منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

أخي الزائر انت غير مسجل يمكنك التسجيل والمساهمة معنا في إثراء المنتدى ...وأهلا وسهلا بك دوما ضيفا عزيزا علينا ...شكرا لك لاختيار منتدانا
منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

منتدى تلات عبد القادر للعلوم والمعارف والثقافات لكل الفئات العمرية والأطياف الفكرية

اخي الزائر شكرا لك على اختيارك لمنتدانا ..كما نرجو لك وقتا ممتعا واستفادة تامة من محتويات المنتدى..وندعوك زائرنا الكريم للتسجيل والمشاركة في إثراء المنتدى ولو برد جميل ...دمت لنا صديقاوفيا..وجزاك الله خيرا.

المواضيع الأخيرة

» مناظرات مع القرآنيين ومنكري السنة
الثلاثاء 8 يوليو 2014 - 18:46 من طرف Admin

» مناظرات مع المعتزلة
الثلاثاء 8 يوليو 2014 - 18:45 من طرف Admin

» مناظرات مع الأشاعرة
الثلاثاء 8 يوليو 2014 - 18:42 من طرف Admin

» مناظرات مع الصوفية
الثلاثاء 8 يوليو 2014 - 18:40 من طرف Admin

» مناظرات مع الشيعة
الثلاثاء 8 يوليو 2014 - 18:39 من طرف Admin

» مناظرات الشيخ أحمد ديدات استماع مباشر دون تحميل
الثلاثاء 8 يوليو 2014 - 18:37 من طرف Admin

» الياذة الجزائر كاملة للشاعر الجزائري مفدي زكريا بصوت الشاعر مفدي زكريا
الإثنين 7 يوليو 2014 - 19:42 من طرف Admin

» شرح نسخ ويندوز 7 على فلاش ميموري للإقلاع من الــ usb
الأحد 15 يونيو 2014 - 6:58 من طرف اوفق

» الياذة الجزائر كاملة للشاعر الجزائري مفدي زكريا
السبت 24 مايو 2014 - 20:03 من طرف زائر

» في أعمال الحاج بعد الرمي
الأربعاء 7 مايو 2014 - 17:55 من طرف زائر

» في حكم تَكرار العمرة
الأربعاء 7 مايو 2014 - 17:52 من طرف زائر

» الفيلم الوثائقي المثير عن تاريخ الجزائر
الجمعة 25 أبريل 2014 - 18:24 من طرف Admin

» الشيخ أحمد ديدات رحمه الله في (المقابلة الثانية) مع المذيعة جينا لويس
الأربعاء 19 مارس 2014 - 18:12 من طرف Admin

»  ردا على سواجرت - محمد فى الكتاب المقدس ★
الأربعاء 19 مارس 2014 - 18:11 من طرف Admin

» أحمد ديدات - القرآن المعجزة المرئيّة ★
الأربعاء 19 مارس 2014 - 18:10 من طرف Admin

التبادل الاعلاني

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 
  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

شاطر

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:17

معركة
عين جالوت الخالدة



إنكسار
المغول






المبحث الأول: إحتلال المغول لبلاد
الشام والجزيرة:



أولاً: صمود ميا فارقين: انتهى
التتار من غارات الاستطلاع في الجزيرة، ومن جمع المعلومات عن أرضها وشعبها وملوكها
وكانوا قد فرغوا من أمر بغداد،فوجّهوا جيوشهم بثقلها صوب الجزيرة، وعلى رأسهم
القائد العام للعمليات في المنطقة هولاكو خان، لم يضيع التتار الوقت في عام 656هـ/
1258م بعد سقوط بغداد، توجه هولاكو مباشرة إلى الجزيرة، وكان هدفه دينسمر ونصيبين،
ومن ثم حرّان، وكلّف ابنه يشموط بقيادة فرقة أخرى من جيش التتار والسير بإتجاه
ميّافارقين وكلّف معه القائدين إيلكا نويان وسونتاي نويان، ووجّه فرقة أخرى بقيادة
الصالح ابن صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ إلى آمد[1].



1 ـ آمد بمواجهة التتار:في
عام 655هـ / 1257م كان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر شهاب الدين صاحب
ميّافارقين قد عاد من زيارة منكوقاآن التتار الأعظم، بعد أن قدم له فروض الطاعة،
فعلم أن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يكاتب أهل آمد لتسليمه المدينة، فطلب نجدة
الملك السعيد صاحب ماردين، وأرسل عسكره، فطردوا عسكر سلاجقة الروم واحتلوا آمد[2]،
وفي عام 557هـ وبينما كان التتار يحاصرون ميّافارقين، وصل هولاكو إلى آمد واستدعى
سيف الدين بن محلي نائب الكامل فيها، فخرج إليه،وطلب منهم هولاكو تسليم المدينة،
فلم يمانع، وقام هولاكو بتسليمها إلى ابني كيخسرو سلطان سلاجقة الروم المتوفي،
وهما رُكن الدين وعز الدين ولما اقتسما البلاد أصبحت آمد مع رُكن الدين قليبج
أرسلان، وفيها نوّابه مع نوّاب التتار، ثم انتقلت بعد مقتله إلى ابنه غياث الدين[3].



2 ـ تحدي ميّافارقين للتتار:وبعد
عودة الملك الكامل من خان التتار إلى ميّافارقين أعلن العصيان على التتار، وحبس
نوّابهم وخرج بإتجاه دمشق لمقابلة الملك الناصر يوسف وقال له: إن هؤلاء التتار لا
تفيد معهم مُدارة، ولا تنجح فيهم خدمة، وليس لهم غرض إلا في ذهاب الأنفس،
والاستيلاء على البلاد، ومولانا السلطان قد بذل لهم الاموال من سنة أثنتين وأربعين
,إلى اليوم (656هـ)، فما الذي أثرت فيهم من خلوص المودة؟ فلا يغتر مولانا بكلام
بدر الدين ـ صاحب الموصل ، ولا بكلام رسولك ـ الزين الحافظي، فإنهما جعلاك خبزاً
ومعيشة وأحذرك كل الحذر من رسولك فإنه لا يناصحك ولا يختارك عليهم، وغرضه إخراج
ملكك من يدك وأنا فقد علمت أنني مقتول سواء أكنت لهم أو عليهم، فاخترت بأن أكون
باذلاً مهجتي في سبيل الله، وما الانتظار وقد نزلوا على بغداد، والمصلحة خروج
السلطان ـ الناصر ـ بعساكره لإنجاد المسلمين وأنا بين يديه، فإن أدركناه عليها
فيها، ونعمت وكانت لنا عند الخليفة اليد البيضاء وإن لم ندركه أخذنا بثأره[4].



3 ـ مشروع الكامل لمواجهة التتار:كانت
لدى الكامل رؤية واضحة لموضوع الصراع مع التتار، وقد تجلت في المشروع الذي قدمه
للملك الناصر الايوبي عند زيارته له في دمشق، وهو مشروع هجومي وليس دفاعي:



أ ـ أدرك الناصر أن نزول هولاكو على
بغداد لحصارها هو الهدف الأكبر للتتار وإنهم بعده سيتوجهون إلى الجزيرة والشام.



ب ـ تأكد الكامل أن سقوط بغداد سيكون
نهاية للدولة الإسلامية بكل رموزها ومعانيها وممالكها وإماراتها.



ج ـ لكل ذلك كان مشروعه يبدأ من بغداد،
فقد طلب من الناصر يوسف التوجه بجيشه وسيكون الكامل معه إلى بغداد لنجدتها، فمعركة
بغداد هي التي ستحسم الصراع مع بغداد.



د ـ كان يبدو من كلام الكامل ثقته ـ إلى
حد ـ ما بالنصر، فإن لم يمكن نجدة الخليفة وإنقاذه فالثأر له.



س ـ قام الكامل بتحذير الناصر من تضليل
بدر الدين لؤلؤ المتعامل مع التتار، ومن خيانة رسول الناصر إلى التتار وزيره الزين
الحافظي ((فقد جعلوك خبزاً ومعيشة))[5].



لقد كان الكامل واحداً من الملوك القلّة
الذين تجرّؤوا على مجرّد التفكير بالمقاومة وربما كان ذلك لتقديره الصحيح للموقف
فقد قتل التتار الملوك المستسلمين والخاضعين والمقاومين على السوء، وهذا ما أثبتت
الأيام صحته[6].



4 ـ ردّ الناصر على مشروع الكامل:ما
إن علم الملك الناصر بتوجه الكامل المتمرد على التتار نحوه حتى جمع أرباب دولته
واستشارهم، فكان رأي الأغلبية منهم استقبال الكامل، والاستماع إلى ما جاء من أجله،
بينما عارض ذلك الزين الحافظي والصالح نور الدين بن المجاهد والملك الاشرف بن
المنصور صاحب حمص، فإنهم كانوا متفقين مع التتار وقال الزين الحافظي للناصر: متى
بلغ هولاكو خروجك إليه جعله سبباً إلى قصد بلادك والمصلحة اعتذارك إليه، وردّه،
فلم يمكن الناصر إلا موافقة الجم الغفير، فخرج إليه، وتلقّاه وأنزله بدار السعادة[7]،
إن ما نستنتجه من ما دار في مجلس الملك الناصر هو أن أعوان التتار يشكلون حزباً له
وجوده حتى في حاشية الملوك، ولكنّهم قلة، وأن معظم الناس كان مشاعرها ضد التتار،
وتميل للمقاومة مهما كانت النتائج، لقد استمع الملك الناصر ولم يوافق على مشروع
الكامل، فبعد أن عرض الكامل مشروعه للمسير إلى بغداد أيّد جميع الحاضرين في المجلس
هذا المشروع، ما عدا حزب التتار، فقد كانت لهم جرأة في المعارضة، أما الملك
الناصر، فكان ردّه متخاذلاً أكثر من تخاذله على أرض، إذ عرض على الكامل أن يرسل من
طرفه رسولاً ليشفع له عند هولاكو، فأجابه الكامل قائلاً: جئتك في أمر ديني
تُعوّضني عنه بأمر دنيوي؟ فقال: متى نزلوا عليك ارسلتُ لك عسكراً. فأجاب الكامل:
هذا لا ينفعني حينئذ، إذ لا وصول له إلي[8]،
لقد مثل الكامل إرادة الجهاد والمقاومة مهما كلف الثمن، واختار الشهادة بعزة إن لم
يكن النصر،أما الملك الناصر، فقد عبّر عن جبنه وتخاذله وحيرته وتردده وانعدام
قدرته على اتخاذ قرار ناجح في لحظة تحتاج إلى قرار، وبقي الكامل في دمشق حتى سمع
سقوط بغداد، فرجع إلى بلاده عن طريق حلب، حيث التقى به ابن شداد وقال له: أصبت في
قصدك الملك الناصر، وما أصبت في رجوعك، هلا قصدت مصر؟ فيرد الكامل: لقد خفت على
قلب الملك الناصر، فيشير عليه ابن شداد أن يخرج حريمه من ميّافارقين، ويستخلف
نوّاباً، ويعود للملك الناصر، لعل تنهض عزيمته. ويتضح لنا من هذا الحديث بين
الكامل وابن شداد أن فكرة قصد مصر كأمل أخير للوقوف في وجه التتار قد خطرت على بال
الكامل، لكنّه لم ينفذها حتى لا يغضب الناصر في وقت هو بأمس الحاجة إليه، كما
نتبين أن ابن شداد كان مطلعاً على الوضع العام، فقد عرف أن وضع الجزيرة ميؤوس منه
فنصح الكامل بإخراج حريمه من ميّافارقين، وعرف أن الناصر متخاذل خائف يحتاج
لاستنهاض عزيمته[9].



5 ـ سقوط ميّافارقين واستشهاد الكامل:بعد
أن تمّ للمغول الاستيلاء على اربل، أمر هولاكو الأمراء يشموت وايلكا نويان وسونتاي
بالتوجه إلى مدينة ميّفارقين،ولما بلغوا حدودها أرسلوا رسولاً من قبلهم إلى الملك
الكامل الايوبي صاحبها يدعونه إلى الخضوع، والطاعة لهم ويتوعدونه بالهلاك والدمار
في حالة عصيانه لهم، إلا أن الملك الكامل قابل ذلك التهديد بالرفض الشديد، وذلك
لما كان يعرفه عن المغول من الخيانة ونكث العهود حيث رد عليهم قائلاً:إنني لن
أنخدع بكلامهم المعسول، ولن أخشى جيش المغول وسأضرب بالسيف ما دمت حيا[10]،
ونتيجة لهذا الرد الحاسم من الملك الكامل، إتفق الأمراء المغول على مهاجمة
ميافارقين، وإنتزاعها بالقوة من يد حكامها وفي الوقت نفسه أخذ الملك الكامل يعد
نفسه وقواته لمواجهة ذلك الخطر، حيث عمد إلى تطييـب خواطر سكان مدينته ورفع روحهم
المعنوية، بإعطائهم وعداً ببذل كل ما يملك من الذهب والفضة والغلال الموجودة
بالمخازن في سبيل الدفاع عن مدينتهم، فاتحد معه سكان المدينة جميعاً وأعلنوا له
أنهم رهن إشارته، وعلى إستعداد للجهاد ضد العدوان المغولي الذي بات يهدد مدينتهم
بالخراب والدمار، واستطاع مسلمو ميافارقين أن يصمدوا واستبسلوا في القتال[11]،
وصمدت المدينة الباسلة، وظهرت فيها مقاومة ضارية، وقام الأمير الكامل محمد في
شجاعة نادرة يشجع شعبه على الثبات والجهاد، وكان من المفروض في هذا الحصار البشع
الذي ضرب على ميافارقين أن يأتيها المدد من الإمارات الإسلامية الملاصقة لها، ولكن
هذا لم يحدث لم تتسرب إليها أي أسلحة ولا أطعمه ولا أدوية، لقد احترم الأمراء
المسلمون النظام الدولي الجديد الذي فرضته القوة الأولى في العالم ـ التتار ـ على
إخوانهم وأخواتهم وأبناهم وبناتهم وآبائهم وأمهاتهم المسلمين والواقع أنني أتعجب
من رد فعل الشعوب، أين كانت الشعوب؟



ـ لم يكن الشعوب تملك حريتها وقرارها بل
كانت خاضعة لإرادة حكامها.



ـ كانت هناك عمليات ((غسيل مخ)) مستمرة
لكل شعوب المنطقة فلا شك أن الحكام ووزراءهم وعلماءهم كانوا يقنعون الناس بحسن
سياستهم وبحكمة إدارتهم.



ـ من لم يقنعه العلماء والخطب والحجج
فإقناعه يكون بالسيف، لقد تعودت الشعوب على القهر والبطش والظلم من الولاة[12].



أقبل المغول على فرض حصار شديد على
مدينة ميافارقين، اشتركت فيه فرق أرمينية ومسيحية شرقية وقابله المسلمون داخل
المدينة بصمود هائل عجز أمامه المغول على اقتحامها مدة طويلة، وكان في جيش الملك
الكامل فارسان بارعان أذهلا قادة المغول ودوخاهم وأوقعاهم في الدهشة والحيرة، إذ
كان لبسالتهما وأحكامهما الرماية سبباً في إنزال أفدح الخسائر في الجيش المغولي،
حتى اضطر هولاكو الذي أدرك عجز قواته عن اقتحام المدينة إلى إرسال مدد جديد بقيادة
الأمير أرقتو، وانضم هذا القائد الجديد بجموعه إلى الجهة التي فيها جيش الأمير
المغولي إيلكيا نويان، ونظراً لطول الحصار الذي فرضه المغول على المدينة، نفذت
الأرزاق من داخلها وعم القحط وانتشر الوباء وتهدمت الأسوار من شدة ضرب المنجنيقات،
حتى هلك أكثر سكان المدينة[13]،
فقد وقعت المجاعة فيها بسبب الحصار الطويل وفي عام 658هـ 1260م سقط آخر معقل
للمقاومة في الجزيرة ودخل التَّتار ميَّافارقين"فوجدوا جميع سُكَّنها موتى،
ما عدا سبعين شخصاً نصف أحياء، وقبضوا على الكامل الأيوبي؛ فعنَّفه هولاكو وأمر
بتقطيعه[14]،
وأخذوا يقطعون لحمه قطعاً صغيرة ويدفعون بها إلى فمه حتى مات، ثم قطعوا رأسه
وحملوه على رمح وطافوا به في البلاد وذلك في سنة 657هـ/1259م[15]،
حتى وصل دمشق، فعلَّقوه على باب الفراديس، حتى أنزله الأهالي ودفنوه وقتل المغول
كل من وجدوه في ميَّافارقين وهدموها، وهذا يدل على شدة حنق المغول من الملك
الكامل، ومن مقاومته لهم وربما كان أيسر ما كلفتهم إياه هو الخسائر البشرية
والمادية فهي ـ بلا شك ـ ساهمت في تحطيم سُمعتهم الحربية المرعبة لأن مقاومة
الكامل أصبحت رمزاً لإرادة المقاومة ضد التَّتار، وأصبح الكامل بموته قدوة ومثالاً
للتضحية والشهادة[16].
وكذلك مدينة ميافارقين التي تقع الآن في شرق تركيا إلى الغرب من
بحيرة"وان" فقد كانت جيوش الكامل الأيوبي تسيطر على شرق تركيا، بالإضافة
إلى منطقة الجزيرة، وهي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات من جهة الشمال، أي
أنه يسيطر على الشمال الغربي من العراق وعلى الشمال الشرقي من سوريا[17].








[1]
العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2 ـ 47).







[2]
المصدر نفسه (2 ـ 48).







[3]
المصدر نفسه (2 ـ 48).







[4]
العلاقات الدولية (2 ـ 50).







[5]
الاغلاق الخطيرة لابن رشد، نقلاً عن العلاقات الدولية (2 ـ 51).







[6]
العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2 ـ 51).







[7]
الاغلاق الخطيرة لابن رشد نقلاً عن العلاقات الدولية (2 ـ 52).







[8]
الاغلاق الخطيرة (2 ـ 52).







[9]
جهاد المماليك صـ 53.







[10]
جامع التواريخ نقلاً عن جهاد المماليك صـ 75.







[11]
جهاد المماليك صـ76.







[12]
قصة التتار صـ178.







[13]
جهاد المماليك صـ76.







[14]
المصدر نفسه صـ76.







[15]
المصدر نفسه صـ76.







[16]
العلاقات الدولية (2/54).







[17]
جامع التواريخ نقلاً عن جهاد المماليك صـ77.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:19

6 ـ ماردين: بعد أن تمكن هولاكو
من انهاء الأمر في ميافارقين أشار على امرائه بالزحف على مدينة ماردين، التي كانت
تتمتع الأخرى بحصانة كبيرة، إذ تعجب المغول من ارتفاع قلعتها واستحكاماتها لذلك
عمد هؤلاء القادة إلى اتباع نهجهم التقليدي بارسال الرسل إلى صاحبها الملك السعيد،
بالتهديد والوعيد إلا أن الملك السعيد نجم الدين ايلغازي الارتقي، أبى الانصياع
إلى أوامرهم ورد عليهم قائلاً: كنت قد عزمت على الطاعة والحضور إلى الملك، ولكن
حيث أنكم قد عاهدتم الآخرين، ثم قتلتموهم بعد أن اطمئنوا إلى عهدكم وامانكم، فإني
الآن لا اثق بكم، وأن القلعة بحمد الله تعالى مشحونة بالذخائر والاسلحة ومليئة
برجال الترك وشجعان الكرد[1]وضرب
الحصار الشديد على ماردين وعلى كل فإن هولاكو استطاع خلال تلك الفترة أن يستولي
على آمد وحران والرها وسروج وعدد كبير من مدن وحصون اقليم الجزيرة، ومن ثم قرر
هولاكو إرجاء أمر ماردين ريثما يصفى حسابه مع الشام، فعبر الفرات على رأس قواته
قاصداً حلب فاستولى عليها في المحرم من عام 658هـ /1259م وعاد الحصار من جديد
واثناء الحصار توفي الملك السعيد بسبب وباء انتشر بين سكان القلعة فهلك أكثرهم
فتولى الحكم ابنه الملك المظفر، وتمت مفاوضات بين الملك المظفر والمغول وتم الصلح
مع المغول وكان هولاكو قد أرسل بكوهداي أحد كبار أمراء المغول إلى ماردين وأعلن
كوهداي إسلامه على يد الملك المظفر وزوجه الأخير أخته وأعقب ذلك مسير الملك المظفر
بنفسه إلى هولاكو في رمضان من السنة نفسها يحمل الهدايا إليه، فاجتمع به هولاكو
وأكرمه، ثم قال له: بلغني أن أولاد صاحب الموصل هربوا إلى مصر، وأنا أعلم أن
أصحابهم كانوا سبب ذلك،فاترك أصحابك الذين رافقوك عندي، فإني لا آمن أن يحرفوك
عني، ويرغبوك في النزوح عن بلادك إلى مصر، وإذا ما دخلت البلاد فاصطحبهم معي[2]،
فأجابه الملك المظفر إلى ذلك ثم قفل عائداً إلى بلاده وفي الطريق ارسل هولاكو في
طلبه يأمره بالعودة إليه ثانية فعاد إليه يرتجف خوفاً، فلما اجتمع به قال له
هولاكو: إن اصحابك أخبروني أن لك باطناً مع صاحب مصر، وقد رأيت أن يكون عندك من
جهتي من يمنعك من التسلل إليهم، ثم عيّن لذلك أمير يدعى ((أحمد بغا)) وأعادهما إلى
ماردين، بعد أن أضاف إلى الملك المظفر نصيبين والخابور، ومنطقة لا يستهان بها من
ديار بكر ضمت إلى آمد وميافارقين، كما ألحق بإمارته بعض المدن التي سيطر عليها
المغول في الجزيرة كقرقيسيا حيث ابقى المغول قوة لحفظ المعابر[3]،
وفي الوقت نفسه أمر هولاكو الملك المظفر بهدم أبراج قلعة ماردين وما أن غادر الملك
المظفر معسكر هولاكو حتى أقدم الأخير على ضرب رقاب اصحاب الملك السعيد، وكان عددهم
سبعين رجلاً من كبار أمراء ماردين، ولم يكن لاي من هؤلاء ذنب يذكر، ولكن قصد
بقتلهم أن يقص جناح الملك المظفر[4].
وغدت مدينة ماردين ولاية مغولية، ينفذ حكامها ما يأمرهم به قادة المغول، ويلتزمون
بالخطوط العامة لسياستهم الخارجية وتحركاتهم العسكرية، ويقدمون لهم المال
والإمدادات العسكرية ويضربون السكة باسمهم ويخطبون لهم وحقق المغول بإدخالهم إمارة
ماردين وغيرها تحت سيطرتهم هدفهم المنشود وهو السيطرة على منطقة ديار بكر واتخاذها
مركزاً لتنظيم الهجمات على الجهات الغربية من العالم الإسلامي[5].



ثانياً: السلطان الناصر بين المقاومة
والاستسلام:
أقدم الملك الناصر يوسف الايوبي صاحب حلب
ودمشق الذي يعد أعلى الأمراء الايوبيين شأناً في بلاد الشام على اعلان الخضوع
لهولاكو بعد سقوط بغداد مباشرة، فقد استجاب لأمر هولاكو، فأنفد إليه ابنه الملك
العزيز يحمل الهدايا والتحف معه عدد من الأمراء فلما وصل العزيز إلى معسكر هولاكو
وسلمه ما معه من الهدايا والتحف التي تعبر عن الولاء والتبعية لهولاكو، طلب منه
العزيز على لسان والده أن يرسل إليهم نجدة لمساعدتهم في استعادة الاراضي المصرية،
من أيدي المماليك[6].



1 ـ رد هولاكو على الملك الناصر:
رأى هولاكو أن عدم إستجابة الملك الناصر يوسف لأوامره، بالخروج إليه بنفسه، يعد
تمرداً على أوامره، وأن الوفد الذي أرسله الملك الناصر إليه لا يناسب مقامه، ولم
يكتف بعدم الاستجابة لطلبه هذا، بل أصر هذه المرة على خروج الملك الناصر إليه
بنفسه لتقديم الولاء والطاعة ومعه قوة قوامها عشرون ألف فارس، حيث أعاد هولاكو
الملك العزيز إلى أبيه ومعه رسالة ذكَّر فيها من صنوف العذاب والدمار والهلاك[7]
وجاء فيها:



الذي يعلم به الملك الناصر صاحب حلب،
أنا قد فتحنا بغداد بسيف الله تعالى، وقتلنا فرسانها، وهدمنا بنيانها وأسرنا
سكانها، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز "قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية
أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون"، واستحضرنا خليفتها وسألناه عن
كلمات فكذب، فواقعه الندم واستوجب منا العدم وكان قد جمع ذخائر نفيسة، وكانت نفسه
خسيسة، فجمع المال، ولم يعبأ بالرجال، وكان قد نما ذكره وعظم قدره ونحن نعوذ بالله
من التمام والكمال:



إذا
تمَّ أمر دنا نقصه



تَوَقَّ
زوالاً إذا قيل تَم



إذا
كنت في نعمة فارعها



فإن
المعاصي تُزيل النِّعم



وكم
من فتى بات في نعمة



فلم
يدر بالموت حتى هَجَم






إذا وقعت على كتابي هذا فسارع برجالك
وأموالك، وفرسانك إلى طاعة سلطان الأرض (شاهنشاه روي زمين) أي ملك الملوك على وجه
الأرض، تأمن شره، وتنل خيره، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: "وأن ليس
للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى"، ولا تعوق
رسلنا عندك كما عوقت رسلنا من قبل، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقد بلغنا أن
تجار الشام وغيرهم إنهزموا بحريمهم إلى كروان سراي[8]،
فإن كانوا في الجبال نسفناها وإن كانوا في الأرض خسفناها[9].



أين
النجاة ولا مناص لهاربٍ



ولى
البسيطان الثرى والماء



ذلت
لهيبتنا الأسود وأصبحت



في
قبضتي الأمرا والوزراء[10]






هذا طرف من الحرب النفسية التي كانت
التتار يشنونها ضد أعداهم[11].



2 ـ إستنجاد الناصر بالمماليك:
رفض الملك الناصر دعوة هولاكو وأرسل إليه رداً مليئاً بالسباب وقلب سياسته تجاه
المغول رأساً على عقب، حيث أقدم عندما بلغه عبور القوات المغولية نهر الفرات على
إرسال رسول من قبله هو الصاحب كمال الدين بن العديم إلى المماليك في مصر يستنجد
بهم ضد جيوش هولاكو التي بات هجومها وشيكاً على بلاد الشام، وأمام هذا التصرف
الجريء للملك الناصر يوسف، أدرك هولاكو ـ على ما يبدو ـ فشل سياسة التشدد التي
إتبعها مع الملك الناصر، والتي أدت به إلى الارتماء في أحضان المماليك في مصر،
وبدأ هولاكو يفكر في تلافي ذلك الخطأ حيث سارع بإرسال نجدة سريعة إلى الملك الناصر
في دمشق، ولكن هذه النجدة لم تؤت ثمارها بالنسبة لهولاكو، بل زادت فكرة التصالح
بين المماليك والأيوبيين، إذ يذكر المقريزي أن السلطان المملوكي المظفر قطز عندما
علم بوصول تلك النجدة المغولية إلى الملك الناصر بدمشق، بعث إليه كتاباً أقسم له
فيه بالإيمان أنه لا ينازعه في الملك ولا يقاومه وأنه نائب عنه بديار مصر، وختم
كتابه هذا بقوله:



وإن إخترتني خدمتك، وإن إخترت قدمت ومن
معي من العسكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري سيرت إليك العساكر
صحبة من تختار[12].



3 ـ سقوط حلب:
كانت مدينة حلب أول مدينة شامية واجهت العاصفة المغولية، فقد أصدر هولاكو أوامره
لقواته بعبور نهر الفرات، ومهاجمة بلاد الشام، ووصل الخبر بذلك إلى حلب وكان
يحكمها الملك المعظم تورانشاه نائباً عن الملك الناصر، فجحفل الناس خوفاً من
المغول إلى دمشق، وعظم الخطب على من بداخلها، وقبل وصول القوات المغولية إلى حلب،
أرسل هولاكو كعادته إنذاراً إلى صاحبها، إلا أن الملك المعظم الأيوبي رد علي
بقوله:



ليس لكم عندنا إلا السيف[13]،
ثم احترز على حلب حتى صارت في غاية الحصانة والمنعة، بأسوارها المحكمة البناء
وقلعتها المنيعة، وبما نصبه عليها من آلات دفاعية[14].
وفي العشرة الأخيرة من ذي الحجة سنة 657هـ نوفمبر 1259م، قصد المغول مدينة حلب
ونزلوا على قرية يقال لها سلمية وامتدوا إلى قريتي حيلان والحاري وهما قري حلب، ثم
سيروا فرقة من عسكرهم بإتجاه حلب، فخرج عسكر المسلمين ومعهم جمع غفير من العوام
والسوقة، وأشرفوا على المغول وهم نازلون على تلك الأماكن، وقد ركبوا جميعهم
لإنتظار عسكر حلب، فلما تحقق المسلمون كثرتهم كروا راجعين إلى المدينة وأصبح الملك
المعظم تورانشاه بعد ذلك أوامره إلى قواته بالتحصن داخل حلب، وعدم الخروج منها[15]،
وفي اليوم التالي تحركت القوات المغولية طالبة حلب، ولما وصلت جموع المغول إلى
أسفل الجبل نزلت إليهم فرقة من جيش المسلمين لمقاتلتهم، فلما شاهد المغول ذلك
تراجعوا أمام الجيش الإسلامي مكراً وخديعة لاجتذابهم بعيداً عن البلد، فتبعهم عسكر
حلب ساعة من النهار، ثم كر الجيش المغولي وخرج من مكامنه فاندفع المسلمون أمامه
إلى جهة البلد، والعدو في أثرهم، ولما حازوا جبل بانقوسا وعليه بقية الجيش
الإسلامي إندفعوا جميعاً نحو المدينة والعدو مستمر في مطاردتهم، فقتل من المسلمين
جمع كثير من الجند والعوام، ونازل المغول حلب ذلك اليوم إلى آخره، ثم رحلوا عنها
إلى أعزاز فتسلموها بالأمان[16].








[1]
الاغلاق الخطيرة (3 ـ 566 ـ 568)، جهاد المماليك صـ 84.







[2]
جهاد المماليك صـ 84.







[3]
المصدر نفسه صـ 84.







[4]
المصدر نفسه صـ84.







[5]
المصدر نفسه صـ 87.







[6]
السلوك نقلاً عن جهاد المماليك صـ69.







[7]
جهاد المماليك صـ69.







[8]
كان هذا هو الإسم التتاري لمصر.







[9]
السلوك (1 ـ 506).







[10]
المصدر نفسه (1 ـ 506).







[11]
سيف الدين قطز صـ86 قاسم عبده.







[12]
جهاد المماليك صـ70.







[13]
المختصر في أخبار البشر (3 ـ 201)، جهاد المماليك صـ89.







[14]
النجوم الزاهرة (3 ـ 201)، جهاد المماليك صـ89.







[15]
جهاد المماليك صـ89.







[16]
النجوم الزاهرة (7 ـ 75 ـ 77)، جهاد المماليك صـ90.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:20

أ ـ الإضطرار
إلى التسليم:
عاود المغول هجومهم على حلب في ثاني
صفر من 658هـ/يناير 1260م وأحكموا حصارها بحفر خندق حولها عمقه قامة، وعرضه أربعة
أذرع، وبنوا حائطاً بإرتفاع خمس أذرع، ثم نصبوا عليها عشرين منجنيقاً وشرعوا في
رميها بالحجارة ونقب أسوارها ومهاجمتها من كل الجهات، حتى اضطرـ إلى التسليم في
التاسع صفر من 658هـ/يناير 1260م، ولم ملكوها غدروا بأهلها وقتلوا منهم خلقاً
كثيراً، ونهبوا الدور وسبوا النساء والأطفال، ثم إستباحوا المدينة خمسة أيام عاثوا
فيها فساداً حتى إمتلأت الطرقات بجثث القتلى، ويقال إنه أسر من حلب زيادة على مائة
ألف من النساء والصبيان، ولم يسلم من أهل حلب إلا من إلتجأ إلى دار شهاب الدين بن
عمرون، ودار نجم الدين أخي مردكين، ودار البازياد، ودار علم الدين قيصر الموصلي، والخانقاه
التي لزين الدين الصوفي وكنيسة اليهود بفرمانات كانت بأيديهم وقيل أنه سلم بهذه
الأماكن من القتل ما يزيد عن خمسين ألف نفس[1]



ب ـ هدم
أسوار المدينة وقلعتها ومساجدها:
لجأ الملك
المعظم تورانشاه إلى القلعة ومع جمع كثير من حلب، واستمر الحصار على القلعة وشدد
المغول مضايقتهم لها نحو شهر[2]،
ويبدو خيانة حدثت في جيش الملك المعظم سهلت للمغول مهمتهم في تشديد حصارهم للقلعة
ومعرفة مواطن الضعف فيها، ومن ثم تثبيط همم المقاتلين داخلها، الأمر الذي ترتب
عليه تسليم القلعة إلى المغول رغم حصانتها بكل سهولة، ودخل هولاكو بعد ذلك إلى
القلعة وخربها، وهدم أسوار المدينة وجوامعها ومساجدها وبساتينها وعفى آثارها، حتى
غدت بلدة موحشة، بعد أن كانت تعد من أزهى مدن الشام، وخرج إليهم الملك المعظم
تورانشاه، ويذكر المقريزي أن هولاكو لم يتعرضه بسوء لكبر سنه[3]،
ولا يستبعد أن يكون الملك المعظم قد أصيب خلال حصار المغول للمدينة والقلعة بجراح
بالغة أو بمرض لم يعد يرجى برءه، أو أن هولاكو قد دبر قتله سراً، بدليل ما ذكره
المقريزي نفسه من أن الملك المعظم توفي بعد ذلك بأيام قلائل[4].



جـ ـ غنائم
لحلفاء هولاكو من النصارى:
لم يشأ هولاكو أن
تمر فرصة إستيلائه على حلب دون أن يكافئ حليفه، هيثوم الأول ملك أرمينية الصغرى،
وبوهيمند السادس الصليبي أمير أنطاكيا الذين ساعداه في ذلك العمل، حيث قام بإعطاء
ملك الأرمن جزءاً من الأنفال، وأعاد إليه الأقاليم والقصور التي كان مسلمو حلب قد
استولوا عليها منهم، كما رد إلى بوهيمند جميع الأراضي التي كان المسلمون قد
اقتطعوها من إمارته، وعبر هيثوم عن إبتهاجه بذلك بإحراق الجامع الكبير في حلب
بنفسه إنتقاماً من المسلمين[5].
وهكذا سقطت مدينة حلب في يد المغول، وحقق هولاكو بذلك ما لم يستطع تحقيقه الأمراء
الصليبيون والأباطرة البيزنطيون وحطم حصناً عظيماً من حصون الإسلام، وغدت هذه
المدينة، التي كانت تعتبر بحق من أروع وأزهى مدن الشام خربة يائسة، وعين عليها
هولاكو حاكماً من قبله[6]،
وقد أثار سقوط هذه المدينة التي كانت موطن حركة الجهاد ضد الصليبيين، الفزع والوجل
في نفوس المسلمين ببلاد الشام، فوصل إلى هولاكو بحلب كثير من أمراء المسلمين،
ليعلنوا ولائهم وخضوعهم، ومنهم الملك الأشرف موسى الأيوبي، صاحب حمص، الذي سبق أن
إنتزع منه الناصر إمارته، فأعادها إليه هولاكو، على أن تكون إقطاعاً وراثياً له من
قبل هولاكو، ولما رفض رجال حامية مدينة حارم الاستسلام إلا لقائد حامية حلب، إعتبر
هولاكو ذلك إهانة له وإنتقاصاً من مكانته، فأمر بقتل أهل حارم عن آخرهم وسبي
نسائهم وأطفالهم ثم ألحق بهم رجال الحامية جميعاً[7].



4 ـ دمشق:
بعد سقوط حلب أرسل هولاكو رسلاً من قبله إلى دمشق دخلوها ليلة الإثنين السابع عشر
من صفر سنة 658هـ/ فبراير 1260م وهم يحملون فرماناً منه تأمين المدينة وأهلها
مقابل تسليمها، وقرئ هذا المرسوم على الناس بدمشق بعد صلاة الظهر[8].



أ ـ موقف
بيبرس البندقداري:
وفي هذا الموقف
الحرج أشار بعض كبار أهل دمشق وعلى راسهم الأمير زين الدين الحافظي، بمداراة
المغول والدخول في طاعة هولاكو، لتجنيب دمشق وأهلها ما حل بحلب من الهلاك والدمار
والخراب، ولكن ذلك الرأي لم يجد التأييد الكامل من أهل دمشق، حيث رفضه البعض[9]وعلى
رأسهم ركن الدين بيبرس، وصاح في وجه زين الدين قائلاً: أنتم سبب هلاك المسلمين،
ويبدو أن الملك الناصر كان على رأي زين الدين الحافظي، فحاول بعض أتباع بيبرس من
طائفة المماليك البحرية، قتل الملك الناصر، وتولية حاكم آخر عالي الهمة، نافذ
الرأي، يستطيع جمع الناس للجهاد في سبيل الله وقيادتهم في ميدان القتال لصد
العدوان المغولي والدفاع عن الإسلام وأهله، إلا أن بيبرس تخلى عن دمشق وذهب مع جماعة
من المماليك البحرية إلى غزة، حيث استقبله أميرها أحسن إستقبال، وفيها سير بيبرس
رسولاً من قبله إلى السلطان المظفر قطز ليحلفه على إعطاه الأمان ونجح في المصالح
مع قطز الذي وعده الوعود الجميلة، ثم سافر إلى بيبرس إلى مصر وانضم إلى قيادة قطز
وأصبح من أكبر أعوانه الذين ساهموا للتخطيط لمعركة عين جالوت وقيادة الجيوش
الإسلامية وتحيق ذلك النصر المؤزر الذي بدد أحلام المغول بكاملها[10].



ب ـ تسليم
دمشق:
خرج الملك الناصر من دمشق ومعه جمع من
أتباعه يريد غزة وترك دمشق في حالة يرثى لها، وقصد جمع من أكابر دمشق وأعيانها
حضرة هولاكو ومعهم التحف والهدايا ومفاتيح بوابات دمشق، وأظهروا الطاعة والخضوع
له، وسلموا المدينة، وأمر هولاكو قاده كيتوبوقا إلى دمشق لإختبار أهلها، فاستقبله
أهل المدينة وطلبوا منه الأمان، ثم أرسل أعيانهم إلى بلاط هولاكو وهكذا دخل المغول
دمشق بلا حصار ولا قتال وولى عليها هولاكو جماعة من المغول وعين ثلاثة من أهلها
لمساعدتهم في تصريف الأمور بها[11]،
وأما قلعة دمشق فقد استعصت على المغول، ورفض من بداخلها التسليم لهم، وفي هذا
الوقت وصل إلى دمشق الملك الأشرف صاحب حمص من عند هولاكو ومعه مرسوم بأن نائب
السلطة لدمشق والشام كلها، وتم حصار القلعة وضربها بالمنجنيقات وخرب من القلعة
مواضع وطلب من بداخلها الأمان، ودخلها المغول ونهبوا ما كان فيها من الكنوز
والدفائن وأحرقوا مواضع كثيرة منها، وهدموا عدداً كبيراً من أبراجها، وأتلفوا سائر
ما بها من الآلات والعدد[12].



ت ـ تسليم
حماه:
أما مدينة حماه فإن صاحبها الملك
المنصور الثاني كان قد حضر إلى برزة ليتجهز مع الملك الناصر، فلما سمع أهل البلد
في غيبته بأخذ حلب أرسلوا رسولاً من قبلهم إلى هولاكو، يسألونه العطف، وسلموا له
البلد، فأعطاهم الأمان، وجعل عندهم شحنة من قبله، أما قلعة حماه فيبدو أن ما حل
بحلب وأهلها وقلعتها من الأهوال فضلاً عن هروب الملك المنصور صاحبها قد دفع
متوليها إلى المسارعة بالتسليم للمغول[13].
وبعد أن تم للمغول السيطرة على حلب ودمشق وحماه، وغيرها من البلدان المجاورة، أصبح
إستيلاءهم على بقية مدن الشام مسألة وقت، كان على القائد المغولي أن يختاره متى
شاء، وذلك بسبب ما حل ببلاد الشام من الأهوال والفزع والخوف، فضلاً عن تفرق كلمة
الأمراء الأيوبيين، ففي الأسابيع القليلة التالية، أتم القائد المغولي كيتوبوقا
الذي أوكل إليه هولاكو مهمة إتمام الإستيلاء على بلاد الشام بعد عودته من حلب إلى
مدينة مراغة للمشاركة في إنتخاب الخان الجديد[14]،
السيطرة على بلاد الشام حيث توجه إلى نابلس، وحينما حاول أهلها المقاومة جرى قتل
عدد كبير منهم، ثم أغارت جموع المغول على سائر بلاد الشام، حتى وصلت إلى أطراف
غزة، وبيت جبريل، والصلت، وبعلبك وبانياس وغيرها، واستولوا عليها وقتلوا وسبوا ما
قدروا عليه، ثم عادوا إلى دمشق، فباعوا بها ما غنموه من هذه المدن[15].








[1]
السلوك للمقريزي نقلاً عن جهاد المماليك صـ90.







[2]
المختصر في أخبار البشر صـ201، جهاد المماليك صـ91.







[3]
المقريزي السلوك نقلاً عن جهاد المماليك صـ91.







[4]
السلوك نقلاً عن جهاد المماليك صـ91.







[5]
تاريخ الدولة المغولية في إيران صـ141 عبد السلام فهمي.







[6]
جهاد المماليك صـ92.







[7]
المصدر نفسه صـ92.







[8]
المصدر نفسه صـ93.







[9]
المصدر نفسه صـ94.







[10]
جهاد المماليك صـ95.







[11]
جمع التواريخ (2 ـ 307 ـ 308)، جهاد المماليك صـ96.







[12]
دول الإسلام للذهبي نقلاً عن جهاد المماليك صـ97.







[13]
المختصر (3 ـ 201)، جهاد المماليك صـ97.







[14]
جهاد المماليك صـ97.







[15]
أخبار البشر (3 ـ 202)، جهاد المماليك صـ98.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:22

جـ ـ موقف
النصارى في الشام:
جاءت سيطرت المغول
شديدة الوطأة على المسلمين في بلاد الشام، إذ أنهم بادروا قبل كل شيء إلى تدمير
الاستحكامات والأسوار والقلاع في البلاد التي خضعت لهم مثل حلب ودمشق وحمص وحماه
وبعلبك وبانياس وغيرها، وحققوا بذلك ما لم يستطع تحقيقه الصليبيون من قبل[1]،
ولقد مال المغول منذ اللحظة الأولى لغزوهم للشرق الأدنى إلى العنصر المسيحي
النسطوري، ولعل وصية منكو خان لأخيه هولاكو التي نصت على إستشارة هولاكو لزوجته
دوقوز خاتون التي كانت مسيحية نسطورية خير دليل على ذلك، وقد أدى وجودها في ركاب
زوجها هولاكو إلى التفاف المسيحيين الشرقيين حول المغول، إذ المعروف أن النساطرة
إزداد عددهم في الجيش المغولي ووصلوا إلى حد قيادة الجيوش المغولية، فكيتوبوقا كان
من عنصر النايمان النساطرة، وكان من الطبيعي أن يتآخى هؤلاء النساطرة مع الجماعات
الأرمينية واليعاقبة وغيرهم التي تكاثر عددها في كبرى مدن الشام[2]،
وقد أدى هذا التلاحم إلى مشاركة العنصر المسيحي على مستوى قيادة الجيوش في إقتحام
مدن الشام، وهولاكو عندما اقتحمت جيوشه مدينة حلب كان بصحبته ملك أرمينية هيثوم
الأول وصهره بوهيمند السادس أمير أنطاكيا، كما شهدت عاصمة الخلافة الأموية دمشق
لأول مرة منذ ستة قرون ثلاث أمراء مسيحيين هم: كيتوبوقا وهيثوم وبوهيمند يشقون
بمواكبهم شوارعها[3]،
ويصح أن نؤكد أن غزو المغول لبلاد المسلمين في الشام إتخذ طابعاً صليبياً، وقد ذكر
أن هولاكو عندما غزا بلاد الجزيرة قدم عليه جاشليق الأرمني ومنحه البركات، ولما
كان هيثوم الأول ملك أرمينية الصغرى في إتصاله مع المغول يتحدث بإسمهم وإسم صهره
بوهيمند السادس أمير أنطاكيا الصليبي فإن هذه الحملة قد إتخذت صفة حملة صليبية
أرمينية ـ مغولية[4]،
والواقع أن سقوط المدن الثلاث الكبرى، بغداد وحلب ودمشق في أيدي المغول يعتبر من
الكوارث الفاجعة التي هزت العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وترتب على سقوط دمشق في
أيدي المغول أن أعلن المسيحيون بها التمرد والشموخ، ولم يخفوا فرحتهم بما حل
بالمسلمين من نكبة، ولم يخف القائد المغولي كيتوبوقا نفسه ما يكنه من الميل نحو
هؤلاء المسيحيين وتردده إلى كنائسهم، وذهب بعضهم إلى هولاكو وأحضروا من عنده
((فرماناً)) ينص على الاعتناء بأمرهم ودخلوا به البلد وصلبانهم مرتفعة وهم ينادون
حولها بإرتفاع دينهم وانتضاع دين الإسلام، ورشوا الخمر على ثياب المسلمين وأبواب
المساجد وألزموا المسلمين في حوانيتهم بالقيام للصليب، ومن لم يفعل ذلك أهانوه
وأقاموه غصباً، وطافوا وهم يحملون الصلبان ويدقون النواقيس في الشوارع إلى كنيسة
مريم، وقام بعضهم أثناء المسيرة بإلقاء الخطب فبجل دين المسيح وانتقص دين الإسلام،
وضجر المسلمون من ذلك وصعدوا مع قضاتهم وشهودهم إلى نائب هولاكو بالقلعة، فلم
يستجب لشكواهم وأخرجهم من القلعة بالضرب والإهانة، وأخذت نائب هولاكو موجة من
الإهتمام بالنصارى ـ فجعل يزور الكنائس ويعظم رجالها على اختلاف مذاهبهم، فاشتدت
ثائرة المسلمين، للانتقام لمقدساتهم، فقاموا باحراق كنيسة مريم، وخربوا جزءاً من
كنيسة اليعاقبة[5].



ويمكن القول أن هذا
التلاحم بين القوى المغولية والقوى المسيحية الشرقية، الذي أثمر استيلائهم على
بلاد الشام، وتحطيم استحكاماتها، ومن ثم التطاول على المسلمين بها والاعتداء على مقدساتهم،
كان أحد العوامل التي دفعت المسلمين في الأراضي المصرية إلى تدارك الأمر واستنفار
كامل قواهم، ومن ثم إعلان حركة الجهاد الإسلامي المقدس ضد المغول وحلفائهم حتى
تحقق لهم ذلك النصر العظيم في معركة عين جالوت[6].



5
ـ نهاية السلطان الناصر الأيوبي:
أصبح الملك الناصر
مسلوب الإرادة مرعوباً، ليس له رأي، وعندما شاهد جنده ومماليكه هذه الحال، قرروا
تنحيته باغتياله أو القبض عليه، وسلطنة أخيه الملك الظاهر غازي بن العزيز لشهامته[7]،
وعلم الناصر بالأمر، فترك المعسكر هارباً بالليل إلى قلعة دمشق، فأسقط بيد مماليكه
الناصرية، وأعوانهم، فهربوا ومعهم الظاهر غازي إلى غزة[8]،
وكان تسارع الأحداث في الشام أكبر من أن يترك صدى أو ذيولاً لهذه المحاولة
الفاشلة، فالتتار لا يهدؤون وقد انضم إليهم ـ علناً ـ الأشرف بن المجاهد، فأعادوا
له حمص وأعمالها وكذلك الملك السعيد بن عبد العزيز، حيث أطلقه هولاكو من سجن
البيرة، وأعاد له ولايته على بانياس، وقلعتها التي تعرف بالصبيبة[9]،
فقرر الملك الناصر الانسحاب جنوباً نحو مصر، وقد تضلَّلت العسكر، وتصرمة، وقلت
الحرمة، وطمع كل أحد، ولم يبق عند الناصر إلا قوم قلائل، وسار الملك الناصر عن
دمشق على أمل جمع الكلمة مع المظفر قطز للقاء التتار، وأخذ ما بقي معه من الجيش،
وترك دمشق خالية من العسكر، وأهلها على الاسوار يشتمونهم ويدعون عليهم ويقولون:
تركتمونا طعمة للتتار، لا كتب الله عليكم السلامة[10]،
وعبر الزين الحافظي إلى دمشق وأغلق أبوابها وسيّر الناصر طلبه، ليجتمع به، فامتنع
عن الخروج إليه وجمع أكابر دمشق، واتفق معهم على تسليم دمشق لنواب هولاكو[11]،
وسار الناصر ومعه المنصور محمد صاحب حماه، فوصل نابلس، حيث ترك بها حامية، ولما
وصل غزة، انضم إليه مماليكه الفارون وتصالح مع أخيه غازي، وعلم الناصر في غزة أن
التتار قد احتلوا نابلسن فقصد العريش، وأرسل يخبر قطز ويسأله الاجتماع لمواجهة
التتار، ويبدو ان جواباً شافياً مطمئناً لم يصل من قطز إلى الناصر(( فاستراب
الناصر باهل مصر))[12]،
وكان قد بلغ قطية(( فخاف الناصر دخول مصر فيُقبض عليه))[13]،
فسمح الناصر لمن يريد من مرافقيه دخول مصر، فحزم المنصور محمد أمره ودخل المنصور
والعسكر مصر، فالتقاهم قطز، واحسن للمنصور، وأعطاه سنجقاً ودخلوا القاهرة[14]،
وأما الملك الناصر، فقد أعمته الحيرة فيما يفعل؟ واين يتوجه؟وأخذ يفكر بالتوجه نحو
الحجاز، ثم عدل إلى ناحية الكرك، فتحصن به، ولكنه قلق، فركب نحو البرية، واستجار
ببعض أمراء الأعراب[15].وربما
بسبب الطمع، أو نيل الخطوة لدى التتار، قام واحد من مرافقيه وخدمه هو حسين
الطبردار الكردي[16]،
بالتوجه إلى إحدى سرايا التتار التي أخذت تنتشر جنوب الأردن وفلسطين وأعلمهم بمكان
وجود الملك الناصر ((فقصدته التتار وأتلفوا ما هنالك من الأموال، وخرّبوا الديار،
وقتلوا الكبار والصغار، وهجموا على الأعراب التي بتلك النواحي وقتلوا منهم خلقاً
وسبوا نسلهم ونساءهم وقبضوا على الملك الناصر وأرسلوه مع أخيه الظاهر غازي بن محمد
وابنه العزيز محمد بن يوسف وإسماعيل بن شيركوه إلى كتبغا نوين الذي سيّره بدوره إلى
هولاكو وأقام الناصر عند هولاكو حتى بلغهم أخبار هزيمة التتار في عين جالوت، فقام
هولاكو بقتل الناصر ثم قتلوا بقية من كان معه ولم ينج من نقمة هولاكو إلا العزيز
محمد بن الناصريوسف لصغر سنه حيث بقي عند التتار حتى مات[17].



المبحث
الثاني:
مقدمات
معركة عين جالوت وسير أحداثها:



كان من نتائج سقوط بلاد الشام في ايدي المغول
وحلفائهم ان عم الرعب والخوف سائر أرجائها، فهرب الناس باتجاه الاراضي المصرية،
وقد انغرس داخل نفوسهم نتيجة ما شاهدوه من الاهوال وبسبب ما حل بهم وببلادهم من
الدمار والخراب والهلاك وأن الشيء الذي سينقذ المسلمين وممتلكاتهم من الزحف
المغولي المدمر هو البحث عن قيادة حكيمة قوية تترجم نواياهم تلك بإنهاء خلافاتهم
وتوحيد كلمتهم، وإعادة تنظيم جموعهم ومن ثم بعث روح الجهاد الإسلامي في نفوسهم
لدرء ذلك العدوان الذي استشرى خطره وبات يهدد ما تبقى من العالم الإسلامي بالدمار
والهلاك والواقع أن مصر في ذلك الوقت كان كل شيء فيها ينبيء بظهور قوة جديدة[18].



أولاً:
احتلال مصر هدف استراتيجي للمغول:
إن المتتبع
لخط سير التتار سيدرك على وجه اليقين أن مصر هدفاً استراتيجياً للمغول وذلك لعدة
اسباب منها:



1
ـ سياسة التتار التوسعية الواضحة وهم لا ينتهون من بلد إلا ويبحثون عن الذي يليه،
ومصر هي التي تلي فلسطين مباشرة.



2
ـ لم يبق في العالم الإسلامي بأسره قوة تستطيع أن تهدد أمن التتار إلا مصر،فقد
سقطت معظم الممالك والحصون والمدن الإسلامية تقريباً وبقيت هذه القلعة الصامدة.



3
ـ الموقع الاستراتيجي لمصر في غاية الاهمية، فهي في قلب العالم القديم، ومتحكم في
خطوط التجارة العالمية.



4
ـ احتلال مصر بوابة لشمال افريقيا وفي ذلك الوقت كان المغرب الكبير، قد تمزق إلى
دويلات صغيرة بعد سقوط دولة الموحدين، ولم تكن لها القدرة على الوقوف أمام
الإمبراطورية المغولية.



5
ـ القوة البشرية في مصر، والطاقات الكامنة بها، واستيعابها لفلول المسلمين
الهاربين من المغول كان مصدر قلق بالنسبة للمغول.



6
ـ مقومات حركة الجهاد الناجحة كانت متوفرة في مصر من قيادة واعية، وحمية دينية،
وتجمع للعلماء والفقهاء الفارين من هول المغول، فكان المغول يخشون أن تتحول تلك
المقومات إلى مشروع إسلامي لتحرير ديار المسلمين من الاحتلال المغولي[19].



6
ـ رغبة المغول في الهيمنة على العالم كله تستدعي منهم القضاء على دولة المماليك،
ثم أن القرار باحتلال مصر أخذه امبراطور المغول في عاصمتهم بحضور كبار مستشاري
الإمبراطورية المغولية.








[1]
المغول للعريني صـ248.







[2]
المغول صـ248 للعريني.







[3]
المصدر نفسه صـ248.







[4]
المصدر نفسه صـ242.







[5]
جهاد المماليك صـ 102، البداية والنهاية (17 ـ 398).







[6]
جهاد المماليك صـ 102.







[7]
السلوك للمقريزي (1 ـ 512)، جهاد المماليك صـ 74.







[8]
العلاقات الدولية في عصر الحروب الصليبية (2 ـ 74).







[9]
المصدر نفسه (2 ـ 74).







[10]
المصدر نفسه (2 ـ 74).







[11]
اخبار الأيوبيين ابن العميد صـ 51، العلاقات الدولية (2 ـ 74).







[12]
العلاقات الدولية (2 ـ 75)ن نقلاً عن تاريخ ابن خلدون.







[13]
المختصر (3 ـ 201)، العلاقات الدولية (2 ـ 75).







[14]
عقدة الجمان للعيني (1 ـ 232)، العلاقات الدولية (2 ـ 75).







[15]
البداية والنهاية (13 ـ 233)، العلاقات الدولية (2 ـ 75).







[16]
هو الحارس الشخصي للسلطان.







[17]
العلاقات الدولية (2 ـ 76)، شفاء القلوب صـ 420.







[18]
جهاد المماليك صـ 105.







[19]
جهاد المماليك صـ 105،106.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:23

ثانياً:
خطوات سيف الدين قطز لتوحيد الصف الإسلامي:
بات
سيف الدين قطز يدرك ادراكاً تاماً أن بقاء دولته الفتية يتوقف على اجتياز ذلك
الامتحان الصعب المتمثل في الغزوالمغولي للممالك الإسلاميةالذي استشرى خطره، وأن
يثبت انه بحق أهل للثقةالتي أولاها إياه الأمراء في مصر ورجل الساعة بالفعل بعد
اجماعهم على عزل الملك المنصور علي ابن المعز أيبك وتنصيبه على دولة المماليك[1]،
ولكي تتوحد الصفوف أمام الازمة اتخذ سيف الدين قطز الخطوات التالية:


الخطوة
الأولى:
جمع الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء
وأصحاب الرأي في مصر وتناقشوا في أمر القيادة التي تتصدى للمغول وأجمع الحاضرون
على أن الملك المنصور علي بن المعز أيبك الذي كان صغير السن ضعيف الشخصية لم يكن
لديه من الطاقة والقدرة ما يستطيع به مواجهة الاخطار والتحديات التي باتت تهدد
دولة المماليك في مصر، لذا قرروا عزل السلطان الصغير[2]،
وقال للحاضرين: إني ما قصدت(أي من السيطرة على الحكم) إلا نجتمع على قتال التتار،
ولا يتأتى ذلك بغير ملك فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالامر لكم، اقيموا في
السلطة من شئتم[3].
فاستطاع قطز أن يجمع الناس على فكرة الجهاد والتصدي للغزاة وفوق ذلك أعلن بوضوح أنه
سيجعل الأمر في الناس، يختارون من يشاءون دون التقيد بعائلة معينة أو مماليك
بذاتهم[4]،
وسيرة الرجل تدل على أنه صادق فيما قال وأن الانتصار لهذا الدين ورغبته في قتال
التتار إعلى بكثير من رغبته في الملك وقد جعل الله نصر الامة على يديه، وليس من
سنة الله ـ عز وجل ـ أن يكتب نصر الامة على يد المنافقين، والفاسدين قال
تعالى:"إن الله لا يصلح عمل المفسدين" ((يونس:آية:81)).ومع أن قطز ـ
رحمه الله ـ قد استخدم الاخلاق الرفيعة، والاهداف النبيلة في تجميع القادة
والعلماء حوله، إلا أنه لم يتخل عن حزمه في الادارة وعن أخذه بأسباب النصر واختيار
الفريق المساعد له وابعاد من يراه مناسباًفعزل الوزير(( ابن بنت الاعز)) المعروف
بولائه الشديد لشجرة الدر، وولىّ بدلاً منه وزيراً آخر يثق في ولائه وقدراته
وهو((زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع)) وحفظ الامانة ووسد الأمور إلى أهلها، وأقر
قائد الجيش في مكانه وهو ((فارس الدين أقطاي الصغير الصالح)) مع أنه من المماليك
البحرية الصالحية، إلا أنه وجد فيه كفاءة عسكرية وقدرة قيادية وأمانة وصدق وهي
مؤهلات ضرورية لأي إمارة، وهذا ذكاء سياسي من قطز فهو بذلك يستميل المماليك
البحرية الذين فروا في أنحاء الشام وتركيا، ويبث الإطمئنان في نفوسهم، وهذا ـ ولا
شك ـ سيؤدي إلى إستقرار الأوضاع في مصر، كما أنه سيجعل للمسلمين تستفيد من الخبرات
العسكرية النادرة للماليك البحرية، كما قام قطز بالقبض على بعض رؤوس الفتنة الذين
حاولوا أن يخرجوا علىسلطته وحكمه، وبذلك هدأت الأمور نسبياً في مصر، وعلم قطز أن
الناس إن لم يشغلوا بالجهاد شغلوا بأنفسهم، ولذلك فبمجرد أن إعتلى على عرش مصر أمر
وزيره زين الدين، وكذلك قائد الجيش فارس الدين أقطاي الصغير أن يجهزا الجيش، ويعدا
العدة وينظما الصفوف، فانشغل الناس بالإعداد لمواجهة العدو، لقد ساهمت هذه الخطوة
في تقوية الوضع الداخلي، وإنشغل الناس بالجهاد، وقام السلطان بإقامة الشرع والدفاع
عن البلاد، والقيام بشئون الرعية وحماية مصالح الناس، فاستقرت الأحوال المحلية،
وتوحد الصف الداخلي، وهذه خطوة في تحقيق النصر[5].


الخطوة
الثانية: العفو الحقيقي:
أصدر السلطان قطز قراراً
بالعفو العام (الحقيقي) عن كل المماليك البحرية، لقد مر بنا كيف أنه قد حدثت فتنة
بين المماليك البحرية وبين المماليك المعزية، وكانت بدايات الفتنة من ست سنوات
(652هـ)، عندما قتل فارس الدين أقطاي زعيم المماليك البحرية، ثم بدأت الفتنة
تتفاقم تدريجياً إلى أن وصلت إلى الذروة بعد مقتل الملك المعز عز الدين آيبك، ثم
شجرة الدر، ووصل الأمر إلى أن معظم المماليك البحرية ـ وعلى رأسهم ركن الدين بيبرس
ـ فروا من مصر إلى مختلف إمارات الشام، ومنهم من شجع أمرا الشام على غزو مصر، ووصل
الأمر إلى حدٍ خطير، فلما إعتلى قطز عرش مصر أصدر قراره الحكيم بالعفو عن المماليك
البحرية وبدعوتهم إلى العودة إلى دولتهم[6]،
وإستطاع قطز أن يقنع خصومه من أمراء المماليك البحرية الذين كانوا قد هربوا إلى
بلاد الشام، وعلى رأسهم بيبرس البندقداري بالعودة إلى الأراضي المصرية والانضواء
تحت لوائه متناسين ما بينهم من الخلافات، بعد أن ثبت لهم عجز أمراء الشام من البيت
الأيوبي عن مقاومة المغول[7]،
وكان سيف الدين قطز قد أدرك أهمية كسب ركن الدين بيبرس لصف المقاومة لأمور منها:


أ
ـ الكفاءة القتالية العالية جداً، والمهارة القيادية رفيعة المستوى لركن الدين
بيبرس، والحمية الإسلامية لهذا القاد الفذ.


ب
ـ الذكاء الحاد الذي يتميز به بيبرس، والذي سيحاول قطز أن يوظفه لصالح معركة
التتار بدلاً من أن يوظف في معارك داخلية ضد المماليك المعزية.


جـ
ـ ولاء المماليك البحرية لركن الدين بيبرس، وأنه إن ظل هارباً فلا يأمن أحد أن
ينقلب عليه المماليك البحرية في أي وقت، لذلك فمن الأحكم سياسياً أن يستقطب بيبرس
في صفه، ويعظم قدره ويستغل قدراته وإمكانياته، وبذلك يضمن إستقرار النفوس وتجميع
الطاقات لحرب التتار بدلاً من الدخول في معارك جانبية لا معنى لها.


لذلك
لما قدم بيبرس إلى مصر بعد إستقدام قطز له، عظم قطز من شأنه جداً وأنزله دار
الوزارة وعرف له قدره وقيمته وأقطعه (قليوب) وما حولها من القرى، وعامله كأمير من
الأمراء المقدمين وجعله على مقدمة جيوشه فيما بعد، فنلاحظ من صفات قطز القيادية،
العفو عند المقدرة وإنزال الناس منازلهم، والفقه السياسي الحكيم، والحرص على
الوحدة، وقد إستطاع سيف الدين قطز أن يستفيد من طاقات المماليك البحرية
وإمكانياتهم وتقوية الجيش بهم[8].
وفتح أبواب مصر أمام فلول المماليك الإسلامية في الشرق الإسلامي التي تعرضت للغزو
المغولي، فدخل جموع الخوارزمية الفارة من وجه المغول لمصر، ورحب بهم سيف الدين
قطز، وكذلك جموع الشام، ومعه الملك المنصور صاحب حماه[9]
وغيرهم.


الخطوة
الثالثة:
حرص على التواصل مع الدولة الأيوبية،
فقد كانت العلاقة بين المماليك والأيوبية متوترة إلى حد كبير، بل أن الناصر يوسف
الأيوبي أمير دمشق وحلب كان قد طلب من التتار بعد سقوط بغداد أن يعاونوه في غزو
مصر، إلا أن سيف الدين قطز سعى لإذابة الخلافات بينه وبين أمراء الشام، وكان يسعى
إلى الوحدة مع الشام أو على الأقل تحييد أمراء الشام، ليخلو بينهم وبين التتار دون
أن يطعنوه في ظهره، فتواصل سيف الدين قطز مع الملك الناصر الأيوبي وعرض عليه أن
يكون تابعاً للناصر ثم أن قطز ـ رحمه الله ـ علم أن الناصر يوسف قد يتشكك في أمر
الوحدة الكاملة أو في أمر القدوم إلى مصر، فعرض عليه بإمداده بالمساعدة لحرب
التتار، فتحققت المصلحة المشتركة في هزيمة التتار وإن لم تتحقق الوحدة الكاملة بين
مصر والشام، قال قطز في أدب جم وخلق رفيع: وإن إخترتني خدمتك وإن إخترت قدمت ومن
معي من العسكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري سيرت لك العساكر
صحبة من تختاره[10].
لكن الناصر يوسف لم يستجب لهذه النداءات النبيلة من قطز، وآثر التفرق على الوحدة،
فماذا كانت النتيجة؟ سقوط حلب ودمشق، ووقوع الملك الناصر في الأسر ثم قتله بعد عين
جالوت، ولم يكتف قطز بهذه الجهود الدبلوماسية مع الناصر بل راسل بقية أمراء الشام،
فاستجاب له الأمير المنصور صاحب حماه والتحق بعض جيشه بقطز، وأما المغيث عمر صاحب
الكرك بالأردن فقد آثر أن يقف على الحياد، وقد حاول مرتين قبل ذلك أن يحتل مصر،
وصده قطز في المرتين، وأما الأشرف الأيوبي صاحب حمص فقد رفض الإستجابة تماماً
لقطز، وفضل التعاون المباشر مع التتار، وبالفعل أعطاه هولاكو إمارة الشام كلها
ليحكم باسم التتار، وأما الأخير وهو الملك السعيد ((حسن بن عبد العزيز)) صاحب
بانياس فقد رفض التعاون مع قطز هو الآخر رفضاً قاطعاً، بل إنضم بجيشه إلى قوات
التتار يساعدهم في فتح بلاد المسلمين، وهكذا استطاع قطز أن يكسب أمير حماه المنصور
وانضم إليه جيش الناصر، وحيَّد إلى حد كبير المغيث عمر صاحب الكرك، وبذلك يكون قد
إنضم الكثير من الجنود الشاميين مع سيف الدين قطز[11].


الخطوة
الرابعة:
أراد الملك سيف الدين قطز قبل الشروع
في مواجهة المغول أن يختبر الصليبيين على ساحل بلاد الشام، لمعرفة موقفهم من ذلك
الصراع الذي أصبح محاذياً لهم، لتخوفه من إنضمام هؤلاء الصليبيين إلى المغول عند
نشوب الحرب، وبناء عليه توجهت سفارة مصرية إلى عكا تطلب من الصليبين السماح للجيوش
الإسلامية بإجتياز بلادهم وشرا ما تحتاجه من المؤن، والواقع أن الصليبيين لم يخفوا
مرارتهم وكراهيتهم وحقدهم للمغول بعن أن قام المغول بمهاجمة مدينة صيدا ونهبها،
كما أنه لم تتوافر عندهم الثقة فيهم لما ارتكبوه من المذابح الجماعية، على حين أن
الصليبيين اتصلوا بالحضارة الإسلامية وألفوها، بل ونتيجة لذلك أبدوا أول الأمر
إستعدادهم لبذل المساعدة العسكرية للسلطان قطز إلا أن السلطان سيف الدين شكرهم
حينما عرضوا عليه أن يسيروا معه نجدة واستحلفهم أن يكونوا لا له ولا عليه[12]،
واستطاع السلطان سيف الدين قطز أن يتحصل على موافقة الصليبيين بالسماح لقواته
باجتياز الأراضي الساحلية التي تحت أيديهم، وجعلته في مأمن من ذلك الجانب، وتجنب
خطر إشتباكه في أكثر من جهة في تلك اللحظات الحرجة[13].


الخطوة
الخامسة: تحكيم الشريعة في أموال الحرب:

كانت النفقات للإعداد كبيرة، من تجهيز الجيش، وإعداد التموين اللازم له، وإصلاح
الجسور والقلاع والحصون، وإعداد العدة اللازمة للحرب، وتخزين ما يكفي للشعب في حال
الحصار، وكانت الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد طاحنة، وليس هناك وقت لخطة
خمسية أو عشرية، والتتار على الأبواب وقد وصلوا غزة والدولة تحتاج للأموال، فجمع
سيف الدين قطز مجلسه الاستشاري ودعا إليه إلى جانب الأمراء والقادة والعلماء
والفقهاء وعلى رأسهم سلطان العلما الشيخ العز بن عبد السلام، وبدأوا يبحثون عن حل
لتجهيز كتائب المسلمين، واقترح سيف الدين قطز، أن نفرض ضرائب لدعم الجيش[14].
إلا أن الشيخ العز بن عبد السلام تحفظ على هذا المقترج ولم يوافق عليه إلا بشرطين
واصدر هذه الفتوى: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كله قتالهم ( أي العالم
الإسلامي)، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم (أي فوق الزكاة)، بشرط
ألا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج والذهب والفضة والسيوف المحلاة
بالذهب، وأن تبيعوا مالكم من ممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء
ما يمتلكون)، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه وتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما
أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات فلا[15].
فقد بين الشيخ العز بن عبد السلام، بأنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى
الوزراء والأمراء مع العامة في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء،
فإن لم تكف هذه الأموال جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي بتجهيز
الجيش ليس أكثر من ذلك[16].
لقد قبل سيف الدين قطز فتوى العز بن عبد السلام ببساطة وبدأ بنفسه وباع كل ما يملك
وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك، فانصاع الجميع وامتثلوا أمره، فقد أحضر
الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلي نسائهم وأقسم كل واحد منهم أنه لا يملك شيئاً
في الباطن، ولما جمعت هذه الأموال وضربت سكاً ونقداً وأنفقت في تجهيز الجيش، ولم
تكف هذه الأموال نفقة الجيش، فقرر قطز على كل رأس من أهل مصر والقاهرة من كبير
وصغير ديناراً واحداً، وأخذ من أجرة الأملاك شهراً واحداً، وأخذ من أغنياء الناس
والتجار زكاة أموالهم معجلاً، وأخذ من الترك الأهلية ثلث المال، وأخذ من الغيطان
والسواقي أجرة شهر واحد، وبلغ جملة ما جمعه من الأموال أكثر من ستمائة ألف دينار[17].
فجمع بذلك الأسلوب الفريد للمال الحلال الذي لا ظلم ولا عدوان فيه[18].
وكان هذا العمل الجليل من اسباب النصر في عين جالوت قال تعالى"إن تنصروا الله
ينصركم ويثبت أقدامكم" (محمد ، آية : 7) ونصر الله لا يكون إلا بتطبيق شرعه،
والجيش المسلم الذي يبتعد عن شرع الله يكون بعيداً عن نصر الله عز وجل، إن ما قام
به سيف الدين قطز في الاستمتاع لرأي الشيخ العز بن عبد السلام ثم تنفيذه ترتب عليه
شحنة معنوية قوية شحذت همم الناس للجهاد وبذل الغالي والنفيس في سبيل الله، إذ
يمكن القول أن تلك الفتوى التي أصدرها العز بن عبد السلام، في ذلك الوقت الذي كان
الشرق الإسلامي بلا خلافة شرعية، أدت الدور نفسه الذي كانت الخلافة ستؤديه فيما لو
كانت قائمة، إذ كانت فتواه تلك بمثابة سلطة روحية ساعدت المظفر في الحصول على
استجابة عامة المسلمين بدفع ما قرر عليهم من أموال، مستشعرين بأن ذلك وأجب يفرضه
عليهم دينهم الحنيف[19]،
وكان الشيخ العز بن عبد السلام وعلماء مصر يحثون الناس في سبيل الله تعالى، ووعظ
الأمراء والحكام وحرك قلوبهم فتنبه فيها الإيمان، فأخرجوا ما عندهم، ورأى الناس
ذلك فتسابقوا إلى بذل الجود، وكثرت الأموال، فأعدوا العدة وجمعوا السلاح، وأقيمت
معسكرات التدريب في كل مكان واهتزَّت البلدة بالهتاف والتكبير، وصار كل مسلم يشتهي
الوصول إلى المعركة، وهذا درس مهم في أهمية التكامل بين أمراء المماليك والعلماء
في مقاومة التتار[20].

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:27

ثالثاً:
رسالة هولاكو إلى سيف الدين قطز:
أرسل هولاكو
رسالة إلى سلطان مصر كلها تهديد ووعيد قال فيها: من ملك الملوك شرقاً وغرباً القان
الأعظم، باسمك الله باسط الأرض ورافع السماء يعلم الملك المظفر قطز، الذي هو من
جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الاقليم يتنعمون بانعامه، ويقتلون من
كان بسلطانه بعد ذلك، يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته
بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه،
وسلطنا على من حل به غضبه، وأسلموا إلينا امركم، قبل أن ينكف الغطاء، فتندموا
ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرفق لمن شكى قد سمعتم أننا قد فتحنا
البلاد وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب،
فأي أرض تأويكم وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم، فما من سيوفنا خلاص، ولا من
مهابتنا خلاص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال،
وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتلنا لاتنفع، ودعاؤكم علينا لا
يسمع، فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عن الكلام، وخنتم العهود والإيمان وفشا فيكم
العقوق والعصيان فأبشروا بالمذلة والهوان "فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم
تستكبرون في الأرض بغير حق وبما كنتم تفسقون" "وسيعلم الذين ظلموا أي
منقلب ينقلبون" فمن طلب حربنا ندم ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا
أطعتم، فلكم مالنا وعليكم ما علينا، وإن خلفتم هلكتم، فلا تهلكوا نفوسكم بأيديكم،
فقد حذر من أنذر وقد ثبت عندكم ان نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة وقد
سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة، فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم
عندنا ذليل، وبغير المذلة ما لملوكم علينا من سبيل، فلا تطيلو الخطاب، واسرعوا برد
الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون مناجاها ولا عزاً
ولا كافياً ولا حرازاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منا خالية، فقد
انصفناكم إذ راسلناكم، وايقظناكم إذ حذرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم والسلام
علينا وعليكم وعلى من أطاع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى.



ألا قل لمصر ها هُلاوُن[1] قد
أتى



بحدّ
سيوف تُنضى وبواتر



يصير أعز القوم منا أذلة


ويُلحق
أطفالاً لهم بالأكبر[2]



1
ـ مجلس شورى حربي:
كانت الرسالة بمثابة
التحدي النهائي لآخر قيادة إسلامية، وعلى ضوء الموقف الذي ستقرر هذه القيادة
اتخاذه سيتوقف مصير عالم الإسلام وحضارته التي وضعها كدح القرون الطوال، كل
المؤشرات كانت تقود إلى الاستلام للتحدي والإذعان لضروراته.. ولكنه الإيمان له
منطق آخر، أنه لا يمنح القدرة عل الحركة في ظروف الشلل التام، فحسب، لكنه بصيرة
تخترق حجب العمى والظلام، لكي تطل على الأفق يشع ضياء، وبالحركة القديرة، والرؤية
الصائبة تجابه القيادات الفذة تحديات التاريخ ومحنه وويلاته، فتخرج منها ظافرة،
وتحقق بالاستجابة قفزة نوعية في مجرى الفعل والتحقق[3]،
قرأ سيف الدين قطز الرسالة واستدعى الأمراء ليعرض الأمر عليهم وجرى هذا الحوار:



قطز:
ماذا ترتؤن؟



ناصر
الدين قميري: إن هولاكو فضلاً عن أنه حفيد جنكيز خان، فإن شهرته وهيبته غنية عن
الشرح والبيان وإن البلاد الممتدة من تخوم الصين إلى باب مصر كلها في قبضته الآن،
فلو ذهبنا إليه نطلب الأمان فليس في ذلك عيب وعار، ولكن تناول السم بخداع النفس
واستقبال الموت، أمران بعيدان عن حكم العقل، أنه ليس الإنسان الذي يطمأن إليه،
فهولا يتورع عن إحتراز الرؤوس، وهو لا يفي بعهده وميثاقه، فإنه قتل فجأة الخليفة
وعدداً من الأمراء بعد أن أعطاهم العهد والميثاق، فإذا سرنا سيكون مصيرنا هذا
السبيل.



قطز:
والحالة هذه فإن كافة ديار بكر وربيعة والشام ممتلئة بالمناحات الفجائع، وأصبحت
البلاد من بغداد وحتى الروم خراباً يباباً، وقضى على جميع ما فيها من حرث ونسل،
فلو أننا تقدمنا لقتالهم وقمنا بمقاومتهم فسوف تخرب مصر خراباً كغيرها من البلاد،
وينبغي أن تختار مع هذه الجماعة التي تريد بلادنا واحد من الثلاثة: الصلح أو
القتال أو الجلاء عن الوطن، أما الجلاء عن الوطن فأمر متعذر ذلك لأنه لا يمكن أن
نجد مفراً إلا المغرب، وبيننا وبينهم مسافات بعيدة[4].



قميري:
وليس هناك مصلحة أيضاً في مصالحتهم، إذ أنه لا يوثق بعودهم[5].



عدد
من الأمراء: ليس لنا طاقة ولا قدرة على مقاومتهم، فمر بما يقضيه رأيك.



قطز:
إن الرأي عندي هو أن نتوجه جميعاً إلى القتال، فإذا ظفرنا فهو المراد، وإلا فلن
نكون ملومين أمام الخلق.



الظاهر
بيبرس: أرى أن نقتل الرسل، ونقصد كتبغا ـ قائد المغول ـ متضامنين، فإذا إنتصرنا أو
هزمنا فسوف نكون في تلك الحالتين معذورين.



أيد
الأمراء المجتمعون كافة هذا الرأي، وكان على قطز أن يتخذ قراره وقد إتخذه فعلاً[6].



2
ـ التغيير العام:
وفي هذه الأثناء أراد المظفر أن يقطع
كل مجال للتردد في الخروج لمواجهة المغول، فأصدر أوامره إلى ولاة الأقاليم المصرية
بجمع الجيوش وحث الناس على الخروج للجهاد في سبيل الله ونصرة دين رسول الله صى
الله عليه وسلم، وطالب الولاة بإزعاج الأجناد للخروج للسفر، ومن وجد منهم من إختفى
يضرب بالمقارع، وسار بنفسه حتى نزل الصالحية، حيث تكامل عنده وصول العساكر
المصرية، ومن إنضم إليهم من عساكر الشام والعرب والتركمان وغيرهم، وذلك في يوم
الاثنين الخامس عشر من شعبان سنة 658هـ/يوليو1260م[7]،
وفي هذه المنطقة طلب قطز الأمراء واجتمع بهم وتكلم معهم في المسير لقتال المغول،
وهنا يبدو أن بعض هؤلاء الأمراء عاودهم الخوف من مواجهة المغول وامتنعوا عن
الخروج، الأمر الذي أثار حماسة السلطان المظفر قطز فقال لهم: يا أمراء المسلمين
لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون وأنا متوجه فمن إختار الجهاد
يصحبني ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه وخطيئة حريم المسلمين
في رقاب المتأخرين[8]،
وأمام هذا التصميم الذي أبداه قطز لمواجهة المغول، والذي أعقبه تحليف من وافقه من
الأمراء على المسير، ومن ثم إصدار أوامره إلى قواته بالمسير لملاقاة العدو مهما
كانت الظروف حيث عبر عن ذلك بقوله: "أنا ألقي التتار بنفسي" لم يسع بقية
الأمراء المعارضين إلا الموافقة، وانقضى الجمع على الخروج صفاً واحداً لإنقاذ
المسلمين من ويلات الغزو المغولي المدمر[9].



3
ـ قتل سفراء هولاكو:
وكان أول إجراء قام
به المظفر قطز ضد المغول هو إستدعاء رسل هولاكو واستقبالهم استقبالاً جافاً
إيذاناً لإعلان الحرب عليهم، ومن ثم القبض عليهم وضرب عنق كل منهم أمام باب من
أبواب القاهرة وتعليق رؤوسهم على باب زويلة وأبقى على صبي من الرسل وجعله من
مماليكه، وكانت تلك الرؤوس أول ما علق على باب زويلة من المغول[10].
ويبدو أن قطز اعتبر الرسل محاربين وأنهم ليس لهم الحصانة الكافية لمنع قتلهم، حيث
أن المغول قتلوا النساء والأطفال والشيوخ غير المقاتلين، وبأعداد لا تحصى في
سمرقند وبخارى وبغداد وحلب ودمشق وغيرها من بلاد المسلمين، كما أن رسل التتار
أغلظوا القول وأساؤوا الأدب وتكبروا عليه وكان الهدف من تعليق رؤوس المغول على
أبواب القاهرة الرئيسية رفع معنويات الناس وإعلان الحرب على التتار وإعلامهم بأنهم
قادمون على قوم يختلفون كثيراً عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل، وهذا يؤثر سلباً
على التتار فيلقي في قلوبهم ولو شيئاً من الرعب أو التردد، ويبقى الهدف الأكبر
لقتل الرسل هو قطع التفكير في أي حل سلمي للقضية والاستعداد الكامل الجاد للجهاد،
فبعد قتل رسل المغول لن يقبل التتار باستسلام مصر حتى لو قبل بذلك المسلمون، كان
هذا هو إجتهاد قطز والأمراء في قتل رسل المغول، ولكن هذا يخالف الأصل في الإسلام،
حيث أن الرسل لا تقتل، لا رسل المسلمين، ولا رسل الكفار، ولا حتى رسل المرتدين عن
الإسلام[11]،
فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، يقول عبد الله بن مسعود: جاء ابن
النواحة وابن أشال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى اله عليه وسلم فقال لهما:
"أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما[12]،
يعلق عبد الله بن مسعود على هذا الحديث فيقول: مضت السنة أن الرسل لا تقتل[13].
وهذا الحديث يدل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر
في حضرة الإمام أو سائر المسلمين[14].
وما حدث من سيف الدين قطز، مخالف لأحكام الشريعة والكمال لله وحده.








[1]
السوك للمقريزي(1/514،515) صيغة لاسم هولاكو.







[2]
المصدر نفسه(1/515)، أبطال ومواقف صـ441.







[3]
دراسات تاريخية عماد الدين خليل صـ84.







[4]
سيف الدين قطز قاهر المغول، نور الدين خليل صـ112.







[5]
المصدر نفسه صـ114.







[6]
دراسات تاريخية صـ85.







[7]
السلوك نقلاً عن جهاد المماليك صـ120.







[8]
المصدر نفسه صـ120.







[9]
المصدر نفسه صـ120.







[10]
تاريخ الدولة المغولية في إيران صـ144، جهاد المماليك صـ120.







[11]
قضة التتار صـ278.







[12]
مسند أحمد، وسنن أبي داؤد، نقلاً عن قصة التتار صـ279.







[13]
قصة التتار صـ279.







[14]
نيل الأوطار للشوكاني نقلاً عن قصة التتار صـ279.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:30

رابعاً:
اليوم الفصل:



1
ـ مقدمات الصدام:
لم
يعد أمام المظفر قطز بعد إتمام تلك الاستعدادات
سوى إختيار مكان وزمان المعركة التي كان ينوي منازلة المغول فيها، وهنا تبدو لنا
إستراتيجية جديدة إتبعها قطز في هذه المواجهة الحاسمة، ذلك أنه إذا كان حكام
المسلمين إبتداء من الدولة الخوارزمية حتى أرض فلسطين قد التزموا مبدأ التحصن داخل
مدنهم إنتظار لهجوم المغول عليهم ومحاولة صده فقط فإن السلطان قطز أدرك عدم جدوى
الأساليب الدفاعية ورأى أن من الأفضل منازلة المغول قبل وصولهم إلى الأراضي
المصرية واختار لذلك النزال مكاناً مناسباً خارج دولته هو منطقة عين جالوت بأرض
فلسطين الذي يمتاز بقربه من المناطق الساحلية الذي كان يسيطر عليها الصليبيون،
الذين أبدوا إستعدادهم الكامل لتسهيل مرور القوات الإسلامية إليه، هذا بالإضافة
إلى كون هذا الجزء من أرض فلسطين منطقة فسيحة يعلوها جبل[1]،
الأمر الذي سيمكن قواته من مواجهة العدو في كل الظروف، ففي حالة الاشتباك المباشر
مع العدو في معارك مكشوفة، يكون القتال في منطقة منبسطة، وفي حالة مناوشته من بعيد
يكون الجبل مساعداً للرماة لأداء واجبهم عل الوجه الأكمل، كما أن إختيار هذا
المكان في بلاد الشام لمنازلة المغول، يعطي في حد ذاته دفعة قوية لتلك الجموع
الشامية الهاربة منهم إلى مصر والتي انضمت إلى جيش المماليك، للاستبسال والتفاني
في الجهاد وطمعاً في العودة مرة أخرى إلى بلادها، خاصة وأن هناك أمراء أيوبيين في
ركاب هذه الجيوش، كان الملك المظفر قطز قد وعدهم بإعادتهم إلى إماراتهم بعد طرد
المغول من بلاد الشام، كما إختار قطز لهذه المعركة الفاصلة شهر أغسطس الذي تكون
فيه الحرارة مرتفعة للتأثير على تلك الجموع المغولية القادمة من صحاري منغوليا
الباردة[2]،
للتقليل من نشاطهم القتالي لكونهم لم يعتادوا على المناخ الحار الذي عادة ما يسود
مناطق فلسطين في ذلك الوقت[3].


2
ـ تحرك جيوش المسلمين:
طلب سيف الدين قطز
من الأمراء الاجتماع العاجل، وحثهم على القتال وذكرهم بما وقع في أقاليم الإسلام[4]،
وقال لهم: يا مسلمين قد سمعتم ما جرى من أهل الأقاليم من القتل والسبي والحريق،
وما منكم أحد إلا وله مال وحريم وأولاد، وقد علمتم أن أيدي التتار تحكمت في الشام
وقد أوهنوا قوى دين الإسلام، وقد لحقني على نصرة دين الإسلام الحمية، فيجب عليكم
يا عباد الله القيام في جهاد أعداء الله حق القيام، يا قوم جاهدوا في الله بصدق
النية تجارتكم رابحة وأنا واحد منكم وها أنا وأنتم بين يدي رب لا ينام ولا يفوته
فائت ولا يهرب منه هارب، فعند ذلك ضجت الأمراء بالبكاء وتحالفوا أنهم لا بقاء لهم
في الدنيا إلى أن تنكشف هذه الغمة، فعند ذلك جرد السلطان، الأمير ركن الدين بيبرس
وصحبته جماعة من العساكر وأرسله طليعة[5].


3
ـ معركة غزة:
تحركت طلائع الجيش المملوكي بقيادة
الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري نحو فلسطين، فسار حتى نزل غزة في شعبان 658هـ
/يولية 1260م واستطاع ركن الدين بيبرس أن يحقق انتصاراً ساحقاً على الحامية
المغولية في غزة وكانت هزيمة قاسية لهم، واكتشف المغول أن هناك من المسلمين من
يتحرك من خلال خطط عسكرية، وأبعاد استراتيجية، وأنه لا زال من المسلمين من يحمل
السيوف للدفاع عن دينه وأرضه وشرفه وكرامته، وكانت هذه المعركة من أهم المعارك
بالنسبة للمسلمين، فقد رأى المسلمون بأعينهم أن التتار يفرون، وسقطت المقولة التي
انتشرت في تلك الآونة التي كانت تقول: من قال لك أن التتار يهُزمون فلا تصدقه،
وكان لهذه الموقعة أثر ايجابي على جيش المسلمين وكان لها أثر سلبي هائل على جيش
التتار[6].
واصبحت غزة ملكاً للمسلمين وبهذا تعتبر معركة غزة هذه أولى المعارك التي انتصر
فيها المسلمون على المغول كما يمكن القول أن هذا الانتصار الذي تحقق للمسلمين كان
دافعاً قوياً لهم للتقدم إلى الشمال باتجاه عين جالوت للقاء المغول في موقع أفضل
خاصة وأن تلك الهزيمة التي مني بها جيش الأمير المغولي بأيدر لم تقابل بأي اهتمام
من القائد المغولي كيتوبوقا الذي بقي على جموده إلى أن وصلت الجيوش الإسلامية عين
جالوت وكان هذا الانتصار من الأسباب التي جعلت الصليبيين تحرص على خطب ود المسلمين
بتقديم العون والمساعدة لهم والسماح لجيوش المماليك بعبور أراضيهم إلى داخل فلسطين[7]،
ولما رحل سيف الدين قطز من غزة سلك طريق الساحل فاجتاز مدينة عكا وهي يومئذ بيد
الفرنج، فلما عاينوه، وأرسلوا له الهدايا والتحف والضيافات، وألتقاه ملوكها
فأعرضوا عليه أن يأخذ معه نجدة فلاطفهم السلطان وأخلع عليهم واستحلفهم أن يكونوا
لا له ولا عليه، وما له حاجة بنصرتهم وقال لهم: والله العظيم متى تبعهم منهم فارس
أو راجل ـ يريد أذى عسكر المسلمين ـ قتلتكم قبل ملتقاي التتار وقد عرفتكم ذلك، عند
ذلك كتب الملوك إلى اتباعهم بما سمعوه[8]،ورفض
السلطان قطز تلك المساعدة التي عرضها الصليبيون عليه، فقد كان حريصاً كل الحرص على
صبغ حروبه ضد المغول والصليبيين معاً بصبغة إسلامية خالصة، كما أن هذا يشير إلى
رغبة قطز ومشروعه الجهادي يستهدف دحر العدوان المغولي ومن ثم التوجه إلى الساحل
الشامي لتطهيره من نير الاحتلال الصليبي، وحرص في الوقت نفسه على أن لا تكون
للصليبيين عليه منة عند مهاجمتهم[9].


4
ـ معلومات استخبارية مهمة:
قاد السلطان قطز
جيشه واقترب من عين جالوت، وبينما هو في الطريق جاء رجل من أهل الشام وقدم معلومات
استخبارتية لسيف الدين قطز، مرسل من قبل صارم الدين أيبك وهو أحد المسلمين الذين
أسرهم هولاكو عند غزوه بلاد الشام، ثم قبل الخدمة في صفوف جيش التتار، واشترك معهم
في مواقعهم المختلفة وجاء معهم إلى موقعة عين جالوت، ولا ندري إن كان قد قبل
التعاون مع التتار لرغبة في نفسه، أم قبل ذلك مضطراً وهو يعد العدة لينفع المسلمين
فهذا بينه وبين الله عز وجل، ولكن في موقعة عين جالوت قرر أن يخدم جيش المسلمين
بقدر ما يستطيع، وقد نقل هذا الرسول إلى قطز ـ العلومات التالية:


أ
ـ جيش التتار ليس بقوته المعهودة، فقد أخذ هولاكو معه عدداً من القادة والجند، فلم
يعد الجيش على الهيئة نفسها التي دخل بها الشام، فلا تخافوهم.


ب
ـ ميمنة التتار أقوى من ميسرتهم، فعلى جيش المسلمين أن يقوي جداً ميسرته التي
ستقاتل ميمنة التتار.


ج
ـ أن الأشرف الأيوبي أمير حمص سيكون في جيش التتار بفرقته،ومع صارم الدين أيبك،
ولكنهم سوف ينهزمون بين يدي المسلمين..أي أن الرسالة تقول أن الاشرف الأيوبي قد
راجع نفسه وآثر أن يكون مع جيش قطز، ولكنه خرج مع جيش التتار مكيدة لهم، وتفكيكاً
لصفهم[10].
ومع ذلك أخذ المسلمون حذرهم، واستفادوا من هذه الأمور دون تفريط في الإعداد
أوتهاون في الاحتياط والحذر، وبذلك انتهى يوم الرابع والعشرين من رمضان 658هـ وقضى
المسلمون الليل في القيام والابتهال والدعاء والرجاء[11].


5
ـ الاشتباك مع المغول:
كان سيف الدين قطز
قد بعث الأمير ركن الدين بيبرس على رأس فرقة من الكشافة لاستطلاع أخبار العدو
وتحديد مكانه، واشتبك بيبرس مع طلائع الجيش المغولي واستمر يناوشهم إلى أن وافاه
السلطان قطز بالجيش الرئيسي عند عين جالوت في الخامس والعشرين من رمضان سنة 658هـ
/ سبتمبر 1260م حيث ألتقى الجمعان وذلك بعد طلوع الشمس وقد امتلأ الوادي بالناس
وكثر صياح أهل القرى من الفلاحين وتتابع ضرب كوسات السلطان والأمراء ايذاناً ببدء
الهجوم[12]،
كان الجيش المغولي بقيادة كتبغا، وكان قطز يعرف جيداً تفوق جيشه في العدد على العدو،
ولذا أخفى قواته الرئيسية في التلال القريبة ولم يعرض للعدو إلا المقدمة التي
قادها بيبرس، ولما لبث كتبغا أن وقع في الفخ، إذ حمل بكل رجاله على القوات
الإسلامية التي شهدها أمامه، فأسرع بيبرس في تقهقره إلى التلال بعد أن اشتدت
مطاردة كتبغا له، فلم يلبث الجيش المغولي بأسره أن جرى تطويقه فجأة وجرت بين
الطرفين معركة طاحنة، واضطربت قوات المماليك بعض الوقت[13]
وانكسرت ميسرة المسلمين في بداية الأمر كسرة شنيعة، فحمل الملك المظفر بنفسه في
طائفة من عساكره وأردف الميسرة حتى جبر ضعفها، ثم اقتحم القتال وأبلى في ذلك اليوم
بلاء حسناً وهو يشجع أصحابه ويحسن لهم الموت في سبيل الله ويكر بهم كرة بعد كرة[14]،
وألقى خوذته عن رأسه إلى الأرض وصرخ بأعلى صوته((وأسلاماه)) وحمل بنفسه وبمن معه
حملة صادقة فأيده الله بنصره، ولم تنقضي سوى ساعات حتى بدأ تفوق المسلمين في
الميدان،وسحقت زهرة القوات المغولية، ومر العسكر في إثر التتار إلى قرب بيسان،
فرجع التتار،والتقوا بالمسلمين لقاءً ثانياً أعظم من الأول، فهزمهم الله وقتل
أكابرهم وعدة منهم، وكان قد تزلزل المسلمون زلزالاً شديداً، فصرخ السلطان صرخة
عظيمة، سمعه معظم العسكر وهو يقول: ((وأسلاماه)) ثلاث مرات:يا الله انصر عبدك قطز
على التتار)) فلما انكسر التتار الكسرة الثانية نزل السلطان على فرسه ومرغ وجهه
على الارض وقبلها وصلى ركعتين لله تعالى ثم ركب، فأقبل العسكر وقد امتلأت ايديهم
بالغنائم[15]،
واستمر ركن الدين بيبرس في مطاردة فلول المغول حتى افامية فوجدهم قد تجمعوا بها
ووحدوا صفوفهم للمرة الثالثة استعداداً لمواجهتهم، فهاجمهم بكل شجاعة وكسرهم كسرة
شنيعة وغنم منهم اموالاً طائلة وخيولاً كثيرة[16].


6
ـ شجاعة القائد المغولي:
ورغم الهزيمة
القاسية التي مُني بها المغول في هذه المعركة فإن أحد المؤرخين المسلمين وهو رشيد
الدين فضل الله الهمذاني، لم ينكر ما كان للقائد المغولي كيتوبوقا من صفات بطولية
في هذه المعركة، فعندما اقترح عليه أحد اعوانه الإنسحاب أجاب:علينا أن نموت هنا،
هذه هي النهاية ويعيش الخان ويسعد[17]،
وفي رواية:لا مفر من الموت هنا، فالموت مع العزة والشرف خير من الهروب مع الذل
والهوان، وسيصل رجل واحد، صغيراً أو كبيراً من أفراد هذا الجيش إلى حضرة الملك
ويعرض عليه كلامي قائلاً:إن كيتوبوقا لم يشأ أن يتراجع وقد كلله الخجل فضحى بحياته
الغالية في سبيل واجبه، وينبغي ألا يشق على الخاطر المبارك نبأ فناء جيش المغول،
وليتصور الملك أن نساء جنوده لم يحملن عاماً واحداً، وأن جياد قطعانه لم تلد
المهور، فليدم اقبال الملك، مادامت نفسه الشريفة آمنة سالمة، فإنها تكون عوضاً لكل
مفقود، إذ أن وجودنا وعدمنا نحن العبيد والاتباع أمر سهل يسير[18]،
كما يذكر رشيد الدين نفسه رأياً مخالفاً في كيفية قتل القائد المغولي كيتوبوقا،
حيث يشير إلى أنه وقع في بداية الأمر في الاسر، ثم أحضره قطز إلى مجلسه مكبلاً
ودار بينهما حواراً بداه قطز مخاطباً كيتوبوقا بقوله: أيها الرجل الناكث العهد ها
انت بعد أن سفكت كثيراً من الدماء البريئة وقضيت على الابطال والعظماء بالوعود الكاذبة،
وهدمت البيوتات العريقة بالاقوال الزائفة المزورة قد وقعت أخيراً في الشرك. وعندما
سمع كيتوبوقا كلامه انتفض وهو مكبل اليدين كأنه الفيل الهائج، فأجاب قائلاً: أيها
الفخور المغتر، لا تتباه كثيراً بيوم النصر هذا، فأنا إذا قُتلت على يديك فإني
أعلم أن ذلك من الله لا منك، فلا تُخدع بهذه المصادفة العاجلة، ولا بهذا الغرور
العابر، فإنه حين يبلغ حضرة هولاكو نبأ وفاتي سوف يغلي بحر غضبه وستطأ سنابك خيل
المغول البلاد من آذربيجان حتى ديار مصر، وستحمل رمال مصر في مخالي خيولهم إلى
هناك، إن لهولاكو خان ثلاثمائة ألف فارس مثل كيتوبوقا، فأفرض أنه نقص واحد منهم،
فقال له قطز:لا تفخرإلى هذا الحد بفرسان توران، فإنهم يزاولون أعمالهم بالمكر
والخداع لا بالرجولة والشهامة[19].
فرد عليه كيتوبوقا: إني كنت عبداً للملك ما حييت ولست مثلك ماكراً وغادراً… بادر بالقضاء عليّ بأسرع ما يمكن حتى لا أسمع تأنيبك. فأمر قطز
بقتله ففصلوا رأسه عن جسده، ولما بلغ هولاكو خان نبأ نعي كيتوبوقا، وعلم بحديثه في
ذلك الموقف أسف أسفاً شديداً على وفاته، واشتعلت نيران غضبه وقال: أين أجد خادماً
آخر مثله يبدي مثل هذه النوايا الطيبة، ومثل هذه العبودية ساعة هلاكه[20].
وبالرغم مما يعرف به رشيد الدين من محاباة للمغول، فإنه لا يمكن أن ننكر ما كان
عليه كيتوبوقا من مكانة عند المغول، يعتمدون على رأيه وشجاعته وتدبيره وكان بطلاً
شجاعاً مقداماً، وخبيراً بالحروب وافتتاح الحصون، وكان هولاكو يثق به ولا يخالفه
فيما يشير به، وبموته استراح الإسلام منه، حيث كان شر عصابة على الإسلام وأهله[21].
وعلق نور الدين خليل على شجاعة القائد المغولي والقصص المنسوبة إليه فقال: وننظر
إلى تلك الروايات ببالغ الريبة، بل والإنكار، فكيف حصل الهمذاني على رسالة شفهية
حملها مجهول بلغة مغولية، بطبيعة الحال، هذا إن كانت هناك رسالة أصلاً وكذلك الحال
فيما يتعلق بالروايات الأخرى، لا شك أن تلك الروايات محض اختلاف وتصور خيال، حتى

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:31

7 ـ تحرير دمشق وبلاد الشام:لم
تنته مهمة الملك المظفر بعد ما زال هناك تتار في دمشق، وحمص وحلب وغيرها من المدن
الشامية فكانت دمشق هي أولى المحطات الإسلامية التي تقع تحت سيطرة التتار، وهي تقع
على مسافة مائة وخمسين كيلو متراً تقريباً من عين جالوت إلى الشمال الشرقي منها،
فقبل وصوله إلى دمشق أرسل رسالة عظيمة تحمل بشريات النصر الكبير وكان مما جاء في
هذه الرسالة:أما النصر الذي شهد الضرب بصحته، والطعن بنصيحته، فهو أن التتار خذلهم
الله، استطالوا على الايام وخاضعوا بلاد الشام واستنجدوا بقبائلهم على الإسلام
وهذه عساكر الإسلام مستوطنة في مواطنها ما تزلزل لمؤمن قدم إلا وقدم إيمانه راسخة
ولا تثبت لأحد حجة إلا وكانت الجمعة ناسخة ولا عقدت برجمة ناقوس إلا وحلها الآذان
ولا نطق كتاب إلا وأخرسه القرآن ولم تزل أخبار المسلمين تنتقل إلى الكفار، وأخبار
الكفار تنتقل إلى المسلمين، إلى أن خلط الصباح فضته بذهب الاصيل، وصار اليوم كأمس
ونُسخت آية الليل بسورة الشمس إلى أن تراءت العين بالعين واضرمت نار الحرب بين
الفريقين، فلم تر إلا ضرباً يجعل البرق نضوا ويترك في بطن كل من المشركين شلوا،
وقتل من المشركين كل جبار عنيد، ذلك بما قدمت أيديهم((وما ربك بظلام للعبيد))[1].
وصل الخبر لأهالي دمشق قال ابن كثير: واتبع الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري
وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب وهرب
من بدمشق منهم وكان هربهم منها يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان صبيحة النصر
الذي جاءت فيه البشارة بالنصر على عين جالوت فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون
ويأسرون وينهبون الاموال فيهم ويستفكون الاسارى من أيديهم قهراً ولله الحمد والمنن
على جبره الإسلام ومعاملته إياهم بلطفه الحسن، وجاءت بذلك البشارة السارة،
فجاوبتها البشائر من القلعة المصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر الله فرحاً شديداً،
وأيد الله الإسلام وأهله تأييداً وكُبت أعداء الله النصارى واليهود والمنافقون
وظهر دين الله وهم كارهون ونصر الله دينه ونبيه ولو كره الكافرون، فتبادر عند ذلك
المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها، وأحرقوها
وألقوا النار فيما حولها، فأحترقت دور كثيرة للنصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم
ناراً، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة، وهمت طائفة بنهب اليهود، فقيل لهم: إنهم لم يكن
منهم فيما ظهر من الطغيان، كما كان من عبدة الصُلبان، وقتلت العامة في وسط الجامع
شيخاً رافضياً، كان مصانعاً للتتارعلى اموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف
الكنجي، كان خبيث الطوية ممالئاً لهم على أموال المسلمين وقتلوا جماعة مثله من
المنافقين الممالئين على المسلمين "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله
رب العالمين" ((الأنعام:آية:45))[2].



8
ـ وصول سيف الدين قطز إلى دمشق:
في اليوم
الثلاثين من رمضان سنة 658هـ وصل البطل سيف الدين قطز إلى دمشق واستقبله الناس
استقبال الفاتحين، وعلقت الزينات في الشوارع، وخرج الرجال والنساء والاطفال،
يستبلون البطل المظفر وهذه هي الفرحة الحقيقية قال تعالى:"قل بفضل الله
وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"((يونس:آية:58))، فرحة النصر لدين
الله والرفعة للإسلام والعزة للمسلمين لا تقارن هذه الفرحة بفرحة الطعام والشراب
والمال والجاه والسلطان، ودخل الجيش المملوكي المسلم دمشق واستتب الأمن الحقيقي
بسرعة عجيبة، لم يحدث شيء مما يقع عند دخولالمستعمرين البلاد واستقر الوضع بسرعة
وحفظ الاعراض والنفوس والاموال لكل الساكنين من نصارى ويهود وقام قطز بعزل ابن
الزكي قاضي دمشق الذي عينه التتار وكان مواليا لهم، وعين مكانه نجم الدين أبا بكر
بن صدر الدين بن سني الدولة وبدأ يفصل في القضايا، ويحكم في المخالفات التي تمت
بين المسلمين والنصارى حتى لا يظلم نصراني في بلاد المسلمين، هذا مع كل ما فعله
النصارى بالمسلمين أثناء احتلال التتار للمدينة، وفي اليوم التالي لدخول قطز إلى
دمشق كان عيد الفطر وهوله طعمه الخاص ومكانته المتميزة، لأنه كان أيضاً عيداً
للنصر والتمكين قال تعالى"وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا
والله عزيز حكيم"((التوبة:آية:40)).



لم
يضيع قطز وقتاً بل ارسل مقدمة جيشه بقيادة بيبرس تتبع الفارين من التتار وتطهر مدن
الشام الأخرى من الحاميات التتارية[3]،
وطارد المغول في أعالي بلاد الشام حتى لحق بهم في حمص، وفر المغول بحياتهم وألقوا
ما كان معهم من متاع وغيره، وأطلقوا الاسرى وعرّجوا نحو طريق الساحل، فتخطف
المسلمون منهم وقتلوا خلقاً كثيراً وأسروا أكثر، فلما بلغ هولاكو كسرة عسكره وقتل
نائبه كتبغا عظم عليه، فإنه لم يكسر له عسكر قبل ذلك ورحل من يومه[4].



واستطاع
المسلمون تطهير بلاد الشام بكاملها في بضعة أسابيع وأعلن قطز توحيد مصر والشام من
جديد في دولة واحدة تحت زعامته، بعد عشر سنوات من الفرقة وذلك منذ وفاة الملك
الصالح نجم الدين أيوب ـ رحمه الله ـ في سنة 648هـ وخُطب لقطز على المنابر في كل
المدن المصرية والفلسطينية والشامية حتى خطب له في أعالي بلاد الشام والمدن حول
نهر الفرات وعاش المسلمون أياماً من أسعد أيامهم[5].



9
ـ ترتيب أمور الولايات الشامية:
شرع السلطان
سيف الدين قطز على ترتيب أحوال الشام بسرعة حتى يتمكن من العودة إلى مصر، فأقطع
الأمراء الصالحية والمعزية وأصحابه إقطاعات الشام وجعل نائبه على دمشق الأمير علم
الدين سنجر الحلبي ومعه الأمير أبو الهيجاء بن عيسى بن خشتر الأزكشي الكردي[6]،
وأعاد ملوك الأيوبيين أصحاب العروش الصغيرة إلى عروشهم ملوكاً تابعين لسلطان مصر
المملوكي وبعث إليه الاشرف موسى، حاكم حمص، والذي كان هولاكو قد عينه نائباً له في
حكمها وفي بلاد الشام، يطلب الأمان، فاستجاب قطز وأمّنه على عرشه كذلك بعث بالملك
المظفر علاء الدين علي بن بدر الدين لؤلؤ صاحب سنجار ليكون نائباً للسلطان في
مدينة حلب ووزع الإقطاعات في المناطق الريفية المحيطة بحلب على الأمراء الموالين
له، كذلك قام سيف الدين قطز ببعض التعديلات الإدارية البسيطة في بلاد الشام، فأقر
الملك المنصور على حماه وبارين وأعاد له المعرّة التي كانت بيد حكام حلب منذ سنة
635هـ ومن ناحية أخرى، أخذ منه سلمية وأعطاها الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن
مانع أمير العرب وعين الأمير شمس الدين آقوش البرلي العزيزي أميراً بالساحل وغزة
ومعه عدد من أمراء العزيزية وكان هذا الأمير قد فارق الناصر يوسف، صاحب دمشق وحلب،
وانضم إلى قوات السلطان قطز في القاهرة، ثم خرج في جيش السلطان وحارب معه في عين
جالوت، وأمر بشنق حسين الكردي الطبرادار، فشنق من أجل أنه دل على الملك الناصر[7].



وهكذا
قام السلطان قطز بترتيب حكم الشام، وأعاد إلى ربوعها الأمن والاستقرار الذي كان
مفقوداً منذ غزاها المغول، وفي اليوم السادس والعشرين من شوال 658هـ توجه السلطان
سيف الدين قطز بجيشه الظافر صوب مصر، وبينما كانت القاهرة تتزين لاستقبال القائد
المنتصر[8]
كان أجل سيف الدين قطز قد حان واقترب الرحيل من هذه الحياة وسيأتي الحديث عن ذلك
مفصلاً بإذن الله تعالى.



10
ـ موقف هولاكو من الهزيمة:
رغم أن هذه الهزيمة
لم تلحق بشخص هولاكو نفسه فإن تلك الهزيمة الثقيلة التي مني بها جيشه وقتل فيها
قائده العظيم كيتوبوقا، تعد صدمة عنيفة هزت كيانه وهو بعيد عن مسرح الحوادث، فتأثر
لذلك وحاول أن يمحو ذلك العار الذي لحق بجيوشه بارسال حملة جديدة إلى الشام، في
محاولة يائسة للانتقام من المسلمين، غير أن الظروف في ذلك الوقت لم تمكنه من ذلك[9]،
إذ لم يستطع التقدم غرباً لمساعدة جيوشه المهزومة في عين جالوت لانشغاله في حروبه
مع منافسيه من أهل بيته وعلى رأسهم ابن عمه زعيم القبيلة الذهبية، واكتفى هولاكو
بأن عمل على مراسلة الخان الاعظم في قراقورم أخبره بما حل بالمغول في بلاد الشام
من هزيمة على يد سلطان مصر، فما كان من الخان الاعظم إلا أن اصدر مرسوماً يقضي
بإعطاء هولاكو البلاد الواقعة بين نهر جيحون حتى بلاد الشام، قاصدأ بذلك ـ على ما
يبدو ـ رفع معنويات هولاكو وجيوشه وتشجيعه على معاودة حرب المماليك، وبدأ هولاكو
يستعد لحرب المسلمين، لكن الموت عاجله في سنة 663هـ /1265م فتوفي دون أن يحقق حلمه
بضم مصر والشام إلى ممتلكاته[10].



11
ـ ما قيل من شعر في عين جالوت:
نظم شهاب الدين
محمود قصيدة مدح فيها الأمير الظاهر بيبرس بسبب انتصار المسلمين في عين جالوت
فقال:



سر حيث شئت لك المهيمن جار


واحكم
فطوع مرادك الاقدار



لم يبق للدين الذي
أظهرته



يارُكنه
عند الاعادي ثارُ



لما تراقصت الرؤوس
وحركت



من
مطربات قسّيك الاوتار



حملتك أمواج الفرات
ومن رأى



بحرا
سواك تقله الانهار



وتقطعت فرقاً ولم يك


طودها
إذ ذاك إلا جيشك الجرار



رشّت دماؤهم الصعيد
فلم يطر



منهم
على الجيش السعيد غبار



شكرت مساعيك المعاقل والورى


والتُربُ
والآساد والاطيار



هذي منعت وهؤلاء
حميتهم



وسقيت
تلك وعمّ ذا الإيسارُ






فلأملأن الدهر فيك
مدائحاً



تبقى
بقيت وتذهب الاعصارُ[11]








[1]
قصة التتار صـ 338 صبح الأعشى(7 ـ 260 ـ 262).







[2]
البداية والنهاية (17 ـ 402).







[3]
قصة التتار صـ 340.







[4]
السلوك (1 ـ 518).







[5]
قصة التتار صـ 341.







[6]
السلوك (1 ـ 518).







[7]
السلوك (1 ـ 518)، مملكة حماه الايوبية عدنان سعد الدين صـ 100.







[8]
السلطان المظفر سيف الدين قطز، قاسم عبده صـ 141.







[9]
جهاد المماليك صـ 131.







[10]
جهاد المماليك صـ 132، جامع التواريخ (2 ـ 336).







[11]
الادب العربي من الانحدار إلى الازدهار صـ 166.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:32

وقال
شرف الدين الانصاري من قصيدة يمدح فيها الملك المنصور الثاني الايوبي صاحب حماه
الذي كان مع جنده إلى جانب المظفر قطز في معركة عين جالوت:



رُعت العدى فضمنت شل عروشها


ولقيتها
فأخذت فلّ جيوشها



نازلت أملاك التتار فأنزلت


عن
فحلها قسراً وعن إكديشها



فغدا لسيفك في رقاب كُماتها


حصد
المناجل في يبيس حشيشها



روّيت أكباد القنا بدمائهم


لما
أطال سواك في تعطيشها



أقدمت مقتحماً على نُشّابها


تكسو
الجياد رِياشها من ريشها



دارت رحى الحرب
الزُّبون عليهم



فغدت
رؤوسُهُم حطام جريشها



وطويت عن مصر فسيح
مراحل



ما
بين بركتها وبين عريشها



حتى حفظت على العباد
بلادها



من
رُومها الاقصى إلى أُحبوشها



فرشت حماة لِوَطء
نعلك خدّها



فوطئت
عين الشمس من مفروشها



وكذا المعرّة إذ ملكت
قيادها



دَهِشتَ
سروراً سار في مدهوشها



لا زلت تُنعش
بالنّوال فقيرها



وتنال
أقصى الأجر من منعوشها[1]



وقال
بعض الشعراء في عين جالوت:



هلك الكفر في الشام
جميعاً



واستجد
الإسلام بعد دحوضه



بالمليك المظفر الملك
الاروع



سيف
الإسلام عند نهوضه



ملك جاء بعزم وحزم


فاعتززنا
بسمره وبيضه



أوجب الله شكر ذاك
علينا



دائماً
مثل واجبات فروضه[2]






خامساً:
مقتل سيف الدين قطز:



كان
لانتصار قطز في عين جالوت أجمل الوقع ـ على العالم الإسلامي ـ وخصوصاً مصر فقد
استعدت لاستقباله، ودقت البشائر بالقلعة وأقيمت الزينات بالقاهرة وأخذت البلاد
تنتظر قدوم المظفر سيف الدين قطز[3]،
وعندما وصل السلطان إلى بلدة القصير[4]،
بقي السلطان بهذه البلدة مع عدد من خواصه، على حين رحل بقية الجيش إلى الصالحية،
بإقليم الشرقية بمصر وهناك أقيم الدهليز السلطاني((الخيمة السلطانية))، وفي الوقت
نفسه بلغت توتر العلاقات بين سيف الدين قطز، وبين ركن الدين بيبرس، وتجدد الخلاف
القديم، وأخذ كل واحد منهم حذره وحيطته، وبات الغريمان يتربص كل منهما بالآخر،
ولكن بيبرس البندقداري بما عرف عنه من جسارة ودهاء بادر إلى العمل ضد السلطان[5]،
فاتفق مع الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، والأمير سيف الدين بهادر المعزي،
والأمير بدر الدين بكتوت الجُكنداري المعزي، والأمير سيف الدين بيدغان الرٌكني،
والأمير سيف الدين بلبان الهاروني، والأمير بدر الدين أنس الأصبهاني، فلما قرب إلى
القصير بين الغرابي والصالحية، انحرف عن الدرب للصيد، فلما قضى وطره[6]،
عاد قاصداً إلى الدهليز، سايره الأمير ركن الدين وأصحابه وطلب منه إمرأة من سبي التتار
فأنعم له بها فأخذ الظاهر يده ليقبلها، وكانت تلك إشارة بينه وبين من اتفق معه،
فلما رأوه قد قبض على يده، بادره الأمير بدر الدين بكتوت وضربه بالسيف على عاتقه،
فأبانه، ثم اختطفه الأمير بدر الدين أنس والقاه عن فرسه، ثم رماه الأمير بهادر
المعزي بسهم أتى على روحه، وقيل إن أول من ضربه الأمير ركن الدين بيبرس وهو
الصحيح، وذلك يوم السبت الخامس عشر من ذي القعدة، ثم ساروا إلى الدهليز للمشورة
بينهم على من يملكوه ويسلموا إليه قيادتهم، فوقع اتفاقهم على الأمير ركن الدين
بيبرس البندقداري، فتقدم الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، المعروف بالأتابك[7]،
فبايعه وحلف له،ثم بلبان الرشيدي ثم الأمراء على طبقاتهم، ولقب بالملك الظاهر، ثم
في الساعة الراهنة قال الأمير فارس الدين أقطاي الأتابك له:لا يتم الملك إلا
بدخولك إلى قلعة الجبل، فركب هو والأمير فارس الدين والأمير بدر الدين بيسري
وبلبان الرشيدي وقلاوون الالفي وبيليك الخازندار وجماعة من خواصه، وقصدوا القلعة،
فلقي في طريقه الأمير عز الدين أيدمر الحلبي نائب السلطنة عند الملك المظفر، وكان
خارج للقاء استاذه، فأعلموه بصورة الحال وحلّفوه فحلف وتقدم بين يديه إلى القلعة،
فلم يزل على بابها ينتظره حتى وصل إليها فدخلها وتسلمها، وكانت القاهرة قد تزينت
لقدوم الملك المظفر، والناس في فرح وسرور بعوده وكسر التتار، فلما أسفر الصبح وطلع
النهار وإذا مناد ينادي: معاشر الناس ترحموا على الملك المظفر وادعوا لسلطانكم
الملك الظاهر ركن الدين بيبرس[8].



1
ـ أسباب مقتل قطز:
تنوعت روايات
المؤرخين المعاصرين حول الأسباب التي أدت إلى مقتل سيف الدين قطز، ونحاول أن نناقش
هذه الأسباب ونبين الأقوى منها:



أ
ـ يقول ابن أيبك الدواداري:
وحكى لي والدي ـ عن
مخدومه سيف الدين بلبان الدوادار الرومي قال: إن يوم المصاف هربت جماعة من الأمراء
من خشداشية الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، فلما انتصر الإسلام، تنمر عليهم
السلطان المظفر ووبخهم، وشتمهم، وتوعدهم، فأضمروا له السوء، وحصلت الوحشة منذ ذلك
اليوم، ولم تزل الاحقاد والضغائن تتراءى في صفحات الوجوه وغمزات العيون، وكل منهم
يترقب من صاحبه الفرصة[9].



ب
ـ أما المؤرخ تقي الدين المقريزي:
فيقول أن سبب
ذلك أن الأمير ركن الدين بيبرس طلب من السلطان المظفر قطز أن يوليه نيابة حلب، فلم
يرض، فأضمرها في نفسه، ليقضي الله أمراً كان مفعولا[10].



ج
ـ أما بيبرس الدواداري:
وهو أقربهم إلى
الاحداث فيقول: وذلك أنه ((قطز)) رحل من دمشق عائد إلى الديار المصرية وفي نفوس
البحرية منه ومن استاذه ما فيها لقتلهما الفارس اقطاي، واستبدادهما بالملك
وإلجائهم إلى الهرب والهجاج، والتنقل في الفجاج، إلى غير ذلك من أنواع الهوان التي
قاسوها، والمشقات التي لبسوها، وإنما إنحازوا إليه لما تعذر عليهم المقام بالشام،
والتناصر على صيانة الإسلام لا لأنهم أخلصوا له الولاء، أو رضوا له الاستيلاء.



وقد بنيت المرعى على
دمن الثرى



وتبقى
حزازات النفوس كما هي[11]



وقد
رجح الدكتور قاسم عبده قاسم السبب الذي ذكره المؤرخ بيبرس الدواداري واعتبره السبب
الرئيسي لما حدث، فقد كان سيف الدين قطز أكبر مماليك السلطان عز الدين أيبك، وكان
من أهم الذين شاركوا في قتل فارس الدين أقطاي، ومطاردة المماليك البحرية من
خشداشية، كما أن البحرية عاشوا سنوات منفين في بلاد الشام، ولم يمر عليهم الوقت
دون مشكلات وحروب وسجن ومطاردات، ساهم في بعضها سيف الدين قطز بشكل مباشر أو غير
مباشر، ومن المهم أن نتذكر أن رابطة الخشداشية التي كانت تجمع المماليك، كانت
رابطة قوية للغاية، ومن ثم فإن بيبرس ورفاقه من المماليك البحرية كانوا يحملون
رغبة الثأر لزميلهم أقطاي من ناحية ولزملائهم الآخرين الذين قتلوا على يد قطز، أو
بسببه من ناحية أخرى، فضلاً عما نالهم من الهوان والمذلة في منفاهم من ناحية ثالثة[12].



وقال
الدكتور أحمد مختار العبادي: أما أسباب مصرع قطز فلا شك أنها أعمق بكثير من قصة
رفضه نيابة حلب لبيبرس، وأن هذا الرفض لم يعد أن يكون سبباً مباشراً لمقتله عند
الحدود المصرية، والواقع أن تلك الاسباب قديمة ترجع إلى أيام السلطان أيبك وتشريده
معظم المماليك البحرية الصالحية، وقتله زعيمهم أقطاي، إذ صار مماليك أيبك وهم
المعزية ومنهم قطز، أصحاب النفوذ والسلطان في مصر، واستمر العداء بين العزية
والبحرية قائماً حتى أغار المغول على مصر، فاضطر المماليك جميعاً إلى الإتحاد
بدليل قول العيني أن المماليك البحرية انحازوا إلى قطز المعزي، لما تعذر عليهم
المقام بالشام، وللتناصر على صيانة الإسلام، لا لأنهم أخلصوا الولاء له[13]،
فلما انتصر المماليك على المغول في عين جالوت، ولم تبق هناك ضرورة للإتحاد، ظهر
العداء القديم بين الطائفتين من جديد، وكان من نتائج ذلك مقتل قطز المعزي على يد
بيبرس الصالحي، وهذا هو المعنى الحقيقي لما أورده ابن أبي الفضائل تعقيباً على
مقتل قطز حين قال: فلحق الناس خوف عظيم من عودة البحرية إلى ما كانوا عليه من الفساد[14]،
وروى ابن أياس في هذا الصدد، ولما تم أمر بيبرس في السلطنة، رسم باحضار المماليك
البحرية الذين كانوا منفين في البلاد، كما روى في موضع آخر وكذلك المقريزي أن
المماليك المعزية حاولوا اغتيال بيبرس، عقب عودته إلى القاهرة، فقتل بعضهم، وسجن
ونفي البعض الآخر[15].
وهذه النصوص وأن دلت على شيء، فإنما تدل على أن مقتل قطز كان نتيجة لعداء قديم
مستحكم بين المماليك البحرية الصالحية والمماليك المعزية[16].








[1]
الادب العربي من الانحدار إلى الازدهار صـ 157.







[2]
الملك المظفر قطز بن عبد الله المعزي، رحاب عكاوي صـ 114.







[3]
مصر والشام في عصر الايوبيين، سعيد عاشور صـ 186.







[4]
بلدة القصير: هي قرية الجعافرة بمحافظة الشرقية.







[5]
في تاريخ الايوبيين والمماليك صـ 203.







[6]
وطره: حاجته.







[7]
نزهة الانام في تاريخ الإسلام صـ 267.







[8]
نزهة الانام في تاريخ الإسلام صـ 168.







[9]
كنز الدرر (8 ـ 60)، في تاريخ الايوبيين والمماليك صـ 204.







[10]
السلوك (1 ـ 519)، في تاريخ الايوبيين والمماليك صـ 204، الظاهر بيبرس، بيتر
توراوصـ 88.







[11]
زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة (9 ـ 73)، في تاريخ الايوبيين والمماليك، قاسم عبده
قاسم صـ 205.







[12]
في تاريخ الايوبيين والمماليك صـ 206.







[13]
عقدة الجمان، نقلا عن في التاريخ الايوبي والمملوكي للعبادي صـ 162.







[14]
السلوك (1 ـ 521).







[15]
بدائع الزهور (1 ـ 99 ـ 100)ن في التاريخ الايوبي والمملوكي صـ 163.







[16]
في التاريخ الايوبي والمملوكي صـ 163.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:33

2 ـ الطريق إلى عرش المماليك:كان
الطريق إلى عرش سلطنة المماليك منذ البداية ـ القتل، وسفك الدماء، فقد اعتلت شجرة
الدر العرش بعد اغتيال تورانشاه آخر سلاطين الايوبيين في مصر، كما أنها هي وزوجها
عز الدين أيبك لقيا حتفهما بسبب الصراع على السلطة، وبسبب طبيعة الحكم العسكري في
دولة سلاطين المماليك، وتطبيقاً لمبدأ الحكم لمن غلب، الذي قام عليه البناء
السياسي لهذه الدولة، كان طبيعياً أن يفكر الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري في
إزاحة السلطان سيف الدين قطز من طريقه صوب عرش سلطنة المماليك، ورجح الدكتور قاسم
عبده قاسم أن بيبرس ظن أنه أحق بالعرش من قطز، لا سيما وأنه صاحب دور كبير في
هزيمة الحملة الصليبية السابعة بقيادة الملك لويس التاسع قبل عشر سنوات في
المنصورة، كما أنه لعب دوراً كبيراً في هزيمة المغول في عين جالوت، كما أنه كان
أول من ألحق بهم هزيمة عندما دمر طليعة الجيش المغولي، ثم طارد فلوله المنسحبة حتى
أعالي بلاد الشام، لقد كان بيبرس ابن عصره، وكانت تلك هي الأفكار السياسية السائدة
آنذاك[1]، ولم
تكن هناك مؤسسات شورية قوية في اختيار الحاكم، وغاب الفقه السياسي في الإسلام
المتعلق باختيار السلطان، أو الملك أو الحاكم، لقد حاول السلطان قطز ارجاع الأمر
إلى نصابه، ولكنه قتل قبل تحقيق ذلك، وبعد أن أستطاع أن يدحر المغول ويحرر بلاد
الشام.



3
ـ نتائج مقتل قطز:
انتقلت السلطة إلى
القاتل قبل أن تجف دماء المقتول، دون أن يرى كبار أمراء المماليك غضاضة في ذلك، بل
إن أتابك العسكر سأل عن القاتل وحينما علم أنه بيبرس قال له ((يا خوند إجلس أنت في
مرتبة السلطنة)) وكأن عرش الدولة مكافأة لمن تخلص من السلطان القتيل، وهكذا مرة
أخرى ترسخ مبدأ ((الحكم لمن غلب))[2]،
ويبدو أن هناك إجماع من المماليك البحرية على زعامة ركن الدين بيبرس، وأما النتائج
التي ترتبت على هذه المأساة هي:



أ
ـ فكانت على الناحية السياسية تكريساً للقوة والدماء
سبيلاً
إلى السلطة والعرش وكانت تلك هي ((سنة المماليك في دولتهم)) ولم يحدث طوال مائتي
وسبعين عاماً، هي عمر دولة سلاطين المماليك أن وجدنا لهذه السنة تبديلا، لقد كانت
المفاهيم السياسية للدولة المملوكية نتاجاً للظروف التاريخية التي خرجت هذه الدولة
من رحمها إلى الوجود، ويمكن بلورة هذه المفاهيم السياسية في أن أمراء المماليك
اعتقدوا منذ البداية أن عرش البلاد حق لهم جميعاً يفوز به أقواهم وأقدرهم على
الإيقاع بالآخرين، وهو الأمر الذي ظهر واضحاً منذ بداية الدولة سواء في مصرع
تورانشاه أو عز الدين أيبك وشجرة الدر، ثم تأكد فيما قام به بيبرس عندما اغتال
قطز، كما تكرر في سلسلة انقلابات القصر ومؤامرات الحكم طوال سنوات حكم دولة سلاطين
المماليك[3].



ب
ـ مرحلة جديدة في تاريخ المماليك:
وأما النتيجة
الثانية الهامة، فتتمثل في الحقيقة التاريخية القائلة بأن صعود بيبرس على عرش
سلطنة المماليك كان بداية مرحلة مهمة في تاريخ الدولة الناشئة جعلت من هذا الأمير
الداهية، بقسوته وجبروته وحنكته السياسية وبراعته العسكرية، المؤسس الحقيقي لهذه
الدولة((بفضل الله))، ثم انجازاته السياسية والإدارية والعسكرية، فقد كانت السنوات
العشر السابقة، مرحلة سيولة سياسية حكم خلالها خمسة من السلاطين، ثم اغتيال ثلاثة
منهم، ونجا الاثنان الآخران بسبب صغر سنهما وانعدام خطورتهما، ولكن بيبرس استمر
يحكم سبعة عشر عاماً، ومن ناحية أخرى، كانت دولة سلاطين المماليك في السنوات العشر
الأولى من عمرها، تفتقر إلى الشرعية وتبحث عن الأمن في مواجهة تهديدات الأيوبيين
وجاء إحياء الخلافة العباسية بالقاهرة بمثابة الحل السعيد، لمشكلة الشرعية، على
حين كانت معركة عين جالوت هي الحل ـ النافع ـ
لمشكلة الأمن وتهديدات الأيوبيين[4].



ج
ـ زيادة الاعتماد على المماليك:
وكانت
النتيجة الثالثة لاغتيال قطز في ازدياد اعتماد أمراء المماليك على مماليكهم بحيث
يكونون عدتهم في الصراع الذي يمكن أن يحدث في أي وقت، فقد كان الأمراء الكبار
وولاة الأقاليم يمتلكون جيوشاً صغيرة من المماليك تتراوح أعدادها ما بين ثلاثمائة،
وستمائة مملوك، وربما زادت الأعداد لتصل إلى ثمانمائة مملوك واما السلاطين يهتمون
بشراء أكبر عدد ممكن منهم، وبعد عصر بيبرس كان من الممكن أن تصل مشتريات السلطان
من المماليك إلى ثمانمائة مملوك بخلاف المماليك الذين ينتقلون إلى خدمته وراثة عن
السلطان السابق أو من مماليك كبار الأمراء الذين يتركون الخدمة بالوفاء وغيرها[5]،
وهكذا تكرست الطائفية يبين العناصر المملوكية بالشكل الذي ترك آثاره السلبية على
البناء السياسي لدولتهم على المدى الطويل، وربما كانت بذرة هذه الطائفية العسكرية
الخطرة قد بذرت في حوادث الاغتيال الأولى التي شهدتها الدولة ومنها بطبيعة الحال
حادث اغتيال السلطان سيف الدين قطز[6].



4
ـ قبر سيف الدين قطز وثناء العز بن عبد السلام عليه:
يروى
أبو المحاسن أن قطز: بقي ملقى بالعراء
فدفنه، بعض من كان في خدمته بالقصير، وكان قبره يقصد للزيارة دائماً
وكان كثير الترحم عليه والدعاء على من
قتله، فلما بلغ بيبرس ذلك أمر بنبشه، ونقله إلى غير ذلك المكان وعفى أثره ولم يعف
خبره[7]،
وقال المقريزي: ودفن بالقصير، فكانت مدّة ملكة أحد عشر شهراً وسبعة عشر يوماً وحمل
قطز بعد ذلك إلى القاهرة، فدفن بالقرب من زاوية الشيخ تقي الدين قبل أن تعمر، ثم
نقله الحاج قطز الظاهري إلى القارفة ودفن قريباً من زاوية ابن عبود، ويقال إن أسمه
محمود بن ممدوح وإن أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه وإن أباه ابن عم
السلطان جلال الدين، وإنما سبي عند غلبة التتار، فبيع في دمشق ثم انتقل إلى
القاهرة[8].



إن
قيمة الرجال وعظمتهم لا تقاس بطول العمر ولا بكثرة المال، ولا بأبهة السلطان، إنما
تقاس بالأعمال الخالدة التي تغير من وجه التاريخ، فمن قطز إذا لم يتمسك بالإسلام
ويدافع عنه؟ ولا شك أن التاريخ كان سيُغفل اسمه كما أغفل اسماء الكثيرين الذين
كانوا كغثاء السيل، بل كانوا وبالا على شعوبهم وأوطانهم مع حكمهم الفترات الطويلة
والأعمار المديدة ولا شك أن حفر الاسم في سجل التاريخ يحتاج إلى رجال عظماء وليس
بالضرورة أن يحتاج إلى وقت طويل[9]،
فالتغيير يعتمد على نوعية الرجال المغيرِّين، مع مراعاة السنن وفقه المصالح
والمفاسد والسياسية الشرعية وفقه قيام الدول وسقوطها ومعرفة مسار حركة التاريخ في
منحنياته المتعددة، لقد كان الشيخ العز بن عبد السلام يخشى أن يضيع النصر الكبير
وتنهار الأمة من جديد، لقد قال بعد موت قطز وهو يبكي بشدة: رحم الله شبابه، لو عاش
طويلاً لجدد للإسلام شبابه[10]،
وقال: ما ولي أمر المسلمين بعد عمر بن عبد العزيز ـ من يعادل قطز ـ رحمه الله ـ
صلاحاً وعدلاً[11].
إلا أنني مع محبتي لسيف الدين قطز، واعترفي بجهوده العظيمة في خدمة الإسلام ودخوله
نادي عظماء الأمة، فإنني أخالف شيخنا العز بن عبد السلام وأرى أن نور الدين محمود
الشهيد فاقه صلاحاً وإصلاحاً وعدلاً وجهاد، ومن أراد التوسع فليراجع كتابي عن عصر
الدولة الزنكية لقد كان سيف الدين قطز من خيار ملوك الترك وله اليد البيضاء في
القيام لدفع العدو عن ديار المسلمين[12]
الشامية والمصرية.



5
ـ ردة فعل المغول لمقتل قطز:
لما بلغ المغول نبأ
مقتل قطز بتلك الصورة توقعوا حدوث انقسام داخل دولة المماليك، ووجدوا في ذلك فرصة
سانحة لهم لمحاولة فرض سيطرتهم على بلاد الشام مرة أخرى، فتجمع المغول الذين كانوا
بحران وغيرهما من مدن أقليم الجزيرة، وانضم إليهم من سلم من معركة عين جالوت،
وساروا حتى قاربوا البيرة التي كانوا قبل ذلك قد هدموا أسوارها وابراج قلعتها
واضحت مكشوفة فادرك الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ الذي كان والياً على حلب خطورة
الموقف فيها، وارسل نجدة من عنده لمساعدة أهل البيرة في الدفاع عن مدينتهم، إلا أن
هذه القوة الإسلامية لم تستطع الصمود أمام الجموع المغولية وتراجعت إلى داخل
المدينة حيث بعث قوادها إلى الملك السعيد يخبرونه بتفاقم خطر المغول وانهم اتجهوا
إلى منبج، ويبدو أن المغول ارادوا عدم اضاعة الوقت في الهجوم على المدن الصغيرة،
وعقدوا العزم على مهاجمة مدينة حلب التي وصلوها في يوم الخميس السادس والعشرين من
ذي الحجة سنة658هـ/نوفمبر 1260م وبدأوا في مهاجمتها بقيادة الأمير المغولي بايدر
الذي استطاع اقتحام المدينة واخراج من بها من المسلمين إلى قرية قرنبيا شرقي حلب
وفيها حاول المسلمون توحيد صفوفهم مرة أخرى للوقوف في وجه المغول وايقاف زحفهم إلا
أن ذلك التجمع لم يجد نفعاً أمام كثافة الجموع المغولية، واضطر المسلمون بقيادة
حسام الدين الجوكندار الذي خلف الملك السعيد على حلب إلى التراجع إلى الخلف
لاستدراج المغول إلى مكان أفضل لمنازلتهم فتراجع إلى حماه التي فيها الملك المنصور
صاحبها، وفيها رأى توسيع الرقعة على المغول بالتراجع إلى حمص متظاهراً بالضعف
أمامهم بهدف اعطاء نفسه فرصة كافية لحشد أكبر عدد من الجيوش الإسلامية فوصله بحمص
الملك المنصور صاحب حماه ومعه اخوه الملك الأفضل علي ومعها عساكر حماه، كما انضم
إليه في الوقت نفسه الملك الأشرف صاحب حمص وفي حمص اعاد الجوكندار تنظيم جيوش
الإسلام مرة أخرى وجهزها بالعدة والعتاد استعداد لمنازلة المغول، الذين وصلوا إلى
حمص في المحرم من سنة 659هـ/ديسمبر 1260م حيث دارت بين الطرفين معركة حامية الوطيس
عند قبر خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه[13]ـ
بالقرب من الرستن ابلى فيها المسلمون بلاء حسناً رغم قلة عددهم وكثرة عدد المغول،
حتى كتب الله لهم النصر على عدوهم، وفر بايدر من المعركة فيمن، سلم من جنده وتبعهم
المسلمون يقتلون ويأسرون، وسارع الملك المنصور عقب ذلك الانتصار بالاتجاه إلى
سلمية حيث انضموا إلى جموع مغولية كانت نازلة بها، وحاولوا عبثاً مهاجمة حماة مرة
ثانية واقاموا عليها يوما واحداً، ثم رحلوا عنهاإلى أفامية، التي كان قد سبقتهم
إليها فرقة من جيش المسلمين اقامت بالقلعة، وقامت بتنظيم الهجمات على المغول داخل
المدينة التي اضطر العدو إلى ترك افاميه والاتجاه إلى حلب التي ظلوا يحاصرونها مدة
من الزمن حتى تمكن الملك الظاهر بيبرس من تثبيت نفسه على عرش الدولة المملوكية في
مصر والشام، حيث سارع بارسال جيش كبير أوكل إليه مهمة طرد المغول من بلاد الشام،
ولما سمع المغول بمقدم ذلك الجيش دخلهم الهلع والخوف فولوا الأدبار هاربين باتجاه
الشرق وطهرت بلاد الشام مرة أخرى من نير الاحتلال المغولي[14]،
واستطاع المسلمون أن يتجاوزوا هذه المحن العظيمة وأثبت التاريخ بوقائعه وشواهده،
أن هذه الأمة أصلب ما تكون عودة وأشد ما تكون قوة وأعلى ما تكون همة، عندما تحيط
بها الشدائد، وتحل بساحتها الأزمات وتتبلد في سمائها الغيوم، فهي حينئذ تستجمع
قواها وتستشير كوامنها، وتظهر ذخائرها وتقف في مواجهة الهجمات الغازية، والمحن
القاسية، بإيمان صلب، وصبر جميل، وثبات نبيل وتوكل على الله حتى يجعل الله لها من
عسرها يسراً ومن ضيقها فرجاً، ومن مأزقها مخرجاً ومن ظلام ليلها صبحاً مشرقاً
ونهاراً مضيئاً، وبهذا أثبتت الأمة عراقتها وأصالتها وأنها قادرة على أمتصاص
الهزائم واجتياز المحن والشدائد العظام والوصول إلى بر الأمان في النهاية بسلام[15].








[1]
في تاريخ الايوبيين والمماليك، قاسم عبده صـ 206.







[2]
المصدر نفسه صـ 208.







[3]
المصدر نفسه صـ 209.







[4]
في تاريخ الأيوبيين والمماليك صـ209.







[5]
المصدر نفسه صـ209.







[6]
المصدر نفسه صـ210.







[7]
النجوم الزاهرة(7/86 ـ 87).







[8]
السلوك(1/520).







[9]
قصة التتار صـ366.







[10]
المصدر نفسه صـ367.







[11]
المصدر نفسه صـ367.







[12]
جواهر السُلوك في أمر الخلفاء والملوك لإبن إياس صـ115.







[13]
جهاد المماليك صـ129.







[14]
النجوم الزاهرة(7/104 ـ106).







[15]
تاريخ من المتفرى عليه للقرضاوي صـ210.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:35

سادساً:
أسباب إنتصار المسلمين في عين جالوت:



1
ـ القيادة الحكيمة:
أكرم الله الأمة في
تلك الفترة التاريخية الحرجة، بالسلطان سيف الدين قطز وكان رجلاً صالحاً، كثير
الصلاة في الجماعة، ولا يتعاطى الشرب ولا شيئاً مما يتعاطاه الملوك[1]،
وكان شجاعاً وبطلاً، كثير الخير، ممالئاً للإسلام وأهله وهم يحبونه[2]،
وكان مقداماً حازماً حسن التدبير، وكانت الأمة في أشد الحاجة لقيادة حكيمة، تتصف
بصفات فذة، فقد جاءت مواهبه موافقة لحاجات الأمة[3]،
شهد معارك كثيرة مع الأيوبيين مما أتيح له خبرة في الحروب وكان مهيأ نفسياً منذ
نعومة أظفاره في أن يكون قائداً فذاً، يشار إليه بالبنان، ويكون صاحب شأن في
مجريات الأحداث في مصر والشام، وكان يعتز بعقيدته الإسلامية ويفاخر بها وكان يحمل
الضغينة والحقد على المغول الذين أذاقوا خوارزمشاه ومن معه شراً ووطأوا بلادهم
وساموهم سوء العذاب، وكان له من الصفات الجسمية ما يؤهله لأن يكون قائداً، فهو قوي
البنية، مستدير الوجه، عريض الكفين، ممتلئ الجسم، أشقر، كث اللحية، وكان من
البارزين في الفروسية والحاذقين في إستخدام الرمح، فإذا أتاه الخصم من الخلف رمى
الرمح أمامه بقدر ثلث حتى إذا كان الرمح بين كتفي قطز أبطله وغرز رمحه في صدره لا
محال[4]،
ولما داهم الخطر الأرض الشامية والمصرية وتحرك المغول بجيوشهم لكي يقضوا على
المماليك إتخذ قطز حينذاك عدة إجراءات دفاعية منها: الترحيب بالهاربين من
المماليك، وتناسيه الضغائن والأحقاد والخلافات التي كانت بينه وبينهم، وعزل الملك
المنصور علي لصغر سنه وعدم قدرته على ترتيب الأوضاع التي تحتاج إلى حزم ووحدة،
وقيادة قادرة على محاربة المغول وذلك سنة 657هـ/1259م، وتحضير الإمكانيات وحشد
الطاقات البشرية والاقتصادية ومحاولة التحالف مع الملك الناصر صاحب الشام، وتوحيد
القوتين ليكون الجيش أقوى في مواجهة أعدائه[5]،
لقد كان سياسياً إستراتيجياً مخططاً أكثر منه مقاتلاً إذ إستطاع في مدة بسيطة أن
يسوس بلاد الشام، وأن يحسن إلى الشعب، ويقدم له الأمن والسلامة والاستقرار، وأن
يهيء له سبل العيش الكريم، وأن ينظم الأمور الإدارية، ويعين الحكام الإداريين
للمدن التي إحتلها واستردها التتار[6].


إنما
يتميز به هذا السلطان هو الإيمان بالله عز وجل، الذي لا يرقى إليه ريب ولا شك،
والفطرة السليمة التي جبل عليها وتربى في ظلالها والعيش الصعب الذي أهله للصبر
والوقوف أمام الشدائد، وتقلبه في البلاد، والحرمان الذي قاساه في صغره، والتربية
التي خضع لها، وتمت عقيدته ورسخ إيمانه، وهذب نفسه، وأصلح باله، وقوى من عزيمة
الجهاد، ومن الاستهانة بالموت، ومن الإقدام والعزيمة على قتال المغول، ومن الوثوق
الكامل في الله بالنصر عليهم[7]،
وقد دلت حروب قطز التي خاضها مع الأيوبيين وضد الأمراء الهاربين إلى الكرك، وضد
الأمراء الذين حاولوا إغتصاب السلطة، وفي معركة عين جالوت، على أنه قائد حرب
إستراتيجي من الطراز الأول، فهو خفيف الحركة على حصانه، وهو الذي أجاد في القتال
بالأسلحة المستخدمة آنذاك، وكان صاحب قرار تميز بالوضوح والدقة، والنظر الثاقب،
وجلاء الهدف، وبيان الحقيقة خاصة فيما يتعلق بمعركته هذه مع المغول، وهو حازم وقت
الشدة ومصمم على بلوغ النصر مهما كانت العقبات أمامه، ومتفهم لقدرة عدوه ومقدر
لقوة الصديق، وكان لكل شيء حسابه، ويدقق المعلومات ويحافظ على مرؤوسيه ويستميلهم
بأسلوبه الجذاب، ويتعاون مع أركانه ويعطيهم الثقة، ويمنحهم المساعدة والعطاء، وكان
منظماً قاد الكتلة الرئيسية من الجيش في معركة عين جالوت، فنظم الميمنة والميسرة
والقلب، وأناط لكل جناح قائداً شجاعاً ونسق الصفوف إلى عدة تراتيب، وجعل الميمنة
تتقدم بالإحاطة والميسرة بالإلتفاف والقلب بالتقدم البطيء الزاحف، كما بث الحرس
المتحرك على الأجناب والكمائن في المواقع التي لا يتوقعها العدو، مما جعله يتمكن
من عدوه، ويقضي عليه بعد أن استدرجه للوقوع في النقطة الميتة التي وقع فيها عدد
كبير من قتلى المغول، ولقد حدد قطز قواعد وأسس الشئون الإدارية في الجيش المملوكي،
إذ إستطاع أن ينظمها ويحدد خطوطها العريضة بخاصة فيما يتعلق بحركتيها وخفتها، وقد
ظهر ذلك جلياً عندما حدد لصاحب حماه كيفية ونوع الإمداد، وعندما أكد على أن الجندي
يجب أن يكون خفيف الحركة لا يثقله الطعام الكثير المتنوع فأمر بوضع قطعة من اللحم
في مخلاة عسكرية[8]
ومما يشار إليه أن قطز كان متديناً عفيفاً، صاحب تقوى وورع، وهذه الصفة أكسبته
الشجاعة والإقدام في الحروب، وجعلته يستبسل ويقدم روحه رخيصة، ويستهين بالموت،
وبخاصة عندما قتل حصانه، واستمر في القتال دون جواد، وكان في مقدمة الجيش يقاتل عن
حمية وعقيدة[9]،
وكانت له مواقف إيمانية متميزة منها:


أ
ـ وضوح الرؤية ونقا الهوية:
كان على إعتقاد
جازم بأن النصر لا يكون إلا من عنده سبحانه وتعالى، ولذلك إهتم قطز بالناحية
الإيمانية عند الجيش وعند الأمة وعظم دور العلماء وحفز شعبه لحرب التتار من منطلق
إسلامي وليس من منطلق قومي أو عنصري، ولخص ذلك في عين جالوت في كلمته العظيمة ((وا
إسلاماه)) ولم يقل: ((وا مصراه))، أو ((وا ملكاه))، أو ((وا عروبتاه))، لقد كانت
الغاية واضحة والهوية إسلامية تماماً، ووضوح الرؤية ونقاء الهوية كان سبباً من
أسباب النصر، بل هو أعظمها على الإطلاق[10].


ب
ـ الدعاء سلاح فتاك:
حرص سيف الدين قطز
قبل بدء المعركة أن يتأخر الناس في مواجهة الأعداء كما قال: حتى تدور الشمس وتفيء
الظلال وتهب الرياح ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم[11]،
وكان هذا العمل تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده حيث كانوا
يحبون أن يكون القتال بعد الزوال، وقد نشبت المعركة وكان القتال شديداً على
المسلمين، حتى أن الأعداء كادوا يزيلونهم عن مواقعهم، وكان السلطان قطز يثبت الناس
وينحاز إلى بعض نواح الجيش حينما يحس ضعفاً منهم حتى يقوي من عزيمته ويشجعهم، وكان
له عدة مواقف شجاعة أثناء المعركة[12].


جـ
ـ الحرص على الشهادة:
في معركة عين
جالوت، قتل جواده ولم يجد أحداً في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم الجنائب
فترجل وبقي واقفاً على الأرض ثابتاً والقتال على أشده في المعركة، وهو في موضع
السلطان من القلب، فلما رآه أحد الأمراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها،
فامتنع وقال لذلك الأمير: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك ولم يزل كذلك حتى جاءته
الوشاقية بالخيل فركب، فلامه بعض الأمراء وقال: يا خونت لم لا ركبت فرس فلان فلو
أن بعض الأعداء رآك لقتلك، وهلك الإسلام بسببك، فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة
وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان، حتى عدَّ خلقاً من
الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم ولم يضع الإسلام[13].
فهذا موقف جليل لهذا الأمير البطل دلَّ على تواضعه وعدم إهتمامه بحفظ نفسه في سبيل
مصلحة المسلمين العامة، كما يدل على تذكره عظمة الإسلام، والهدف العالي الذي ينشده
المؤمنون حقاً وهو إبتغاء رضوان الله تعالى والجنة[14].


س
ـ رؤيا صادقة:
كان من أهم الحوافز للأمير سيف الدين قطز على الإقدام على حرب التتار رؤيا صالحة
رآها في صغره، وكان يحدث بها أصحابه، حيث قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في
المنام وقال لي: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وقول النبي صلى الله عليه
وسلم حق لا شك فيه[15].
فهذه الرؤيا الصالحة كانت هي الدافع الأكبر لمظفر الدين قطز بأن يقدم على قتال
التتار بعزم وقوة، بعدما نكل عن ذلك كثير من الأمراء أو قاتلوهم بضعف وخوف، لقد
دخل مظفر الدين تلك المعركة وهو على يقين قوي وثقة كاملة بنصر الله تعالى له
ولجنده، كما كان الصحابة رضي الله عنهم يدخلون المعارك وهم يحملون في أفكارهم وعد
النبي صلى الله عليه وسبم بالتمكين في الأرض، وما دامت هذه الرؤيا قد انتشرت، فإن
الذين علموا بها من جنوده وقادته سيكونون على درجة عالية من الثقة واليقين بالنصر،
فكان ذلك دافعاً قوياً له إلى بذل كل ما يستطيعون من طاقة في سبيل الله تعالى[16]،
وذلك من أسباب النصر على أعدائهم.


ش
ـ القدوة:
كان سيف الدين قطز متواضعاً وضرب أفضل
الأمثلة لجنوده ولأمته في كل الأعمال، وتربية القدوة أعلى آلاف المرات من تربية
الخطب والمقالات، كان سيف الدين قدوة في أخلاقه وفي نظافة يده وفي جهاده وفي
إيمانه، وفي عفوه، ولم يشعر الجنود أبداً بأنهم غرباء عن قطز، لقد نزل ـ رحمه الله
ـ بنفسه إلى خندق الجنود وقاتل معهم فكان حتماً أن يقاتلوا معه[17].


ع
ـ عدم موالاة
أعداء
الأمة:
لم يوال سيف الدين قطز التتار أبداً مع
فارق القوة والإعداد بينهما، كما لم يوال أمراء النصارى في الشام مع إحتياجه لذلك،
لقد سقط الكثير من الزعماء قبل قطز في مستنقع الموالاة للكفار، وكان منطلقهم في
ذلك أنهم يجنبون أنفسهم أساساً، ثم يجنبون شعوبهم بعد ذلك ـ كما يدعون ـ ولايت
الحروب، فارتكبوا خطأً شرعياً شنيعاً، بل إرتكبوا أخطاء مركبة، فتجنب الجهاد مع
الحاجة إليه خطأ، وتربية الشعب على الخنوع لأعدائه خطأ آخر، وموالاة العدو
وإعتباره صديقاً خطأ ثالث، لكن قطز كان واضح الرؤية بفضل الله ثم تمسكه بشرعه
سبحانه وتعالى[18]،
قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم
أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"
(المادة ، آية : 51).


لقد
كان سيف الدين قطز
من القيادات الحكيمة التي إستطاعت أن تأخذ بعوامل النصر وتتعامل مع أسبابه، وجمع
بين الأسباب المادية والمعنوية، وبعد المعركة قرر المظفر قطز مواصلة الجهاد فجمع
جيشه وأمراءه ونزل إلى الأرض، ومرغ وجهه بالتراب، وصلى ركعتين شكراً لله على هذا
النصر، ووقف فيهم خطيباً، وقال: لقد صدقتم الله الجهاد في سبيله فنصر قليلكم على
كثير عدوكم إياكم والزهو بما صنعتم، ولكن اشكروا الله واخضعوا لقوله وجلاله أنه ذو
القوة المتين، واعلموا أنكم لم تنتهوا من الجهاد وإنما بدأتموه وإن الله ورسوله لن
يرضيا عنكم حتى تقضوا حق الإسلام بطرد أعدائه من سائر بلاده، ويموئذ يفرح المؤمنون
بنصر الله[19].


2
ـ توسيد الأمر إلى أهله:
قام سيف الدين قطز
بتوسيد الأمور إلى أهلها واهتم بالكفاءة والأمانة، قال تعالى: "إن خير من
استأجرت القوي الأمين" (القصص ، آية : 26)، روى البخاري عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن إعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ فقال صلى الله
عليه وسلم: إذا ضُيعت الامانة فانتظر الساعة قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وُسِّد
الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة[20].
فإذا تولى الأمور رجال لا يمتلكون كفاءة ولا يتصفون بأمانة، ولم يصلوا إلى مكانهم
إلا بواسطة أو قرابة أو رشوة إذا حدث ذلك فاعلم أن النصر بعيد[21]،
أما سيف الدين قطز، فقد اسند الأمور إلى أهلها، واختار قادة جيشه وأركانه وكان لهم
الفضل بعد الله تعالى في الانتصار على المغول على المستوى التكتيكي والاستراتيجي[22]،
ومن أشهر هولاء القادة الذين ساهموا في النصر:


أ
ـ الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري:
كان
في معركة عين جالوت رئيس أركان الجيش المملوكي وقائد الطليعة، طارد بيدرا قائد
طليعة الجيش المغولي إلى أرض فامية، ظهرت عليه النجابة والفطنة في سن مبكرة من
حياته التي كان فيها مملوكاً وقربه وقدمه الملك الصالح نجم الدين ايوب على
الجمدارية الذين كانوا عنده وحضر معه معركة دمياط وأبلى فيها بلاء حسناً ظهرت
عبقريته العسكرية وشجاعته الفائقة، لا يزال الكره يملأ قلبه والحقد الكبير على
المغول الذين أهانوه وأسروه وعندما كان عمره أربعة عشر عاماً، وباعوه فشروه إلى أن
وصل إلى البند قداري الذي سمي الظاهر باسمه، ثم انتقل إلى الملك الصالح وكان من
أبطال معركة المنصورة التي كانت من المعارك الحاسمة بين الصليبيين والأيوبيين
والتي انتصر فيها الجيش الأيوبي الذي كان في أكثره من المماليك ورأى بنفسه أنه
يمكن الانتصار على هؤلاء وغيرهم وأنه بإمكان المماليك، لو نظموا ودربوا، أن
ينتصروا على كل طامع وغاصب وقد تميز، بثقافته العسكرية التي كان يتمتع بها، إذ كان
شغوفاً بدراسة تاريخ المعارك والحروب وكان يشجع ويحث العسكريين التركيز على هذه
الدراسة وبنفس الوقت كان يحب الاساتذة وخبراء الحرب ويميل إليهم ويكرمهم ويهيء لهم
الجو الملائم للتدريس وإعطاء مزيد من المعلومات التاريخية العسكرية وكان يقول:
سماع التاريخ أعظم من التجارب، وحافظ على التدريب العسكري المتواصل، والاهتمام بكل
صغيرة وكبيرة من الامور المتعلقة بالسياسة والحرب، وقد تمتع بصفات قيادية فذة،
وكان يأخذ بالحذر والحيطة لكل الامور، واتخاذ المناسب حيال كل حدث أو اعتداء،
والخبرة الطويلة والمدة الزمنية الكبيرة التي قضاها في الحروب الحقيقية[23]،
كان من الشخصيات القيادية التي ساهمت في تحقيق النصر في عين جالوت.


ب
ـ الأمير فارس أقطاي:
المستعرب: أتابك
الجيش والذي تولى تجهيزه وإعداده والأشراف على كل أموره، وفوق كل ذلك، فقد كان هو
بنفسه من الرجال الموثوق بدينهم، واخلاقهم وشجاعتهم وكفاءتهم في الأعداد والتنظيم
والتعبئة[24]،
كان مقداما شجاعاً وذا معرفة بالحروب وكان قطز يعول عليه كثيراً، وكان هادئاً
ورعاً، محباً للخير، مقرباً إلى الملك قطز ومحبوباً من قبل مرؤوسيه[25].

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:36

ج
ـ سنجر الحلبي:
كان أتابك العسكر في زمن الملك المنصور
علي بن آيبك سنة 655هـ/1257م، وكان نائب المظفر قطز في دمشق في أعقاب معركة عين
جالوت، ولما جاءه خبر مقتل قطز واستلام الملك الظاهر ومبايعته هرب إلى بعلبك وضيق
عليه ثم ألقى القبض عليه وسجن ثم أطلق سراحه وكان على درجة كبيرة من البطولة
والشجاعة وقد أبلى بلاءً حسناً في المعركة الفاصلة[1].



د
ـ آقوسي الشمس الأمير جمال الدين:
كان جندياً
قوياً، وأميراً موصوفاً بالشجاعة والإقدام والجرأة في التنفيذ، وقد كان خشداشيا
عند الأمير بدر الدين البيسري، كما خدم عند غيره، وقد ظهرت عليه تطلعات الإرتقاء إلى
المناصب العالية، حتى إذا كانت معركة عين جالوت، شكل من وحدته العسكرية، وقصد مقر
قيادة المغول، حتى إذا كان قاب قوسين أو أدنى من القائد العام للجيش المغولي انقض
عليه وأصابه وطرحه أرضاً وأسر كتبغا، ولما رأى الجيش المغولي وقد أسر قائده خارت
قواه وضعفت معنوياته، وبهذا فقد حقق آقوشي نصراً لجيشه، بل كان منعطفاً تاريخياً
ثم ولي فيما بعد نيابة حلب وبقي فيها حتى توفي[2].



هـ
ـ
هؤلاء كانوا من أهم قادة جيش المماليك الذين
حققوا النصر الكبير في عين جالوت، فكانوا من أسباب النصر، لقد إهتم سيف الدين قطز
بالكفاءات والقادة الآخرين فتعاطفوا معه والتفوا حوله وتولدت الثقة التي كانت
المفتاح الرئيس لتحقيق التمكين في عين جالوت، وكان سيف الدين قطز يملك مقومات
الحصول على الثقة من الأمراء والعلماء، وعامة الناس والتي من أهمها:



ـ
التعاطف ويتحقق ذلك من خلال الإهتمام بالآخرين والوقوف إلى صفهم فيما يحدث لهم من
خير وشر ومشاركتهم همومهم ومشاكلهم ومن خلال ذلك تم كسب ثقة القادة والعلماء وعموم
الشعب.



ـ
الصدق والصراحة، والكفاءة والعمل الجماعي المنظم والإنتماء للإسلام والقدرة على
الاتصال بالآخرين، وكل هذه المقومات ساهمت في كسب الثقة في سيف الدين قطز[3].



3
ـ الجيش القوي:
يعتبر الجيش المملوكي في ذلك الوقت من
أقوى الجيوش الإسلامية والفضل لله ثم للملك الصالح أيوب، الذي قام بإصلاح عسكري في
الدولة الأيوبية ووضع سياسة جديدة تقوم على إستخدام الأتراك المماليك بشكل لم يسبق
له مثيل من قبل إسلافه الأيوبيين مكنته من متابعة حروبه الخارجية مع مملكة بيت
المقدس والتصدي للحملة الصليبية السابعة[4]،

ورافق ذلك التطوير العسكري الإهتمام الديني به من حيث التربية والتعليم حتى أصبح
كتائب المماليك تدافع عن عقيدة الإسلام، وأصبحت الدولة تحتفظ بجيش عقائدي ومنتظم
ومدرب أحسن تدريب صناعته الحرب والقتال وأيدي من المهارة والبسالة في قتال القوات
الصليبية برغم هزيمتهم في بداية الأمر، وتميز القواد المسلمون بوضع الخطط الحربية
الممزوجة بالمكر والخدع الحربية[5]،،
وتسلم المماليك المؤسسة العسكرية الأيوبية بعد وصولهم للحكم وحافظوا عليها وقاموا
بتطويرها، لقد اشترك الجيش المملوكي في معركة عين جالوت بقياداته العسكرية
والتشكيلات المقاتلة النظامية، والجيش المركزي، والجيوش الإقليمية، والجيوش
الإحتياطية بما فيها القبال العربية والتركمان والأكراد، وقدر المؤرخون في ذلك
العصر أن حجم الجيش المملوكي بالكامل كان في حدود 40 ألف مقاتل[6]،
وكان عدد الفرسان في حدود عشرة آلاف فارس وأغلبهم من المماليك وقسم قليل من غيرهم
من المشتركين في المعركة، وكان عدد الجيش المغولي في عين جالوت 15 ألف مقاتل، وذلك
أن القوة الرئيسية من هذا الجيش تحركت بإتجاه فارس مع هولاكو وتوزعت بعض القوى
الأخرى في المناطق التي احتلها مروراً ببغداد وإنتهاء بالشام وكان في إعتقاد
القادة المغول إن هذا العدد قادر على تحطيم وتدمير الجيش المملوكي بكل سهولة طالما
إن له الخبرة في الحروب وسبق أن انتصر على كل الجيوش التي اشتبك معها، وقد أكد على
هذا العدد مجموعة من المصادر التاريخية من أهمها، جامع التواريخ، وتاريخ مختصر
الدول، وتاريخ الشهابي، وتاريخ الصليبيين، وتاريخ الزمان[7]،



4
ـ إحياء روح الجهاد:
كانت الغاية من
التوجيه المعنوي في الجيش المملوكي التذكير بالجهاد والحث عليه والترغيب وشحن
النفوس بمقارعة ومحاربة العدو، وصون الديار، والحرمة الإسلامية، القوة المعنوية
يركز عليها في كل الجيوش فلا ينتصر جيش بدون معنويات، ولهذا فإن القيادة تسعى
دائماً إلى زيادة هذه القوة ورفعها، فهي تحاول أن يكون السلاح حديثاً موثوقاً به
والشئون الإدارية بحالة جيدة كالطعام واللباس والحاجيات الأخرى، ولقد أكثر
المماليك من الوسائل التي ترفع هذه القوة كالمكافآت والترقيات، وإغداق الأموال،
ولكن هذه الوسائل كانت موقتة للسكن الذي لا يلبث أن يعود الجندي إلى حالته
الطبيعية ولكن هناك وسيلة كبيرة هي العقيدة التي كانت تأمر بالقتال وأن النتيجة مع
المقاتلين في النصر أو الإستشهاد، وقد أشعل هذه الناحية المشايخ في الجيش المملوكي
فأججوها، ورفعوا بها إلى المكان الذي يمكن أن يأخذوا من الجندي كامل طاقته وقدرته[8]،
وإذا أردنا أن تحمل بواعث المعنويات عند الجيش المملوكي في معركة عين جالوت
لخصناها كما يلي:



ـ
زيادة حجم الجيش المملوكي وتفوقه على خصمه.



ـ
الثقة في الله في تحقيق النصر.



ـ
الانتقام من المغول الذين طغوا وبغوا في البلاد التي احتلوها والثأر لكل المظلومين
والمقهورين.



ـ
العقيدة التي أججت في المقاتلين روح التضحية والفداء وجعلتهم يقدمون على الموت وهو
أحب إليهم من الحياة.



ـ
الاستعداد الكامل والتحضير لهذه المعركة، وحشد كل الطاقات والإمكانات لنجاحها.



ـ
تراخي العدو وعدم إكتراثه وعدم تطبيقه الأسس والمبادئ الحربية وعدم أخذ الحيطة
والحذر[9].



إن
الذي يلفت النظر في موضوع المعنويات هو العقيدة، فيها اجتمعوا وتوحدوا على مستوى
واحد، وأرضية واحدة، فالمملوكي مهما كانت طبقته وقوميته فهو عقائدي وبهذا الإنتماء
قدم الجهاد، وبهذه المزية إندفع بمعنوية لا تقابلها معنوية في الجيش المغولي، فذاك
قطز نادي بأعلى صوته ((وا إسلاماه)) فاجتمع له الجيش بفئاته المختلفة بمعنويات
عالية، ذلك لأن هذا النداء العقائدي أجج في نفوس القادة والجنود كل إمكانيات
المقاتل القتالية، وجعله يقدم الإرادة حباً وتضحية وفداء واستبسالاً، على هذا
النداء قاتل الجيش المملوكي قتال رجل واحد، فانتصروا على أكبر قوة في تلك الحقبة[10].



5
ـ الإعداد وسنة الأخذ بالأسباب:
إن إنتصار
المسلمين في معركة عين جالوت، لأنهم عرفوا كيف يتعاملوا مع سنة الأخذ بالأسباب،
وكان سلاطين المماليك أصحاب فقه عميق بسنة الأخذ بالأسباب، ويظهر ذلك من خلال
حرصهم على العمل، وقوله تعالى: "واعدوا لهم من استطعتم من قوة ومن رباط الخيل
" (الأنفال ، آية : 60)، لقد فهم قادة المماليك أن أمر
التمكين لهذا الدين يحتاج إلى جميع أنواع القوى على إختلافها وتنوعها، ولقد قاموا
بشرح هذه الآية عملياً من خلال التدريب والتعليم والتخطيط والتنظيم
الخ .


لقد
إهتم قادة المسلمين في مصر بتأهيل الفارس لكي يدخل الحرب وهو على أتم الإستعداد
لها، وكان أغلب الملوك والسلاطين والأمراء من الفرسان المعدودين ومن الأبطال
الشجعان الذين على علم بالرماية ولعب الرمح وضرب السيف وخفة الحركة في ساحة
الميدان وبفنون القتال وباستخدام الأسلحة المعروفة في ذلك العصر، ولم تقتصر
الفروسية على الوجهاء، بل كان أغلب الجنود أو قل جميعهم من الفوارس ومن المدربين
على تلك الأعمال التي في نظرهم في مقدمة كل أمر، ومن أبرز الصفات عند الجيش
المملوكي[11]،
والتي كان يركز عليها عند القادة في وقت الإعداد والتدريب والأخذ بالأسباب:



أ
ـ العمومية والشمولية:
إن التدريب كان
يشمل المؤخرة، كما يشمل المقدمة، والتشكيلات كما في القطعات والوحدات، والفرد كما
في المجموعات، والجندي كالقائد، والبحرية كالقوات البرية، ولا يستثنى أحد، وكانت
هذه التدريبات تتناول جميع أنواع التدريب وأشكاله وطرائقه، كما تتناول جميع أنواع
الأسلحة المستخدمة في القتال، والتدريبات التي تحافظ على اللياقة البدنية، وترفع
من قدرة الجندي القتالية، كألعاب السباق والمصارعة، وبهذه العمومية والشمولية توصل
الجيش المملوكي إلى توازن قتالي بين صفوف قواته وإختصاصاتها المختلفة، وإلى وحدة
الجيش الحربية، وإلى ثقل الضغط والخرق، فإن ركز جهوده الرئيسية إلى قطاع من دفاعات
العدو تراه يجمع كل الجهود لهذا القطاع، كما حدث تماماً في معركة عين جالوت عندما
خرق الدفاع وإستطاع أن ينفذ من اليمين والشمال وأن يصل خلف القوات المغولية بالرغم
من الصمود وثبات الدفاع[12].



ب
ـ ملازمة التدريب العقائدي مع التدريب القتالي:

كان المماليك يدربون على أصول العقيدة وأحكامها ونظرتها إلى الجهاد تحت إشراف
مدربين إشتهروا بالتربية والتعليم، وكان يعلمونهم القرآن الكريم حتى أن بعض
المدربين كانوا يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، وكذلك كانت علوم شرعية متنوعة في
التفسير والحديث والسلوك واللغة، وبعد نجاحه في أمور العقيدة وإتمامه هذه المرحلة،
وبعد أن يكبر، يسلم إلى مدربين في أمور الحرب والقتال، فيتدربون على ركوب الخيل
ويتدرجون من السهولة إلى الصعوبة،فيقاتل على ظهرها بسلاح واحد ثم يصل إلى جميع
الأسلحة ويتدرب في حالة الركض والوثوب عنها، ثم ينتقل إلى الرمي والدقة في الإصابة
على القبق والضرب بالسيف والطعن بالرمح وإستخدام الدبوس ولعب الصولجان، ثم يتدرب
على طرق القتال في الميدان وهذه هي أصعب مرحلة في التدريب يخرج من بعدها مقاتلاً
قوياً في عقيدته قوياً في قتاله وهو بهذا لا ينقطع عن التدريب العقائدي أو القتالي
بل يظل ينمي تدريباته، حتى يصل إلى أعلى مستوى من التدريب [13]المتلازم.



ج
ـ التدريب بشكل متواصل:
إن
المقاتل المملوكي بعد أن ينهي هذه المراحل جميعها لا يتوقف عن التدريب ابدا، وإنما
هناك الميادين المتعددة التي يلتقي فيها المقاتلون ليقوموا بتدريباتهم المعتادة
ويوصل العسكري المملوكي تدريبه على جميع أنواع القتال وعلى اختلاف الأسلحة في جميع
الظروف والأحوال الصعبة، ويبقى من الصباح حتى المساء حتى ولو كان الجو ماطراً أو
بارداً أو حاراً[14]،
فالمهم عنده تنفيذ البرنامج التدريبي المقرر وكذلك كان التدريب العقائدي فقد كان
الموجهون المشايخ كثيرين، وكذلك فإن دور العلم التدريب كانت كثيرة وهي لا تخلو من
المقاتلين الذين يلازمون هذه الأماكن التي كانت منتشرة بشكل واسع[15].








[1]
الوافي في الوفيات (15 ـ 473) معركة عين جالوت صـ137.







[2]
النجوم الزاهرة (7 ـ 97) معركة عين جالوت صـ138.







[3]
انظر: إدارة الجودة الشاملة للشيخ فيصل بن جاسم بن محمد آل ثاني، حيث تم الحديث عن
أساسيات إدارة الجودة الشاملة ومقومات الحصول على الثقة صـ213.







[4]
الملك الصالح أيوب وإنجازاته السياسية والعسكرية صـ151.







[5]
الأيوبيون بعد صلاح الدين الصَّلاَّبي صـ360.







[6]
النجوم الزاهرة (7 ـ 197)، معركة عين جالوت صـ165.







[7]
معركة عين جالوت صـ166.







[8]
معركة عين جالوت صـ191.







[9]
معركة عين جالوت صـ191.







[10]
معركة عين جالوت صـ193.







[11]
المصدر نفسه صـ250.







[12]
معركة عين جالوت صـ151.







[13]
المصدر نفسه صـ252، الخطط للمقريزي(2/489).







[14]
الخطط(2/489) معركة عين جالوت صـ252.







[15]
معركة عين جالوت صـ252.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:37

ج
ـ سنجر الحلبي:
كان أتابك العسكر في زمن الملك المنصور
علي بن آيبك سنة 655هـ/1257م، وكان نائب المظفر قطز في دمشق في أعقاب معركة عين
جالوت، ولما جاءه خبر مقتل قطز واستلام الملك الظاهر ومبايعته هرب إلى بعلبك وضيق
عليه ثم ألقى القبض عليه وسجن ثم أطلق سراحه وكان على درجة كبيرة من البطولة
والشجاعة وقد أبلى بلاءً حسناً في المعركة الفاصلة[1].



د
ـ آقوسي الشمس الأمير جمال الدين:
كان جندياً
قوياً، وأميراً موصوفاً بالشجاعة والإقدام والجرأة في التنفيذ، وقد كان خشداشيا
عند الأمير بدر الدين البيسري، كما خدم عند غيره، وقد ظهرت عليه تطلعات الإرتقاء إلى
المناصب العالية، حتى إذا كانت معركة عين جالوت، شكل من وحدته العسكرية، وقصد مقر
قيادة المغول، حتى إذا كان قاب قوسين أو أدنى من القائد العام للجيش المغولي انقض
عليه وأصابه وطرحه أرضاً وأسر كتبغا، ولما رأى الجيش المغولي وقد أسر قائده خارت
قواه وضعفت معنوياته، وبهذا فقد حقق آقوشي نصراً لجيشه، بل كان منعطفاً تاريخياً
ثم ولي فيما بعد نيابة حلب وبقي فيها حتى توفي[2].



هـ
ـ
هؤلاء كانوا من أهم قادة جيش المماليك الذين
حققوا النصر الكبير في عين جالوت، فكانوا من أسباب النصر، لقد إهتم سيف الدين قطز
بالكفاءات والقادة الآخرين فتعاطفوا معه والتفوا حوله وتولدت الثقة التي كانت
المفتاح الرئيس لتحقيق التمكين في عين جالوت، وكان سيف الدين قطز يملك مقومات
الحصول على الثقة من الأمراء والعلماء، وعامة الناس والتي من أهمها:



ـ
التعاطف ويتحقق ذلك من خلال الإهتمام بالآخرين والوقوف إلى صفهم فيما يحدث لهم من
خير وشر ومشاركتهم همومهم ومشاكلهم ومن خلال ذلك تم كسب ثقة القادة والعلماء وعموم
الشعب.



ـ
الصدق والصراحة، والكفاءة والعمل الجماعي المنظم والإنتماء للإسلام والقدرة على
الاتصال بالآخرين، وكل هذه المقومات ساهمت في كسب الثقة في سيف الدين قطز[3].



3
ـ الجيش القوي:
يعتبر الجيش المملوكي في ذلك الوقت من
أقوى الجيوش الإسلامية والفضل لله ثم للملك الصالح أيوب، الذي قام بإصلاح عسكري في
الدولة الأيوبية ووضع سياسة جديدة تقوم على إستخدام الأتراك المماليك بشكل لم يسبق
له مثيل من قبل إسلافه الأيوبيين مكنته من متابعة حروبه الخارجية مع مملكة بيت
المقدس والتصدي للحملة الصليبية السابعة[4]،

ورافق ذلك التطوير العسكري الإهتمام الديني به من حيث التربية والتعليم حتى أصبح
كتائب المماليك تدافع عن عقيدة الإسلام، وأصبحت الدولة تحتفظ بجيش عقائدي ومنتظم
ومدرب أحسن تدريب صناعته الحرب والقتال وأيدي من المهارة والبسالة في قتال القوات
الصليبية برغم هزيمتهم في بداية الأمر، وتميز القواد المسلمون بوضع الخطط الحربية
الممزوجة بالمكر والخدع الحربية[5]،،
وتسلم المماليك المؤسسة العسكرية الأيوبية بعد وصولهم للحكم وحافظوا عليها وقاموا
بتطويرها، لقد اشترك الجيش المملوكي في معركة عين جالوت بقياداته العسكرية
والتشكيلات المقاتلة النظامية، والجيش المركزي، والجيوش الإقليمية، والجيوش
الإحتياطية بما فيها القبال العربية والتركمان والأكراد، وقدر المؤرخون في ذلك
العصر أن حجم الجيش المملوكي بالكامل كان في حدود 40 ألف مقاتل[6]،
وكان عدد الفرسان في حدود عشرة آلاف فارس وأغلبهم من المماليك وقسم قليل من غيرهم
من المشتركين في المعركة، وكان عدد الجيش المغولي في عين جالوت 15 ألف مقاتل، وذلك
أن القوة الرئيسية من هذا الجيش تحركت بإتجاه فارس مع هولاكو وتوزعت بعض القوى
الأخرى في المناطق التي احتلها مروراً ببغداد وإنتهاء بالشام وكان في إعتقاد
القادة المغول إن هذا العدد قادر على تحطيم وتدمير الجيش المملوكي بكل سهولة طالما
إن له الخبرة في الحروب وسبق أن انتصر على كل الجيوش التي اشتبك معها، وقد أكد على
هذا العدد مجموعة من المصادر التاريخية من أهمها، جامع التواريخ، وتاريخ مختصر
الدول، وتاريخ الشهابي، وتاريخ الصليبيين، وتاريخ الزمان[7]،



4
ـ إحياء روح الجهاد:
كانت الغاية من
التوجيه المعنوي في الجيش المملوكي التذكير بالجهاد والحث عليه والترغيب وشحن
النفوس بمقارعة ومحاربة العدو، وصون الديار، والحرمة الإسلامية، القوة المعنوية
يركز عليها في كل الجيوش فلا ينتصر جيش بدون معنويات، ولهذا فإن القيادة تسعى
دائماً إلى زيادة هذه القوة ورفعها، فهي تحاول أن يكون السلاح حديثاً موثوقاً به
والشئون الإدارية بحالة جيدة كالطعام واللباس والحاجيات الأخرى، ولقد أكثر
المماليك من الوسائل التي ترفع هذه القوة كالمكافآت والترقيات، وإغداق الأموال،
ولكن هذه الوسائل كانت موقتة للسكن الذي لا يلبث أن يعود الجندي إلى حالته
الطبيعية ولكن هناك وسيلة كبيرة هي العقيدة التي كانت تأمر بالقتال وأن النتيجة مع
المقاتلين في النصر أو الإستشهاد، وقد أشعل هذه الناحية المشايخ في الجيش المملوكي
فأججوها، ورفعوا بها إلى المكان الذي يمكن أن يأخذوا من الجندي كامل طاقته وقدرته[8]،
وإذا أردنا أن تحمل بواعث المعنويات عند الجيش المملوكي في معركة عين جالوت
لخصناها كما يلي:



ـ
زيادة حجم الجيش المملوكي وتفوقه على خصمه.



ـ
الثقة في الله في تحقيق النصر.



ـ
الانتقام من المغول الذين طغوا وبغوا في البلاد التي احتلوها والثأر لكل المظلومين
والمقهورين.



ـ
العقيدة التي أججت في المقاتلين روح التضحية والفداء وجعلتهم يقدمون على الموت وهو
أحب إليهم من الحياة.



ـ
الاستعداد الكامل والتحضير لهذه المعركة، وحشد كل الطاقات والإمكانات لنجاحها.



ـ
تراخي العدو وعدم إكتراثه وعدم تطبيقه الأسس والمبادئ الحربية وعدم أخذ الحيطة
والحذر[9].



إن
الذي يلفت النظر في موضوع المعنويات هو العقيدة، فيها اجتمعوا وتوحدوا على مستوى
واحد، وأرضية واحدة، فالمملوكي مهما كانت طبقته وقوميته فهو عقائدي وبهذا الإنتماء
قدم الجهاد، وبهذه المزية إندفع بمعنوية لا تقابلها معنوية في الجيش المغولي، فذاك
قطز نادي بأعلى صوته ((وا إسلاماه)) فاجتمع له الجيش بفئاته المختلفة بمعنويات
عالية، ذلك لأن هذا النداء العقائدي أجج في نفوس القادة والجنود كل إمكانيات
المقاتل القتالية، وجعله يقدم الإرادة حباً وتضحية وفداء واستبسالاً، على هذا
النداء قاتل الجيش المملوكي قتال رجل واحد، فانتصروا على أكبر قوة في تلك الحقبة[10].



5
ـ الإعداد وسنة الأخذ بالأسباب:
إن إنتصار
المسلمين في معركة عين جالوت، لأنهم عرفوا كيف يتعاملوا مع سنة الأخذ بالأسباب،
وكان سلاطين المماليك أصحاب فقه عميق بسنة الأخذ بالأسباب، ويظهر ذلك من خلال
حرصهم على العمل، وقوله تعالى: "واعدوا لهم من استطعتم من قوة ومن رباط الخيل
" (الأنفال ، آية : 60)، لقد فهم قادة المماليك أن أمر
التمكين لهذا الدين يحتاج إلى جميع أنواع القوى على إختلافها وتنوعها، ولقد قاموا
بشرح هذه الآية عملياً من خلال التدريب والتعليم والتخطيط والتنظيم
الخ .


لقد
إهتم قادة المسلمين في مصر بتأهيل الفارس لكي يدخل الحرب وهو على أتم الإستعداد
لها، وكان أغلب الملوك والسلاطين والأمراء من الفرسان المعدودين ومن الأبطال
الشجعان الذين على علم بالرماية ولعب الرمح وضرب السيف وخفة الحركة في ساحة
الميدان وبفنون القتال وباستخدام الأسلحة المعروفة في ذلك العصر، ولم تقتصر
الفروسية على الوجهاء، بل كان أغلب الجنود أو قل جميعهم من الفوارس ومن المدربين
على تلك الأعمال التي في نظرهم في مقدمة كل أمر، ومن أبرز الصفات عند الجيش
المملوكي[11]،
والتي كان يركز عليها عند القادة في وقت الإعداد والتدريب والأخذ بالأسباب:



أ
ـ العمومية والشمولية:
إن التدريب كان
يشمل المؤخرة، كما يشمل المقدمة، والتشكيلات كما في القطعات والوحدات، والفرد كما
في المجموعات، والجندي كالقائد، والبحرية كالقوات البرية، ولا يستثنى أحد، وكانت
هذه التدريبات تتناول جميع أنواع التدريب وأشكاله وطرائقه، كما تتناول جميع أنواع
الأسلحة المستخدمة في القتال، والتدريبات التي تحافظ على اللياقة البدنية، وترفع
من قدرة الجندي القتالية، كألعاب السباق والمصارعة، وبهذه العمومية والشمولية توصل
الجيش المملوكي إلى توازن قتالي بين صفوف قواته وإختصاصاتها المختلفة، وإلى وحدة
الجيش الحربية، وإلى ثقل الضغط والخرق، فإن ركز جهوده الرئيسية إلى قطاع من دفاعات
العدو تراه يجمع كل الجهود لهذا القطاع، كما حدث تماماً في معركة عين جالوت عندما
خرق الدفاع وإستطاع أن ينفذ من اليمين والشمال وأن يصل خلف القوات المغولية بالرغم
من الصمود وثبات الدفاع[12].



ب
ـ ملازمة التدريب العقائدي مع التدريب القتالي:

كان المماليك يدربون على أصول العقيدة وأحكامها ونظرتها إلى الجهاد تحت إشراف
مدربين إشتهروا بالتربية والتعليم، وكان يعلمونهم القرآن الكريم حتى أن بعض
المدربين كانوا يحفظون القرآن الكريم عن ظهر قلب، وكذلك كانت علوم شرعية متنوعة في
التفسير والحديث والسلوك واللغة، وبعد نجاحه في أمور العقيدة وإتمامه هذه المرحلة،
وبعد أن يكبر، يسلم إلى مدربين في أمور الحرب والقتال، فيتدربون على ركوب الخيل
ويتدرجون من السهولة إلى الصعوبة،فيقاتل على ظهرها بسلاح واحد ثم يصل إلى جميع
الأسلحة ويتدرب في حالة الركض والوثوب عنها، ثم ينتقل إلى الرمي والدقة في الإصابة
على القبق والضرب بالسيف والطعن بالرمح وإستخدام الدبوس ولعب الصولجان، ثم يتدرب
على طرق القتال في الميدان وهذه هي أصعب مرحلة في التدريب يخرج من بعدها مقاتلاً
قوياً في عقيدته قوياً في قتاله وهو بهذا لا ينقطع عن التدريب العقائدي أو القتالي
بل يظل ينمي تدريباته، حتى يصل إلى أعلى مستوى من التدريب [13]المتلازم.



ج
ـ التدريب بشكل متواصل:
إن
المقاتل المملوكي بعد أن ينهي هذه المراحل جميعها لا يتوقف عن التدريب ابدا، وإنما
هناك الميادين المتعددة التي يلتقي فيها المقاتلون ليقوموا بتدريباتهم المعتادة
ويوصل العسكري المملوكي تدريبه على جميع أنواع القتال وعلى اختلاف الأسلحة في جميع
الظروف والأحوال الصعبة، ويبقى من الصباح حتى المساء حتى ولو كان الجو ماطراً أو
بارداً أو حاراً[14]،
فالمهم عنده تنفيذ البرنامج التدريبي المقرر وكذلك كان التدريب العقائدي فقد كان
الموجهون المشايخ كثيرين، وكذلك فإن دور العلم التدريب كانت كثيرة وهي لا تخلو من
المقاتلين الذين يلازمون هذه الأماكن التي كانت منتشرة بشكل واسع[15].








[1]
الوافي في الوفيات (15 ـ 473) معركة عين جالوت صـ137.







[2]
النجوم الزاهرة (7 ـ 97) معركة عين جالوت صـ138.







[3]
انظر: إدارة الجودة الشاملة للشيخ فيصل بن جاسم بن محمد آل ثاني، حيث تم الحديث عن
أساسيات إدارة الجودة الشاملة ومقومات الحصول على الثقة صـ213.







[4]
الملك الصالح أيوب وإنجازاته السياسية والعسكرية صـ151.







[5]
الأيوبيون بعد صلاح الدين الصَّلاَّبي صـ360.







[6]
النجوم الزاهرة (7 ـ 197)، معركة عين جالوت صـ165.







[7]
معركة عين جالوت صـ166.







[8]
معركة عين جالوت صـ191.







[9]
معركة عين جالوت صـ191.







[10]
معركة عين جالوت صـ193.







[11]
المصدر نفسه صـ250.







[12]
معركة عين جالوت صـ151.







[13]
المصدر نفسه صـ252، الخطط للمقريزي(2/489).







[14]
الخطط(2/489) معركة عين جالوت صـ252.







[15]
معركة عين جالوت صـ252.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:39

س
ـ التخصص في التدريب:
لقد شاع التخصص في
الوظائف العسكرية في الجيش المملوكي فكل مادة لها مدربون خاصون بها، فالنشاب اختص
به قادة عسكريون عرفوا به، فهم يقومون بتدريبه وتعليمه للفوارس المبتدئين، كما
كانوا يؤلفون الكتب العديدة التي تبحث في هذا السلاح وقواعده رميه وأصوله وأجزائه
التي يتألف منها وعمل كل جزء واستخدامه في الميادين وفي ساحات القتال التي تفرض
عليه أن يتخذ أوضاعاً مناسبة لكل سلاح، على أن هذا التخصص زاد من المعارف، وأكسب
المدربين والمتدربين الدقة والسرعة وأداء الحركات بكل اتقان وفنية عالية[1]،
وكان المدرب يتدرج حسب خبرته وتحصيله للعلوم إلى ثلاث درجات الاولى يكون فيها
معلماً والثانية أستاذاً. والثالثة رئيساً، ولا يرقى من درجة إلى درجة أعلى إلا
إذا حصل على نجاح في الفحص وقدم شيئاً من مؤلفاته وخبرته في العلوم العسكرية[2].


لقد
دخل المماليك المعركة بعد إعداد وأخذ بالاسباب وحققوا نصراً ساحقاً على المغول،
لقد اتخذ قادة المماليك مجموعة من الاجراءات والأعمال كان الهدف منها التأثير على
القوات المغولية في عين جالوت وكان من أهم هذه الاجراءات:


·
ـ
الرد الفوري على الأنذار:
درج المغول
خلال حروبهم السابقة على توجيه إنذار قتالي إلى زعيم البلاد أو قادتها يحمله
مراسلون يتضمن الأعمال المجيدة التي قام بها الجيش المغولي والبطش الذي إستخدمه،
والشدة التي عامل بها تلك الجيوش التي تصدت له، مذكراً ما حل بالمعاندين من دمار
وخراب ثم يدعوهم إلى الاستسلام والطاعة، فإن أبى الخصم ذلك إبتدأت المعركة على
أشدها لا تبقي ولا تذر[3]،
أما المماليك فقد كانوا يخشون لقاء المغول، ويتوجسون شراً من الاقتتال معهم، وقبل
عين جالوت وصل رسل هولاكو وسلموا الإنذار إلى السلطان قطز زعيم البلاد، وفي هذا
الإنذار من الوعد والوعيد وأهم ما يتضمنه الإستسلام، أو القتال، أو الجلاء عن
البلاد[4]،
إلا أن القيادة المملوكية ردت على هذا الإنذار بقتل الرسل وإعلان الحرب والاستعداد
للمجابهة[5].


·
ـ
مجلس الحرب:
إنعقد مجلس الحرب في
القوات المسلحة المملوكية مباشرة بعد الإنذار، ويتألف من السلطان القائد الأعلى
رئيساً، وعضوية كل من أتابك العساكر وشيخ الإسلام وقضاة الإسلام وأمراء المئين، أي
قادة التشكيلات المقاتلة وأعيان المشايخ، ومن مهمته النظر في مشروعية الحرب،
وتعبئة الجنود، وإعلان النفير العام والتدريب، وتأمين الأسلحة والذخائر، وتحضير
الأموال اللازمة وتعيين أمير التجريدة العام والأمراء الذين بصحبته والذين يشكلون
أركان الجيش وقادة التشكيلات[6]،
ودارت المناقشة التي كان يرأسها قطز، وكان كل عضو يعبر عن رأيه بكل صراحة ووضوح، وكانت
المناقشة جادة ومسؤولة، وانفض المجلس على قرار تاريخي، وتحضير قتالي، وإستعداد مع
هذا اللقاء الحاسم[7].


·
ومن
الإجراءات التي تم العمل بها، التحضير والإعداد للحرب، تحشيد الناس، والتوجيهات
العملياتية، وتقسيم المحاور القتالية والاهتمام بالطليعة والتحييد والحرص على
التفوق الكمي والكيفي والإعتناء والإخفاء والتمويه، وإختيار مكان المعركة وزمانها،
ومنطقة التمركز، ومخادعة العدو ونصب الكمائن والمطاردة، والتضليل الإستراتيجي
والمحافظة على المقاتل والتقليل من الخسائر، الترتيب القتالي، والتشكيلات
القتالية، والقتال الإستراتيجي بالجيوش المتلاقية والبريد الحربي ووسائط الاتصال،
ومراعاة ميزان القوى، والتصميم للوصول للهدف، وتحقيق النصر السياسي الذي بدوره
يقود إلى النصر العسكري[8]،
وغير ذلك من الخطوات المهمة التي ساهمت في تحقيق النصر.


6
ـ عبقرية التخطيط:
إشتهر قادة
المماليك بالقدرة على التخطيط والتنفيذ، ومعرفة قوانين الحرب والمبادئ التي تلعب
دوراً هاماً لبلوغ النصر وإذا أمعنا النظر في معركة عين جالوت بصورة خاصة والمعارك
التي تلت بصورة عامة لأدركنا تماماً أن قادة الجيش المملوكي كانوا يطبقون هذه
المبادئ إلى أبعد الحدود ولا سيما الظاهر بيبرس الذي إشترك في هذه المعركة بالذات
وفي المعارك التي شهدها بنفسه فيما بعد:


أ
ـ الاقتصاد في القوى:
لم يشأ قطز القائد
الأعلى للجيش أن يشرك القوى جميعها في معركة عين جالوت، ولكنه كان يقود القوى
الرئيسية للجيش، وبيبرس كان يقود الطليعة، وقد إشتبكت الطليعة ـ وهي جزء من الجيش
ـ مع حامية غزة[9]،
كما إشتبكت القوة الرئيسية هذه مع الجيش المغولي، كما إشتبكت الميمنة مع ما
يقابلها وكذلك الميسرة بأعداد تناسب القوة التي كانت تجاهها[10]،
وكان قطز حريصاً كل الحرص على أن يوزع قواته بصورة تتناسب مع القوات التي تقاتل
ضده من الجيش المغولي، فقد أفرز قوة للمجنبات وأخرى للالتفاف القريب، وثالثة
للبعيد، ورابعة للكمين، وخامسة لإعاقة وجذب قوى العدو[11]،
وأما بيبرس فقد أظهر براعة حربية في الاقتصاد في القوى في هذه المعركة عندما قاد
الطليعة وقاتل وهو في طريقه إلى عين جالوت، ثم في الكمين الذي نصبه للعدو[12]،
ثم في المطاردة التي كان فيها هذا المبدأ واضحاً كل الوضوح، إذ أرسل القوى
المناسبة على كل محور من المحاور وعلى كل إتجاه سلكته القوات المهزومة من الجيش
المغولي[13].


ب
ـ تجميع وحشد الجيوش على الإتجاهات الرئيسية:

لما أراد الجيش المملوكي مقابلة الجيش المغولي في معركة عين جالوت جمع سيف الدين
قطز الجيش المصري وأرسل إلى الجيش الشامي وحشد الإمكانات المتاحة، وأرسل في القرى
والمدن والبادية يحث الميليشيات الشعبية والتفت هذه التشكيلات جميعاً في أمر
المعركة وركزت الجهود الرئيسية نحو تجميع الجيش المملوكي الذي كان يتحرك بإتجاه
مرج بن عامر، وسار بإتجاه الساحل بكتلة واحدة، فوحدة الجيش وقتاله ككتلة واحدة
متماسكة يساعد الجيش على تحقيق النصر[14]
وهو ما قد تم في عين جالوت.


جـ
ـ الضغط على الأعداء:
كان ذلك واضحاً في
معركة عين جالوت عندما تصدى قادة الجيش لقادة الجيش المغولي وثبتوا ثبوت الرواسي
أمامه، وأمام كل عنجهيتهم وإنذارهم، ولما تقابلا لم يصمد الجيش المغولي وخرقت
جبهته، وتعقبه الجيش المملوكي، ولم ينفصل عنه أبداً حتى إذا أدركه وضع فيه السيف
ولحقه إلى أطراف الشام والبادية[15]،
وبدأ الضغط واضحاً في عدة أمور، أهمها رفض الإنذار وقتل الرسل[16]،
والتفوق العددي الذي أوجس منه خيفة قائد الجيش المغولي وتردد كثيراً في طلب المدد
ليكون هناك توازن بين الجيشين[17]،
وإجبار الجيش المغولي أن يفتح وأن يقاتل في مكان غير مناسب والسرعة في التحرك وحسم
الأعمال القتالية[18]،
والصمود القوي أثناء القتال، فما كانت تفتح ثغرة حتى يبادر قطز إلى صدها، وأهم
المواقف الصمودية هو الموقف الذي صمدت فيه الجبهة وبخاصة الميسرة الذي كاد أن
يتداعى[19]،
والهجوم الصاعق الذي أدى إلى قائد الجيش المغولي وقتله[20]،
والمطاردة التي ظل فيها الجيش المملوكي على تماس وضغط على الجيش المغولي الذي هرب
وظن بهروبه النجاة، ولكنه كان ملاحقاً كيف إتجه ومطارداً أينما سار[21].


ح
ـ تحقيق المفاجأة:
أن المفاجأة قد تمت
في هذه المعركة بالإخفاء والتمويه وبظهور أعداد قليلة من الجيش أمام القوات
المغولية في الأراضي السهلية، إنما قوة الجيش الرئيسية فقد بقيت إلى الخلف وراء التلال
والمساتر في مرج ابن عامر، وبصمود الجيش المملوكي وقتاله الذي وضع كتبغا في حيرة
وتشكيلة القتال الجديدة/، وبنصب الكمائن، وبث الدوريات أمام تقدم القوات المغولية،
وبالتطويق الكامل، وبالصمود أمام هجمات المغوليين المتتالية، بقيت المطاردة التي
لم تنته إلا بقتل وتشريد المنهزمين وإبادتهم، وبالشدة والتنكيل والقسوة والحزم
والبطش الذي لم يكن يتوقعه المغول أبداً، هذه المفاجأة مكنت الجيش المملوكي من
تحقيق النصر[22].


س
ـ وضوح الهدف:
كان قطز القائد الأعلى للجيش واضح
الهدف، إذ أعلن القضاء على الجيش المغولي وتدميره والانتصار عليه منذ أن أعلن
الحرب وقتل الرسل[23]،
هذا هو الهدف النهائي الذي سبقه أهداف مرحلية كالتخطيط لهذا القتال، وإستخدام
الرجال والأسلحة التي تستطيع أن تقضي على العدو وجمع الأموال[24]
والاتفاق مع الصليبيين في عكا على الإلتزام جانب الحياد[25].


ش
ـ المناورة بالقوى والوسائط:
وزع قائد الجيش
المملوكي القوي الوسائط قبل بدء القتال، وأثناؤه ظهرت ضعف الميسرة، فنقل القوى
والوسائط إليها وقواها، وهنا ظهرت عبقرية هذا القائد عندما نقل بعض المجموعات
القتالية وسد الثغرة التي أحدثها الجيش المغولي، كما إستطاع أن يقود الإحتياطي
الموضوع تحت تصرفه ويناور به ليصل إلى قبالة هذا الخرق فيتصدى للقوات المغولية
فيوقفها[26]،
كما قام بدور مهم عند نقل بعض القطعات من المجنبات لتقوم مع النسق الثاني بالهجوم
المعاكس، وفعلاً كانت السرعة مذهلة في المناورة عندما تحرك هؤلاء الجنود وقاموا
جميعاً بهجوم مضاد وقضى على الوحدات والقطعات المغولية التي تسربت خارقة دفاع
الجيش المملوكي، وقد ظهرت هذه البراعة أيضاً عندما تلقى قائد الجيش المملوكي
معلومات عن قوة العدو وضعفه وأماكن تمركز قوته، فناور بقواته وأعاد تشكيلها، بما
يتلاءم مع هذه المعلومات الجديدة[27].


ع
ـ السرعة في الأعمال القتالية:
تجاوب القائد
الأعلى للجيش المملوكي بمجرد سماعه التهديد المغولي وأعلن التعبئة وعقد مجلس الحرب
وإتخذ إجراءات تحضيرية سريعة، فتحركت القوات مستجيبة لهذا النداء الجهادي لملاقاة
العدو وسبقه إلى أرض المعركة المناسبة قبل أن يتحرك الجيش المغولي فيهاجم الديار
المصرية، ويغزو المماليك في عقر دارهم، ومن الأهمية بمكان أن نذكر دور قائد
الطليعة وسرعته، والتفويت على قائد ((الجيش المغولي بيدرا)) كل مبادرة مما أتاح
لبيبرس أن يقضي على حامية كبيرة متقدمة قرب غزة من جراء السرعة التي قام بها رئيس
أركان الجيش المملوكي[28].


ص
ـ المخابرات العسكرية:
بث قطز العيون
واعتمد على الأهالي الذين كانوا يتجاوبون مع طلبات الجيش على حقد من المغول
وتصرفاتهم، ولهذا فإن المعلومات كانت تصل تباعاً إلى هيئة أركان الجيش المملوكي،
في حين أن الجيش المغولي لم يعتمد كثيراً على الاستطلاع، بل إعتمد على قواته وشدته
في الحروب ولم يأبه لما يجري حوله، ولم يقم بإجراءات كشف العملاء والجواسيس الذين
كانوا يدخلون معسكراته، ويأخذون منها الأخبار ويوصلونها إلى المماليك[29]،
وبالإضافة إلى ذلك فإن بيبرس عندما اصطدم بحامية غزة المغولية استطاع أن يتلقى
أخباراً صحيحة عن قوة الجيش المغولي وتحركاته واسلحته وقادته[30]،
وكذلك فإن قادة الجيش المملوكي ارسلوا حراسات متقدمة عبارة عن مخافر، تصنت وإنذار
من مهامها نقل المعلومات عن الانساق وعن تحركات الجيش المغولي[31]،
وكان من مصادر الاستخبارات المملوكية، عمال البريد الذين كانوا يكلفون بمهام
مخابراتية بالاضافة إلى نقل البريد الحربي، إن هذا الجهاز كان يتحرى أحوال العدو
وإمكاناته ومعرفة البؤر والجهات الخطرة من الداخل والتحري من الاعمال الهدامة، أو
الاشخاص الذين يقومون بدور العمالة والتجسس على القوات الصديقة وكان يطلق على رئيس
هذا الجهاز(( صاحب الخبر والتحري)) الذي كان له خبرة واختصاص[32]،
إن للاستخبارات دوراً كبيراً في الحروب الماضية والحاضرة في إحراز النصر، ولقد
كانت الاسباب الصحيحة التي تلقاها قادة الجيش المملوكي وبنوا قرارهم على هذه
معلومات صحيحة فكان القرار سليماً والنصر محققاً[33]..

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:42

س
ـ التخصص في التدريب:
لقد شاع التخصص في
الوظائف العسكرية في الجيش المملوكي فكل مادة لها مدربون خاصون بها، فالنشاب اختص
به قادة عسكريون عرفوا به، فهم يقومون بتدريبه وتعليمه للفوارس المبتدئين، كما
كانوا يؤلفون الكتب العديدة التي تبحث في هذا السلاح وقواعده رميه وأصوله وأجزائه
التي يتألف منها وعمل كل جزء واستخدامه في الميادين وفي ساحات القتال التي تفرض
عليه أن يتخذ أوضاعاً مناسبة لكل سلاح، على أن هذا التخصص زاد من المعارف، وأكسب
المدربين والمتدربين الدقة والسرعة وأداء الحركات بكل اتقان وفنية عالية[1]،
وكان المدرب يتدرج حسب خبرته وتحصيله للعلوم إلى ثلاث درجات الاولى يكون فيها
معلماً والثانية أستاذاً. والثالثة رئيساً، ولا يرقى من درجة إلى درجة أعلى إلا
إذا حصل على نجاح في الفحص وقدم شيئاً من مؤلفاته وخبرته في العلوم العسكرية[2].


لقد
دخل المماليك المعركة بعد إعداد وأخذ بالاسباب وحققوا نصراً ساحقاً على المغول،
لقد اتخذ قادة المماليك مجموعة من الاجراءات والأعمال كان الهدف منها التأثير على
القوات المغولية في عين جالوت وكان من أهم هذه الاجراءات:


·
ـ
الرد الفوري على الأنذار:
درج المغول
خلال حروبهم السابقة على توجيه إنذار قتالي إلى زعيم البلاد أو قادتها يحمله
مراسلون يتضمن الأعمال المجيدة التي قام بها الجيش المغولي والبطش الذي إستخدمه،
والشدة التي عامل بها تلك الجيوش التي تصدت له، مذكراً ما حل بالمعاندين من دمار
وخراب ثم يدعوهم إلى الاستسلام والطاعة، فإن أبى الخصم ذلك إبتدأت المعركة على
أشدها لا تبقي ولا تذر[3]،
أما المماليك فقد كانوا يخشون لقاء المغول، ويتوجسون شراً من الاقتتال معهم، وقبل
عين جالوت وصل رسل هولاكو وسلموا الإنذار إلى السلطان قطز زعيم البلاد، وفي هذا
الإنذار من الوعد والوعيد وأهم ما يتضمنه الإستسلام، أو القتال، أو الجلاء عن
البلاد[4]،
إلا أن القيادة المملوكية ردت على هذا الإنذار بقتل الرسل وإعلان الحرب والاستعداد
للمجابهة[5].


·
ـ
مجلس الحرب:
إنعقد مجلس الحرب في
القوات المسلحة المملوكية مباشرة بعد الإنذار، ويتألف من السلطان القائد الأعلى
رئيساً، وعضوية كل من أتابك العساكر وشيخ الإسلام وقضاة الإسلام وأمراء المئين، أي
قادة التشكيلات المقاتلة وأعيان المشايخ، ومن مهمته النظر في مشروعية الحرب،
وتعبئة الجنود، وإعلان النفير العام والتدريب، وتأمين الأسلحة والذخائر، وتحضير
الأموال اللازمة وتعيين أمير التجريدة العام والأمراء الذين بصحبته والذين يشكلون
أركان الجيش وقادة التشكيلات[6]،
ودارت المناقشة التي كان يرأسها قطز، وكان كل عضو يعبر عن رأيه بكل صراحة ووضوح، وكانت
المناقشة جادة ومسؤولة، وانفض المجلس على قرار تاريخي، وتحضير قتالي، وإستعداد مع
هذا اللقاء الحاسم[7].


·
ومن
الإجراءات التي تم العمل بها، التحضير والإعداد للحرب، تحشيد الناس، والتوجيهات
العملياتية، وتقسيم المحاور القتالية والاهتمام بالطليعة والتحييد والحرص على
التفوق الكمي والكيفي والإعتناء والإخفاء والتمويه، وإختيار مكان المعركة وزمانها،
ومنطقة التمركز، ومخادعة العدو ونصب الكمائن والمطاردة، والتضليل الإستراتيجي
والمحافظة على المقاتل والتقليل من الخسائر، الترتيب القتالي، والتشكيلات
القتالية، والقتال الإستراتيجي بالجيوش المتلاقية والبريد الحربي ووسائط الاتصال،
ومراعاة ميزان القوى، والتصميم للوصول للهدف، وتحقيق النصر السياسي الذي بدوره
يقود إلى النصر العسكري[8]،
وغير ذلك من الخطوات المهمة التي ساهمت في تحقيق النصر.


6
ـ عبقرية التخطيط:
إشتهر قادة
المماليك بالقدرة على التخطيط والتنفيذ، ومعرفة قوانين الحرب والمبادئ التي تلعب
دوراً هاماً لبلوغ النصر وإذا أمعنا النظر في معركة عين جالوت بصورة خاصة والمعارك
التي تلت بصورة عامة لأدركنا تماماً أن قادة الجيش المملوكي كانوا يطبقون هذه
المبادئ إلى أبعد الحدود ولا سيما الظاهر بيبرس الذي إشترك في هذه المعركة بالذات
وفي المعارك التي شهدها بنفسه فيما بعد:


أ
ـ الاقتصاد في القوى:
لم يشأ قطز القائد
الأعلى للجيش أن يشرك القوى جميعها في معركة عين جالوت، ولكنه كان يقود القوى
الرئيسية للجيش، وبيبرس كان يقود الطليعة، وقد إشتبكت الطليعة ـ وهي جزء من الجيش
ـ مع حامية غزة[9]،
كما إشتبكت القوة الرئيسية هذه مع الجيش المغولي، كما إشتبكت الميمنة مع ما
يقابلها وكذلك الميسرة بأعداد تناسب القوة التي كانت تجاهها[10]،
وكان قطز حريصاً كل الحرص على أن يوزع قواته بصورة تتناسب مع القوات التي تقاتل
ضده من الجيش المغولي، فقد أفرز قوة للمجنبات وأخرى للالتفاف القريب، وثالثة
للبعيد، ورابعة للكمين، وخامسة لإعاقة وجذب قوى العدو[11]،
وأما بيبرس فقد أظهر براعة حربية في الاقتصاد في القوى في هذه المعركة عندما قاد
الطليعة وقاتل وهو في طريقه إلى عين جالوت، ثم في الكمين الذي نصبه للعدو[12]،
ثم في المطاردة التي كان فيها هذا المبدأ واضحاً كل الوضوح، إذ أرسل القوى
المناسبة على كل محور من المحاور وعلى كل إتجاه سلكته القوات المهزومة من الجيش
المغولي[13].


ب
ـ تجميع وحشد الجيوش على الإتجاهات الرئيسية:

لما أراد الجيش المملوكي مقابلة الجيش المغولي في معركة عين جالوت جمع سيف الدين
قطز الجيش المصري وأرسل إلى الجيش الشامي وحشد الإمكانات المتاحة، وأرسل في القرى
والمدن والبادية يحث الميليشيات الشعبية والتفت هذه التشكيلات جميعاً في أمر
المعركة وركزت الجهود الرئيسية نحو تجميع الجيش المملوكي الذي كان يتحرك بإتجاه
مرج بن عامر، وسار بإتجاه الساحل بكتلة واحدة، فوحدة الجيش وقتاله ككتلة واحدة
متماسكة يساعد الجيش على تحقيق النصر[14]
وهو ما قد تم في عين جالوت.


جـ
ـ الضغط على الأعداء:
كان ذلك واضحاً في
معركة عين جالوت عندما تصدى قادة الجيش لقادة الجيش المغولي وثبتوا ثبوت الرواسي
أمامه، وأمام كل عنجهيتهم وإنذارهم، ولما تقابلا لم يصمد الجيش المغولي وخرقت
جبهته، وتعقبه الجيش المملوكي، ولم ينفصل عنه أبداً حتى إذا أدركه وضع فيه السيف
ولحقه إلى أطراف الشام والبادية[15]،
وبدأ الضغط واضحاً في عدة أمور، أهمها رفض الإنذار وقتل الرسل[16]،
والتفوق العددي الذي أوجس منه خيفة قائد الجيش المغولي وتردد كثيراً في طلب المدد
ليكون هناك توازن بين الجيشين[17]،
وإجبار الجيش المغولي أن يفتح وأن يقاتل في مكان غير مناسب والسرعة في التحرك وحسم
الأعمال القتالية[18]،
والصمود القوي أثناء القتال، فما كانت تفتح ثغرة حتى يبادر قطز إلى صدها، وأهم
المواقف الصمودية هو الموقف الذي صمدت فيه الجبهة وبخاصة الميسرة الذي كاد أن
يتداعى[19]،
والهجوم الصاعق الذي أدى إلى قائد الجيش المغولي وقتله[20]،
والمطاردة التي ظل فيها الجيش المملوكي على تماس وضغط على الجيش المغولي الذي هرب
وظن بهروبه النجاة، ولكنه كان ملاحقاً كيف إتجه ومطارداً أينما سار[21].


ح
ـ تحقيق المفاجأة:
أن المفاجأة قد تمت
في هذه المعركة بالإخفاء والتمويه وبظهور أعداد قليلة من الجيش أمام القوات
المغولية في الأراضي السهلية، إنما قوة الجيش الرئيسية فقد بقيت إلى الخلف وراء التلال
والمساتر في مرج ابن عامر، وبصمود الجيش المملوكي وقتاله الذي وضع كتبغا في حيرة
وتشكيلة القتال الجديدة/، وبنصب الكمائن، وبث الدوريات أمام تقدم القوات المغولية،
وبالتطويق الكامل، وبالصمود أمام هجمات المغوليين المتتالية، بقيت المطاردة التي
لم تنته إلا بقتل وتشريد المنهزمين وإبادتهم، وبالشدة والتنكيل والقسوة والحزم
والبطش الذي لم يكن يتوقعه المغول أبداً، هذه المفاجأة مكنت الجيش المملوكي من
تحقيق النصر[22].


س
ـ وضوح الهدف:
كان قطز القائد الأعلى للجيش واضح
الهدف، إذ أعلن القضاء على الجيش المغولي وتدميره والانتصار عليه منذ أن أعلن
الحرب وقتل الرسل[23]،
هذا هو الهدف النهائي الذي سبقه أهداف مرحلية كالتخطيط لهذا القتال، وإستخدام
الرجال والأسلحة التي تستطيع أن تقضي على العدو وجمع الأموال[24]
والاتفاق مع الصليبيين في عكا على الإلتزام جانب الحياد[25].


ش
ـ المناورة بالقوى والوسائط:
وزع قائد الجيش
المملوكي القوي الوسائط قبل بدء القتال، وأثناؤه ظهرت ضعف الميسرة، فنقل القوى
والوسائط إليها وقواها، وهنا ظهرت عبقرية هذا القائد عندما نقل بعض المجموعات
القتالية وسد الثغرة التي أحدثها الجيش المغولي، كما إستطاع أن يقود الإحتياطي
الموضوع تحت تصرفه ويناور به ليصل إلى قبالة هذا الخرق فيتصدى للقوات المغولية
فيوقفها[26]،
كما قام بدور مهم عند نقل بعض القطعات من المجنبات لتقوم مع النسق الثاني بالهجوم
المعاكس، وفعلاً كانت السرعة مذهلة في المناورة عندما تحرك هؤلاء الجنود وقاموا
جميعاً بهجوم مضاد وقضى على الوحدات والقطعات المغولية التي تسربت خارقة دفاع
الجيش المملوكي، وقد ظهرت هذه البراعة أيضاً عندما تلقى قائد الجيش المملوكي
معلومات عن قوة العدو وضعفه وأماكن تمركز قوته، فناور بقواته وأعاد تشكيلها، بما
يتلاءم مع هذه المعلومات الجديدة[27].


ع
ـ السرعة في الأعمال القتالية:
تجاوب القائد
الأعلى للجيش المملوكي بمجرد سماعه التهديد المغولي وأعلن التعبئة وعقد مجلس الحرب
وإتخذ إجراءات تحضيرية سريعة، فتحركت القوات مستجيبة لهذا النداء الجهادي لملاقاة
العدو وسبقه إلى أرض المعركة المناسبة قبل أن يتحرك الجيش المغولي فيهاجم الديار
المصرية، ويغزو المماليك في عقر دارهم، ومن الأهمية بمكان أن نذكر دور قائد
الطليعة وسرعته، والتفويت على قائد ((الجيش المغولي بيدرا)) كل مبادرة مما أتاح
لبيبرس أن يقضي على حامية كبيرة متقدمة قرب غزة من جراء السرعة التي قام بها رئيس
أركان الجيش المملوكي[28].


ص
ـ المخابرات العسكرية:
بث قطز العيون
واعتمد على الأهالي الذين كانوا يتجاوبون مع طلبات الجيش على حقد من المغول
وتصرفاتهم، ولهذا فإن المعلومات كانت تصل تباعاً إلى هيئة أركان الجيش المملوكي،
في حين أن الجيش المغولي لم يعتمد كثيراً على الاستطلاع، بل إعتمد على قواته وشدته
في الحروب ولم يأبه لما يجري حوله، ولم يقم بإجراءات كشف العملاء والجواسيس الذين
كانوا يدخلون معسكراته، ويأخذون منها الأخبار ويوصلونها إلى المماليك[29]،
وبالإضافة إلى ذلك فإن بيبرس عندما اصطدم بحامية غزة المغولية استطاع أن يتلقى
أخباراً صحيحة عن قوة الجيش المغولي وتحركاته واسلحته وقادته[30]،
وكذلك فإن قادة الجيش المملوكي ارسلوا حراسات متقدمة عبارة عن مخافر، تصنت وإنذار
من مهامها نقل المعلومات عن الانساق وعن تحركات الجيش المغولي[31]،
وكان من مصادر الاستخبارات المملوكية، عمال البريد الذين كانوا يكلفون بمهام
مخابراتية بالاضافة إلى نقل البريد الحربي، إن هذا الجهاز كان يتحرى أحوال العدو
وإمكاناته ومعرفة البؤر والجهات الخطرة من الداخل والتحري من الاعمال الهدامة، أو
الاشخاص الذين يقومون بدور العمالة والتجسس على القوات الصديقة وكان يطلق على رئيس
هذا الجهاز(( صاحب الخبر والتحري)) الذي كان له خبرة واختصاص[32]،
إن للاستخبارات دوراً كبيراً في الحروب الماضية والحاضرة في إحراز النصر، ولقد
كانت الاسباب الصحيحة التي تلقاها قادة الجيش المملوكي وبنوا قرارهم على هذه
معلومات صحيحة فكان القرار سليماً والنصر محققاً[33]..

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:44

7 ـ بعد نظر سيف الدين قطز وسياسته الحكيمة:شعر
قطز قبل أن يستلم السلطنة بالخطر على دولة المماليك وبخاصة من قبل المغول الذين
دخلوا البلاد واكثروا فيها القتل والعذاب، ولابد له إزاء هذا الخطر أن يتخذ عدة
إجراءات سياسية تضمن له النصر على اعدائه الذين لم يلبثوا إلا أياماً معدودات أو
شهور حتى يتوجه الجيش المغولي إلى أراضي الشام ومصر، وبدأ التفكك الداخلي واضحاً
عند استلام المماليك الاتراك، إذ حكمت إمرأة ولم يوافق الخليفة في بغداد على
سلطنتها، وتزوجت فيما بعد من عزالدين أيبك لتحصل على الاعتراف الخليفتي، واحتدم
الصراع بينها وبين زوجها أدى إلى قتلهما، واستلم الحكم علي بن أيبك وهو غير قادر
على إدارة الحكم لصغر سنه، ولما كان قطز هو نائب السلطان والوصي على الصبي وهو
يعلم أنه قادم على معركة فاصلة، أراد لكي تتاح الحرية السياسية والتصرف بالامور
العسكرية والسياسية، أن يتخلص من السلطان الصغير، فاستلم الحكم وهذا إجراء سياسي
داخلي، اتخذه هذا السلطان بعد أن استلم البلاد وهو مهم بالنسبة للمعركة القادمة،
فقد هرب بعض أمراء المماليك البحرية إلى الملك المغيث صاحب الكرك لما رأو أنهم لا
يستطيعون أن يؤثرون على المسيرة التي انتهجها قطز لاصلاح البلاد وتحضيرها، هربوا
لكي يجدوا الحليف ضد هذا القائد، وحاولوا القتال وزحفوا نحو مصر في سنة 655هـ
/1257م، لكن قطز تصدى لهذه المؤامرة وتغلب على الأمراء وأوقع فيهم القتل وردهم على
أعقابهم[1]،
ولم يمكنهم أبداً من العبث بأمن الدولة وقدرتها
وتصديها للعدو المرتقب، المغولي، وظل صامداً يتابع توجيه السياسة وأصلاح
البلاد وتخليصها من الفتن والاضطرابات وتوحيد جبهتها الداخلية، حتى إذا اقتربت
معركة عين جالوت وإزداد الخطر رأى أنه من المناسب إعادة الصف بينه وبين الامراء
الهاربين الذين حاربوه لتجتمع الكلمة وليستفيد من خبرتهم في الحروب وفي قيادة
الجيوش[2]،
وهكذا كان الإجماع الداخلي على التصدي للعدو المغولي وتوج هذا الإجماع بقرار مجلس
الحرب وبحضور جميع الساسة في البلاد، وتحققت الوحدة الداخلية[3]،
وبعد ذلك إهتم بالوضع السياسي الخارجي وعمل على تحييد الصليبيين وعقد معاقدة صلح
معهم وإستفاد من المرور بأراضيهم، ولم يقاتل على جبهتين، وقابل المغول في عين
جالوت وانتصر عليهم، وإستمرت الأعمال السياسية والإدارية بعد المعركة، فقد أرسل
قطز رسلاً إلى بعض الدول يخبرهم فيها عن إنتصاره، كما أعلن ذلك على الشعب في مصر
والشام وبذلك ثبت دعائم الأمن والاستقرار السياسي، كما نظم البلاد من الناحية
الإدارية، وعين النواب وبسط نفوذه على كل البلاد التي كان يحتلها المغول في الشام[4].
وهذا دليل على بعد نظره وحنكته السياسية.


8
ـ توفر صفات الطائفة المنصورة:
لم يظهر سيف الدين
قطز من فراغ وإنما سبقته جهود علمية وتربوية على أصول منهج أهل السنة والجماعة،
وأصبح ذلك الجيل الذي أكرمه الله بالنصر في معركتي عين جالوت تنطبق فيه كثيراً من
صفات الطائفة المنصورة والتي من أهمها:


أ
ـ أنها على الحق:
وللطائفة المنصورة من ملازمة الحق
وإتباعه ما ليس لسائر المسلمين، وهي إنما إستحقت الذكر والنصح وتمسكها بالحق، حين
أعرض عنه الأكثرون، ومن الجوانب البارزة في الحق الذي إستمسكت به حتى صارت طائفة
منصورة ما يلي:


ـ
الاستقامة في الإعتقاد وملازمة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
مجانبة البدع وأهلها فهم أصحاب السنة.


ـ
الاستقامة في الهدي والسلوك الظاهر والباطن والسلامة من أسباب الفسق والريبة
والشهوة المحرمة،


ـ
الاستقامة على الجهاد بالنفس والمال والأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وإقامة
الحق على العاملين.


ب
ـ أنها قائمة بأمر الله:
وهذه الخصيصة بارزة
جداً في الوصف النبوي لهذه الطائفة، فهم أمة قائمة بأمر الله، وقد قامت دولة سيف
الدين قطز بأمر الله، من الإعداد، والتخطيط، والدفاع عن الإسلام والمسلمين.


جـ
ـ أنها تقوم بواجب الجهاد في سبيل الله:

والطائفة المنصورة جاءت الأحاديث النبوية في وصفهم بأنه ((يقاتلون على الحق))[5]،
أو يقاتلون على أمر الله[6]،
وكان سيف الدين قطز وجيشه قاموا بالجهاد الشرعي في سبيل الله وقتال أعداء الله من
الكفار وغيرهم[7]،
وتحقق نصر الله لهم في معركة عين جالوت.


د
ـ أنها صابرة:
فقد خص الله الطائفة المنصورة بالصبر، وقد رأيت كيف تسلح سيف الدين قطز وجنوده
بالصبر الجميل في جهادهم ولم تستطع القوة الظالمة أن تخرجهم عن منهجهم وهدفهم الذي
يسعون إليه، ولهذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم بأنهم: لا يضرهم من
كذبهم، ولا من خالفهم، ولا يبالون من خالفهم[8]،
وهذه التعبيرات النبوية الكريمة تشير إلى هؤلاء العاملين الذين عرفوا أهدافهم
وسلكوا طريقهم فلم ينظروا إلى خلاف المخالفين وعوائق المخزلين ولا تكذيب الأعداء
الحاقدين، وكانوا يواجهون كل المتاعب بصبر وثبات ويقين[9]،
وهذه الصفات التي جاءت في الأحاديث النبوية لوصف الطائفة المنصورة، قد إنطبقت على
جيش سيف الدين قطز والمماليك الذين حققوا النصر في معركة عين جالوت، إن الانتساب
إلى الطائفة المنصورة ليس شعاراً ولا هو دعوة وإنما هو تحقيق وعمل وتحقيق للصفات
الشرعية لهم، وعمل بالواجبات الشرعية عليهم، فمن حقق الصفات وقام بالواجبات كان من
الطائفة المنصورة ولو كان وحده[10]،
قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتاً عند
الله أن تقولوا ما لا تفعلون * إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم
بنيان مرصوص" (الصف ، آيات : 2 ـ 4).


9 ـ سنة التدرج
ووراثة المشروع المقاوم:
قدم أمراء السلاجقة
الكثير من أجل دحر الصليبيين، وقد حقق عماد الدين زنكي إنجازاً عظيماً بوضعه
لمشروع رائد ـ ربما رأى الكثيرون في ذلك الوقت ـ إستحالة تحقيقه على بساطته، وهو
مشروعه الوحدوي التحرري والذي حقق إبنه نور الدين جزئه الأول، وحقق صلاح الدين
قسماً مهما من جزئه الثاني، ولذلك نرى إنتصار صلاح الدين في حطين تتويجاً لمشروع
عماد الدين الوحدوي التحرري، فلولا الله ثم متابعة نور الدين لخطا والده في توحيد
الشام ثم توحيد مصر مع الشام، لما تحقق هذا النصر[11]،
الذي تم بفضل الله ثم جهود التوحيد التي قامت على عقيدة الإسلام الصحيحة التي تدعو
للوحدة الإسلامية التي لا تفرق بين جنس أو لون، أو طائفة، وإنما جمعتهم الأخوة في
الله والتي لم تفرق بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس ولا غيرها من الأمم التي
انضوت تحت راية الإسلام، قال الشاعر:


ولست أدري سوى الإسلام لي
وطناً


الشام
فيه ووادي النيل سيان





وإينما ذكر إسم الله في بلد


عددت
أرجاءه من لب أوطاني





ولقد تفاعلت العوامل
التي ساعدت على الوحدة في عهد صلاح الدين مع الزمن والوقت، وخضعت لسنة التدرج
وأعطت ثمارها في معركة حطين وتوجت بفتح بيت المقدس، وأصبح المؤمنون فبتوادهم
وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى[12]،
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها الغزاة من أجل تمزيق أرجاء العالم
الإسلامي، فقد نجحوا في تقطيع أراضي المسلمين، ولكنهم لم ينجحوا في تمزيق قلوبهم،
وظل المسلم محباً لأخيه المسلم، ولسان حال كل منهم[13]
يقول:


أبا سليمان قلبي لا يطاوعني


على
تجاهل أحبابي وأخواني


إذا إشتكى مسلم في الهند أرقني


وإن
بكى مسلم في الصين أبكاني


ومصر ريحانتي والشام نرجستي


وفي
الجزيرة تاريخي وعنواني


أرى بخارى بلادى وهي نائية


وإستريح
إلى ذكرى خراسان


فأينما ذكر إسم الله في بلد


عددت
ذاك الحمى من صلب أوطان


شريعة الله لمت شملنا وبنت


لنا
معالم إحسان وإيمان[14]





إن سلاطين المماليك
ساروا على نهج عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين وأخلصوا النية لله وحده وجددوا
دعوة الجهاد معاً[15]،
فهذا سيف الدين قطز بأقواله وأفعاله يبرهن على ذلك، فبعد معركة عين جالوت وقف
خطيباً وقال: لقد صدقتم الله الجهاد في سبيله فنصر قليلكم على كثير عدوكم، إياكم
والزهو بما صنعتم، ولكن أشكروا الله واخضعوا لقوله وجلاله إنه ذو القوة المتين،
واعلموا انكم لم تنتهوا من الجهاد وإنما بدأتموه، وإن الله ورسوله لن يرضيا عنكم
حتى تقضوا حق الإسلام بطرد اعدائه من سائر بلاده، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله[16]،
والواقع اننا إذا تتبعنا أعمال سلاطين دولة المماليك في هذا المجال ندرك أن الدافع
الاساسي لهم كان الجهاد في سبيل الله للذود عن ممتلكات المسلمين، ولما كان ذلك لا
يتأتى إلا بتوحيد كلمة المسلمين، فإنهم قد سعوا جاهدين لتحقيق ذلك، فبدأوا جهودهم
بتجميع الفلول الإسلامية التي فرت من وجه العدوان المغولي وحشدها داخل الأراضي
المصرية، وخرج السلطان قطز على رأس تلك الجموع بعد أن غرس فكرة الجهاد في نفوسها
وأشعل الحماسة في صفوفها إلى بلاد الشام وتمكن من كسر المغول في عين جالوت التي
تعتبر بحق بداية النهاية للوجود المغولي في بلاد الشام، ترتب عليها إعادة الوحدة
مرة أخرى بين مصر والشام، ليمهد الطريق لمن أتى بعده من السلاطين لمواصلة الجهاد
ضد المغول والصليبيين، ذلك الجهاد الذي كان يعد في نظرهم فرض عين على كل مسلم لا يقل
عن كونه ركناً من أركان الإسلام[17]،
وخلاصة القول أن سلاطين المماليك استفادوا من الجهود التراكمية التي سبقتهم وبنوا
عليها وجددوا الدعوة للجهاد وتحرير أراضي المسلمين من المشاريع الغازية المغولية
والصليبية.


10 ـ الاستعانة
بالعلماء واستشارتهم:
كانت من القيم الراسخة
في دولة المماليك، قيمة العلوم الشرعية وعلماء الدين، فطول أيام الايوبيين في مصر،
ومنذ أن رسخ صلاح الدين المذهب السني في مصر بعد قضائه على الدولة الفاطمية، وقيمة
العلماء مرتفعة في أعين الناس والحكام على السواء، حتى أنه لما صعدت شجرة الدر إلى
كرسي الحكم، وقام العلماء بإنكار ذلك وكتابة الرسائل المعادية للملكة وتحفيز الناس
على رفض هذا الأمر، ما استطاعت شجرة الدر ولا أحد من أعوانها أن يوقفوا هذه الحركة
الجريئة من العلماء[18]،
وكان من طبيعة العلماء في ذلك العصر النزول في ساحات القتال وتحريض الناس على
الجهاد كما حدث في الحملة الصليبية السابعة عام 648هـ، وكان من أشهر هؤلاء العلماء
العز بن عبد السلام، وكان مقرباً ومحبباً لسيف الدين قطز، وأخذ بترشيده وقتاويه
ونفذ ذلك وخصوصاً تلك الفتوى الشهيرة المتعلقة بوجود المال اللازم للإعداد ما يلزم
الحرب، فعقد سيف الدين قطز مجلساً للمشورة في قلعة الجبل وحضر قاضي القضاة بدر
الدين حسن السنجاري والشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان السؤال حول أموال العامة
ونفقتها في العساكر، فقال ابن عبد السلام: إذا لم يبق في بيت المال شيء وأنفقتم
الحوائص الذهبية ونحوها من الزينة وساويتم العامة في الملابس سوى آلات الحرب، ولم
يبق للجندي إلا فرسه التي يركبها ساغ أخذ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء، إلا
أنه إذا دهم العدو وجب على الناس كافة دفعه بأموالهم وأنفسهم[19]،
وانقضى الاجتماع ويفهم مما تقدم أن المسلمين لم يكونوا يوافقون على فعل شيء أو دفع
ضريبة إلا إذا أقرها علماء الإسلام، وأصدروا الفتاوى بجوازها، وهذا يعني الخضوع
للشريعة، ومن جهة أخرى فإن السلطان ملتزم بما صدر عن إفتاء العلماء، بل راح
الأمراء ورجال الدولة يقدمون ما يملكون وأحضروا ما في بيوتهم من حلي نسائهم
وأموالهم، وأقسموا لم يتركوا شيئاً، وذلك طواعية دون إرغام أو تهديد وإنما إستجابة
لرأي الشريعة، ولما كانت هذه الأموال لا تقوم بالمطالب إستعان السلطان قطز بالرعية
بعد أن تساووا جميعاً، وفرض إجراءات من أجل توفير المال اللازم للحرب، ومن ثم كانت
الأموال التي أنفقها المسلمون في حرب التتار في موقعة عين جالوت أموالاً طيبة
ساهمت في تحقيق الإنتصار[20]،
وكان السلطان سيف الدين قطز يحترم ويقدر وينفذ فتاوى العلماء وكان يستعين بهم
ويطلب مشورتهم في النوازل وكان العلماء والفقهاء يقومون بدورهم الكبير في توعية
الشعب بالأخطار المحيطة به ويحرضون الناس على طلب الشهادة، والإستجابة لنداء
الجهاد، فقد حدث تكامل بين أمراء المماليك والعلماء في مقاومة التتار، فكان ذلك
الإنسجام والتعاون المستمر من أسباب النصر في عين جالوت، فبين العلماء أحكام الله
تعالى في الجهاد، كيف يتعامل مع أموال العامة، حتى تصبح حلالاً لا ظلم ولا عدوان
فيها، مع الإستعداد النفسي لدى السلطان قطز في تنفيذ حكم الله وأثر ذلك على شعور
الناس بقيمة العدل التي ساهمت في جعل روح جديدة تسري في كيان الشعب تحت قيادة قطز.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:45

11 ـ الزهد في الدنيا:
لما تحدثنا عن أسباب سقوط الدولة الخوارزمية، ذكرنا منها، حب الدنيا وكراهية
الموت، وكيف كان حب الدنيا مهيمناً على القيادة والشعب في ذلك الوقت، وقد دبت
الهزيمة النفسية في قلوب المسلميين وتعلقوا بدنياهم الذليلة تعلقاً ورضوا بأن
يبقوا في قراهم ومدنهم ينتظرون الموت على أيدي الفرق المغولية، وقد رأينا، محمد بن
خوازم، وجلال الدين بن خوارزم والناصر لدين الله، والحليفة العباسي المستعصم
بالله، وبدر الدين لؤلؤ، والناصر الأيوبي، كيف كانت نهايتهم أما قطز وشعبه، فقد
فطنوا لهذا المرض، وزهدوا في الدنيا وكان سيف الدين قطز قدوة ومثلاً حياً بين
الناس، فقد باع ما يمتلكه ليجهز جيوش المسلمين المتجهة لحرب التتار، ولم يطمع في
كرسي الحكم، بل عرض القيادة على الناصر يوسف الأيوبي على قلة شأنه، إذا قبل
بالوحدة بين مصر والشام، ولم يطمع في استقرار عائلي أو إجتماعي أو أمن أو أمان،
فكرس حياته للجهاد والقتال، على صعوبته وخطورته، ولم يطمع في أن يمتد به العمر،
فخرج على رأس الجيوش بنفسه ليحارب التتار في حرب مهلكة، ولا شك أنه يعلم أنه سيكون
أول المطلوبين للقتل، ولا شك أنه يدرك كذلك أنه إذا لم يخرج بنفسه، وأخرج من ينوب
عنه فإن أحداً لن يلومه؛ لأنه الملك الذي يجب أن يحافظ على نفسه لأجل مصلحة الأمة
لكنه اشتاق بصدق إلى الجهاد وتمنى الموت بين صليل السيوف وأسنة الرماح فزهد في هذه
الدنيا الفانية وكانت حياته تطبيقاً عملياً كاملاً لكلماته[1]،
فكانت تلك الكلمات قد سرت روحها في أركان حربه وجنوده وشعبه وتحركوا لأحد الحسنين
فكان النصر الكبير في معركة عين جالوت.



12 ـ صراعات داخل
بيت الحكم المغولي:
وصلت الأخبار إلى
هولاكو بوفاة أخيه الأكبر منكو خان وتنازع أخوية الآخرين "قوبيلاي"
"واريق بوقا" على ولاية عرش المغول فوجد نفسه مضطراً إلى العودة إلى
مقره الرئيسي مدينة مراغة ليكون قريباً من مجرى الحوادث في منغوليا، ليسهل عليه
التحرك إلى منغوليا إذا دعته الحاجة إلى ذلك، وبالرغم من أن هولاكو هو الابن
الرابع لتولوي خان من حقه أن ينافس أخويه في تولي ذلك المنصب، غير أنه لم يولي ذلك
المنصب اهتماماً، ولعل ذلك راجع إلى ما تهيأ له من النجاح والظفر في ايران والعراق
والشام[2]،
فضلاً عن خوفه من ازدياد هوة الخلاف وتعقيد الأمور ولكنه في الوقت نفسه كان يرى أن
أخاه قوبيلاي أجدر بتولي العرش من أخيه الآخر ارقيق بوقا وحرص على أن يحضر
الانتخابات ليزكي ترشيح أخاه قوبيلاي خاناً أعظم للمغول ومن ناحية أخرى لاننسى ما
كان من ازدياد العلاقات سوءا بين هولاكو وابناء عمومته خانات القبيلة الذهبية
"القبجاق"[3]،
الذين باتوا يهددون ممتلكاته ـ وهذا صرفه عن مدّ الامدادات اللازمة للمغول في بلاد
الشام، وكذلك لم يستطع قيادة جيش كبير للانتقام من هزيمة معركة عن جالوت ورد
الاعتبار والهيبة للمغول ـ إذ أن بركة خان زعيم القبيلة الذهبية كان يميل إلى
المسلمين في الوقت الذي كان هولاكو وحاشيته يعملون جاهدين على ارضاء المسيحيين
واستمالتهم إليهم وتطور الأمر ببركة إلى أن اعتنق الدين الإسلامي، وتعرض هولاكو
للتقريع والتأنيب من قبله وصار بركة يتهدده بالانتقام منه بسبب ما اقترفه من مذابح
راح ضحيتها ألوف من المسلمين، وما أنزل بهم من دمار وخراب، فضلاً عما تعرض له
الخليفة العباسي من الهوان وتجرئه على قتله، لذلك كثيراً ما وقع الاحتكاك بينهما
عند جبال القوقاز التي تفصل بين نفوذهما، بل ذهب بركة خان إلى ما هو أبعد من ذلك،
حيث قام باضهاد القبائل المسيحية التي كانت تسكن تلك المناطق وذلك رداً على ما
سلكه هولاكو من سياسية تعسفية تجاه المسلمين بقصد اذلالهم، ويبدو أن هولاكو أراد
أيضاً حداً لتصرفات التهكم والانتقام التي مارسها بركة ضده، فحاول أن يفرض سلطانه
على الجانب الشمالي لجبال القوقاز، ولكن بركة أعد لذلك الأمر عدته، واستطاعت جيوشه
أن تنزل بجيوش هولاكو هزيمة ساحقة[4]،
وهناك أسباب أخرى ذكرت في دفع هولاكو للعودة إلى عاصمته بالمشرق فإن الذي يهمنا
قوله هو أن ذلك الحدث المفاجيء كان تحولاً خطيراً، غير مجرى سياسة المغول التوسعية
التي جعلت هولاكو لم يعد إلى فارس بمفرده، بل عاد ومعه جموع من عساكره[5]،
وهذا مما ساهم في تحقيق النصر في معركة عين جالوت.



13 ـ سنة الله في
أخذ الظالمين والطغاة:



قال تعالى:"ولا
تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون" "ابراهيم، آية: 1" وقال
تعالى:"إن ربك لبالمرصاد" "الفجر، آية:14" إن الله يملي
للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، لقد عاش التتار في الأرض فساداً، وتحقق لهم الفوز
في غالب معاركهم، واجتاحوا الشرق بأكمله، وتصوروا بعد أن سقطت الشام أمام جحافلهم،
أنه ليس أمامهم إلا مصر وبعدها يكونون قد ملكوا أزمة الأمور[6]،
وقد انتابهم غرور عظيم مع ظلم وطغيان وأنذر إلى ما جاء في رسالتهم لقطز: .. فنحن
لا نرحم من بكى، ولا نرفق لمن أشتكى، وقتلنا معظم العباد فعليكم بالهرب، وعلينا
الطلب فأي أرض تأويكم، وأي طريق تنجيكم وأي بلاد تحميكم؟ فما من سيوفنا خلاص، ولا
من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال
وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتالنا لا تنفع ودعاؤكم علينا لا
يسمع[7].
وهذا يعني الغرور الذي لاحد، وحان وقت الخلاص منهم بقدرة السميع العليم وأراد أن
تكون هزيمتهم بل مصرعهم وإنهاء ملكهم في الشام على يد السلطان سيف الدين قطز[8].



إن الأسباب في
انتصار المسلمين في عين جالوت متشابكة ومتداخلة، ويؤثر كل منها في الآخر تأثيراً
عكسياً، فالنجاح السياسي، ويؤثر في الجانب الاقتصادي، ويتأثر به وهكذا وما ذكرنا
من الأسباب لا يمكننا أن نقول هذه فقط لا مزيد عليها فقد يأتي غيرنا ويزيد عليها،
ومطلوب منا التفكر والتأمل والتدبر لنستخرج الدروس والعبر والسنن والقوانين في
قيام الدول وسقوطها، وانتصار الشعوب وهزيمتها، ومعرفة صفات قيادة التمكين، وفقهاء
النهوض وعوامل صناعة التاريخ لنستخدمها لنصرة الله عز وجل، ودينه القويم قال
تعالى:"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق
الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" "يوسف،
آية:111".






سابعاً: نتائج وآثار
معركة عين جالوت:



ترتب على انتصار
المسلمين على المغول في معركة عين جالوت نتائج وآثار كثيرة منها:



1 ـ تحرير بلاد
الشام من المغول:
كان لوصول خبر انتصار الإسلام في عين
جالوت أثر على أهل دمشق وهرب نواب التتار وأصبحت دمشق بدون حكومة لضبط الأمن، وما
قام به المسلمون في دمشق من قتل الخونة والعملاء ومن كاد للإسلام وللمسلمين أثناء
وجود حكم التتار للمدينة، لم يكن عملاً متطرفاً أو تعصباً ضد النصارى أو اليهود،
بدليل أن العقوبات الشعبية لحقت بكل العناصر حتى المسلمين وكما قال المقريزي: ثار
أهل دمشق بجماعة من المسلمين كانوا من أعوان التتار وقتلوهم[9]،
وهذا دليل على أن ثورة المسلمين كانت ضد الخونة ومن تعاون مع الأعداء وهذا الأمرمن
حق المسلمين تأديب من بغى على أهل الإسلام، وبالفعل تمّ تطهير دمشق من المغول
واذنابهم والخونة معهم، وواصل الأمير بيبرس البندقداري مطاردة فلول التتار بعد عين
جالوت، واستمر المسلمين في تطهير بلاد الشام وفلسطين وشرق تركيا من المغول، ولم
يُسمع عن التتار في هذه المنطقة لعشرات السنين، بعد ذلك واختفى القهر والظلم
والبطش والتشريد، وأمن الناس على أرواحهم وأموالهم وأرضهم وأعراضهم[10].



2 ـ تحقق الوحدة بين
الشام ومصر:
ومن أهم نتائج هذه المعركة، إعادة
الوحدة بين شطري الجبهة الإسلامية، مصر وبلاد الشام، وهي الوحدة التي تعرضت لمحنة
التمزق والانقسام منذ مقتل الملك المعظم تورانشاه في المحرم سنة 648هـ والمعلومات
التاريخية تفيد أن المظفر قطز كان يدرك أن انتصار المسلمين في عين جالوت لن يؤتي
ثماره إلا بتحرير الشام من سيطرة المغول، ومن ثم فإنه جعل هذه الغاية شغله الشاغل،
فبمجرد أن تحقق له النصر في عين جالوت، بعث برسالة عاجلة إلى أهل دمشق، يخبرهم
ويطمئنهم، وبذل جهده في توحيد الشام بمصر[11]،
وعادت الوحدة من جديد وليس ثمة غير الوحدة من طريق في ماضينا وفي حاضرنا، إنه
السير على منهج قادة الجهاد، كعماد الدين ونور الدين وجاء صلاح الدين وبنى على
جهدهم انتصاراته الحاسمة ضد الصليبيين وحرر القدس وها هي معركة عين جالوت تشد
الآصرة مرة أخرى وتمنح المسلمين الأرضية التي سيتحركون عليها عبر العقود القادمة
لمجابهة الخصوم، ودفعهم إلى إحدى اثنتين، الإذعان لكلمة الإسلام، أو العودة من حيث
جاؤوا.. لقد ملأت المعركة الفراغ المخيف الذي كان يمكن أن يتمخض عن سقوط الخلافة
العباسية وتفتت الدويلات الإسلامية كالزنكية والايوبيين والخوارزمية، والسلاجقة،
فأتاحت للقيادة المملوكية الشابة أن تقوم بتوحيد الشام ومصر[12].



3 ـ خمود القوى
المناوئة للمماليك:
قضى المماليك على ما
تبقى من الايوبيين الذين كانت لهم بعض الزعامات داخل المملكة، فقد ارسل السلطان
بيبرس في ربيع الآخر سنة 659هـ / شباط 1260م جيشاً إلى الشوبك فاحتلها[13]،
وبعد عدة أشهر أرسل جيشاً آخر إلى الكرك لإظهار قوته[14]،
وفي شهر ربيع الآخر سنة 661هـ /شباط1262م توجه الملك الظاهر إلى دمشق وأرسل في طلب
المغيث ملك الكرك في حيلة إستطاع على أثرها أن يقبض عليه ويسجنه في سجن القاهرة ثم
قتله[15]،
وسار بنفسه إلى الكرك مع جيش يحتوي على جميع صنوف الأسلحة بما فيها الصناع
والوحدات الفنية والهندسية وضرب الحصار على المدينة، فاستسلمت وأعادها إلى حكم
المماليك[16]،
وقد حدثت ثورات في الكرك ضد الحكم المملوكي إستطاع الظاهر القضاء عليها، ولم يكتف
الظاهر بملاحقة الأيوبيين، وسلاطينهم، بل طاردهم وتعقب فلولهم حتى على مستوى جندي
في القوات المسلحة، وذلك بتسريح كل أمراء وضباط وجنود وخدم الأيوبيين، وذلك
إعتقاداً منه في توظيف الجيش، وجعله مختصراً فقد على أولئك الضباط والجنود الموالين،
فأحال على التقاعد الجندي فخر الدين، وتخلص من الأمير سيف بين نجم الأيوبي[17]،
وضايق على الدولة البدرية التي كانت تقع في الجزء الشرقي من سوريا، وتضم الموصل،
والجزيرة ونصيبين وماردين، وكان على الموصل الملك الصالح ابن الملك الرحيم بدر
الدين لؤلؤ، وفي نهاية المطاف قضى الملك الظاهر بيبرس على الدولة البدرية وضمها
إلى الدولة المملوكية وضغط الجيش المملوكي بشدة على قوى الإسماعيلية الذين كانوا
يسكنون في مصياف المنطقة الغربية في حمص وحماه وكانت هذه المنطقة تتميز بالقلاع
والحصون، وقبل أن يتهيأ الإسماعيليون للحرب فاجأهم بيبرس بهجوم إستولى في نهايته
على مصياف ثم توالت هجماته حتى إستولى على قلاعها، وانتصر عليهم إنتصاراً ساحقاً[18].








[1]
قصة التتار صـ359.







[2]
المغول في التاريخ للصايد صـ198.







[3]
القبجاق: فرع من الترك مساكنهم الأصلية حوض النهر ارتش وقد تنقلوا حتى استقروا
بحوض نهر ارتل "الفلجا" في جنوب روسيا الحالية فعرفت تلك الجهة باسم
القبجاق، كما عرفت به أيضاً دولة المغول المسماه القبيلة الذهبية.







[4]
جهاد المماليك صـ113.







[5]
المغول للعريني صـ257، جهاد المماليك صـ114.







[6]
الطريق إلى بيت المقدس صـ141.







[7]
السلوك للمقريزي (1/514).







[8]
الطريق إلى بيت المقدس صـ141.







[9]
الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين والمغول د.فايد صـ122،123.







[10]
قصة التتار صـ 345، التتار والمغول د.محمود السيد صـ132.







[11]
الجبهة الإسلامية د.حامد غنيم صـ 424، دراسات في تاريخ الايوبيين والمماليك
د.نعمان جبران صـ278.







[12]
دراسات تاريخية صـ91.







[13]
الروض الزاهر صـ48، معركة عين جالوت صـ394.







[14]
معركة عين جالوت صـ394.







[15]
المصدر نفسه صـ394، ذيل مرآة الزمان (2 ـ 300).







[16]
معركة عين جالوت صـ395.







[17]
المصدر نفسه صـ396.







[18]
معركة عين جالوت صـ396.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات: 5179
تاريخ التسجيل: 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: معركة عين جالوت الخالدة إنكسار المغول

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 7 يونيو 2009 - 14:46

4 ـ إنتصار الإسلام على الوثنية:
ليس من المبالغة القول إن عين جالوت شهدت معركة حاسمة على المستويات العسكرية،
والسياسية والعقيدية والحضارية عموماً، لقد كان إنتصار المسلمين يعني إنتصار
الإسلام على الوثنية، والتحضر على الجاهلية، والقيم على الإنفلات[1]،
وفي معركة عين جالوت نشهد المعادلة الواضحة التي لا تمنح جوابها العادل إلا إذا
تجمع طرفاها في تكافؤ مقابل، الأخذ بالأسباب، والإيمان الواثق العميق بالله،
وبعدالة القضية التي يجاهد المسلمون من أجلها، وبدون تحقق هذا التقابل، فلن يكون
نصر أو توفيق، ولن يحتاج الأمر إلى مزيد شواهد أو نقاش، فإن مجرى التاريخ الإسلامي
الطويل يعرض علينا عشرات بل مئات وألوفاً من الشواهد على هذا الذي تعرضه علينا
واقعة عين جالوت[2]،
وهذه شهادة المؤرخ الإنجليزي المعاصر ستيفن رنسيمان في كتابه تاريخ الحروب
الصليبية يقول: تعتبر معركة عين جالوت من أهم المعارك الحاسمة في التاريخ، ومن
المحقق لو أن المغول عجلوا بإرسال جيش كبير عقب وقوع الكارثة لتيسير تعويض
الهزيمة، غير أن أحكام التاريخ حالت دون نقض ما يتخذ في عين جالوت من قرار، فما
أحرزه المماليك من إنتصار إنقذ الإسلام من أخطر تهديد تعرض له، فلو أن المغول
توغلوا إلى داخل مصر لما بقي للمسلمين في العالم دولة كبيرة شرقي بلادي المغرب،
ومع أن المسلمين في آسيا كانوا من وفرة العدد ما يمنع من إستئصال شأفتهم، فأنهم لم
يعودوا يألفون العنصر الحاكم ولو إنتصر كتبغا المسيحي، لإزداد عطف المغول على
المسيحيين، ولأصبح للمسيحيين في آسيا السلطة لأول مرة منذ سيادة المحن الكبيرة في
العصر السابق عن الإسلام[3]،
لقد كانت موقعة عين جالوت أول صدمة في الشرق لجيوش المغول وخاناتهم الذن ظن
المعاصرون أنهم قوم لا يغلبون[4].



5 ـ حدث حاسم في
تاريخ البشرية:
إن إنتصار المسلمين في معركة عين جالوت
وما أعقبه من طرد المغول نهائياً من بلاد الشام يعتبر بحق من الحوادث الحاسمة ليس
في تاريخ الشام ومصر فحسب، ولا في تاريخ الأمم الإسلامية بمفردها وإنما في تاريخ
العالم بأسره، إذ أن ذلك الإنتصار العظيم لم ينقذ العالم الإسلامي وحده، بل أنقذ
العالم الأوربي والمدينة الأوربية من شر ذلك الغزو، فلو تم للمغول، إكتساح الأراضي
المصرية والنفاذ إلى الشمال الأفريقي لتمكنوا بسهولة من سلوك الطريق التقليدي إلى
أوربا عبر صقلية وجبل طارق، لذا فإنه لا يختلف إثنان في أن هذه المعركة تفوق في
أهميتها المعارك الحربية الحاسمة في العصور الحديثة[5].



6 ـ روح جديدة في
الأمة:
كان لإنتصار المسلمين في معركة عين
جالوت من العوامل التي ساهمت على إنتشار الإسلام وقتئذ،فقد بعث هذا الإنتصار روحاً
جديدة في المسلمين لا سيما مسلمي فارس الذين إرتفعت روحهم المعنوية وأخذوا يصمدون
أمام مناورات المسيحيين وينافسونهم في تبوء مركز الصدارة في دولة المغول في إيران،
وصاروا يشرحون للمغول تعاليم الدين الإسلامي حتى كللت متاعبهم بنجاح باهر، أثمر
إعتناق المغول في غرب آسيا الدين الإسلامي، بعد أن ثبت لهم صلاحيته لكل زمان ومكان
وشموله لكل نواحي الحياة من خلال معاشرتهم لأهله، ولبعده كل البعد عن الخلافات
الجوهرية التي إبتلى بها الدين المسيحي وذلك لكون الإسلام خاتم الأديان تكفل الله
بحفظه إلى أن يرث الأرض ومن عليها[6].



وسيأتي الحديث عن
دخول المغول في الإسلام مفصلاً بإذن الله تعالى في كتابنا القادم عن الملك الظاهر
بيبرس.



7 ـ إنحسار المد
المغولي:
بعد هزيمة عين جالوت حاول المغول عدة
محاولات لإستعادة مجدهم، ورد إعتبارهم وإرجاع سمعتهم الحربية التي تلطخت بالعار مع
الجيش المملوكي، فقد شنو عدة غارات وسيروا الحملات العسكرية لكي ينالوا من
المماليك، فالحقد يملأ قلوبهم، والانتقام يتميز غضباً في نفوسهم، أنهم كانوا اقوى
جيوش العالم، والآن أصيبوا بالضعف والوهن وزالت هيبتهم[7]،
وإستطاع المسلمون أن يتغلبوا في عين جالوت على الهزيمة النفسية التي كانوا يعانون
منها، وخروج من الإحباط الشديد وعلموا أن الأمل في الله لا ينقطع أبداً، وأنه مهما
تعاظمت قوة الكافرين فإنها بلا شك إلى زوال[8]،
قال تعالى : "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم
جهنم وبئس المهاد" (آل عمران ، آية : 196 ـ 197).



8 ـ فشل التحالف بين
الصليبيين والتتار:
ترتب على إنتصار
المماليك في عين جالوت أن ضعف أمل الصليبيين في التعاون مع المغول ضد المسلمين
وذلك بسبب ظهور قوة دولة المماليك الإسلامية التي تمكنت من إبعاد الخطر المغولي
إلى حدود العراق، بل حاول المماليك غزو العراق وإستخلاصه من التتار[9].



9 ـ إضعاف الوجود
الصليبي:
كان لإنتصار المماليك في معركة عين
جالوت دور كبير في إضعاف بقايا الوجود الصليبي على ساحل بلاد الشام، فالذي لا شك
فيه أن الصليبيين أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بعد ذلك النصر العظيم والذي حققه
المسلمون ضد المغول في هذه المعركة، فسارع زعماؤهم ـ بعد أن أدركوا أن نهايتهم
آتية لا محالة ـ بالتقرب إلى السلطان بيبرس، وطلب مراحمه، فعقد معهم معاهدات أملى
شروطها بنفسه وقام في الوقت نفسه بإبرام سلسلة من المعاهدات والإتفاقات الودية مع
الدول الأجنبية القريبة من بقايا الصليبيين في بلاد الشام، وتمكن من أحكام العزلة
على الصليبيين وذلك بحرمانهم من أي معونة خارجية، الأمر الذي عجل بإقتلاع جزورهم
نهائياً من ساحل بلاد الشام[10].



10 ـ مدينة القاهرة:
لم تقتصر عين جالوت على النواحي السياسية بل تعدت إلى النواحي الحضارية، حيث جنبت
مصر ويلات الغزو المدمر القاهرة لما تعرضت له بغداد ودمشق، وغيرهما من مدن إيران
والعراق والشام من الخراب والدمار الذي عطل ما كانت تزخر به هذه المدن الإسلامية
من الآداب والعلوم والفنون والمعالم الحضارية، وبقية القاهرة مكاناً هادئاً آمناً
يهرع إليه العلماء والأدباء والفنانون حتى إكتسبت عاصمة المماليك مكانة ممتازة في
هذا المجال إلى جانب مكانتها السياسية، التي برهنت على ما إكتسبه المماليك
المسلمون من هيبة وقدرة في شئون السياسة والحرب، وإتضحت في علاقاتهم الخارجية
والدولية الواسعة الإنتشار وفي إصلاحاتهم وإداراتهم الداخلية الحازمة[11].



11 ـ ميلاد دولة
المماليك الفتية:
في الوقت الذي كانت قوات الحملة
الصليبية السابعة تنزل على شاطيء البحر المتوسط أمام دمياط، كانت جحافل التتار
بقيادة هولاكو تطوي بلدان المشرق الإسلامي وتقترب من عاصمة الخلافة العباسية
الواهنة في بغداد، وإذا كانت إنتصارات المماليك في المنصورة وفارسكور سنة
648هـ/1250م هي صرخة الميلاد للدولة المملوكية، فإن معركة عين جالوت ـ التي حسرت
المد المغولي ـ كانت تأكيداً للدور التاريخي الذي ينتظر دولة سلاطين المماليك، وهو
دور القوة الضاربة المدافعة عن العالم الإسلامي[12]،
وتمكنت الدولة الجديدة ـ بقيادة السلطان الظاهر بيبرس ـ أن تغير مصير المنطقة في
أكثر من إتجاه إذ طاردت فلول المغول وقضت على بقايا الأيوبيين، كما أحاطت
بالمستوطنات الصليبية من كل إتجاه، وعلى الرغم من الضجة التي أحدثها المغول في
تاريخ المنطقة إلا أن خطرهم على العالم الإسلامي لم يكن كبيراً مثل خطر الصليبيين
الذين كان الصراع ضدهم صراع وجود، ويتأكد هذا القرض من خلال الحقيقة القائلة: أن
المغول الذين غزو المشرق الإسلامي لم يلبثوا أن إعتنقوا الإسلام، وصاروا من أكثر
المدافعين عنه حماسة بعد جيلين فقط من هزيمة عين جالوت.



12 ـ الدور الرمزي للخلافة
العباسية:
تأكد الدور الرمزي والعاطفي للخلافة
العباسية، فقد كان إحياء الخلافة العباسية في القاهرة سنة 659هـ/1261م بمثابة الحل
السعيد الذي وجده السلطان الظاهر بيبرس لإضفاء الشرعية على دولته العسكرية التي
قامت بدور هائل في تصفية الوجود الصليبي، وقد أثبتت الأحداث طوال عصر سلاطين
المماليك أن الخلفاء العباسيين في القاهرة لم يكن لهم من الخلافة سوى إسمها، كما
تحددت إقامة معظمهم بحيث كانت أقرب إلى الإعتقال[13].



13 ـ تطوير الجيش
المملوكي وتحديث عتاده وأنظمته:
إزداد حجم
الجيش بعد معركة عين جالوت وتعددت تشكيلاته القتالية، ففي أعقاب المعركة وفي زمن
الملك الظاهر كان هناك ثلاث جيوش، أحدهما في مصر وثانيهما في دمشق وثالثهما في
حلب، ولقد أطلق على الجيش الذي يقوده القائد الأعلى جيش الزحف، ويبلغ عدده أربعين
ألف مقاتل، وبلغت إحدى التجريدات في عهد الملك الناصر مائة وخمسين ألف مقاتل ثم
تطور هذا الجيش، فأصبح يضم قوات مركزية في مصر وقوات إحتياطية ودخل في قوامه جيوش
القبائل العربية والتركمان والأكراد، ووصل حجمه إلى ثلاثمائة وسبعة وخمسين ألفاً ،
وكذلك فإنه طرأ تطوير كبير على نوعية الأسلحة والاختصاصات المتعددة في الجيش، وتم
بناء الجسور والقناطر والترع، كما كان سلاح النفط والنيران في مقدمة الأسلحة التي
أصابها التطوير، إذ تنوعت المواد الخارقة وإستخدمت على نطاق واسع وغير ذلك من
أنواع الأسلحة[14].



هذه أهم نتائج وآثار
معركة عين جالوت على العالم الإسلامي والإنسانية.








[1]
دراسات تاريخية صـ89.







[2]
المصدر نفسه صـ90.







[3]
المصدر نفسه صـ4، عين جالوت فتحي شهاب الدين صـ34.







[4]
نهر التاريخ الإسلامي صـ456.







[5]
جهاد المماليك صـ356، مصر في العصور الوسطى محمود محمد صـ246.







[6]
المصدر نفسه صـ357.







[7]
معركة عين جالوت صـ381.







[8]
قصة التتار صـ344.







[9]
الجها الإسلامي ضد الصليبيين والمغول د. فايد صـ126.







[10]
جهاد المماليك صـ357، المظفر قطز العسيلي صـ126.







[11]
جهاد المماليك صـ357.







[12]
ماهية الحروب الصليبية صـ192.







[13]
المصدر نفسه صـ193.







[14]
………………… .
  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 28 يوليو 2014 - 19:26