذه الأفكار خارج إطار الزمان والمكان،

    وليس من الضروري أن تكون الأفكار المطروحة للنقد هي أفكار أهل مكة باعتبار
    أن الدعوة كانت تنطلق إلى جميع الناس , حتى الوفود الذين يردون إلى مكة أو
    القاطنين خارجها، مما يقتضي اتباع السياق القرآني , وتناول تلك الأفكار
    خارج السياق التاريخي والجغرافي، ويؤكد أهمية ذلك ما أشرنا إليه سابقاً من
    تداخل أفكار أهل البدو مع أهل الحضر دون تمييز.


    لهذه
    الاعتبارات سنتناول الأفكار والعقائد التي كانت سائدة قبل البعثة , والتي
    يشير إليها القرآن , وذلك بغض النظر عمن كان يتبناها ، والمكان والتاريخ
    الذي كانت منتشرة فيه، المهم حضورها في عصر الرسول.


    الأفكار والعقائد/ البيئة الدينية والفكرية قبل البعثة:

    يحتل المجتمع الجاهلي مساحة كبيرة من آيات القرآن , إذ بلغت الآيات التي تناولته /1575/آية، منها /1096/آية مكية و/479/آية مدنية،
    وتشكل عقائد المجتمع الجاهلي نسبة 54% من الآيات، ومعظمها مكي، وقد توزعت
    القضايا العقدية فيها على ثلاثة محاور: الشرك=514، البعث=282، إنكار
    الوحي=69 (42) .


    هذه
    المعطيات العددية إن دلت على شيء فإنما تدل على أهمية تلك المرحلة ,
    وضرورة معرفتها لما لها من أثر في تصور الإضافة التي جاءت بها الرسالة
    الخاتمة، والتركيز القرآني على مجموعة من العقائد المركزية , يشير إلى
    أهميتها في مضمون الرسالة الجديدة.


    سنحاول
    استكشاف المحاور الرئيسية للأفكار والعقائد التي كانت سائدة مستلهمين ذلك
    من آيات القرآن مع الإحالة على أماكن تفصيلها في كتب اختصت بالموضوع،
    وسنركز على ثلاثة محاور : الأفكار والعادات العامة , وسنجمل فيها ما ساد
    من عادات وتقاليد اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية بشكل عام، ثم نثني
    بالعقائد الدينية التي كانت سائدة , ونتبع ذلك بالطقوس الدينية المنتشرة .


    1- الأفكار والعادات العامة :

    يوصف المجتمع الذي سبق البعثة بالجاهلية , وهو وصف وارد في القرآن على بعض الجوانب في ذلك المجتمع(43)
    ، فهو وصف نسبي ينطبق على الجانب العقدي وما يرتبط به , وبعض العادات
    الاجتماعية , ولا تصح هذه التسمية من الناحية الثقافية(44) ، فلم يكن
    مجتمع ما قبل البعثة كما تصوره الكثير من المصادر مجتمعاً معزولاً عن
    العالم , أو لا يعرف من العلوم شيئاً بل العكس، إذ كان لدى العرب أدب ولغة
    في غاية التطور، وكانت لديهم معارف بالأنساب والتاريخ والفلك، فضلاً عما
    تقتضيه الحركة التجارية التي كانت سائدة في المنطقة من علم بالاقتصاد
    والحساب والكتابة، والدلائل كثيرة على إلمام العرب بالقراءة والكتابة
    وانتشارها بينهم(45) .


    هذا التقدم الحضري الذي سبق البعثة يذكرنا بالبيئات التي بعث بها الرسل من قبل , والتي كانت تتميز بكونها مجتمعات حضرية متقدمة
    , وربما بلغت شأواً في العلم والتقدم المادي، هذا الجانب المادي عندما
    يطغى على الجانب الأخلاقي يسود الظلم , ويصل بالمجتمع إلى مأزق روحي،
    فيأتي التدخل الإلهي عبر إرسال الأنبياء لتصحيح مسيرة الناس , وردهم إلى
    فطرتهم , والإيمان بالله الذي يقتضي العدل , وإعارة الجانب الروحي من حياة
    الإنسان حقه، فالتقدم المادي لا يستلزم رقياً دينياً أو روحياً , بل ربما
    كان عائقاً أمام انتشار القيم والمثل التي يحافظ عليها قلة في المجتمع،
    وهذا ما كان عليه حال المجتمع الذي سبق بعثة الرسول .


    فمن
    العادات الاجتماعية التي كانت سائدة في ذلك العصر التمييز ضد المرأة
    المتمثل في مختلف الجوانب المتعلقة بها من طرق النكاح والطلاق إلى الإرث
    والوأد، وإن كانت هناك شريحة من النساء في نفس المجتمع تأخذ دوراً
    اجتماعياً متميزاً ينافس الرجل كالتجارة ,
    والمشاركة في الدفاع عن المجتمع وقيمه، وقد حكى القرآن مناهضة نماذج من نساء ذلك العصر الدعوةَ الجديدة وإيذائهن الرسول(46) .


    وهذا
    التفاوت في دور المرأة المتراوح بين كونها سبَّة وعاراً ومتاعاً , وبين
    ممارستها لدور قيادي في المجتمع يحمل إحدى دلالتين: إما تنوع الموقف من
    المرأة واختلافه بين الحضر والبدو , أو بين القبائل , أو بين المناطق , أو
    بين أصناف من النساء في المجتمع الواحد , وقد حكى القرآن جميع الصور التي
    كانت موجودة بإجمال دون تفصيل , مع تقويمها وتصحيحها , ودعم ما هو صواب
    وإيجابي منها.


    والدلالة الثانية المحتملة أن المرأة كانت تتعامل مع تلك القيم التي تضطهدها على أنها أمر واقع وقانون اجتماعي ينبغي الرضا به وقبوله
    دون أن يمنعها من ممارسة دور ما يسمح به المجتمع، وهذه العادات المتعلقة
    بالأحوال الشخصية والعلاقة مع المرأة إنما هي عادات اجتماعية لا ترتبط
    بالدين الجاهلي إلا في بعض الجوانب منها , سنشير إليها لاحقاً.


    الجانب
    الآخر الذي كان سائداً من العادات , والذي كان يحمل أكثر من وجه من
    الناحية القيمية هو ظاهرة الولاء والعصبية بين أفراد القبيلة ومن يدخل في
    حلفهم، وكان هذا الجانب يمثل رابطة العقد السياسي الذي ينظم المجتمع ,
    ويقوده ويضمن فيه الأمن والحفاظ على الحوزة ووحدة القبيلة، وقد أورثت هذه
    العادة بعض الجوانب الإيجابية التي استثمرها الإسلام ورعاها مثل: التآلف
    والتآزر ومساعدة الضعيف والجوار ..


    لكن الجانب الخطير لهذه العادات هو ما تورثه العصبية العمياء من ظلم واعتداء وسفك للدماء , وذلك بالثأر ومناصرة القبيلة , سواء كانت على حق أو باطل، فجاء الإسلام يصحح هذه المظاهر ويقومها(47) .

    إضافة
    إلى هذه العادات كانت ظاهرة الطبقية والرق منتشرة عندهم، لكن العتق كان
    مكرمة يمتدح بها ممارسوها , وقد حارب الإسلام هذه الظاهرة , وشجع على
    مكرمة العتق التي كانت منتشرة كفضيلة بين الناس(48) .


    هذه
    هي أهم العادات التي كانت سائدة , أوردنا مجملها من غير تفصيل ؛لأن
    تفاصيلها كثيرة وما أحلنا عليه من مراجع يغني عن التكرار, إنما أردنا
    الإشارة إلى الطابع المزدوج من الناحية القيمية لهذه العادات، وكيف تعامل
    القرآن معها مستثمراً الإيجابي منها , ومصححاً للجانب المظلم منها، وهذا
    المسلك القرآني مع العادات سيتكرر مع الجانب الديني الذي سنتناوله في
    الفقرة التالية .


    2 - الفكر الديني قبل البعثة :

    تطالعنا
    آيات القرآن بأسماء أديان كانت معروفة ومتداولة لها معتنقوها في ذلك العصر
    وهم: اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والمشركون(49)

    ، وقد كان لهذه الأديان حضور وتواصل بين أتباعها، مما يجعل من الطبيعي أن
    يكون بينهم حوار وتأثر متبادل، وسنعرِّف بكل فريق منهم في إطاره الزماني
    والمكاني .


    اليهود
    والنصارى : أشرنا قبل قليل إلى وجود جالية من اليهود والنصارى في مكة،
    وكان لهم حضور أكبر في المدينة، وقد اعتنق بعض العرب النصرانية، وكان
    لبعضهم مكانة متميزة في المجتمع، وكانت تجري بينهم وبين المشركين حوارات
    وجدل في قضايا مختلفة، وقد تأثر بهم العرب , وتعلموا منهم بعض الفنون
    والقصص وأخبار الأنبياء والأمم الغابرة , فكان لعلمهم بالكتاب تميز على
    العرب الذين كانوا ينتظرون نبياً يبعث فيهم , بينما كان أهل الكتاب
    يدَّعون أن النبي سيبعث منهم(50) .


    وكان لهم تأثير في أفكار العرب الدينية لكن دون أن يتمكنوا من اكتساح الوثنية الجاهلية ؛
    ففضلاً عن كون اليهودية ديانة قومية لا تسعى لإدخال الناس فيها فإن
    أفكارها لا تناسب بيئة العربي الذي يسعى للحصول على الغنائم من الحروب
    بينما تحرم اليهودية الانتفاع بها، وكذلك المسيحية لم تكن لتقنع العربي
    الذي يحب الثأر أن يدير خده الأيسر لمن ضربه على خده الأيمن كما تدعو
    المسيحية(51) .


    لكن
    ذلك لم يمنع من انتشار النصرانية بين بعض القبائل العربية(52) ، وقد كان
    لأفكار اليهود والنصارى أثر في تطور الفكر الديني العربي الذي تقدم عليهم
    أحياناً كما سيتم الإشارة إليه، هذا ويتميز النصارى على اليهود بحسن
    علاقتهم مع المسلمين وتعاملهم السلمي مع الدعوة الجديدة , بخلاف اليهود
    الذين قاوموا الدعوة ومارسوا مختلف ألوان المكر والدس في محاربة الرسول
    والدعوة(53) .


    ورغم
    ذلك كان هناك فريق من اليهود والنصارى آمنوا واتبعوا الرسول(54) ، ويحفل
    القرآن بما جرى من جدل بين الرسول واليهود والنصارى , وذلك في إطار أداء
    الرسول مهمته في التصديق والهيمنة لما بين يديه من الكتاب(55) .


    المجوس: يقصد الأخباريون بالمجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة، وقد وردت لفظة المجوس في القرآن علَماً لدين(56)
    ، فدل على وقوف أهل الحجاز على خبرهم ومعرفتهم بهم، ولا يستبعد وجود نفر
    منهم في مكة والمدينة والطائف وغيرها، ربما وجدوا عن طريق التجارة أو
    الرقيق، ولم يرد دخول قبائل عربية في المجوسية , ولهذا كان معظم مجوس
    جزيرة العرب من الفرس المقيمين في البحرين واليمن وعمان(57) ، ويروى أن
    المجوسية كانت في تميم(58) ، وأياً يكن الأمر ففي ذكرهم دلالة على صلة
    العرب بالأديان الشرقية مما سيكون له أثر في أفكارهم وعقائدهم.


    الصابئون: ذُكِر الصابئون في القرآن ثلاث مرات،
    وقد اتجه معظم المفسرين إلى جعل المقصود بهم ديانة الصابئة المختلف في
    عقائد أصحابها بين قائل إنهم من المجوس أو إنهم عُبَّاد الملائكة أو
    الكواكب أو الشمس، أو إنهم فريق جمع بين مختلف الأديان، ومن هذه العقائد
    ما طرأ بعد الإسلام(59) .


    وكل
    هذه التفسيرات مستبعدة نظراً لذكرهم مع المجوس , وتصنيفهم مع اليهود
    والنصارى ذوي الأصل التوحيدي , مما يرجح كونهم أقرب إلى التوحيد، إضافة
    إلى أن الكلمة متداولة بين العرب بكثرة، وتدل لغوياً على الميل
    والانحراف(60) ، وقد استعملها العرب لمن انحرف عن دين القوم وعقائدهم،
    وبهذا المعنى أطلقوها على من أسلم واتبع الدين الجديد، وكانت تطلق على من
    ترك عبادة الأصنام، كما كانت تستعمل في مقام الحنفاء .


    وقد
    أطلقت على الرسول وأصحابه، مما يرجح إطلاقها في عرفهم على الموحدين الذين
    نبذوا الأصنام قبل البعثة وانحرفوا عن دين قومهم، وهم في التعبير القرآني
    غير المسلمين وغير اليهود والنصارى وغير المجوس , كما إنهم معهودون بين
    العرب، وقد سُلِك العرب المسلمون في زمرتهم - رغم اعتراض المسلمين على
    التسمية - لاشتراكهم في الاعتراض على دين قومهم وانحرافهم عن تقاليده
    وقولهم بالتوحيد، ولعلهم هم نفس الحنفاء الذين كانوا في الجاهلية(61).


    ولا يزال مفهوم الصابئين من المفاهيم الشائكة التي حيرت المفسرين والباحثين قديماً وحديثاً(62) ،
    وأرى أن هذه التسمية القرآنية ربما لتميز الحنفاء الذين أسلموا من الذين
    استمروا منهم على ما هم عليه ولم يدخلوا في الإسلام , إذ وصف الحنفاء
    التحم بوصف الإسلام , بينما الصابئون سلكوا في صنف الأديان ذات الأصل
    التوحيدي دون أن يعتنقوا الإسلام، فهم الحنفاء قبل الإسلام ولم يتحولوا
    إليه، وهذا يحيلنا على الحنفاء قبل الإسلام .


    الحنفاء: عرف الحنفاء بين المسلمين بأنهم من كانوا على دين إبراهيم من الجاهليين، فلم يشركوا بربهم أحداً ,
    ولم يدخلوا في يهودية ولا نصرانية، ولم يقبلوا بعبادة الأصنام ديناً , بل
    سفهوا تلك العبادة والقائلين بها، وكانت لهم عادات خاصة تميزوا بها، وعلى
    العموم فإن المصادر لا تساعد على رسم صورة واضحة للحنفاء، فما ورد في
    القرآن يؤكد أنهم أولئك الذين رفضوا عبادة الأصنام، فلم يكونوا من
    المشركين، بل كانوا يدينون بالتوحيد الخالص، وهو فوق توحيد اليهود
    والنصارى، فلم يكونوا يهوداً ولا نصارى، وكان قدوتهم إبراهيم.


    أما
    المصادر التاريخية فإن معظم ما ورد فيها عنهم يخص الناحية الأخلاقية أكثر
    مما يخص الناحية الدينية، وما يمكن ملاحظته أن الحنفاء كانوا على رأي واحد
    لا كطائفة واحدة، فقد كانوا نفراً من قبائل متفرقة لم تجمع بينهم رابطة،
    إنما اتفقت فكرتهم في رفض عبادة الأصنام وفي الدعوة إلى الإصلاح(63).


    ويرى
    البعض أن التيار الحنيفي كان يحمل مشروعاً دينياً سياسياً على مستوى
    الجزيرة العربية لكن الإسلام قام بالطموحين فانتفى الشرط التاريخي لظاهرة
    الحنفاء(64)
    .


    خلصنا
    مما سبق إلى أن ما يجمع الصابئة والأحناف هو الأصل التوحيدي ونبذ عبادة
    الأصنام واتباع إبراهيم، واستمرار الحنفاء عبر الإسلام , وانفراد الصابئين
    ببقائهم على عاداتهم , وما كونوه من تيار دون الدخول في الإسلام، وما يشير
    إليه ذلك التيار هو تطور الذهنية الدينية عند بعض العرب قبل الإسلام ,
    وشعور شريحة منهم بضرورة البحث عن الدين الحق الذي يتلاءم مع العقل
    والفطرة، ولم تفلح العقائد السائدة في إقناعهم فطوروا عقيدة خاصة بهم
    تنسجم مع فطرتهم، هذا الطابع الذي كان سائداً يحمل الطابع الإبراهيمي ,
    وهو لا يمت بصلة إلى التفكير اليهودي المسيحي الذي نشأ مع الحركة النبوية
    الإسرائيلية، ومجرد انتشار الفكر الكتابي بين بعض العرب لا يدل على صبغة
    يهودية أو مسيحية للحنفاء وإلا لكانوا تهودوا أو تنصروا بل كانوا على
    مسافة من الكتابيين ومن الدين الجاهلي الذي كان سائداً قبل البعثة إلى أن
    جاء الإسلام منسجماً مع تطلعاتهم(65) .


    الدين الجاهلي: من يتتبع ما ورد عن عقائد الجاهليين في القرآن يجد أنها من التنوع والكثرة والاختلاف ما لا يحيط به اسم دين أو عقيدة،
    وهي عقائد متشابهة في بعض الأشياء والرموز , ومختلفة في البعض الآخر، لكن
    القرآن يورد مسمى واحداً يتكرر مع ذكر مختلف هذه العقائد , هو مفردة الشرك
    ومشتقاتها، بحيث يمكن اعتبار هذه التسمية تعبيراً عن العقيدة العامة التي
    كانت تسود في بيئة عصر البعثة، وأنها لا تعني نوعاً محدداً من العقائد،
    وأنها كانت عامة يمكن أن ينطوي فيها عقائد متنوعة، وقد تكون أحياناً
    مختلطة ومتداخلاً بعضها مع بعض، يجمع بينها ضابط عام هو إشراك ما دون الله
    مع الله أياً كان هذا الدون(66) .


    ولئن
    كان تعبير الشرك علَماً على الدين الجاهلي العام والمتنوع , فإن الطاغوت
    كما تشير السياقات هو علم على الآلهة المزيفة لعقيدة الشرك(67) ، ونظراً
    لهذا التنوع في العقائد والعادات والشعائر والطقوس التي تندرج تحت وصف
    الشرك , والتي أشير إليها في القرآن سنتناولها ضمن تصنيف جملي نستكشف من
    خلاله التصورات والعقائد التي تشمل: الإله، الغيب، الطقوس والشعائر،
    المحرمات .


    - تصور الإله عند الجاهليين :
    يحفل القرآن بذكر عدد من أسماء الآلهة الجاهلية التي كانت منتشرة في مكة
    أو خارجها والتي كان يعبدها العرب، كما ورد ذكر الأصنام والأوثان والأنصاب
    والأزلام وغيرها مما كان يعبده الجاهليون، ولم يقتصر أمر الشرك على
    المصنوعات المادية فقد ذكر عبادتهم للملائكة والجن والشمس والكواكب والدهر
    وغير ذلك(68) .


    ولم تحدد جغرافية هذه الآلهة وأماكن انتشارها وتاريخها إلا أنها تدل فيما تدل عليه من ورودها مجملة على التنوع الذي كان سائداً،
    وربما يكون مرده حصول تطور في الفكر الديني العربي أدى إلى الانتقال في
    تصور الإله من معبودات مادية إلى رؤية تجريدية، وذلك بفضل الاحتكاك
    والتعرف على عقائد أهل الكتاب والبيئات المحيطة بهم.


    إذ
    يلاحظ من خلال المصادر التاريخية أن العربي توهم الحياة في كل شيء فكان
    يرى في الجماد والحيوان شخصية خاصة بها، ورغم قلة المعلومات فإن هناك
    إشارات عديدة تذكر عبادة عديد العرب للحيوانات وكذلك الجماد والأحجار
    والأشجار .. وتحت تأثيرات داخلية وخارجية اتخذ التصور الديني العربي صيغة
    أكثر تجريداً فبرزت عبادة الكواكب والأجرام السماوية(69) , وفي خطوة
    متقدمة نجد عبادة الملائكة والجن كمخلوقات غيبية غير مدرَكة .


    وأياً تكن صورة الشريك فإن الآيات القرآنية(70) تشير إلى قدم إيمان العرب بالله , وأنهم كانوا يعتقدون أنه خالق السماوات والأرض ,
    ومدبر الكون , وأنه الملجأ , وأنه يكشف الضر , وأنه الذي يرسل الأنبياء ,
    وينزل الملائكة , ويوحي بالكتب، لكنهم رغم تطور هذا الفكر التجريدي لديهم
    عن الله لم يكونوا قد وصلوا إلى استساغة الاكتفاء بالإيمان بالله إيماناً
    غيبياً من غير رمز مادي، لذلك كانوا يعتقدون أنه هو الذي أمرهم بعبادته ,
    والتقرب إليه عن طريق الشركاء أو الشفعاء أو الأولياء أو الشهداء حسب
    طريقة تصورهم للشريك , ودوره في العلاقة مع الله , وهذه التنويعات في
    التسميات والأدوار تشير إلى اختلاف وتطور في درجات التفكير الديني
    بينهم(71) ، هذا التنوع يقودنا إلى أرقى ما تطور إليه الفكر الديني العربي
    وهو الإيمان بالغيب .


    - الغيب عند العرب :كان للفكر الكتابي دور في إدخال أفكار عن عالم الغيب في بيئة كانت تعير المحسوسات أهمية في تفكيرها،
    لكن التطور الذي وصل إليه أصحاب هذه البيئة لم يكن ليسمح بتبني تلك
    الأفكار كما هي , لاسيما ما يخص منها تصور الله، ولعل المقارنة بين تصور
    النصارى لبنوة الإنسان لله وما تبناه المشركون العرب من فكرة البنوة لله
    يشير إلى التأثر من جهة والمحاكمة من جهة أخرى، فإذ أدرك الجاهليون وجود
    كائنات غيبية كالجن والملائكة , وهي في تصورهم أقرب إلى الله من حيث طبيعة
    تصورها التجريدي، وكان الأنسب في ذهنيتهم أن يكون اتخاذ الله للولد من
    الملائكة(72) .


    إذاً
    كان العرب يؤمنون بوجود الملائكة , ولهم تصور خاص عنهم وعن صلتهم بالله ,
    وأن الله كان ينزلهم أو يرسلهم إلى من يشاء من عباده(73) ، وكانوا
    يتصورونهم بنات , وأن الله اتخذ منهم ولداً -كما أشرنا- وقد عبد بعض العرب
    الملائكة , وقد ورثوا هذه العقيدة عن الآباء(74) ، وربما تطورت لتصبح
    الملائكة مجرد شفعاء، وباعتبار الملائكة غير ماديين , ربما اتخذوا من
    الأصنام رموزاً , وهياكل للملائكة الذين هم في السماء(75) .


    ولعل
    ما ورد في القرآن من أوصاف للملائكة وعلاقتهم بالبشر , وبصيغ تقريرية يدل
    على تبني العرب لهذه التصورات عنهم , فكان السياق القرآني تأكيداً لتصورهم
    سموَّ الملائكة وغيبية عالمها .


    ولا
    يختلف الأمر كثيراً بشأن تصور العرب للجن إذ جعلوا بينهم وبين الله
    نسباً(76) ، وجعلوا منهم شركاء لله(77) ، وكانت عقيدتهم بالجن واسعة
    النطاق، كما كانوا يؤمنون بصلات بينهم وبين الإنس، وعبادتهم للجن كانت
    بدافع الخوف منهم , إذ يرون فيهم عناصر شر وفزع , بخلاف الملائكة الذين
    كانوا يرون فيهم عناصر خير وبر يستشفعون بهم(78) .


    وقد
    كان للجن في أذهان العرب حيز كبير من حيث قوتهم وقدرتهم على الخوارق , حتى
    ذكروا في معرض تحدي القرآن وتقرير عجز الإنس ولو استعانوا بالجن(79) .


    وليس
    هناك ما يشير إلى تصورهم لماهية الجن , لكن ما ورد في القرآن من وصف
    المشركين الرسول بأنه مجنون ربما يعني قصدهم كون ما يرد إليه إنما هو من
    الجن , إذ لا يمكن أن يكون منطقياً في تصورهم وصف الرسول بأنه مجنون بمعنى
    فقدان العقل , إذ عرف بينهم بالاتزان والحكمة، فيكون قصدهم أن ما يدعيه من
    الوحي ليس من الملائكة الخيرين الذين طلبوا منه إثبات إنزالهم عليه، وما
    يؤيد هذا المعنى للجنون إجابة القرآن على تهمة الرسول بالجنون بأن القرآن
    تنزيل من الله بواسطة الملك(80) ، لاسيما وأن العرب كانوا يتصورون اتصال
    الجن مع الإنس , لاسيما الشعراء والكهان والسحرة(81) ، هذا ومعظم ما ورد
    في القرآن عن الجن وإبليس والشيطان لاسيما ما ورد بأسلوب تقريري في سياق
    العبرة والعظة والتذكير يشير إلى كونه مما هو معلوم عند العرب(82) .


    هذا ولعالم الجن دور هام في حياة العرب إذ كانوا في تصورهم هم مصدر التنبؤ والكهانة والسحر والشعر،
    ونظراً لما يحتله من يمارس هذه الأشياء من مكانة فقد كانت مصدر تنافس بين
    القبائل مما ساعد على انتشار هذه الظاهرة(83) ، وهذا الجانب من الحياة
    العربية كان كأي جانب آخر عرضة للتطور والتغير، وما كان عليه الحال قبل
    البعثة هو نتيجة لتطور مستمر دام آلاف السنين , قام به رجال من أهل
    الجاهلية , إما بشعور ذاتي أو بتأثر خارجي من خلال الاتصال متعدد الأشكال
    مع العالم الخارجي.


    وهذه
    المقاربة العربية للغيب ومحاولات المتنبئين تذكرنا بتاريخ النبوة عند
    العرب وما ذكرهم به القرآن من نبوة هود وصالح باعتبارهم معروفين من
    قبلهم(84) .


    هذا
    وما يحمله العرب من تصور للنبوة والنبي , وما ينبغي أن يكون عليه من تأييد
    وقدرات خارقة كان مما دعاهم لرفض نبوة محمد التي لم تأت بالخوارق التي
    سمعوا عنها مما جاء به الأنبياء من قبل(85) .


    هذه
    التصورات للآلهة وللغيب على ما ينطوي عليه من تنوع أورثت عندهم تطلعاً
    لإرضائها والتقرب إليها خوفاً أو رغبة، فكانت لديهم بعض الطقوس و العادات
    والمحرمات .


    -
    الطقوس والمحرمات : كل عقيدة تفرض على معتنقيها طقوساً وتعاليم تميزها عن
    غيرها يفرضها مصدر الدين أو يتم تشكلها عبر الزمن , وقد تتأثر بالعقائد
    الأخرى أو الموروث الاجتماعي كما يمكن أن تتطور العادات والمواسم لتصبح
    طقساً دينياً .


    تشير
    الآيات القرآنية(86) إلى وجود طقس الصلاة بين الجاهلين لكن ليس هناك ما
    يدل على طريقة هذه الصلاة(87) ، وتشير أية فرض الصوم إلى قدم هذه الفريضة
    على من سبق من أهل الكتاب , ولا يستبعد بعض المؤرخين وجودها بين العرب أو
    كونها من بقايا شريعة إبراهيم(88) ، وكذلك الاعتكاف كعبادة دينية ورياضة
    روحية كان ممارساً قبل البعثة وقد أشار القرآن إلى الاعتكاف في البيت
    الحرام(89) .


    واسم
    يوم الجمعة يدل على اجتماعهم فيه , وربما اعتباره مشتملاً على خصوصية
    دينية(90) ، أما عبادة الحج فلا توجد أخبار مدونة عن مناسكه وشعائره عند
    الجاهلين(91) لكن الآيات القرآنية(92) صريحة في كونها من العبادات التي
    كانت سائدة قبل البعثة ومنذ عهد إبراهيم(93) .


    بل
    إن مكة ارتبطت بفريضة الحج التي أصبحت مقوماً من مقومات مكانة مكة، أما عن
    كيفية الحج عندهم فقد أشارت الآيات إلى وجود أشهر خاصة بالحج , وكانوا
    يتلاعبون بها، ولعل يوم الحج الأكبر الذي وردت فيه البراءة من المشركين هو
    يوم عرفة , إذ التسمية معروفة عندهم , وقد جاءت البراءة في نفس اليوم،
    وكذلك شبه القرآن بعث الجاهلين بعد الموت بالتزامهم النصب مما يشير إلى
    كونهم يلتزمونها أثناء طوافهم(94) .


    كما
    أمروا بترك ما كان في الجاهلية والإفاضة من حيث أفاض الناس، وكذلك السعي
    والهدي والقلائد وحرمة الصيد مما كان سائداً في مراسم الحج في الجاهلية،
    وبهذه الصورة يكون الإسلام قد صحح الحج الذي كان وخلصه من شوائب الشرك
    والوثنية وما لا يتلاءم مع قيم الإسلام(95) ، هذا ومن الشعائر التي كانت
    سائدة في الجاهلية كما هو الشأن في سائر الأديان تقليد القربان سواء ما
    كان متصلاً بهدي الحج أو مستقلاً عنه(96) .


    وقد
    وصل ببعضهم تقديم القربان البشري وهو أحد أسباب وأد البنات عندهم وتشير
    بعض الآيات إلى اقتران ذلك بالشرك(97) ، وبذلك تكون هذه الشعيرة من بقايا
    الشعائر الدينية التي كانت سائدة في القديم(98) .


    هذا
    وبالإضافة للشعائر كانت لدى الجاهلين بعض المحرمات, منها ما هو مرتبط
    بالحج كما أشرنا فيما يخص الأشهر الحرم , ومنها ما هو مرتبط بالقربان أو
    أنواع الحيوان , وما يؤكل منها وما لا يؤكل , وقد أشار القرآن إلى ما
    ابتدعوه من هذه المحرمات(99) وما أطلقوه عليها من أسماء كالسائبة والحام
    والوصيلة والبحيرة(100) .


    وقد اختلف كثيراً في تفسير هذه الأسماء ,
    ولا يمكن الجزم بمعناها لكن الأهم هو ما تشير إليه من أن الجاهليين كانوا
    يراعون هذه الأمور مراعاة شديدة , ولهم فيها قواعد وأحكام ترجع إلى تقاليد
    قديمة حافظوا عليها إلى أن منعها الإسلام(101) .


    إن
    ما أوردناه من كيفية إشارة القرآن لما كان سائداً من أفكار وعقائد وأعراف
    وعادات , وتصحيحه لها وإقرار ما كان صحيحاً منها، بل واستعماله لمصطلحات
    كانت سائدة وتطويرها، حتى إن أهم مصطلحات الدين الحلال والحرام كانت سائدة
    قبل الإسلام، يدل على وجود فكر ديني وقانوني كان يحكم مسيرة العرب قبل
    الإسلام(102) ، وعلى الصعيد الأخلاقي فقد كانت المروءة عند الجاهليين
    كالدين عند المسلمين فهي أقصى ما يكون من أخلاق في الرجل , فكان لها دور
    في تكريس الشجاعة والمساواة والأريحية والكرم وغيرها من القيم الأخلاقية
    التي أقرها الإسلام(103) .


    خاتمة:

    هذه
    التفاصيل القرآنية التي أوردناها حول المجتمع العربي قبل الإسلام لاسيما
    فيما يخص الجانب الديني تدل على أن العرب لم يكونوا متفقين على عبادة
    موحدة , ولم يكونوا يعبدون إلهاً واحداً أو أصناماً معينة , كما لم يكونوا
    جميعاً على سوية واحدة في التفكير الديني، فلم يكن الانحطاط الديني عاماً
    للجميع(104) ، فقد كانت الجزيرة العربية تمثل اختزالاً لما كان يسود الكون
    من أفكار وأديان في العالم آنذاك , وذلك ما أهَّلها لتكون مهداً لرسالة
    عالمية تخاطب العالم , وتخرج من وسط تجمُّع له صلة بما يسود الفكر الديني
    في عصرها.


    هذه المقاربة إن بدت موغلة في التاريخ فإن جوهرها وما طرحته من رؤية حول تلك الفترة له صلة بحاضر العالم اليوم،
    فلئن ساد في الفكر الإحيائي في القرن الماضي وصف العالم بالجاهلية، وبدا
    ذلك متناقضاً من ناحيتين: المفارقة في المقارنة بين زمنين مختلفين ومفارقة
    مضمون المفهوم، فإن ما تفيده مقاربتنا أن الإنسان أحوج ما يكون للدين
    عندما يكون متقدماً وعالماً ومتطوراً، والأنبياء إنما كانوا يبعثون في
    بيئة حضرية متقدمة، والقيم الأخلاقية يحتاجها الغني أكثر من الفقير ,
    والقوي أكثر من الضعيف.


    لذلك
    فإن عالم اليوم المتقدم والدول المتعملقة على أكتاف الضعفاء إنما تحتاج
    إلى بعث جديد يحيي فيها قيم الإنسانية التي جاء بها الأنبياء

    , ويفتح أفق الإنسان لتصحيح التاريخ وتوجيهه نحو التي هي أقوم, كما وجهته
    الرسالة الخاتمة عندما بعث محمد صلى الله عليه وسلم في أم القرى، فتحول
    الكون إلى قرية اليوم يشبه أحوال مكة أم القرى عند البعثة , حيث امتزاج
    الأفكار والأديان والأعراق ومحوريتها بين القرى.


    ويبقى التاريخ مصدراً حضارياً وملهماً أساسياً لمن يبتغي رؤية المستقبل رؤية بعيدة، فحاضر اليوم "وَلَنْ تَجِد لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً " ليس إلا نتيجة ما فعل بالأمس , والغد ليس إلا نتيجة ما نفعله اليوم.

    المصدر : الملتقى الفكري للإبداع

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 14:31


    الأمم الغابرة بين القرآن والكتب السابقة والمكتشفات الأثرية الحديثة









    كتب:





    10/رمضان/1430 الموافق 31/08/2009




    إعداد / إدارة الموقع

    في
    القرآن الكريم أخبار تاريخية كثيرة بعضها ورد ذكره في التوراة , وبعضها
    الآخر ورد في الإنجيل, وبعضها تداول على ألسنة الناس , وبعضها لم يرد ذكره
    إلا في القرآن الكريم وحده .


    وقد
    وقف كثير من المؤرخين من غير المسلمين مواقف متناقضة من هذه الأخبار ,
    أغلبها كان قائما على محاولة الشك فيما جاء في القرآن الكريم , حتى تطور
    علم الآثار ودراسته في العصر الحديث , وبدأت توضح كثير من الحقائق
    والأخبار التارخية الغامضة , فإذا بنا نرى أن ما جاء في القرآن الكريم هو
    الحق , فكان في ذلك آية حيرت الكافرين , وزادت المؤمنين إيمانا على
    إيمانهم .


    غرق فرعون :

    ومن تلك الحقائق التي ذكرت في القرآن , وحاول البعض أن يشكك فيها قصة غرق فرعون ونجاته ببدنه كما قال تعالى "
    اليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية " (يونس 92 ) والمعروف أن التوراة
    تروي أن فرعون غرق ومن معه , ولا تضيف شيئا إلى ذلك , أي لا تتحدث عن
    إخرجه من اليم وحفظ جثته .


    وقد
    ظل هذا الشك عندهم قائما إلى أن اكتشفت مومياء "مرنفتاح بن رعميس الثاني "
    في مدفن بوادي الملوك بمصر عام 1898 م ، وحفظت في متحف القاهرة حتى جاء
    الدكتور " بوكاي " الطبيب الفرنسي , وحاول كشف سر بقائها , فقام بإجراء
    عدة فحوص واختبارات عليها , وشاركه فيها مجموعة من أساتذة الآثار العرب ,
    ثم نقلت المومياء إلى باريس حيث خضعت لعدة تجارب أخرى .


    وظهر
    من خلال الفحوصات بما لا يدع مجالا للجدل أن الجثة قد أصابها الغرق ,
    وأنها تحمل آثار كدمات وضربات في أنحاء مختلفة من الجسد , يبدو أنها
    أصابتها نتيجة تلاطم الأمواج التي كانت تقذف به بين الصخور قبل موته وهو
    يصرخ " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل "


    ثم
    أعد الرجل " بوكاي " كتابا بعنوان " التوراة والقرآن والعلم " ذكر فيه قصة
    فرعون وموسى عليه السلام , وسجل فيه أن فرعون الذي جاء ذكره في القرآن
    الكريم لابد أن يكون مرنفتاح بن رعميس الثاني , وإنه توفي فعلا في مطاردته
    لبني إسرئيل , وإن جثته لم تغرق نهائيا بل انتشلت , أو ربما لفظتها
    الأمواج .


    وهكذا شاء الله سبحانه أن يحفظ ذلك البدن بالتحنيط حتى يكتشف أمره في العصر الحديث ؛ ليعلم الناس أن القرآن هو الحق .

    طوفان نوح عليه السلام :

    ومن الأخبار التاريخية التي وردت في القرآن وحاول المنتسبون إلى العلم التشكيك فيها طوفان نوح عليه السلام ,
    حيث وصفها البعض منهم بأنها أسطورة خرافية لا أساس لها من الصحة , لكن شاء
    الله أن يظهر الحقيقة على يد بعثة " السير ليونارد وولي " في عام 1929م
    حيث اكتشف ببراهين قاطعة لا تقبل الجدل أن طوفانا حدث في جنوبي العراق عام
    3000 قبل الميلاد , ثم وجدت لوحات فخارية في جنوب العراق تؤكد ذلك .


    كما
    أثبتت الحفريات أن هذا الطوفان لم يكن عاما شمل المعمورة , كما جاء في
    التوراة , إنما أصاب بلاد قوم نوح عليه السلام الذين أرسل إليهم فقط ,
    وهذا ما يفهم من قوله تعالى : " وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية " الفرقان : 37.


    إرم ذات العماد :

    ومن
    تلك الأخبار التاريخية التي جاءت في القرآن الكريم ، وأكددت صحتها دراسة
    الآثار قصة عاد , والتي تحدث عنها القرآن في عدة آيات منها قوله تعالى
    " ألم تر كيف فعل ربك بعاد , إرم ذات العماد , التي لم يخلق مثلها في
    البلاد " ( الفجر : 5ـ Coolوقوله : " فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق
    , وقالوا من أشد منا قوة , أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة
    , وكانوا بآياتنا يجحدون , فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات
    لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا , ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون
    " (فصلت : من 15 ـ 16 ) وقوله " وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ,
    ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم " (الذاريات 42ـ 43).


    وقد جاء في بعض نصوص الأدب السومري قصيدة لشاعر يرثي فيها خراب مدينة إرم , ويقول فيها :

    لقد أصبحت مدينتك خرابا فكيف تستطيعين البقاء

    لقد أصبح بيتك عاريا فكيف ما زال قلبك ينبض

    إرم الهيكل قد تسلمته الرياح فكيف تستمرين حية

    وقد ظلت اللوحات التي تحمل هذه الأبيات مدفونة في آثار المدينة قرابة خمسة آلاف عام , ولم تظهر إلا في القرن الماضي .

    وهذه
    الأبيات وما أظهرته التنقيبات الحديثة والنصوص المكتشفة من عظم مدينة إرم
    وطغيان أهلها في الأرض لا تترك مجلا للشك في كونها المدينة المشار إليها
    في الآيات السابقة. .

    ولا عجب إنه كتاب الله !!

    المصدر : موقع التاريخ

    Admin
    المشرف العام
    المشرف العام

    عدد المساهمات : 5315
    تاريخ التسجيل : 17/06/2008

    مرحبا بك زائرنا الكريم رد: العالم قبل البعثة النبوية نظرات في التاريخ القديم ( عصر اكتشاف المعادن واستخدامها)

    مُساهمة من طرف Admin في السبت 14 نوفمبر 2009 - 14:35


    مكتبة الإسكندرية القديمة.. ما المصير?







    كتب:





    10/رمضان/1430 الموافق 31/08/2009





    مكتبة الإسكندريةالقديمة.. ما المصير ؟

    بقلم د / قاسم عبده قاسم

    من حق زائر مكتبة الإسكندرية الجديدة أن يلقي نظره علىمصير المكتبة القديمة, وأن يعرف من الذي جنى عليها ومن الذي اتهم بحرقها ؟

    كانت مكتبة الإسكندرية القديمة, التي بناها البطالمة الأوائل, أهممؤسسة علمية وفكرية في العالم القديم. وقد ظلت المكتبة تلعب دورًا مهمًا في الأنشطةالفكرية والعلمية لشعوب شرق المتوسط على مدى عدة قرون. وكانت مقصدًا للعلماءوالفلاسفة الذين قاموا بالدور الأهم في عالمهم عندما تدهور دور بلاد الإغريق في تلكالفترة التي يعرفها المؤرخون عموما باسم العصر الهيللينستي (أي العصر الذي جمع بينالتراث الهيلليني, أي اليوناني والتراث الآسيوي), وهو العصر الذي يبدأ بفتوحاتالإسكندر الأكبر وينتهي بمعركة اكتيوم في النصف الأخير من القرن الأول قبل ميلادالمسيح, فبعد هذه المعركة التي انتهت بانتحار كليوباترا السابعة ومصرع أنطونيوس بعدهزيمته تحولت مصر إلى ولاية رومانية, وصارت الإمبراطورية الرومانية تحكم حوض البحرالمتوسط كله لدرجة أن الرومان أسموه (بحرنا(.

    وفي تلك الفترة تعرضت مكتبة الإسكندرية لحريق جزئي أثناء حملة يوليوسقيصر على الإسكندرية, لأن النيران التي اندلعت في السفن الراسية بالميناء امتدت إلىبعض أجزاء المكتبة, ولكن المكتبة ظلت تعمل بعد ذلك, بدليل أن استرابون الذي زارهابعد عدة سنين وصف الأنشطة والحياة داخلها. ثم تعرضت المكتبة لحريق يبدو أنه كانمدمرًا بحيث وضع نهايتها المأساوية أثناء حوادث الشغب التي قام بها المسيحيون فيالإسكندرية أواخر القرن الرابع الميلادي ضد الوثنية ورموزها, وكانت مكتبةالإسكندرية من بينها بطبيعة الحال.

    ثم جاء الفتح الإسلامي لمصر في النصف الأول من القرن السابع الميلادي، قد عقد عمرو بن العاص اتفاقية مع البيزنطيين حدد فيها شروط جلائهم عن مصر فيمايعرف باتفاقية الإسكندرية الأولى, ثم نقض البيزنطيون اتفاقهم وحاربهم المسلمونوهزموهم مرة أخرى, وتجددت شروط الجلاء في اتفاقية الإسكندرية الثانية.

    واللافت للنظر هنا أن كتب تواريخ الفتوح الإسلامية التي تناولت فتحمصر (البلاذري, والطبري, وابن عبدالحكم, ومن نقل عنهم من المتأخرين وأهمهم تقيالدين المقريزي), لم يذكروا شيئًا عن مكتبة الإسكندرية القديمة, سواء ما يتعلقبوجودها, أو وجود أطلالها, حتى أي إشارات عن حرقها وتدميرها, على الرغم من اهتمامهذه المصادر بذكر تفاصيل الحصار لحصن بابليون, والمعارك التي جرت في الإسكندريةوغيرها, بل إن ابن عبدالحكم تحدث عن خطط الإسكندرية ولكنه لم يذكر شيئًا عن المكتبةأو غيرها من الملحقات مما يشير صراحة إلى أنها لم تكن موجودة, كما أن أطلالها كانتقد اندثرت. وهنا ينبغي أن نشير أيضًا إلى أن المؤرخ الأسقف يوحنا النقيوسي, الذيكان شاهد عيان لأحداث الفتح الإسلامي لم يقل شيئًا عن أعمال عنف قام بها المسلمونضد المكتبة على الرغم من أنه كان قاسيًا في الحديث عن المسلمين, ولم يكن متعاطفًامعهم بأي حال من الأحوال. كذلك لم يشر أي من المؤرخين المسيحيين الذين كتبوا عنتاريخ مصر, في سلسلة تمتد من أوائل الوجود الإسلامي في مصر حتى عصر سلاطينالمماليك, إلى شيء يتعلق بمكتبة الإسكندرية القديمة (ساويرس بن المقفع, وابنالعميد, ومفضل بن أبي الفضائل وغيرهم(.

    لكن المدهش أن أول ذكر لهذه القصة جاء على لسان عبداللطيف البغداديالذي زار مصر سنة 595هـ/1200م في عبارة قصيرة, ثم وردت رواية تفصيلية لدى أحدالمؤلفين المسلمين, وهو ابن القفطي الذي كتب في القرن السابع الهجري/ الثالث عشرالميلادي يضع مسئولية حريق مكتبة الإسكندرية القديمة على عاتق المسلمين. وقد نقلهاعنه باختصار المؤرخ المسيحي (ابن العبري) دونما تعليق بعد عقود قليلة من الزمان.

    وقد أثارت رواية ابن القفطي, بتنويعاتها المختلفة, كثيرًا منالمناقشات وحفزت كثيرًا من الدراسات والبحوث, فقد أخذها بعض المؤرخين الغربيينوسيلة للهجوم على الإسلام والمسلمين من ناحية, كما أخضعها نفر آخر من هؤلاءالمؤرخين للبحث والدراسة وأثبتوا عدم صحتها من ناحية أخرى. وأسهم عدد من المؤرخينالعرب المعاصرين في مناقشة الموضوع وبرهنوا على أن الرواية التي ساقها ابن القفطيبعد عدة قرون من الفتح مجرد قصة ركيكة رديئة التأليف ومليئة بالثغرات والثقوب, وبداالأمر وكأن نار المناقشات حول مصير مكتبة الإسكندرية القديمة قد باتت رمادًا.

    بيد أن إحياء مكتبة الإسكندرية في السنوات الأخيرة, وتجسيد الحلم فيهذه المؤسسة الرائعة, وأنشطتها الفكرية والعلمية والفنية أعادت لمدينة الإسكندريةقدرًا كبيرًا من بريقها المفقود, وأعادتها قبلة ومصدرًا لأفضل العقول وأجمل المواهبمن أركان الدنيا. ولكن هذا الإحياء - من ناحية أخرى - جعل النقاش والجدل يتجدد حولمصير مكتبة الإسكندرية القديمة.

    وربما يكون مناسبًا أن نورد رواية ابن القفطي عن مصير المكتبة, ثمنناقشها في محاولة للوصول إلى الصورة الأقرب للحقيقة, وعلى الرغم من أن هذه الدراسةتنطلق من فرضية تنفي التهمة عن المسلمين, فإن حق القارئ يفرض علينا أن تكونالمناقشة محايدة وموضوعية بقدر ما تسمح به الطبيعة البشرية.

    تقول رواية ابن القفطي : إن الحاكم المسلم الأول لمصر بعد الفتح, وهوعمرو بن العاص كان شديد الإعجاب بيوحنا النحوي بسبب حكمته وعلمه, كما كان معجبًابآرائه في رفض الثالوث, ونهاية الزمان, وكان يحضر مجلسه ويستمع إليه ويتعلم منه!! ويستمر ابن القفطي ليقول: إن عمرو بن العاص قال لهذا العالم المسيحي إنه مستعد أنيلبي له أي مطلب, فطلب منه يوحنا النحوي أن يأذن له بأخذ ذخائر مكتبة الإسكندرية منالمخطوطات. وأجابه الحاكم المسلم بأنه لا يستطيع أن يفعل هذا دون موافقة الخليفةعمر بن الخطاب. وعندما أرسل للخليفة أجابه بأن (كتاب الله) يغني عما في هذه الكتب،وأمره أن يتخلص من الكتب!! ثم يقول الراوي: إن عمرو بن العاصأمر بتوزيع مقتنياتمكتبة الإسكندرية على حمامات المدينة لكي تستخدم وقودًا لتسخين المياه بها،واستغرقت هذه العملية ستة أشهر.

    هذه هي رواية ابن القفطي باختصار. وقد تصدى ألفرد بتلر في كتابه (فتحالعرب لمصر) سنة 1902م لتفنيد هذه الرواية, وكان أهم ما ذكره أن يوحنا النحوي لايمكن أن يكون موجودًا أيام عمرو بن العاص لأنه كان نشيطًا قبل هذا التاريخ بمائةسنة, وبذلك هدم الأساس الذي قامت عليه رواية ابن القفطي ، كما أن د.مصطفى العباديأثبت أن المكتبة قد حرقت وهدمت مرة أثناء حرب الإسكندرية, ثم امتدت النيران إلىالمكتبة, والمرة الثانية عندما قام الأسقف المتعصب ثيوفانس بتدمير السرابيون سنة 391م بأمر الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير.

    رواية يعوزها المنطق

    بيد أن هناك جوانب أخرى تجعل من هذه الرواية رواية ضعيفة متهافتة:

    أولاً : أننا لو سلمنا جدلاً بأن يوحنا النحوي كان موجودًا زمن فتحمصر وأنه كان على علاقة طيبة بعمرو بن العاص, فهل كان يمكن أن يطلب مقتنيات مكتبةالإسكندرية التي استغرق حرقها, في جميع حمامات الإسكندرية, ستة أشهر? وهل كان يمتلكالمكان الذي يتسع لكل هذه الكتب؟

    ثانيًا : لماذا يلجأ عمرو بن العاص إلى إحراق محتويات مكتبةالإسكندرية بهذه الطريقة الغريبة التي استغرقت ستة أشهر - حسبما تقول الرواية - وهوأمر يتطلب متابعة من حاكم كان بحاجة إلى توطيد نفوذه في الولاية الجديدة? ولماذا لميحرقها مرة واحدة في مكانها ؟

    ثالثًا : إذا سلمنا جدلاً بأن محتويات المكتبة تم إحراقها بهذهالطريقة الغريبة, فماذا عن مبنى المكتبة نفسه? هل تم هدمه? أم ظل باقيًا? ولماذا لميتحدث عنه المؤرخون المسلمون الذين تحدثوا عن الآثار المصرية القديمة بشكل يشيبالانبهار والإعجاب? وقد كان عمود السواري بالإسكندرية من أهم الآثار التي كانالمؤرخون والرحالة المسلمون يتحدثون عنها, فإذا كانت المكتبة أو أطلالها, موجودةلما أغفلوا الحديث عنها بطبيعة الحال؟!

    رابعًا : لم يتخذ المسلمون موقفًا معاديًا طوال تاريخهم الثقافي ضدالتراث الثقافي والعلمي الإنساني, بل إن حركة الترجمة من تراث الإغريق والفرسوالهنود والصينيين تحت رعاية الدولة, تؤكد أن الرواية التي رواها ابن القفطي تقف ضدطبيعة الأشياء وتعادي منطق التاريخ.

    خامسًا : التناقض الصارخ في موقف (عمرو بن العاص) - حسب رواية ابنالقفطي - لا يمكن أن يكون حقيقيًا, فكيف يمكن لرجل معجب بالعلم والحكمة التي يتمتعبها يوحنا النحوي بحيث يجلس منه مجلس التلميذ والمريد, أن يأمر بحرق الكتب التيتحتضن الحكمة والمعرفة بين صفحاتها ؟!

    ولكن يبقى السؤال الأهم مطروحًا: لماذا يكتب عبداللطيف البغدادي وابنالقفطي وابن العبري هذه الرواية التي ينسبون فيها تدمير مكتبة الإسكندرية القديمةإلى عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب؟

    لابد أولاً أن نستبعد رواية كل من عبداللطيف البغدادي, ورواية ابنالعبري, على أساس أن الأول ذكر عبارة قصيرة للغاية عنها في معرض حديثه عن عمودالسواري تشي بأنه سمعها من أحد, ولم يحقق فيها, وهو على حال رحالة لم يدقق كثيرًافيما أورده من أخبار في كتابه (الإفادة والاعتبار), كما أن الثاني أورد رواية ابنالقفطي نفسها في صورة مختصرة دون أن يتدخل فيها, وربما يكون قد نقلها عنه أو عنمصدر مشترك لهما.

    تفسيرات أخرى للرواية:

    تبقى رواية ابن القفطي: وهي مركبة من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول منهاسبق أن أورده ابن النديم في الفهرست وهو الخاص بتأسيس المكتبة ومن يدعى زميرةالمسئول عنها, والقسم الثاني ورد لدى أحد المؤرخين البيزنطيين. وهكذا فإن هذينالقسمين ليست لهما أهمية تتعلق بقصة تدمير مكتبة الإسكندرية, أما القسم الثالث, فهوجزء صاغه ابن القفطي صياغة خيالية على شكل حوار بين عمرو بن العاص ويحيى النحوي،وهو ما يشكك في الرواية أصلاً.

    فضلاً عن أن القصة نفسها تقريبًا جرت حول فتوح فارس والعراقوبالعبارات نفسها مع تغيير الأسماء, وهو الأمر الذي يشي بأنها كانت نوعًا منالفولكلور المتداول آنذاك, ويذكرنا بروايات أخرى مماثلة في موضوعات متنوعة, كانت منتقاليد الكتابة التاريخية العربية في تلك العصور.

    والكتاب الذي وردت فيه هذه الرواية - من ناحية أخرى - وهو الذي يحملعنوان (إخبار العلماء بأخبار الحكماء) عبارة عن كتاب تراجم موجزة, فيه الكثير منالأخبار الأسطورية التي أوردها ابن القفطي باعتبارها من الحقائق التاريخية.

    يقودنا هذا إلى الإجابة عن السؤال, لماذا أورد ابن القفطي هذه القصةالغريبة؟

    يرى البعض أن الرجل الذي عمل في خدمة الأيوبيين هو وأبوه, رأى استياءالناس مما فعله صلاح الدين الأيوبي بمكتبة القاهرة حينما باع محتوياتها في مزادعلني كان يعقد مرتين أسبوعيًا, ثم هدم (دار الحكمة) وبنى محلها المدرسة الشافعية فيغمرة حماسته لاستئصال المذهب الشيعي من مصر, وأن ابن القفطي أراد أن يقول إنالخليفة العظيم عمر بن الخطاب سبق أن أحرق مكتبة الإسكندرية, فالبيع أهون من الحرقعلى أي حال.

    وهناك رأي آخر يرى أن الشيعة أذاعوا قصة حرق المكتبة على يد عمرو بنالعاص بأوامر من عمر بن الخطاب مما يؤكد أن السنّة معادون للعلم والمعرفة, لاسيماأن هذه القصة كانت رائجة في الفترة الانتقالية ما بين نهاية الدولة الفاطمية وبدايةالدولة الأيوبية. وقد نقلها ابن القفطي كما سبق أن نقلها عبداللطيف البغدادي دونماتحقيق.

    وعلى الرغم من أنني أميل إلى الأخذ بالتفسير الثاني, لاقترابه منالمنطق وسياق الأحداث التاريخية, فإنني أرى أن ابن القفطي أورد الرواية دون أن يكونفي ذهنه أي رسالة يمكن أن تحملها, فقد نقلها باعتبارها قصة متداولة, ولم يحاول أنيتوقف أمامها كما فعل في الكثير من الأساطير التي دخلت في ثنايا صفحات كتابه.

    وعلى أي حال, فإن قصة تدمير مكتبة الإسكندرية القديمة تبقى دليلاًصارخًا على سوء استخدام التاريخ لحساب السياسة في الماضي وفي الحاضر على السواء.

    المصدر : مجلة العربي الكويتية عدد رقم 556 يناير

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 7 ديسمبر 2016 - 21:14