منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

أخي الزائر انت غير مسجل يمكنك التسجيل والمساهمة معنا في إثراء المنتدى ...وأهلا وسهلا بك دوما ضيفا عزيزا علينا ...شكرا لك لاختيار منتدانا كما ندعوك لدعوة اصدقائك للاستفادة من المنتدى وإثرائه ..شكرا وبارك الله فيكم جميعا
منتدى تلات عبد القادرللعلوم والمعارف والثقافات

منتدى تلات عبد القادر للعلوم والمعارف والثقافات لكل الفئات العمرية والأطياف الفكرية

اخي الزائر شكرا لك على اختيارك لمنتدانا ..كما نرجو لك وقتا ممتعا واستفادة تامة من محتويات المنتدى..وندعوك زائرنا الكريم للتسجيل والمشاركة في إثراء المنتدى ولو برد جميل ...دمت لنا صديقاوفيا..وجزاك الله خيرا.

المواضيع الأخيرة

» نسخة اصلية لكتاب اطلس التاريخ الإسلامي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:12 من طرف Admin

» أرشيف صور ثورة الجزائر الخالدة المصور
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:09 من طرف Admin

»  دليل المقاطع التعليمية للسنة الأولى ابتدائي و السنة الثانية ابتدائي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 13:00 من طرف Admin

» مناهج الجيل الثاني على شكل ppv ستساعدكم بإذن الله
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:58 من طرف Admin

» مذكرات الرياضيات للسنة أولى إبتدائي مناهج الجيل الثاني2016/2017
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:57 من طرف Admin

» منهجية تسيير جميع مقاطع ا اللغة العربية للسنة الأولى في الجيل الثاني
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:55 من طرف Admin

» مذكرات الأسبوع الخامس للسنة الأولى *** - الجيل الثاني - منقولة ،
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:55 من طرف Admin

» التقويم في منهاج الجيل الثاني وفق المقاربة بالكفاءات
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:53 من طرف Admin

» التدرج السنوي2016/2017 يشمل جميع المواد : الأدبية + العلمية + زائد مواد الإيقاظ وفق مناهج الجيل الثاني ،
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:52 من طرف Admin

» دليل المقاطع التعليمية للسنة أولى و الثانية ابتدائي
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:51 من طرف Admin

» دفتر الأنشطة للغة+اسلامية+مدنية للسنة 2 بتدائي للجيل الثاني 2016-2017 م
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:50 من طرف Admin

» مناهج الجيل الثاني ابتدائي و الوثائق المرافقة لكل المواد في مجلد واحد
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:47 من طرف Admin

» الكراس اليومي مع مذكرات جميع أنشطة الأسبوع 6 سنويا المقطع 2 الأسبوع
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:46 من طرف Admin

» دليل الأستاذ السنة الثانية س2 رياضيات تربية علمية كاملا
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:44 من طرف Admin

» منهجية تسيير أسبوع الإدماج في اللغة العربية والتربية الإسلامية والتربية المدنية للسنة الثانية الابتدائي لجميع المقاطع
الأربعاء 12 أكتوبر 2016 - 12:43 من طرف Admin

التبادل الاعلاني

تدفق ال RSS


Yahoo! 
MSN 
AOL 
Netvibes 
Bloglines 

  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

شاطر

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 19:55

الشيخ
طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام ـــ هاني
المبارك
(*)


طاهر الجزائري ابن الشيخ
صالح بن أحمد السمعوني الوغليسي الجزائري الدمشقي
الحسني،
أما نسبته على سمعون فهي قبيلة جزائرية كانت تقيم في منطقة
القبائل
قرب بجاية، وأما نسبته إلى وغليس فهو واد نسب إليه بنو وغليس، أو
أن
الوادي سمَي باسمهم، وأما نسبته إلى دمشق فلأنها كانت وطنه الثاني حيث
ولد فيها
وعاش وتوفي فيها، ودفن في سفح جبل قاسيون، وقبره هناك تكاد تضيع
آثاره(1).‏


وتنسب أسرته إلى الحسن بن
علي بن أبي طالب ولهذا عرف بالحسني. أما والد
الشيخ
طاهر وهو الشيخ صالح فقد هاجر من الجزائر بعد نفي الأمير عبد القادر
الجزائري
إلى فرنسا على إثر توقف ثورته، وكانت هجرة الشيخ صالح مع مجموعة
من شيوخ
الجزائر وعلمائها إلى بلاد الشام، وعرفت هذه الهجرة بهجرة المشايخ
وكانت
سنة 1263هـ /1847م.‏



كان الشيخ صالح من علماء
الجزائر فهو فقيه اشتهر بعلم الفلك وعلم الميقات
وله
رسالة في هذا العلم، كما أنه مال إلى علوم الطبيعة والرياضيات.‏



وقد عهد إليه بإفتاء
المالكية في دمشق لأن معظم المهاجرين الجزائريين
كانوا
على المذهب المالكي. واشتهر بدمشق بعلمه وفضله وأخلاقه. واشتهر من
أبناء
أسرته ابنه الشيخ طاهر وابن شقيقه سليم الجزائري الذي كان من كبار
ضباط
الجيش العثماني والذي انتهت حياته شهيداً من شهداء السادس من أيار
على يد
جمال باشا السفاح عام/1916م/1334 هـ وهو من مؤسسي الجمعية
القحطانية
وجمعية العهد.‏



نشأته ودراسته وأخلاقه:‏


ولد الشيخ طاهر في دمشق سنة 1268
هـ/1851م وتعلم على يد والده أولاً ثم
التحق
بالمدرسة الجقمقية المجاورة للجامع الأموي في منطقة الكلاسة ثم لازم
أستاذه
الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني، وكان معجباً به، فأخذ عنه بعض
عاداته
وأخلاقه، كالولع بالمطالعة والبعد عن حب الظهور والبدع والتمسك
بلباب
الدين ومعرفة أسرار الشريعة وكراهية التعصب والجمود. فكان أثر هذا
الأستاذ
الفاضل كبيراً في تلميذه الشيخ طاهر كما أشار إلى ذلك الأستاذ
محمد كرد
علي عند حديثه عن الشيخ طاهر حيث قال:«إنه اتصل بعالم عصره الشيخ
عبد
الغني الغنيمي الميداني وكان فقيهاً عارفاً بزمانه واسع النظر بعيداً
عن
التعصب والجمود على قدم السلف الصالح بتقواه وزهده».‏



أثره في تلامذته:‏


«وفي عام 1292هـ/1875م
عين الشيخ طاهر معلماً فبرز بين أقرانه بذكائه وسعة
مداركه
وثقافته وفصاحة لسانه وقوة حجته وحضور بديهته، كما عرف بطبعه
الجزائري
المتميز بعصبية المزاج وكراهية النفاق والمحاباة»(2).‏



كان الشيخ طاهر يكره الغيبة
والنفاق ويحارب البدع والخرافات ويكره القيود
ولهذا
عزف عن الزواج، كان يحب الشاي الأخضر والقهوة، كان موسوعة ومدرسة
متنقلة
وقد طبعت مدرسته تلامذتها بالفكر الواعي المستنير وبالجرأة في الحق
وعفة
النفس والعزة والإباء مستهدفاً إحياء المعاني العربية والروح
الإسلامية
داعياً إلى الاقتباس من الغرب ما فيه صلاح الأمة وتقدمها.‏



إن موقف الشيخ طاهر ومواقف
تلامذته المتأثرين به تكشف عن كل ذلك وكثير من تلاميذه سجن أو نفي وشرد أو أعدم.‏



ومن أمثلة تأثير الشيخ طاهر
على تلامذته تأثيره الكبير في تلميذه محمد كرد
علي الذي
كتب الكثير عن أستاذه الشيخ طاهر من ذلك أنه حرص على مرافقة
أستاذه
حتى آخر حياته، ومما قاله في هذا المجال: اتصلت بالأساتذة الشيخ
طاهر
الجزائري والسيد محمد المبارك والشيخ سليم البخاري وأخذت عنهم وعن
غيرهم من
مشايخ الطبقة الثانية كل ما وسعني قراءته من كتب اللغة والأدب
والبيان
والاجتماع والتاريخ والفقه والتفسير والفلسفة فكان العامل الأكبر
في توجيه
إرادتي نحو الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي والإقدام على التأليف
والنشر
وإثراء محبة الأجداد والتناغي بآثارهم والحرص على تراث حضارتهم
أستاذي
الأكبر الشيخ طاهر الجزائري ، فما زلت ألزمه منذ اتصلت به إلى أن
ذهب إلى
ربه(3).‏



إن كل الذين كتبوا عن
الأستاذ الرئيس محمد كرد علي أعادوا معظم عاداته
وأخلاقه
إلى أثر أساتذته فيه وفي مقدمتهم الشيخ طاهر الجزائري، ومن هؤلاء
شفيق
جبري وجمال الدين الألوسي وأنور الجندي وحسني سبح.‏



ومما قاله الأستاذ جبري في
هذا المجال:«إن من يطالع ترجمة الأستاذ محمد
كرد علي
للشيخ طاهر يعلم مقدار اتصاله به فما كان يغفل عن ناحية من نواحيه
فالشيخ
طاهر يعلم مقدار اتصاله به فما كان يغفل عن ناحية من نواحيه فالشيخ
طاهر هو
الذي دلَه على ما يجب أن يطالعه من كتب المتقدمين في الأدب
والتاريخ
والاجتماع وغير ذلك. وهو الذي أحسن اختيار هذه الكتب فحسن ذوق
كرد علي
بحسن اختيار أستاذه. ولو لم يرزق كرد علي طبقة مثل الشيخ طاهر
الجزائري
لتغير وجهة ثقافته(4).‏



وقال حسني سبح عن محمد كرد
علي:«وقيَض الله لهذا الشاب الموهوب من يهديه
سواء
السبيل في جميع نواحي الحياة، ذلكم هو الشيخ طاهر الجزائري الذي قال
فيه
الأستاذ الرئيس: إنه صدر الحكماء وإنه من أشرب قلبي حب العرب وهداني
إلى
البحث في كتبهم فسار كرد علي على هدى أستاذه واقتفى أثره فأكثر من
المطالعة
في كتب السلف... وقد تربى على أيدي ذلك الشيخ الجليل حفنة من
المستنيرين
والمثقفين الذين كانوا يتحلقون حوله ويغترفون من معين
علمه»(5).‏


وقال الألوسي في معرض حديثه عن
الأستاذ كرد علي:«كانت نزعة الإصلاح ذات
جذور في
أعماق نفسه بفضل فطرته وتربيته ولأساتذته الفضل الأكبر في إذكاء
هذه
الروح وعلى رأسهم الشيخ طاهر الجزائري»(6).‏



وقد شكل الشيخ طاهر الجزائري
في بلاد الشام وفي دمشق بالذات حلقة أدبية
وثقافية
ضمت عدداً كبيراً من المفكرين والشباب كانت تدعو إلى تعليم العلوم
العصرية،
ودراسة تاريخ العرب وتراثهم العلمي وآداب اللغة العربية والتمسك
بمبادىء
الأخلاق الدينية والأخذ بالصالح من المدينة الغربية(7).‏



كانت حلقة الشيخ طاهر
الجزائري تضم عدداً من الشيوخ والشباب النابهين وكان
منهم
الشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ سليم
البخاري
ورفيق العظم، ومحمد كرد علي، وشكري العسلي، وعبد الوهاب المليحي
(الإنكليزي)،
وعبد الحميد الزهراوي، وعبد الرحمن الشهبندر، وفارس الخوري،
ومحب
الدين الخطيب(Cool، ومحمد سعيد الباني.‏



حامل لواء النهضة في بلاد
الشام:‏



كان الشيخ طاهر الجزائري
شعلة أضاءت بلاد الشام في وقت ساد فيه الظلام
والجهل
والجمود الفكري والتعصب والتخلف، وخير من وصف دمشق في القرن التاسع
عشر
للميلاد الأستاذ محمد كرد علي حيث يقول بأنه أدرك دمشق وليس فيها طبيب
قانوني
ولا صيدلي قانوني، ولا حقوقي قانوني واحد ممن درسوا هذه الفروع على
الأصول.‏


فكان ظهور الشيخ طاهر في
بلاد الشام الشعلة التي أنارت ظلمات الجهل
والتخلف
فتفتحت على يديه عقول عدد من الشباب الذين رفعوا لواء النهضة
العربية
والإسلامية في بلاد الشام.‏



لقد كانت المدارس في بلاد
الشام على نوعين، فهي إما أنها مدارس تبشيرية
وطائفية
تهتم بتدريس العلوم العصرية واللغات الأجنبية وتعد تلامذتها
لممارسة
الحياة العامة في مختلف النواحي في المهن والتجارة ووظائف الدولة،
أو أنها
مدارس قديمة، الرسمية منها والخاصة، ذات طرق عفَّ عليها الزمن
عتيقة
وعقيمة تدرس اللغة العربية وقواعدها وآدابها باللغة التركية وحتى
القرآن
الكريم تحفَظ آياته دون معرفة معانيه، ولا يعرفون من اللغة إلا
النصوص ،
ولا يفرقون بين الصحيح من الحديث وبين الموضوع أو الضعيف ولا
تستقيم
لهم جملة، كما وصف حالهم هذه الأستاذ محمد كرد علي في مذكراته...‏



الشيخ طاهر ومدحت باشا:‏


وسط هذا الجو المظلم لمع نجم
الشيخ طاهر وحدث أن تسلم ولاية دمشق الوالي
العثماني
مدحت باشا سنة 1296هـ /1878م، الذي عرف بحبه للإصلاح فاعتمد على
الشيخ
طاهر بالإشراف على حركة التعليم وفتح المدارس في بلاد الشام فشمر
الشيخ عن
ساعد الجد ووجد في ذلك فرصة سانحة لإشباع رغبته بما كان يملأ
قلبه
وفكره، فبدأ بتأسيس المدارس فأنشأ في دمشق أول ثانوية، وأسس أول
مدرسة
لتعليم البنات، كما اهتم بتأسيس المكتبات العامة، فأنشأ في دمشق
المكتبة
الظاهرية، واهتم أيضاً بتأسيس المكتبة الخالدية في القدس، فكانت
خطواته
هذه خطوات جبارة بالنسبة لذلك الوقت الذي خيم فيه التعصب والجمود
والجهل.‏

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 19:56

وقد كان الأستاذ محمد كرد
علي وفياً لأستاذه الشيخ طاهر، وكذلك كان من
تلاميذه الأوفياء لأستاذهم
محمد سعيد الباني الذي أصدر كتاباً على إثر
وفاة الشيخ طاهر وفاء له سماه
(تنوير البصائر في سيرة الشيخ طاهر) أتى فيه
على ذكر أهم أعمال أستاذه من
إنشاء المدارس وتصنيف الكتب النافعة للناشئة
وبحثه عن المخطوطات وجمعها
وسعيه في إحياء التراث العربي لغة وأدباً
وتاريخاً، وعمله في ميدان
التحرر من جميع مظاهر التخلف وقيوده والعودة إلى
الإسلام بمفاهيمه السلفية
النقية وتشجيعه للصحافة ونشرها بين الناس وسيلةً
للتوعية.‏


وأتى الباني في كتابه أيضاً
على ذكر سيرة الشيخ طاهر من مولده ونشأته
وأخلاقه وعلمه وأساليبه في
التعليم وآرائه وسياحاته حتى وفاته.‏



وقد تأثر الباني بآراء
أستاذه الشيخ طاهر شأنه في ذلك شأن بقية تلاميذ
الشيخ طاهر فكان يكتب
المقالات في الصحف يطالب فيها بالإصلاح بكل جرأة
منتقداً المساوئ التي عمت
الدولة العثمانية، وقد تمَ نفيه إلى الأناضول
بعد أن صدر الحكم عليه بذلك
في المحكمة العسكرية في «عاليه» التي حكمت على
إخوانه بالإعدام وسيق معظمهم
إلى المشانق في بيروت ودمشق في 6 أيار 1916.‏



كان الشيخ طاهر الجزائري من
الذين حملوا لواء النهضة العربية في أوائل
القرن العشرين، ومن يقرأ
سيرة تلامذته من أمثال محمد كرد علي ومحمد سعيد
الباني وسليم البخاري وسليم
الجزائري وعبد الحميد الزهراوي وشكري العسلي
وعبد الوهاب الإنكليزي وفخري
البارودي وعبد القادر المبارك يدرك مدى تأثير
الشيخ طاهر بهم.‏


ومما يدل على بعد نظر الشيخ
طاهر أنه حين حدث انقلاب في الدولة العثمانية
عام 1327هـ/1909/ والذي قام
به جماعة الاتحاد والترقي وقضوا به على عهد
السلطان عبد الحميد الثاني
وتسلموا حكم السلطنة فرح الناس وظنوا أنهم
تخلصوا من حكم طاغية ومستبد
وتبعهم في ذلك معظم رجالات العرب الذين أعلنوا
عن فرحتهم بهذا الانقلاب.‏


جهود الشيخ طاهر في مصر:‏


خلال رحلة قام بها الشيخ
طاهر إلى مدينة القدس علم أن رجال الأمن الأتراك
قد فتشوا داره في دمشق فأخذ
حذره وتوارى عن النظار فترة من الزمن كان
خلالها يتنقل سراً مفكراً
بالهجرة من بلاد الشام ، فوجد أخيراً أن خير بلد
يهاجر إليه مصر، لبعدها عن
قبضة الدولة العثمانية بعد أن كانت قد احتلتها
بريطانيا منذ عام 1882م.‏


ونجح بالإفلات من قبضة
مخابرات السلطة العثمانية عام 1325هـ/ 1907 م ووصل
إلى القاهرة حاملاً معه ما
استطاع حمله من كتب ومخطوطات نادرة، وأقام في
بيت متواضع في حي عابدين،
وكان يشتري بعض الكتب ويبيعها بربح بسيط ليعيش
به.‏


وكانت تأبى عليه عزة نفسه أن
يقبل أية معونة أو مساعدة، وكان يملك أنفس
المخطوطات وربما كان بينها
مخطوط وحيد في العالم، ومن ميزاته التي عرف بها
أنه كان لا يبيع كتبه
ومخطوطاته إلا لجهة يضمن فيها النفع العام، كالمكتبة
التيمورية أو
المكتبة الوطنية في القاهرة. وقد عاتب صاحب جريدة المؤيد
لأنه بذل وساطة لدى
الخديوي ليجري راتباً شهرياً للشيخ طاهر ليعيش منه
.
وقال له: «الأحسن يا أستاذ ألا تعرض نفسك لما قد يسود وجهك بسببي ولا
حاجة

بي إلى الرواتب ولا إلى الوظائف» .‏


كان الشيخ طاهر في مصر يقوم
بتحرير بعض الصحف بأجر زهيد، وألف كتاباً في
أصول الفقه ومصطلح الحديث،
وعندما حدث الانقلاب الدستوري في الدولة
العثمانية عام 1326 هـ/1908م
وكان قد مضى حوالي سنتين على هجرته إلى مصر
ثم أعقبه الانقلاب النهائي
الثاني عام 1327هـ/ 1909م حيث أطاح الاتحاديون
بالسلطان عبد الحميد الثاني
وتسلموا الحكم، رفض العودة إلى دمشق فكان بعيد
النظر حيث علم أن الحالة
ستزداد سوءاً بوصول الاتحاديين إلى الحكم
وباستبدادهم به حيث كانوا
أشد سوءاً وأعظم خطراً من استبداد الفرد خاصة
بما كانوا يحملونه من أفكار
عنصرية وقومية طورانية ضيقة ومبادئ لا دينية
لا تتفق مع ما كان يؤمن به
الشيخ طاهر ويدعو إليه ولهذا استمر مقيماً في
مصر، وربما لو أنه عاد إلى
دمشق لكان في عداد الذين أعدموا في 6 أيار عام

1916
وكان معظمهم من تلاميذ الشيخ طاهر وحملة أفكاره.‏


أما عن أثر الشيخ طاهر
الجزائري في مصر فيحدثنا عنه الأستاذ أنور الجندي
فيقول: «والحق أن الشيخ طاهر
الجزائري العملاق لم يكن قوي الأثر في هذه
المجموعة من رجال الشام
وحدها، ولكنه كان عميق الأثر في المجموعة التي
عرفها وعاشرها في القاهرة
خلال حوالي أربعة عشر عاماً أقامها في مصر. وقد
ألهب وجدان من عاشره وخاصة
الأحمدان، أحمد تيمور باشا، وأحمد زكي باشا
الملقب بشيخ العروبة، ليس
بأسلوبه وحديثه فحسب لكنه بأسلوب عيشه ونظام
حياته.‏


الخاتمة:‏


وكثيراً ما كان والدي الشيخ
عبد القادر المبارك ـ رحمه الله ـ يحدثنا عن
أستاذه الشيخ طاهر، ومما كان
يذكره لنا حرص الشيخ طاهر على الوقت، ولهذا
كان يغضب كثيراً ممن يخلف
الموعد معه لأنه كان حريصاً على التوفيق بين
حلقاته التي كان ينتقل بها
بين بيت وجامع أو بين بيت وبيت، ولهذا كان لا
يهتم بمظهره كثيراً فجبته
كانت تحمل الكثير من بقع الطين في الشتاء ولا
يريد من أحد ـ على كثرتهم ـ
أن ينظف له جبته خشية التأخر بإعادته له عند
عزمه على مغادرة الدار، وحتى
الطعام فقد كان كثيراً ما يأكل مما يحمله في
جيبه من الكعك أو الخبز وهو
في طريقه بين حلقتين أو درسين. أما رفيقته
الدائمة فهي مظلته التي كان
يحملها صيفاً وشتاءً لتقيه وهج الشمس في الصيف
ومياه الأمطار في الشتاء.‏


لقد كان الشيخ طاهر نموذجاً
فريداً بين المعلمين والمربين والمفكرين
والدعاة من رواد النهضة لدى
شعوبهم، ويكفيه فخراً أن يقول فيه أحد كبار
تلامذته وهو الأستاذ الرئيس
محمد كرد علي أنه:«لولا ما قام به من التذرع
بجميع ذرائع الإصلاح لتأخرت
نهضة المسلمين في بلاد الشام أكثر من نصف
قرن».‏


لقد غرس الشيخ طاهر الجزائري
في تلامذته من الأخلاق ما نحن بأمس الحاجة
إليه من الجرأة في الحق
والبعد عن الرياء والمداهنة والنفاق، والحرص على
التقيد بالمواعيد وعدم إضاعة
الوقت، والتمسك بلباب الدين والبعد عن التعصب
والجمود وحب الحرية
والاعتماد على النفس والدعوة إلى الاقتباس من حضارة
الغرب ما فيه فائدة للأمة
والبعد عن اقتباس الفاسد من تلك الحضارة.‏



وأخيراً عاد الشيخ طاهر إلى
دمشق فعين فيها مديراً للمكتبة الظاهرية التي
كان قد أسسها، واختير عضواً
في المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية
اليوم) وذلك عام 1338هـ/1919م
وتوفي في مطلع عام1339هـ/1920م بعد أربعة
أشهر من عودته من مصر. ولم
يتزوج في حياته قط لانشغاله بالعلم ومطالعة
الكتب. ولقد نعاه تلميذه
رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق الأستاذ محمد
كرد علي بقوله:«فجمع مجمعنا
العلمي لأول مرة منذ نشأته بعضو عظيم من
أعضائه ومفخرة من مفاخر هذا
الشرق وإمام نابغة بعلوم الدين والدنيا
أستاذنا وحامل لواء المعارف
في ديارنا الشيخ طاهر الجزائري» .‏



وحين أصدر الأستاذ كرد علي
كتابه كنوز الأجداد بعد وفاة الشيخ طاهر
بثلاثين عاماً أي عام 1950م
لم ينس أن يهديه إليه فقال في الإهداء: إلى
روح من أشرب قلبي حب العرب
وهداني إلى البحث في كتبهم صدر الحكماء سيدي
وأستاذي العلامة الشيخ طاهر
الجزائري أهدي كنوز الأجداد.‏



بمثل هذا الأستاذ العظيم
تفخر الأمم حيث أوجد جيلاً من رجال النهضة ما
تزال آثارهم في مجال الثقافة
والسياسة تملأ الصفحات فجزاه الله أحسن ما
يجازي مصلحاً عن أمته، وأكثر
الله من أمثاله في أمتنا ورحمة الله عليك يا
شيخ الإصلاح والنهضة
والتعليم في بلاد الشام.‏



مصادر البحث‏


1ـ كتاب «المعاصرون»،
محمد كرد علي، دمشق 1980.‏



2ـ تنوير البصائر
بسيرة الشيخ طاهر، محمد سعيد الباني، دمشق 1930.‏



3ـ الشيخ طاهر
الجزائري رائد النهضة العلمية، الدكتور عدنان الخطيب، القاهرة 1971.‏



4ـ تاريخ علماء دمشق
في القرن الرابع عشر الهجري، محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة، دمشق 1986.‏



5ـ أشهر الأمثال،
الشيخ طاهر الجزائري، كتب مقدمته وحواشيه الدكتور مازن
المبارك، وفيه ترجمة
واسعة عن الشيخ طاهر وتعريف بمعظم كتبه، دمشق 1995.‏



6ـ كنوز الأجداد،
محمد كرد علي، دمشق 1950.‏



7ـ مقالة نشرت في
مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي عام 1993
بعنوان الشيخ طاهر
الجزائري للدكتور مازن المبارك.‏



8ـ محاضرات عن محمد
كرد علي لشفيق جبري.‏



(*) باحث سوري، وهذا
البحث آخر ما صدر عنه قبل وفاته، رحمه الله تعالى.‏



(1) وذلك بعد أن أخذت
شاهدة القبر وكثر الاعتداء على القبور لغلاء ثمنها.‏



(2) من مقال الدكتور
مازن المبارك في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية ـ العدد السابع 1993 م/1412هـ،
ص189.‏




(3) محاضرات عن محمد كرد
علي لشفيق جبري ص29.‏



(4) محاضرات محمد كرد
علي لشفيق جبري ص29.‏



(5) مهرجان ذكرى مرور
مائة عام على ولادة الأستاذ الرئيس، ص3.‏



(6) المصدر السابق، ص196.‏


(7) الشيخ طاهر
الجزائري، للدكتور عدنان الخطيب، ص19.‏



(Cool الشيخ طاهر
الجزائري، للدكتور عدنان الخطيب، ص 24.‏

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 19:57

طاهر الجزائري وحلقة دمشق
الكبرى ـــ رغداء محمد أديب زيدان(*)



أريد في هذا
البحث تسليط الضوء على شخصية الشيخ طاهر الجزائري, وعلى واحد من أعماله المهمة,
وهي حلقة دمشق الكبرى, في محاولة لبيان أهمية هذا العمل, وأهم نتائجه سواء على
المستوى الفردي للمشاركين فيها, أم على مستوى المجتمع في ذلك الوقت.



وسأبدأ بتذكير
مختصر بسيرة الشيخ طاهر, ثم سأتحدث عن أفكاره السياسية والاجتماعية لأستطيع بعدها
القيام بعرض تفصيلي لحلقة دمشق الكبرى: نشأتها, أهدافها, أعمالها, المشاركون فيها,
تأثيرها ونتائجها. وفي النهاية سأقدم تقييماً لهذه الحلقة وما يمكن أن نستفيده من
الدراسة.



من هو طاهر
الجزائري؟



هو طاهر بن
محمد صالح بن أحمد بن موهوب السّمعوني الجزائري، ولد سنة 1268 / 1852. هاجر والده
إليها سنة 1263هـ، وكان من قضاة المالكية في الجزائر, وعندما استقر في دمشق أصبح
مفتياً للمالكية فيها([1]).



ولد الشيخ
طاهر في دمشق, ودرس في مدارسها, حيث دخل إلى المدرسة الجقمقية([2]), وتخرّج على يد الشيخ عبد الرحمن
البوشناقي([3]), فأتقن العربيّة والفارسيّة والتّركيّة
ومبادئ العلوم المختلفة.



ثم اتصل
بالعالم الشيخ عبد الغني الميداني([4]), وكان لـه تأثير كبير على شخصية الشيخ
طاهر, وقد أنشأه على الأصول العلمية الصحيحة, ومحاربة الخرافات, والتسامح الديني.
ويذكر أن الشيخ عبد الغني الميداني قد حال سنة 1860م بدمشق, دون تعدي فتيان
المسلمين على جيرانهم المسيحيين, فأنقذ ألوفاً من القتل في تلك الفتنة المشؤومة([5]).



وقد تأثر
الشيخ طاهر به, فكان يأخذ من أصل الشريعة باجتهاده الخاص, ولا يعادي أئمة المذاهب
المعروفة, وكان من عادته أن يصحب أصحاب الفرق المختلفة مهما كانت طريقتهم, ولطالما
أعطى الحق لعلماء الشيعة أو الإباضية وغيرهم([6]).



تعلّم الشيخ
طاهر الفرنسيّة والسّريانيّة والعبرانيّة والحبشيّة والبربريّة. وتولى التعليم
لأول أمره في المدرسة الظاهرية الابتدائية. وكان عضواً في ( الجمعية الخيرية )
التي أُسست سنة 1294هـ ([7]), والتي استحالت إلى (ديوان معارف), في عهد
والي الشام مدحت باشا([8]).



ثم عُيّن
مفتشاً عامّاً على المدارس الابتدائية في عام 1295هـ, فألّف كتب التدريس للصفوف
الابتدائية في جميع الفروع, منها: «مدخل الطّلاب إلى علم الحساب», و«رسالة في
النّحو», و«منية الأذكياء في قصص الأنبياء», و«الفوائد الجسام في معرفة خواص
الأجسام», و«إرشاد الألباء إلى تعليم ألف باء», وغيرها كثير([9]). وعمل على افتتاح كثير من المدارس
الابتدائية, حيث تم افتتاح تسع مدارس في مدينة دمشق منها اثنتان للإناث. فجعله
الوالي مفتشاً عاماً للمعارف في ولاية سوريا. فكان يعمل على توعية الناس, ونشر
العلم ومحاربة الخرافة, والاعتزاز بالعروبة والإسلام([10]).



أنشأ المكتبة
الظّاهريّة([11]), والمكتبة الخالدّيّة([12]) في القدس. وتحمّل في سبيل ذلك عداوة
الكثيرين ممن استحلوا أكل الكتب والأوقاف.



وفي سنة
1316هـ / 1898م, عُيّن مفتشاً على دور الكتب العامة, وظل في وظيفته تلك أربع
سنوات, ولكنه أثار حفيظة الأمن بسبب نشاطه وأفكاره التي كان يسعى لبثها في عقول
طلابه ومريديه, حتى هاجم الأمن بيته وعاثوا فيه فساداً, فاضطر إلى التواري عن
الأنظار, وأخيراً قرر الهجرة إلى مصر, فوصلها سنة 1325هـ / 1907م, وسكن في بيت
صغير واجتنب الناس إلا بعض العلماء الذين اتصلوا به بغية الإفادة من علمه([13]).



أولع الشيخ
طاهر باقتناء المخطوطات, وحافظ عليها إلى أن ألجأته الظروف إلى بيع بعضها للإنفاق
على نفسه, رافضاً مبادرات قام بها بعض أصدقائه وطلابه لمساعدته, منعته من ذلك عزة
نفسه, وعفته.



يذكر محب
الدين الخطيب([14]) وهو أحد تلاميذ الشيخ طاهر, أنه حاول
مساعدة الشّيخ طاهر عندما ألجأت الحاجة هذا الشّيخ إلى بيع مخطوطاته ليعيش بثمنها،
فتوسّط له مع بعض معارفه لدى الخديوي لإجراء راتب للشّيخ من الخزينة الخاصّة، فرفض
هذا بإباء. وقال السّيّد محب الدّين معلّقاً على هذه الحادثة: «فظهر لي أنّني لا
أزال أجهل تلك النّفس الكبيرة, رغم معرفتي بصاحبها منذ طفولتي، فقد غضب الشّيخ
طاهر من هذه الحادثة غضباً لم أعهده فيه من قبل»([15]).



وقد ذُكرت
حوادث أخرى عن زهد الشيخ, وهي تظهر لنا جانباً مهماً من شخصية هذا العالم الفذ,
فبالإضافة لزهده, فقد منعته عزّته وصدقه ورغبته بعدم مصانعة الحكام عن قبول مثل
هذه العطايا([16]).



أمضى أيامه في
القاهرة في التأليف والبحث العلمي. وكان لـه مراسلات مع المستشرقين من مختلف
الجنسيات, وشارك في تحرير بعض الصحف.



وظل في
القاهرة إلى سنة 1918م, حيث قرر العودة إلى دمشق بعد قيام الدولة العربية, ولكن
المرض أخرّه, فعاد إلى دمشق سنة 1919م, وعُيّن مديراً لدار الكتب الظاهرية التي
أسسها, وعضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق.



وبعد أربعة
أشهر من عودته توفي في 14 ربيع الآخر, 1338هـ / 5 كانون الثاني سنة 1920م, ودفن في
سفح قاسيون تنفيذاً لوصيته([17]).



تمتع الشيخ
طاهر بصفات مميزة, وغريبة, جعلت منه شخصية مختلفة ملفتة, وقد ذكر معاصروه كثيراً
منها, وهي تدل على علو مكانته وطرافته([18]).



أفكاره في
السياسة والاجتماع:



كان الشيخ
طاهر من الإصلاحيين الإسلاميين. وقد شعر بمدى الانحطاط الذي تعاني منه الأمة,
وأرجع سبب ذلك للاستبداد العثماني, والفساد وسوء الإدارة العثمانية.



وكان يسعى
للعمل على نهضة الأمة وذلك بالأخذ بالعلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة وأسباب
الحضارة, دون التخلي عن الدين الإسلامي, بل إنه كان يؤمن بعظمة هذا الدين وصلاحه
لكل زمان ومكان. ومن خلال ما عرضناه من سيرته, نجد أنه:



1 ـ
اهتم بالعلم والتسلح به, وكان يمضي وقته كله في العلم والبحث, عاش حياته وحيداً
ولم يتزوج، متفرغاً لتحصيل العلوم وتعليمها. وكان يهتم بالناشئة ويشجعهم على طلب العلم
والبروز فيه ويحاول التيسير عليهم, وعدم تنفيرهم من طلب العلم. ومما نُقل عنه أنه
كان يرشد تلاميذه قائلاً: «إن جاءكم من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا تقولوا
له إن هذا مستحيل بل علموه, فلعل اشتغاله هذه الثلاثة الأيام بالنحو, تحببه إليه»([19]). ولا يخفى علينا ما لهذا الإرشاد من فائدة
عظيمة في بث الثقة في النفوس وتشجيعها على طلب العلم.



كما أنه اهتم
بإصلاح التعليم, وافتتاح المدارس المتنوعة, وخصوصاً الابتدائية منها, رغبة منه في
نهضة الأمة ورقيها. حيث كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن نهضة الأمة هي في العلم.



2 ـ اهتم
باللغة العربية والتاريخ الإسلامي. يصف لنا أحد تلاميذه المقربين, وهو محب الدين
الخطيب, أنه أحب اللغة العربية والعرب من أستاذه الشيخ طاهر.



يقول محب
الدين: «من هذا الشّيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي، منه عرفت أنّ المعدن الصّدئ
الآن الّذي برأ اللّه منه في الدّهر الأوّل أصول العروبة، ثمّ تخيّرها ظئراً
للإسلام, إنّما هو معدن كريم, لم يبرأ اللّه أمّة في الأرض تدانيه في أصالته»([20]).

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 19:59

وقد استطاع
الشيخ طاهر إقناع الوالي بضرورة تعليم العلوم باللغة العربية([21]).



واهتمام الشيخ
طاهر باللغة العربية والتاريخ الإسلامي, هو اهتمام بالإسلام نفسه, وقناعة منه أن
النهضة المرجوة لا تعني بأي حال من الأحوال نبذ الهوية العربية والإسلامية.



3 ـ اهتم
الشيخ طاهر بتعلم العلوم العصرية واللغات الحية. لأن ذلك أحد أدوات النهضة.
فالتعرف على تلك العلوم واللغات مهم جداً لمواكبة ركب الحضارة.



يقول محمد كرد
علي([22]): «اتسع صدر الشيخ لجماع علوم المدنية
الحديثة إلا الموسيقى والتمثيل فلم يكن له حظ فيهما, ......... وسياسة الشيخ في
التعليم محصورة في تلقف المسلمين أصول دينهم, والاحتفاظ بمقدساتهم وعاداتهم الطيبة
وأخلاقهم القديمة القويمة, وأن يفتحوا قلوبهم لعامة علوم الأوائل والأواخر, من
فلسفة وطبيعي واجتماعي على اختلاف ضروبها»([23]).



كما أن الشيخ
طاهر اهتم بالصحافة والأدب ونشر الكتب والمؤلفات المفيدة.



4 ـ دعا الشيخ
طاهر إلى إصلاح العادات, وحارب الخرافات والخزعبلات. وكان يقف بشجاعة في وجه
الجمود والتحجر, ويدعو إلى بذل الجهد لنهضة الأمة قدر المستطاع, كما أنه دعا إلى
استخدام وسائل الاتصال المتاحة في عصره لتوعية الناس, وردهم إلى جادة الصواب.



وفي رسالة
بعثها لتلميذه محمد كرد علي تظهر لنا نظرته لخطة الإصلاح حيث يقول: «ومما يهم
الأمر فيه إصلاح العادات, فإن في الشرق كثيراً من العادات التي ينبغي إبطالها كما
أن فيه كثيراً من العادات التي ينبغي المحافظة عليها. غير أنه لا ينبغي أن يستعمل
التنكيت في ذلك, بل يستعمل مجرد البيان الدال على حسن الشيء أو قبحه ......... ومن
العادات الرديئة جداً أن الكاتب قد يمكنه أن يكتب في إصلاح عادة لكنه يرى أن
الكلام في ذلك يكفي عشرة أسطر فيرى الناس يزدرون بذلك وينسبونه لقلة القدرة على
الإنشاء فيترك الكتابة فيه, أو يسهب إسهاباً لا داعي له ......... فينبغي أن يكون
في المجلة ولو مقدار صفحة تبحث في العادات على اختلاف أنواعها, وتعليم ذلك للبنين
والبنات»([24]).



5 ـ كان الشيخ
طاهر ضد الحكم الاستبدادي, لذلك فقد عادى حكم السلطان عبد الحميد([25]), فقد دعا الحكومة إلى الإصلاح والعدل
والشورى وحرية التعليم وحرية الصحافة, مما جعل السلطات العثمانية تلاحقه وتضيق
عليه حتى اضطر إلى الهرب إلى مصر كما رأينا.



وعندما تم
الانقلاب على السلطان سنة 1908م, فرح به الناس وهللوا له, ولكن الشيخ لم يفرح به,
ولم يثق بمن قاموا به, وكان يقول: «وما هذا الانقلاب الخلاب إلا انتقال من نير
استبداد الفرد إلى نير استبداد الجماعات»([26]). وبالفعل فقد صدقت رؤية الشيخ طاهر, وكان
الانقلابيون أكثر استبداداً من السلطان نفسه, وهذا كان من الأسباب القوية لقيام
الثورة العربية الكبرى, والتي فرح بها الشيخ وشجعها كثيراً, لأنه كان يعتبرها خطوة
ضرورية لنهضة الأمة العربية. وساند الحكم العربي في دمشق, وكان يدعو الناس إلى
الدفاع عن هذا الاستقلال([27]).



لقد أخذ كثير
من الناس, قديماً وحديثاً, على رجال العرب قيامهم بالثورة العربية الكبرى في عام
1916م. واعتبروا تاريخ سقوط الخلافة العثمانية تاريخ شؤم, جر على الأمة ويلات
الاستعمار الأوربي, الذي ما زلنا نعاني من تبعاتها حتى اليوم. ولكن نظرة إلى سوء
الإدارة العثمانية, وتسلط الحكام واستبدادهم, وتجهليهم للأمة, يجعلنا نجد العذر
لهؤلاء, ولا نلومهم لثقتهم بوعود الغربيين, لأنهم كانوا يرونهم أهل حضارة فوثقوا
بهم وبوعودهم.



وهذا الشيخ
طاهر نفسه على ما يذكر طلابه, كان واحداً من المعجبين أشد الإعجاب بالإنكليز,
وخصائصهم, وسياستهم, وكان حسن الظن بوعودهم ومواعيدهم, يدل على ذلك كثير من أقواله
وأفعاله. وقد نشر محمد كرد علي رسالة كان قد بعثها الشيخ طاهر إلى «مس بل» أمينة
سر حاكم العراق, يقدم فيها بعض النصائح للإنكليز ليحسنوا تعاملهم مع أهل العراق([28]), ظناً منه أن هؤلاء كانوا فعلاً حملة حضارة
ورعاية ولم يكونوا مستغلين مخادعين.



لذلك فقد كان
لانبهار كثير من هؤلاء الرجال بالحضارة الغربية دور كبير في رغبتهم بتلقفها ونقلها
إلى بلادنا, والتمتع بالحرية والديمقراطية والمظاهر الحضارية الأخرى التي كانوا
يتمنونها. ولم يجدوا غضاضة من التعاون مع الغربيين, طالما أن هدف هذا التعاون هو
نهضة الأمة. بالطبع فإن هذا لا يلغي وجود فئة عملت على مساعدة الغرب بعمالة
مقصودة, ولا تخلو أمة من خونة عملاء, إلا أنه من الظلم الكبير وصف كل من اشترك
بهذه الثورة, أو روّج لها, أو فرح بها بالعمالة للاستعمار, والعمل على هدم
الخلافة.



حلقة دمشق
الكبرى:



عاش الشيخ
طاهر في فترة مظلمة من تاريخ بلاد الشام خاصة والعالم الإسلامي عامة. وكان يعرف
الفرق الشاسع بين موات الأمة العربية والإسلامية وبين الحضارة الغربية. لذلك فقد
سعى إلى العمل قدر استطاعته من أجل نهضة هذه الأمة, التي كان يؤمن بعزتها
وبخصائصها العظيمة.



وقد وصفه محب
الدين الخطيب بأنه: «كان يعرف مواطن الداء في الدولة العثمانية, وفي الأمة التي
أوقعها سوء الحظ تحت سلطانها, فكان بسبب ذلك يقدّر صعوبة موقفه, وما يمكن أن يتهدد
حياته من خطر لو جاهر بكل ما يعرف, لذلك نصّب نفسه ميزاناً للحق»([29]).



ورغم كل ما
كان يلمسه الشيخ طاهر من تدهور في حال الأمة, إلا أنه لم يكن قانطاً من التحرر أو
يائساً من الإصلاح, وإنما كانت ثقته قوية بمستقبل الأمة العربية واستعدادها للنهوض
من عثرتها متى أخذت بأسباب العلم ونشأ أبناؤها على التربية القومية التي تقوي
القلوب وتشحذ العزائم([30]).



وكما رأينا
فإن الشيخ طاهر كان يؤمن بالعلم وسيلة للنهضة, ولكنه لم يكن يرى أن معرفة العلوم
كافية ما لم يرافقها إصلاح للعادات الرديئة والمظاهر الانحطاطية.



والشّيخ طاهر
كان «يرى أنّ الدّولة العثمانيّة موشكة على الانهيار, فيدعو العرب إلى التّأهّب
بالعلم والأخلاق والتّجدد والتّحفّز, لنيل استقلالهم وصون بلادهم من أن تبتلعها
حيتان الاستعمار, حتّى تقوّضت دعائمها, وتداعت عليها الأمم لاكتسابها واقتسام
بلادها»([31]). وراح يبثّ هذه الأفكار بين طلّابه
ومريديه, وكان إخلاصه وثقافته العالية قد جعلا كلّ من يميل إلى الثّقافة والعلم
والتّحرر يتقرّب منه وينهل من علمه. ولم يكن الشّيخ طاهر يفرّق بين أحد من هؤلاء,
لا بسبب الدّين ولا المذهب ولا غير ذلك, مما جعل له شهرة كبيرة في الشّام.



وقد كان للشيخ
طاهر طبقة من أقرانه النبهاء والمفكرين, على رأسهم الشيخ جمال الدين القاسمي إمام
الشّام
في
عصره علماً بالدّين وتضلّعاً من
فنون الأدب, وقد ولد في دمشق سنة 1283/1866,
وكان لـه نشاطات كبيرة, فقد رحل إلى مصر, وزار المدينة, ونشر بحوثاً كثيرة في
المجلّات والصّحف. ولـه مصنفات منها: «دلائل التّوحيد», و«ديوان خطب» وغيرها. وقد
توفّي, رحمه الله, سنة 1332
/ 1914([32]).


ومنهم أيضاً
الشيخ عبد الرزاق البيطار , من علماء دمشق الكبار, وقد ولد فيها سنة 1253 / 1837,
واشتغل بالأدب مدّة, له نظم وقصائد, ثم اقتصر في آخر أمره على علمي الكتاب
والسّنة, وكان من
دعاة
الإصلاح. من أهمّ كتبه, كتاب «حليه
البشر في تاريخ القرن الثّالث عشر», وقد توفّي في دمشق سنة 1335 / 1916 ([33]).


ومن أصدقاء
الشيخ طاهر أيضاً الشيخ سليم البخاري, وهو عالم أديب. ولد بدمشق 1268هـ/ 1851م،
وتولى الإفتاء بالجيش العثماني، وبعد انقضاء الحرب العالمية الأولى عين عضواً في
مجلس الشورى، فعضواً بمجلس المعارف الكبير، فرئيساً للعلماء، وانتخب عضواً بالمجمع
العلمي العربي. من مؤلفاته: «رسالة في آداب البحث والمناظرة»، و«حل الرموز في
عقائد الدروز» وغيرها. وتوفي بدمشق في 10 جمادي الأولى 1347هـ / 1928م([34]).



كان هؤلاء
العلماء وغيرهم يجتمعون بالشيخ طاهر, ويعقدون حلقات العلم والمدارسة, وانضم إليهم
فيما بعد عدد كبير من شباب العرب النابهين نذكر منهم:



رفيق العظم،
العالم البحّاث, من رجال النّهضة الفكريّة في سوريّة، ولد في دمشق 1284 / 1867،
واستقر ّفي مصر, واشترك في كثير من الأعمال والجمعيّات الإصلاحيّة والسّياسيّة
والعلميّة. صنّف كتابه المشهور «أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسّياسة»، وكتاب
«البيان في كيفيّة انتشار الأديان», وغيرها. وقد أهدى خزانة كتبه للمجمع العلمي
العربيّ بدمشق وهي نحو ألف مجلد، توفّي سنة 1343/ 1925([35]).



ومنهم
الدكتور عبد الرحمن الشهبندر, وقد ولد في دمشق عام 1879م, ودرس في الكليّة
السّوريّة الإنجيليّة في بيروت, وتخرّج من كليّة الطّب عام 1906م, كان من الخطباء
المفوّهين, ومن رجال الوطنيّة والقوميّة, هرب من جمال باشا عام 1915م, وعاد إلى
دمشق مع دخول قوات فيصل, شارك كوزير للخارجيّة في الحكومة الفيصليّة, وحكم عليه
بالإعدام, وقد اغتيل عام 1940م, من «كتبه القضايا الاجتماعيّة الكبرى»([36]).

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:00

ومنهم كذلك,
عبد الحميد الزهراوي, من زعماء النّهضة السّياسيّة في سوريا, وأحد شهداء العرب في
عاليه, ولد في حمص, وأصدر صحيفة المنير, كتب في المقطّم. ورئس المؤتمر العربيّ
الأوّل في باريس فحُكم عليه بالإعدام. له رسالة «الفقه والتّصوف», وكتاب «خديجة
أمّ المؤمنين» وغيرها([37]).



وكان منهم
سليم الجزائري, القائد عسكري، عارف باللغات العربية والتركية والفارسية الفرنسية
والانكليزية. ولد بدمشق عام 1296/ 1879, وتعلم في المدرسة العسكرية، ومدرسة
الهندسة البرية بالقسطنطينية وبلغ رتبة قائم مقام أركان حرب في الجيش العثماني،
وحكم عليه بالموت بعاليه في لبنان فأعدم سنة 1334/ 1916. من آثاره: كتاب في المنطق
سماه «ميزان الحق»([38]).



ومنهم الوطني
فارس الخوري, وقد ولد في 20 من تشرين الثاني 1873م في قرية الكفير بمنطقة حاصبيا,
دخل الكلية الأمريكية، وحاز على بكالوريوس في العلوم عام 1897م, درس اللغتين
الفرنسية والتركية وحده بدون معلم. امتهن المحاماة وتقدم بفحص معادلة الليسانس
بالحقوق، فنالها. في عام 1914م فاز بالنيابة عن دمشق في مجلس المبعوثان. وفي عام
1917م اعتقله جمال باشا بتهمة تعامله مع فيصل بن الحسين، ثم قرر نفيه إلى استنبول.
وفي عام 1919م عُيّن عضواً في مجلس الشورى، وهو الذي اقترح على الشريف فيصل
تأسيسه. تولى عدة وزارات وشارك في تأسيس حزب الشعب, والكتلة الوطنية. توفي في
الثاني من شهر كانون الثاني لعام 1962م([39]).



ومن هؤلاء
الشباب أيضاً عبد الوهاب المليحي الشهير بالانكليزي, من قرية المليحة في غوطة
دمشق. وهو حقوقي، إداري، مؤرخ، عارف باللّغات الفرنسية والانكليزية والتّركية. عين
«قائم مقاماً» في عدة أقضية, ثم استقال, وتعاطي المحاماة بدمشق. ثم نصب مفتشاً
للإدارة الملكية في ولاية بيروت ثم في بروسه، وسافر إلى القسطنطينية. حكم
عليه بالإعدام بحجّة معارضته للاتحاديين، فقتل شنقاً بدمشق سنة 1916م. من آثاره:
كتاب في التّاريخ العام([40]).



وكان منهم محب
الدين الخطيب ومحمد كرد علي, وقد تقدمت ترجمتهما سابقاً. وغيرهم من الشباب المهتم
النابه.



وقد تألف من
جماع هؤلاء الشيوخ المفكرين والشباب النابهين أكبر حلقة أدبية ثقافية, كانت تدعو
إلى تعلم العلوم العصرية, ومدارسة تاريخ العرب, وتراثهم العلمي, وآداب اللغة
العربية, والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية, والأخذ بالصالح من المدنية الغربية([41]).



وكانت هذه
الحلقة تجتمع في كل أسبوع من بعد صلاة الجمعة في منزل رفيق العظم. وكان مجلس هذه
الحلقة يستعرض كل ما يهم المفكرين استعراضه عن الحركة العلمية والفكرية والسياسية
خلال الأسبوع, وكان الشيخ طاهر هو الذي يوجههم, ويصحح لهم, ويوقظهم لما خفي عليهم
من أسباب الإصابة بالرأي([42]).



سميت هذه
الحلقة بحلقة دمشق الكبرى, وقد راح الشيخ طاهر ورجال حلقته ينددون بالحكام
واستبدادهم, وينتقدون سوء الإدارة, ويدعون إلى الحرية والعدل والنظام, فاتهموا
بالخيانة الوطنية, والعمل على فصل سورية عن بقية السلطنة العثمانية. وبالمقابل فقد
قامت الحكومة بإلغاء منصب الشيخ طاهر الحكومي, وعرقلت أعمال الجمعية, ولاحقت
أعضاءها, الذين وجدوا تضييقاً كبيراً, وقامت السلطات بتفتيش منازلهم, فاضطر بعضهم
للهرب وكان على رأسهم الشيخ طاهر([43]).



وعندما غادر
الشّيخ طاهر دمشق متوجّهاً إلى مصر للإقامة فيها, خلّف وراءه «ثورة فكريّة تسري
تحت الرّماد, وسرعان ما وجدت هذه الثّورة متنفّساً لها في الانقلاب العثمّاني, سنة
1908م»([44]).



شجّع هؤلاء
المفكّرون غيرهم من شباب العرب, وغرسوا في عقولهم وقلوبهم حبّ التّحرر, والاعتزاز
بالأمّة العربيّة, وبماضيها الحافل بالبطولة والعزّ والمجد. وقد تأثّر الشّباب
بدعوتهم هذه, وألّفوا الجمعيّات السّريّة, الّتي اتّخذت من أفكار هؤلاء المصلحين
مستنداً لها للمطالبة بحقوق العرب, وبالتّالي القيام بالثّورة العربيّة الكبرى.



من هذه
الجمعيات نجد جمعية عُرفت بحلقة دمشق الصّغيرة ([45]) تمييزاً لها عن الحلقة الكبرى, وقد أسسها
محب الدين الخطيب مع صديقه الشهيد عارف الشهابي([46]). وفي هذه الحلقة كان يجتمع هذان الصديقان
مع مجموعة من رفاقهما, ويقرؤون من الكتب ما يقوّي عقيدتهم القوميّة. ومن هذه
الحلقة انبثقت جمعيّة النّهضة العربيّة التي تأسست في السّابع من ذي القعدة من عام
1324 الموافق 24 أيلول 1906م في استنبول, على يد محب الدين الخطيب وعارف الشهابي.
وأسموها جمعيّة النّهضة العربيّة. وكانت غايتها إحياء اللّغة العربيّة والأخلاق الفاضلة,
وافتتحت فرعاً لها في دمشق([47]).



وقد قام بعض
أعضاء هذه الجمعية بتأسيس جمعيات أخرى كان لها أثر كبير في التاريخ العربي الحديث,
وفي تاريخ القومية العربية. من هذه الجمعيات نذكر المنتدى الأدبي الذي قام بتأليفه
بعض أعضاء جمعية النهضة. وهناك أيضاً حزب اللامركزية الإدارية العثماني الذي كان
من مؤسسيه محب الدّين الخطيب, ورفيق العظم, وعبد الحميد الزّهراوي. وكذلك جمعية
الشورى العثمانية, وكان من أعضائها رفيق العظم ومحب الدين الخطيب وغيرهم. كذلك
الجمعية الأشهر العربية الفتاة, وكان من أعضائها كثير من تلاميذ الشيخ طاهر ومن
أعضاء جمعية النهضة العربية.



وكان من نتائج
اجتماع هذه الأحزاب والجمعيات عقد المؤتمر العربي الأول في 18 حزيران سنة 1913م في
باريس, وخرج المؤتمرون بمقررات هامّة, تؤكّد مبادئ الجمعيّات السّابقة, وتطالب
بالإصلاح, وإعطاء العنصر العربيّ حقّه في الحكم في ظلّ الدّولة التّركيّة. وقد كان
هذا المؤتمر مؤتمراً هامّاً, له تأثيره الكبير في الحركة القوميّة العربيّة, وفي
تحديد مسارها المطالب بالانفصال عن الدّولة العثمانيّة. وقد كانت حلقة الشيخ طاهر
هي الملهم الأول لهذه النشاطات والتحركات العملية([48]).



إنّ ظروف
العصر الذي عاش فيه الشيخ طاهر كانت من السوء بحيث تغلّب الجهل والأمية والانحطاط,
ورافقه الاستبداد والتسلط وسوء الإدارة, وهذا انعكس على مرافق الحياة كلها, سياسية
واقتصادية وثقافية واجتماعية. فكان نشاط الشيخ طاهر مميزاً جداً ومؤثراً جداً,
وكان كما وصفه الشيخ جمال الدين القاسمي (الشيخ المفيد, والمرقّي الوحيد)([49]).



وبالفعل فقد
كان عالماً عاملاً واعياً لا أقول إنه سابق لعصره, بل كان الرجل القدوة لبلد يعاني
من موات حضاري خطير, «فترك أثراً من الخير أينما حل, فكان مجلسه حيثما حل مدرسة,
ولقاؤه أينما لقيته درس ......... وكان يعلم بفعله لا بقوله, دعا إلى النظر في
الكتب, فلم يكد يدع كتاباً لم ينظر فيه, ودعا إلى التأليف فكان له من التواليف ما
عده من مكثري المصنفين, ودعا إلى حفظ الوقت, فلم يكن يضيع من وقته لحظة في عمل غير
نافع, ودعا إلى ترك تلك المجاملات والرجوع إلى أخلاق المسلمين الأولين, من الصراحة
والصدق, وقصد الحقائق وترك الأباطيل, فكانت حياته كلها كذلك»([50]).



وأثره هذا ظهر
على طلابه ومريديه, فمن كان يحضر حلقة الشيخ طاهر من الشباب صاروا نخبة العرب
علماً وثقافة وأدباً وعملاً. ولا نجد واحداً ممن كان يحضر اجتماعات تلك الحلقة إلا
وقد ترك أثراً مفيداً في عصره, وكان لـه ذكره ومكانته كما رأينا. وهذا إن دل على
شيء, فإنما يدل على نجاح أسلوب الشيخ طاهر, وعلى الأثر الكبير الذي خلّفه وراءه في
نفوس هؤلاء الشباب.



ولولا تغلّب
الاستعمار الأوروبي, ووقوع كثير من هؤلاء الرجال ضحية ثقتهم وانبهارهم بالغرب
وحضارته, حتى إنهم ظنوا أن هؤلاء الغربيين يملكون من الأخلاق الحضارية ما يدفعهم
للوفاء بعهودهم ومساعدة هذه البلاد الفتية على النمو والنهوض، لتكونت من جماعهم
طبقة من النبهاء القدوة كانوا بداية لنهضة حقيقية كانت ستبني لبلادنا حضارة حقيقية
قوية قائمة على العلم والعمل والمسؤولية والأخلاق الفاضلة المستمدة من ديننا
وتراثنا الإنساني, ولتغير بالتالي هذا الحاضر البائس الذي نعيش فيه الآن.



وأنا مع
الفكرة التي تقول أنه لا يجوز لنا أن نعامل «هؤلاء العاملين الثقافيين باحتقار,
طالما كانوا عناصر مخلصة, لم تكتسب من التجربة التاريخية خبرة كافية, تمكّنها من
فصل الحَبّ عن الزوان»([51]). وإنما يجب علينا أن نستفيد من تجربتهم
وآرائهم, لنكون أكثر وعياً, ونكتسب الخبرة المطلوبة, لمعرفة طريق النهضة الصحيح
والحقيقي, القائم على تغيير السلوك الانحطاطي الذي ينخر في جسد الأمة, وتحويله إلى
سلوك نهضوي فاعل, يحافظ على هويتنا وحضارتنا, وينجو من مرض الاستلاب وعقدة النقص
واحتقار الذات, هذه الأمراض التي أوقعتنا في فخ قبول ما فرضته الحضارة الغربية من
خير وشر, دون النظر فيه, أو حتى امتلاك القدرة والجرأة على نقده وتقويمه لأخذ أحسن
ما فيه ونبذ سيئه, بهدف المساهمة في نشر فضائلنا الخلقية والحضارية ليستفيد العالم
منها كله.



خاتمة:


ما أحوجنا في
عصرنا هذا لرجال قدوة كالشيخ طاهر الجزائري, يؤمنون بالإصلاح ويعملون لـه, بإخلاص
ومسؤولية. وما أحوجنا لذلك النشاط الاجتماعي الفاعل, الذي يرقّي العقول والنفوس,
ويخلّصها من عقدة الاستلاب للغرب, ويزرع فيها الاعتزاز بما نملك من حق وخير, ففضائل
أخلاقنا المستمدة من الإسلام هي فضائل إنسانية عامة, لو عدنا لتفعيلها في حياتنا
وفي تعاملاتنا فإننا سنصل للنهضة المرجوة. ولن يعم خير هذه النهضة علينا فقط, بل
إنه سيصل للعالم كله بإذن الله.



والأمل كبير
ببروز فئة واعية من المثقفين العاملين, تظهر على الساحة الآن, في وقت نعاني فيه من
موات حضاري يماثل, إن لم يكن يفوق, الموات الحضاري الذي كانت تعاني منه الأمة في
عصر الشيخ طاهر الجزائري.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:02

طاهر الجزائري وحلقة دمشق
الكبرى ـــ رغداء محمد أديب زيدان(*)



أريد في هذا
البحث تسليط الضوء على شخصية الشيخ طاهر الجزائري, وعلى واحد من أعماله المهمة,
وهي حلقة دمشق الكبرى, في محاولة لبيان أهمية هذا العمل, وأهم نتائجه سواء على
المستوى الفردي للمشاركين فيها, أم على مستوى المجتمع في ذلك الوقت.



وسأبدأ بتذكير
مختصر بسيرة الشيخ طاهر, ثم سأتحدث عن أفكاره السياسية والاجتماعية لأستطيع بعدها
القيام بعرض تفصيلي لحلقة دمشق الكبرى: نشأتها, أهدافها, أعمالها, المشاركون فيها,
تأثيرها ونتائجها. وفي النهاية سأقدم تقييماً لهذه الحلقة وما يمكن أن نستفيده من
الدراسة.



من هو طاهر
الجزائري؟



هو طاهر بن
محمد صالح بن أحمد بن موهوب السّمعوني الجزائري، ولد سنة 1268 / 1852. هاجر والده
إليها سنة 1263هـ، وكان من قضاة المالكية في الجزائر, وعندما استقر في دمشق أصبح
مفتياً للمالكية فيها([1]).



ولد الشيخ
طاهر في دمشق, ودرس في مدارسها, حيث دخل إلى المدرسة الجقمقية([2]),
وتخرّج على يد الشيخ عبد الرحمن البوشناقي([3]), فأتقن
العربيّة والفارسيّة والتّركيّة ومبادئ العلوم المختلفة.



ثم اتصل
بالعالم الشيخ عبد الغني الميداني([4]), وكان
لـه تأثير كبير على شخصية الشيخ طاهر, وقد أنشأه على الأصول العلمية الصحيحة,
ومحاربة الخرافات, والتسامح الديني. ويذكر أن الشيخ عبد الغني الميداني قد حال سنة
1860م بدمشق, دون تعدي فتيان المسلمين على جيرانهم المسيحيين, فأنقذ ألوفاً من
القتل في تلك الفتنة المشؤومة([5]).



وقد تأثر
الشيخ طاهر به, فكان يأخذ من أصل الشريعة باجتهاده الخاص, ولا يعادي أئمة المذاهب
المعروفة, وكان من عادته أن يصحب أصحاب الفرق المختلفة مهما كانت طريقتهم, ولطالما
أعطى الحق لعلماء الشيعة أو الإباضية وغيرهم([6]).



تعلّم الشيخ
طاهر الفرنسيّة والسّريانيّة والعبرانيّة والحبشيّة والبربريّة. وتولى التعليم
لأول أمره في المدرسة الظاهرية الابتدائية. وكان عضواً في ( الجمعية الخيرية )
التي أُسست سنة 1294هـ ([7]), والتي
استحالت إلى (ديوان معارف), في عهد والي الشام مدحت باشا([8]).



ثم عُيّن
مفتشاً عامّاً على المدارس الابتدائية في عام 1295هـ, فألّف كتب التدريس للصفوف
الابتدائية في جميع الفروع, منها: «مدخل الطّلاب إلى علم الحساب», و«رسالة في
النّحو», و«منية الأذكياء في قصص الأنبياء», و«الفوائد الجسام في معرفة خواص
الأجسام», و«إرشاد الألباء إلى تعليم ألف باء», وغيرها كثير([9]). وعمل
على افتتاح كثير من المدارس الابتدائية, حيث تم افتتاح تسع مدارس في مدينة دمشق
منها اثنتان للإناث. فجعله الوالي مفتشاً عاماً للمعارف في ولاية سوريا. فكان يعمل
على توعية الناس, ونشر العلم ومحاربة الخرافة, والاعتزاز بالعروبة والإسلام([10]).



أنشأ المكتبة
الظّاهريّة([11]),
والمكتبة الخالدّيّة([12]) في
القدس. وتحمّل في سبيل ذلك عداوة الكثيرين ممن استحلوا أكل الكتب والأوقاف.



وفي سنة
1316هـ / 1898م, عُيّن مفتشاً على دور الكتب العامة, وظل في وظيفته تلك أربع
سنوات, ولكنه أثار حفيظة الأمن بسبب نشاطه وأفكاره التي كان يسعى لبثها في عقول
طلابه ومريديه, حتى هاجم الأمن بيته وعاثوا فيه فساداً, فاضطر إلى التواري عن
الأنظار, وأخيراً قرر الهجرة إلى مصر, فوصلها سنة 1325هـ / 1907م, وسكن في بيت
صغير واجتنب الناس إلا بعض العلماء الذين اتصلوا به بغية الإفادة من علمه([13]).



أولع الشيخ
طاهر باقتناء المخطوطات, وحافظ عليها إلى أن ألجأته الظروف إلى بيع بعضها للإنفاق
على نفسه, رافضاً مبادرات قام بها بعض أصدقائه وطلابه لمساعدته, منعته من ذلك عزة
نفسه, وعفته.



يذكر محب
الدين الخطيب([14]) وهو
أحد تلاميذ الشيخ طاهر, أنه حاول مساعدة الشّيخ طاهر عندما ألجأت الحاجة هذا
الشّيخ إلى بيع مخطوطاته ليعيش بثمنها، فتوسّط له مع بعض معارفه لدى الخديوي
لإجراء راتب للشّيخ من الخزينة الخاصّة، فرفض هذا بإباء. وقال السّيّد محب الدّين
معلّقاً على هذه الحادثة: «فظهر لي أنّني لا أزال أجهل تلك النّفس الكبيرة, رغم
معرفتي بصاحبها منذ طفولتي، فقد غضب الشّيخ طاهر من هذه الحادثة غضباً لم أعهده
فيه من قبل»([15]).



وقد ذُكرت
حوادث أخرى عن زهد الشيخ, وهي تظهر لنا جانباً مهماً من شخصية هذا العالم الفذ,
فبالإضافة لزهده, فقد منعته عزّته وصدقه ورغبته بعدم مصانعة الحكام عن قبول مثل
هذه العطايا([16]).



أمضى أيامه في
القاهرة في التأليف والبحث العلمي. وكان لـه مراسلات مع المستشرقين من مختلف
الجنسيات, وشارك في تحرير بعض الصحف.



وظل في
القاهرة إلى سنة 1918م, حيث قرر العودة إلى دمشق بعد قيام الدولة العربية, ولكن
المرض أخرّه, فعاد إلى دمشق سنة 1919م, وعُيّن مديراً لدار الكتب الظاهرية التي
أسسها, وعضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق.



وبعد أربعة أشهر
من عودته توفي في 14 ربيع الآخر, 1338هـ / 5 كانون الثاني سنة 1920م, ودفن في سفح
قاسيون تنفيذاً لوصيته([17]).



تمتع الشيخ
طاهر بصفات مميزة, وغريبة, جعلت منه شخصية مختلفة ملفتة, وقد ذكر معاصروه كثيراً
منها, وهي تدل على علو مكانته وطرافته([18]).



أفكاره في
السياسة والاجتماع:



كان الشيخ
طاهر من الإصلاحيين الإسلاميين. وقد شعر بمدى الانحطاط الذي تعاني منه الأمة,
وأرجع سبب ذلك للاستبداد العثماني, والفساد وسوء الإدارة العثمانية.



وكان يسعى
للعمل على نهضة الأمة وذلك بالأخذ بالعلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة وأسباب
الحضارة, دون التخلي عن الدين الإسلامي, بل إنه كان يؤمن بعظمة هذا الدين وصلاحه
لكل زمان ومكان. ومن خلال ما عرضناه من سيرته, نجد أنه:



1 ـ
اهتم بالعلم والتسلح به, وكان يمضي وقته كله في العلم والبحث, عاش حياته وحيداً
ولم يتزوج، متفرغاً لتحصيل العلوم وتعليمها. وكان يهتم بالناشئة ويشجعهم على طلب
العلم والبروز فيه ويحاول التيسير عليهم, وعدم تنفيرهم من طلب العلم. ومما نُقل
عنه أنه كان يرشد تلاميذه قائلاً: «إن جاءكم من يريد تعلم النحو في ثلاثة أيام فلا
تقولوا له إن هذا مستحيل بل علموه, فلعل اشتغاله هذه الثلاثة الأيام بالنحو, تحببه
إليه»([19]). ولا
يخفى علينا ما لهذا الإرشاد من فائدة عظيمة في بث الثقة في النفوس وتشجيعها على
طلب العلم.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:03

كما أنه اهتم
بإصلاح التعليم, وافتتاح المدارس المتنوعة, وخصوصاً الابتدائية منها, رغبة منه في
نهضة الأمة ورقيها. حيث كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن نهضة الأمة هي في العلم.



2 ـ اهتم
باللغة العربية والتاريخ الإسلامي. يصف لنا أحد تلاميذه المقربين, وهو محب الدين
الخطيب, أنه أحب اللغة العربية والعرب من أستاذه الشيخ طاهر.



يقول محب
الدين: «من هذا الشّيخ الحكيم عرفت عروبتي وإسلامي، منه عرفت أنّ المعدن الصّدئ
الآن الّذي برأ اللّه منه في الدّهر الأوّل أصول العروبة، ثمّ تخيّرها ظئراً
للإسلام, إنّما هو معدن كريم, لم يبرأ اللّه أمّة في الأرض تدانيه في أصالته»([20]).



وقد استطاع
الشيخ طاهر إقناع الوالي بضرورة تعليم العلوم باللغة العربية([21]).



واهتمام الشيخ
طاهر باللغة العربية والتاريخ الإسلامي, هو اهتمام بالإسلام نفسه, وقناعة منه أن
النهضة المرجوة لا تعني بأي حال من الأحوال نبذ الهوية العربية والإسلامية.



3 ـ اهتم
الشيخ طاهر بتعلم العلوم العصرية واللغات الحية. لأن ذلك أحد أدوات النهضة.
فالتعرف على تلك العلوم واللغات مهم جداً لمواكبة ركب الحضارة.



يقول محمد كرد
علي([22]):
«اتسع صدر الشيخ لجماع علوم المدنية الحديثة إلا الموسيقى والتمثيل فلم يكن له حظ
فيهما, ......... وسياسة الشيخ في التعليم محصورة في تلقف المسلمين أصول دينهم,
والاحتفاظ بمقدساتهم وعاداتهم الطيبة وأخلاقهم القديمة القويمة, وأن يفتحوا قلوبهم
لعامة علوم الأوائل والأواخر, من فلسفة وطبيعي واجتماعي على اختلاف ضروبها»([23]).



كما أن الشيخ
طاهر اهتم بالصحافة والأدب ونشر الكتب والمؤلفات المفيدة.



4 ـ دعا الشيخ
طاهر إلى إصلاح العادات, وحارب الخرافات والخزعبلات. وكان يقف بشجاعة في وجه
الجمود والتحجر, ويدعو إلى بذل الجهد لنهضة الأمة قدر المستطاع, كما أنه دعا إلى
استخدام وسائل الاتصال المتاحة في عصره لتوعية الناس, وردهم إلى جادة الصواب.



وفي رسالة
بعثها لتلميذه محمد كرد علي تظهر لنا نظرته لخطة الإصلاح حيث يقول: «ومما يهم
الأمر فيه إصلاح العادات, فإن في الشرق كثيراً من العادات التي ينبغي إبطالها كما
أن فيه كثيراً من العادات التي ينبغي المحافظة عليها. غير أنه لا ينبغي أن يستعمل
التنكيت في ذلك, بل يستعمل مجرد البيان الدال على حسن الشيء أو قبحه ......... ومن
العادات الرديئة جداً أن الكاتب قد يمكنه أن يكتب في إصلاح عادة لكنه يرى أن
الكلام في ذلك يكفي عشرة أسطر فيرى الناس يزدرون بذلك وينسبونه لقلة القدرة على
الإنشاء فيترك الكتابة فيه, أو يسهب إسهاباً لا داعي له ......... فينبغي أن يكون
في المجلة ولو مقدار صفحة تبحث في العادات على اختلاف أنواعها, وتعليم ذلك للبنين
والبنات»([24]).



5 ـ كان الشيخ
طاهر ضد الحكم الاستبدادي, لذلك فقد عادى حكم السلطان عبد الحميد([25]), فقد
دعا الحكومة إلى الإصلاح والعدل والشورى وحرية التعليم وحرية الصحافة, مما جعل
السلطات العثمانية تلاحقه وتضيق عليه حتى اضطر إلى الهرب إلى مصر كما رأينا.



وعندما تم
الانقلاب على السلطان سنة 1908م, فرح به الناس وهللوا له, ولكن الشيخ لم يفرح به,
ولم يثق بمن قاموا به, وكان يقول: «وما هذا الانقلاب الخلاب إلا انتقال من نير
استبداد الفرد إلى نير استبداد الجماعات»([26]).
وبالفعل فقد صدقت رؤية الشيخ طاهر, وكان الانقلابيون أكثر استبداداً من السلطان
نفسه, وهذا كان من الأسباب القوية لقيام الثورة العربية الكبرى, والتي فرح بها
الشيخ وشجعها كثيراً, لأنه كان يعتبرها خطوة ضرورية لنهضة الأمة العربية. وساند
الحكم العربي في دمشق, وكان يدعو الناس إلى الدفاع عن هذا الاستقلال([27]).



لقد أخذ كثير
من الناس, قديماً وحديثاً, على رجال العرب قيامهم بالثورة العربية الكبرى في عام
1916م. واعتبروا تاريخ سقوط الخلافة العثمانية تاريخ شؤم, جر على الأمة ويلات
الاستعمار الأوربي, الذي ما زلنا نعاني من تبعاتها حتى اليوم. ولكن نظرة إلى سوء
الإدارة العثمانية, وتسلط الحكام واستبدادهم, وتجهليهم للأمة, يجعلنا نجد العذر
لهؤلاء, ولا نلومهم لثقتهم بوعود الغربيين, لأنهم كانوا يرونهم أهل حضارة فوثقوا
بهم وبوعودهم.



وهذا الشيخ
طاهر نفسه على ما يذكر طلابه, كان واحداً من المعجبين أشد الإعجاب بالإنكليز,
وخصائصهم, وسياستهم, وكان حسن الظن بوعودهم ومواعيدهم, يدل على ذلك كثير من أقواله
وأفعاله. وقد نشر محمد كرد علي رسالة كان قد بعثها الشيخ طاهر إلى «مس بل» أمينة
سر حاكم العراق, يقدم فيها بعض النصائح للإنكليز ليحسنوا تعاملهم مع أهل العراق([28]), ظناً
منه أن هؤلاء كانوا فعلاً حملة حضارة ورعاية ولم يكونوا مستغلين مخادعين.



لذلك فقد كان
لانبهار كثير من هؤلاء الرجال بالحضارة الغربية دور كبير في رغبتهم بتلقفها ونقلها
إلى بلادنا, والتمتع بالحرية والديمقراطية والمظاهر الحضارية الأخرى التي كانوا
يتمنونها. ولم يجدوا غضاضة من التعاون مع الغربيين, طالما أن هدف هذا التعاون هو
نهضة الأمة. بالطبع فإن هذا لا يلغي وجود فئة عملت على مساعدة الغرب بعمالة
مقصودة, ولا تخلو أمة من خونة عملاء, إلا أنه من الظلم الكبير وصف كل من اشترك
بهذه الثورة, أو روّج لها, أو فرح بها بالعمالة للاستعمار, والعمل على هدم
الخلافة.



حلقة دمشق
الكبرى:



عاش الشيخ
طاهر في فترة مظلمة من تاريخ بلاد الشام خاصة والعالم الإسلامي عامة. وكان يعرف
الفرق الشاسع بين موات الأمة العربية والإسلامية وبين الحضارة الغربية. لذلك فقد
سعى إلى العمل قدر استطاعته من أجل نهضة هذه الأمة, التي كان يؤمن بعزتها
وبخصائصها العظيمة.



وقد وصفه محب
الدين الخطيب بأنه: «كان يعرف مواطن الداء في الدولة العثمانية, وفي الأمة التي
أوقعها سوء الحظ تحت سلطانها, فكان بسبب ذلك يقدّر صعوبة موقفه, وما يمكن أن يتهدد
حياته من خطر لو جاهر بكل ما يعرف, لذلك نصّب نفسه ميزاناً للحق»([29]).



ورغم كل ما
كان يلمسه الشيخ طاهر من تدهور في حال الأمة, إلا أنه لم يكن قانطاً من التحرر أو
يائساً من الإصلاح, وإنما كانت ثقته قوية بمستقبل الأمة العربية واستعدادها للنهوض
من عثرتها متى أخذت بأسباب العلم ونشأ أبناؤها على التربية القومية التي تقوي
القلوب وتشحذ العزائم([30]).



وكما رأينا فإن
الشيخ طاهر كان يؤمن بالعلم وسيلة للنهضة, ولكنه لم يكن يرى أن معرفة العلوم كافية
ما لم يرافقها إصلاح للعادات الرديئة والمظاهر الانحطاطية.



والشّيخ طاهر
كان «يرى أنّ الدّولة العثمانيّة موشكة على الانهيار, فيدعو العرب إلى التّأهّب
بالعلم والأخلاق والتّجدد والتّحفّز, لنيل استقلالهم وصون بلادهم من أن تبتلعها
حيتان الاستعمار, حتّى تقوّضت دعائمها, وتداعت عليها الأمم لاكتسابها واقتسام
بلادها»([31]). وراح
يبثّ هذه الأفكار بين طلّابه ومريديه, وكان إخلاصه وثقافته العالية قد جعلا كلّ من
يميل إلى الثّقافة والعلم والتّحرر يتقرّب منه وينهل من علمه. ولم يكن الشّيخ طاهر
يفرّق بين أحد من هؤلاء, لا بسبب الدّين ولا المذهب ولا غير ذلك, مما جعل له شهرة
كبيرة في الشّام.



وقد كان للشيخ
طاهر طبقة من أقرانه النبهاء والمفكرين, على رأسهم الشيخ جمال الدين القاسمي إمام
الشّام
في
عصره علماً بالدّين وتضلّعاً من
فنون الأدب, وقد ولد في دمشق سنة 1283/1866,
وكان لـه نشاطات كبيرة, فقد رحل إلى مصر, وزار المدينة, ونشر بحوثاً كثيرة في
المجلّات والصّحف. ولـه مصنفات منها: «دلائل التّوحيد», و«ديوان خطب» وغيرها. وقد
توفّي, رحمه الله, سنة 1332
/ 1914([32]).


ومنهم أيضاً
الشيخ عبد الرزاق البيطار , من علماء دمشق الكبار, وقد ولد فيها سنة 1253 / 1837,
واشتغل بالأدب مدّة, له نظم وقصائد, ثم اقتصر في آخر أمره على علمي الكتاب
والسّنة, وكان من
دعاة
الإصلاح. من أهمّ كتبه, كتاب «حليه
البشر في تاريخ القرن الثّالث عشر», وقد توفّي في دمشق سنة 1335 / 1916 ([33]).


ومن أصدقاء
الشيخ طاهر أيضاً الشيخ سليم البخاري, وهو عالم أديب. ولد بدمشق 1268هـ/ 1851م،
وتولى الإفتاء بالجيش العثماني، وبعد انقضاء الحرب العالمية الأولى عين عضواً في
مجلس الشورى، فعضواً بمجلس المعارف الكبير، فرئيساً للعلماء، وانتخب عضواً بالمجمع
العلمي العربي. من مؤلفاته: «رسالة في آداب البحث والمناظرة»، و«حل الرموز في
عقائد الدروز» وغيرها. وتوفي بدمشق في 10 جمادي الأولى 1347هـ / 1928م([34]).

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:04

كان هؤلاء
العلماء وغيرهم يجتمعون بالشيخ طاهر, ويعقدون حلقات العلم والمدارسة, وانضم إليهم
فيما بعد عدد كبير من شباب العرب النابهين نذكر منهم:



رفيق العظم،
العالم البحّاث, من رجال النّهضة الفكريّة في سوريّة، ولد في دمشق 1284 / 1867،
واستقر ّفي مصر, واشترك في كثير من الأعمال والجمعيّات الإصلاحيّة والسّياسيّة
والعلميّة. صنّف كتابه المشهور «أشهر مشاهير الإسلام في الحرب والسّياسة»، وكتاب
«البيان في كيفيّة انتشار الأديان», وغيرها. وقد أهدى خزانة كتبه للمجمع العلمي
العربيّ بدمشق وهي نحو ألف مجلد، توفّي سنة 1343/ 1925([35]).



ومنهم
الدكتور عبد الرحمن الشهبندر, وقد ولد في دمشق عام 1879م, ودرس في الكليّة
السّوريّة الإنجيليّة في بيروت, وتخرّج من كليّة الطّب عام 1906م, كان من الخطباء
المفوّهين, ومن رجال الوطنيّة والقوميّة, هرب من جمال باشا عام 1915م, وعاد إلى
دمشق مع دخول قوات فيصل, شارك كوزير للخارجيّة في الحكومة الفيصليّة, وحكم عليه
بالإعدام, وقد اغتيل عام 1940م, من «كتبه القضايا الاجتماعيّة الكبرى»([36]).



ومنهم كذلك,
عبد الحميد الزهراوي, من زعماء النّهضة السّياسيّة في سوريا, وأحد شهداء العرب في
عاليه, ولد في حمص, وأصدر صحيفة المنير, كتب في المقطّم. ورئس المؤتمر العربيّ
الأوّل في باريس فحُكم عليه بالإعدام. له رسالة «الفقه والتّصوف», وكتاب «خديجة
أمّ المؤمنين» وغيرها([37]).



وكان منهم
سليم الجزائري, القائد عسكري، عارف باللغات العربية والتركية والفارسية الفرنسية
والانكليزية. ولد بدمشق عام 1296/ 1879, وتعلم في المدرسة العسكرية، ومدرسة
الهندسة البرية بالقسطنطينية وبلغ رتبة قائم مقام أركان حرب في الجيش العثماني،
وحكم عليه بالموت بعاليه في لبنان فأعدم سنة 1334/ 1916. من آثاره: كتاب في المنطق
سماه «ميزان الحق»([38]).



ومنهم الوطني
فارس الخوري, وقد ولد في 20 من تشرين الثاني 1873م في قرية الكفير بمنطقة حاصبيا,
دخل الكلية الأمريكية، وحاز على بكالوريوس في العلوم عام 1897م, درس اللغتين الفرنسية
والتركية وحده بدون معلم. امتهن المحاماة وتقدم بفحص معادلة الليسانس بالحقوق،
فنالها. في عام 1914م فاز بالنيابة عن دمشق في مجلس المبعوثان. وفي عام 1917م
اعتقله جمال باشا بتهمة تعامله مع فيصل بن الحسين، ثم قرر نفيه إلى استنبول. وفي
عام 1919م عُيّن عضواً في مجلس الشورى، وهو الذي اقترح على الشريف فيصل تأسيسه.
تولى عدة وزارات وشارك في تأسيس حزب الشعب, والكتلة الوطنية. توفي في الثاني من
شهر كانون الثاني لعام 1962م([39]).



ومن هؤلاء
الشباب أيضاً عبد الوهاب المليحي الشهير بالانكليزي, من قرية المليحة في غوطة
دمشق. وهو حقوقي، إداري، مؤرخ، عارف باللّغات الفرنسية والانكليزية والتّركية. عين
«قائم مقاماً» في عدة أقضية, ثم استقال, وتعاطي المحاماة بدمشق. ثم نصب مفتشاً
للإدارة الملكية في ولاية بيروت ثم في بروسه، وسافر إلى القسطنطينية. حكم
عليه بالإعدام بحجّة معارضته للاتحاديين، فقتل شنقاً بدمشق سنة 1916م. من آثاره:
كتاب في التّاريخ العام([40]).



وكان منهم محب
الدين الخطيب ومحمد كرد علي, وقد تقدمت ترجمتهما سابقاً. وغيرهم من الشباب المهتم
النابه.



وقد تألف من
جماع هؤلاء الشيوخ المفكرين والشباب النابهين أكبر حلقة أدبية ثقافية, كانت تدعو
إلى تعلم العلوم العصرية, ومدارسة تاريخ العرب, وتراثهم العلمي, وآداب اللغة
العربية, والتمسك بمحاسن الأخلاق الدينية, والأخذ بالصالح من المدنية الغربية([41]).



وكانت هذه
الحلقة تجتمع في كل أسبوع من بعد صلاة الجمعة في منزل رفيق العظم. وكان مجلس هذه
الحلقة يستعرض كل ما يهم المفكرين استعراضه عن الحركة العلمية والفكرية والسياسية
خلال الأسبوع, وكان الشيخ طاهر هو الذي يوجههم, ويصحح لهم, ويوقظهم لما خفي عليهم
من أسباب الإصابة بالرأي([42]).



سميت هذه
الحلقة بحلقة دمشق الكبرى, وقد راح الشيخ طاهر ورجال حلقته ينددون بالحكام
واستبدادهم, وينتقدون سوء الإدارة, ويدعون إلى الحرية والعدل والنظام, فاتهموا
بالخيانة الوطنية, والعمل على فصل سورية عن بقية السلطنة العثمانية. وبالمقابل فقد
قامت الحكومة بإلغاء منصب الشيخ طاهر الحكومي, وعرقلت أعمال الجمعية, ولاحقت
أعضاءها, الذين وجدوا تضييقاً كبيراً, وقامت السلطات بتفتيش منازلهم, فاضطر بعضهم
للهرب وكان على رأسهم الشيخ طاهر([43]).



وعندما غادر
الشّيخ طاهر دمشق متوجّهاً إلى مصر للإقامة فيها, خلّف وراءه «ثورة فكريّة تسري
تحت الرّماد, وسرعان ما وجدت هذه الثّورة متنفّساً لها في الانقلاب العثمّاني, سنة
1908م»([44]).



شجّع هؤلاء
المفكّرون غيرهم من شباب العرب, وغرسوا في عقولهم وقلوبهم حبّ التّحرر, والاعتزاز
بالأمّة العربيّة, وبماضيها الحافل بالبطولة والعزّ والمجد. وقد تأثّر الشّباب
بدعوتهم هذه, وألّفوا الجمعيّات السّريّة, الّتي اتّخذت من أفكار هؤلاء المصلحين
مستنداً لها للمطالبة بحقوق العرب, وبالتّالي القيام بالثّورة العربيّة الكبرى.



من هذه
الجمعيات نجد جمعية عُرفت بحلقة دمشق الصّغيرة ([45])
تمييزاً لها عن الحلقة الكبرى, وقد أسسها محب الدين الخطيب مع صديقه الشهيد عارف
الشهابي([46]). وفي
هذه الحلقة كان يجتمع هذان الصديقان مع مجموعة من رفاقهما, ويقرؤون من الكتب ما
يقوّي عقيدتهم القوميّة. ومن هذه الحلقة انبثقت جمعيّة النّهضة العربيّة التي
تأسست في السّابع من ذي القعدة من عام 1324 الموافق 24 أيلول 1906م في استنبول,
على يد محب الدين الخطيب وعارف الشهابي. وأسموها جمعيّة النّهضة العربيّة. وكانت
غايتها إحياء اللّغة العربيّة والأخلاق الفاضلة, وافتتحت فرعاً لها في دمشق([47]).



وقد قام بعض
أعضاء هذه الجمعية بتأسيس جمعيات أخرى كان لها أثر كبير في التاريخ العربي الحديث,
وفي تاريخ القومية العربية. من هذه الجمعيات نذكر المنتدى الأدبي الذي قام بتأليفه
بعض أعضاء جمعية النهضة. وهناك أيضاً حزب اللامركزية الإدارية العثماني الذي كان
من مؤسسيه محب الدّين الخطيب, ورفيق العظم, وعبد الحميد الزّهراوي. وكذلك جمعية
الشورى العثمانية, وكان من أعضائها رفيق العظم ومحب الدين الخطيب وغيرهم. كذلك
الجمعية الأشهر العربية الفتاة, وكان من أعضائها كثير من تلاميذ الشيخ طاهر ومن
أعضاء جمعية النهضة العربية.

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:06

وكان من نتائج
اجتماع هذه الأحزاب والجمعيات عقد المؤتمر العربي الأول في 18 حزيران سنة 1913م في
باريس, وخرج المؤتمرون بمقررات هامّة, تؤكّد مبادئ الجمعيّات السّابقة, وتطالب
بالإصلاح, وإعطاء العنصر العربيّ حقّه في الحكم في ظلّ الدّولة التّركيّة. وقد كان
هذا المؤتمر مؤتمراً هامّاً, له تأثيره الكبير في الحركة القوميّة العربيّة, وفي
تحديد مسارها المطالب بالانفصال عن الدّولة العثمانيّة. وقد كانت حلقة الشيخ طاهر
هي الملهم الأول لهذه النشاطات والتحركات العملية([48]).



إنّ ظروف
العصر الذي عاش فيه الشيخ طاهر كانت من السوء بحيث تغلّب الجهل والأمية والانحطاط,
ورافقه الاستبداد والتسلط وسوء الإدارة, وهذا انعكس على مرافق الحياة كلها, سياسية
واقتصادية وثقافية واجتماعية. فكان نشاط الشيخ طاهر مميزاً جداً ومؤثراً جداً,
وكان كما وصفه الشيخ جمال الدين القاسمي (الشيخ المفيد, والمرقّي الوحيد)([49]).



وبالفعل فقد
كان عالماً عاملاً واعياً لا أقول إنه سابق لعصره, بل كان الرجل القدوة لبلد يعاني
من موات حضاري خطير, «فترك أثراً من الخير أينما حل, فكان مجلسه حيثما حل مدرسة,
ولقاؤه أينما لقيته درس ......... وكان يعلم بفعله لا بقوله, دعا إلى النظر في
الكتب, فلم يكد يدع كتاباً لم ينظر فيه, ودعا إلى التأليف فكان له من التواليف ما
عده من مكثري المصنفين, ودعا إلى حفظ الوقت, فلم يكن يضيع من وقته لحظة في عمل غير
نافع, ودعا إلى ترك تلك المجاملات والرجوع إلى أخلاق المسلمين الأولين, من الصراحة
والصدق, وقصد الحقائق وترك الأباطيل, فكانت حياته كلها كذلك»([50]).



وأثره هذا ظهر
على طلابه ومريديه, فمن كان يحضر حلقة الشيخ طاهر من الشباب صاروا نخبة العرب
علماً وثقافة وأدباً وعملاً. ولا نجد واحداً ممن كان يحضر اجتماعات تلك الحلقة إلا
وقد ترك أثراً مفيداً في عصره, وكان لـه ذكره ومكانته كما رأينا. وهذا إن دل على
شيء, فإنما يدل على نجاح أسلوب الشيخ طاهر, وعلى الأثر الكبير الذي خلّفه وراءه في
نفوس هؤلاء الشباب.



ولولا تغلّب
الاستعمار الأوروبي, ووقوع كثير من هؤلاء الرجال ضحية ثقتهم وانبهارهم بالغرب
وحضارته, حتى إنهم ظنوا أن هؤلاء الغربيين يملكون من الأخلاق الحضارية ما يدفعهم
للوفاء بعهودهم ومساعدة هذه البلاد الفتية على النمو والنهوض، لتكونت من جماعهم
طبقة من النبهاء القدوة كانوا بداية لنهضة حقيقية كانت ستبني لبلادنا حضارة حقيقية
قوية قائمة على العلم والعمل والمسؤولية والأخلاق الفاضلة المستمدة من ديننا
وتراثنا الإنساني, ولتغير بالتالي هذا الحاضر البائس الذي نعيش فيه الآن.



وأنا مع
الفكرة التي تقول أنه لا يجوز لنا أن نعامل «هؤلاء العاملين الثقافيين باحتقار,
طالما كانوا عناصر مخلصة, لم تكتسب من التجربة التاريخية خبرة كافية, تمكّنها من
فصل الحَبّ عن الزوان»([51]). وإنما
يجب علينا أن نستفيد من تجربتهم وآرائهم, لنكون أكثر وعياً, ونكتسب الخبرة
المطلوبة, لمعرفة طريق النهضة الصحيح والحقيقي, القائم على تغيير السلوك الانحطاطي
الذي ينخر في جسد الأمة, وتحويله إلى سلوك نهضوي فاعل, يحافظ على هويتنا وحضارتنا,
وينجو من مرض الاستلاب وعقدة النقص واحتقار الذات, هذه الأمراض التي أوقعتنا في فخ
قبول ما فرضته الحضارة الغربية من خير وشر, دون النظر فيه, أو حتى امتلاك القدرة
والجرأة على نقده وتقويمه لأخذ أحسن ما فيه ونبذ سيئه, بهدف المساهمة في نشر
فضائلنا الخلقية والحضارية ليستفيد العالم منها كله.



خاتمة:


ما أحوجنا في
عصرنا هذا لرجال قدوة كالشيخ طاهر الجزائري, يؤمنون بالإصلاح ويعملون لـه, بإخلاص
ومسؤولية. وما أحوجنا لذلك النشاط الاجتماعي الفاعل, الذي يرقّي العقول والنفوس,
ويخلّصها من عقدة الاستلاب للغرب, ويزرع فيها الاعتزاز بما نملك من حق وخير,
ففضائل أخلاقنا المستمدة من الإسلام هي فضائل إنسانية عامة, لو عدنا لتفعيلها في
حياتنا وفي تعاملاتنا فإننا سنصل للنهضة المرجوة. ولن يعم خير هذه النهضة علينا
فقط, بل إنه سيصل للعالم كله بإذن الله.



والأمل كبير
ببروز فئة واعية من المثقفين العاملين, تظهر على الساحة الآن, في وقت نعاني فيه من
موات حضاري يماثل, إن لم يكن يفوق, الموات الحضاري الذي كانت تعاني منه الأمة في
عصر الشيخ طاهر الجزائري.



الشيخ طاهر الجزائري ونظرته إلى تدريس العقيدة ـــ د.مرزوق العمري(*)



(*) كلية
العلوم الإسلامية ـ جامعة باتنة ـ الجزائر‏



مقدمة‏


لقد كان الهدف
الأكبر للعمل الإصلاحي الذي عرفه المجتمع الإسلامي الحديث
إحياء المرجعية الإسلامية،
كي تؤطر حياة المسلمين وتبقى بذلك صلتهم
بدينهم. وهذا ما اقتضى التفكير من جديد في كيفية إحياء علوم الدين
بوضع
مقررات
لهذه العلوم التي تلقى على طلبة المدارس الشرعية في أقطار عديدة من
بلاد الإسلام.‏


وإذا ذكر هذا العمل
الإصلاحي والعلمي العظيم يذكر الشيخ طاهر الجزائري
باعتباره نموذجا متميزا في هذا المجال، مجال وضع المقررات المدرسية.
ويكون
الأمر له
أهمية خاصة إذا كانت من هذه المقررات مقررات علم العقيدة لمكانة
هذا العلم في البنية
الإسلامية. من هنا يكتسي الحديث عن الشيخ طاهر
الجزائري، والبحث في تراثه أهمية خاصة تجعل المهتم بالعلوم الإسلامية
لا
يمكنه أن
يتحدث عن العمل على إحياء هذه العلوم في التاريخ الحديث والمعاصر
دونما ذكر للشيخ طاهر
الجزائري، ولذلك يكون البحث في هذه الشخصية مهما
لعدة مبررات منها:‏


1 ـ إن
البحث في هذه الشخصية المرموقة يتيح لنا التعرف عليها وعلى أهم
الأعمال التي أنجزتها، وهذا
من حقه على المهتمين بالعلوم الإسلامية بشكل
عام، حتى يتاح للذين لا يعرفونه التعرف عليه والإفادة من علمه الذي
تضمنته
عشرات الكتب.‏


2 ـ إبراز
دوره في الإصلاح والنهضة العربية الإسلامية الحديثة، من خلال
الإشارة إلى جهوده
الإصلاحية، والعلمية وبذلك يتمكن المتتبع لحركة الإصلاح
التعرف على كل الذين ساهموا فيها وما هي طبيعة الإضافات التي أضافها
الشيخ
طاهر
الجزائري إلى النهضة الإسلامية الحديثة.‏



3 ـ إبراز
جهوده في خدمة العلوم الإسلامية، وهذا أمر يخص الباحثين في
العلوم الإسلامية بشكل خاص؛
لأنهم المسؤولون أمام الله وأمام التاريخ على
الحفاظ على الاختصاص الذين سخروا أنفسهم لخدمته بأن تخصصوا فيه.‏


وفي هذه الدراسة
أريد التركيز على جهوده في خدمة علم العقيدة كنموذج من
مجهوداته العلمية، وهذا بطبيعة الحال لأهمية علم العقيدة في البنية الإسلامية؛ فهو أساس العلوم
الإسلامية كلها، ولذلك اصطلح عليه بعلم أصول
الدين، وثانيا بحكم الاختصاص الذي أبحث فيه وهو هذا العلم الجليل
الذي هو
علم
العقيدة.‏



وعليه فهذه الدراسة
تتمحور حول جزئيتين أساسيتين: أولاهما التعريف بالشيخ
طاهر الجزائري بوضع ترجمة له عمدت إلى أن تكون ملمة بمختلف جوانب
حياته،
خاصة
حياته العلمية والإصلاحية؛ فهذا ما يبتغيه الباحث في تاريخ الشخصيات
. فمن هو الشيخ طاهر الجزائري؟
وما هي أهم إنجازاته العلميّة والدعوية
والإصلاحية بشكل عام؟. أما الثانية فهي طبيعة نظرته إلى تدريس علم العقيدة، فما هي ملامح هذه
النظرة؟ وما هي إضافات الشيخ طاهر في ذلك؟‏



وحتى تتسنى لي
الإجابة على هذه التساؤلات التي تضمنتها هاتان المسألتان
عدت إلى كتبه بالدرجة الأولى؛ أقصد ما كتبه في باب العقائد وهما
كتابان
اثنان:
الجواهر الكلامية في إيضاح العقائد الإسلامية، والكتاب الثاني
: الجوهرة الوسطى في قواعد
العقائد، بالإضافة إلى المعاجم التي ترجمت له مثل
معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة، وحتى بعض المواقع الإلكترونية التي
نشرت
الكثير
من الدراسات حول هذه الشخصية، ولذلك كانت هذه الدراسة قد أخذت طابع
الوصف أكثر مما اعتمدت أي
منهجية أخرى.‏




أولاً: التعريف
بالشيخ طاهر الجزائري‏




هو الشيخ طاهر بن
صالح بن أحمد بن موهوب السمعوني الوغليسي الجزائري ولد
في دمشق ليلة الأربعاء 20 ربيع الأول سنة 1268ه ـ / 1851 م، فوالده
هو
الشيخ
صالح بن أحمد الوغليسي، وقد كان عالما من العلماء. قال عنه الزركلي
في الأعلام بأنه: فاضل من
الجزائر قدم إلى دمشق ومن آثاره رسالة في غرائب
الخلاف بين الأئمة(1). وينتهي نسبه إلى السيد عبد الله الكامل بن
السيد
الحسين
المثنى بن السيد الحسن السبط ابن الإمام علي رضي الله عنه. ونتيجة
لمضايقات تعرض لها السيد عبد
الله الكامل رحل إلى بلاد المغرب وكان له
خمسة أبناء وولد سادسهم في المغرب وهو إدريس ومنه الأدارسة الذين عاد بعضهم إلى المشرق وبقي بعضهم
في المغرب، ومن الذين بقوا في بلاد المغرب
تنحدر أسرة الشيخ طاهر التي هاجرت إلى دمشق سنة 1263ه ـ /1846م(2).‏


والسمعوني نسبة إلى
سمعون وهي القرى التي كانت تسكنها عائلة الشيخ طاهر
وتقع بضواحي مدينة بجاية في الجزائر موطنه الأصلي. أما عن هجرة
عائلته إلى
المشرق
واختيارها ديار الشام تحديدا فقد كان محل دراسة عند المؤرخين؛ من
خلال تركيزهم على ظاهرة
الهجرة ودوافعها والديار التي كان يهاجر إليها
الجزائريون. أما عن ظاهرة الهجرة فقد كانت طبعا إبان الاحتلال
الفرنسي
للجزائر
ويفهم من هذا أن سببها السياسة الاستعمارية التي حرمت الجزائريين
من كل حقوقهم، الأمر الذي
اضطر الكثير منهم إلى الهجرة. يقول الدكتور سعد
الله:«امتاز عهد بيجو(1841/1847) بتهجير من نوع آخر لأعيان الجزائر،
وهو
النفي
والطرد خارج الوطن، فقد حكم على كل مشبوه وكل زعيم سياسي أو إداري
من الجزائريين لم يتعاون
صراحة مع العدو، وأجبره على مغادرة وطنه
وعائلته»(3).‏

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:09

ندرك من خلال هذا أن
الهجرة كانت تهجيراً قسرياً وليست هجرة اختيارية، وقد
امتازت هجرة الجزائريين في القرن التاسع عشر بكونها هجرة إلى بلاد
المشرق
بدل
أوروبا أو أمريكا، وذلك لاعتبار ديني بالدرجة الأولى؛ أي أنها كانت
فرارا بالدين. يقول الأستاذ
سهيل الخالدي: «لو سألت أحد الجزائريين خلال
النصف الأول من القرن الماضي- القرن 19- لم تتوجه إلى المشرق بينما
غيرك
يتوجه
إلى أمريكا بحثا عن الرزق والأمن والفرص؟، لربما قال لك بأنه يكفيه
أن يعيش في أرض الإسلام و
يساكن أهل العروبة؛ إذ معهم الرزق والأمن
والفرص»(4).‏



وقد كانت هجرة عائلة
الشيخ طاهر الجزائري إلى بلاد الشام سنة 1285ه ـ

/1846
م؛ أي أنها كانت قبل هجرة الأمير عبد القادر، وهذا خلاف ما ذهب إليه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
الذي ذكر أن هجرة والده كانت مع الأمير عبد
القادر(5). وما دام أنها تمت في هذه الفترة يرجح أن هذه العائلة تعرضت للتهجير الذي مارسه الجنرال
بيجو على الجزائريين والذي تمت الإشارة إليه،
بل هذا ما يؤكده الدكتور أبو القاسم سعد الله حينما يذكر الفئات التي
خضعت
للتهجير
على عهد بيجو أنها تمثلت في: الأعيان والقواد، والعلماء، ويذكر أن
الشيخ صالح السمعوني والد
الشيخ طاهر كان أحد هؤلاء (6).‏



قصدت عائلة الشيخ
طاهر بلاد الشام واستقرت بدمشق التي ولد بها الشيخ طاهر
وبها تعلم على أيدي علماء كبار كان في مقدمتهم والده الشيخ صالح
السمعوني
الذي بذل
في سبيل تربيته و تعليمه جهدا كبيرا، ثم التحق بالمدرسة الجقمقية
(7) الابتدائية وفيها تتلمذ على
يد علماء مثل الشيخ عبد الرحمن البستاني
الذي أخذ عنه العربية والفارسية والتركية، ثم اتصل بشيخ عصره عبد
الغني
الغنيمي
الميداني(1222ه ـ /1298ه ـ ) وهو فقيه أصولي نظار، قال عنه المؤرخ
محمد كرد علي إنّه كان:«على
جانب عظيم من التقوى والورع يمثل صورة من
السلف الصالح، فطبع الشيخ طاهر بطبعه، وأنشأه على الأصول العلمية
الدينية،
وكانت
دروسه دروسا صافية المشارب، يرمي فيها إلى الرجوع بالشريعة إلى
أصولها والأخذ من آدابها
بلبابها، ومحاربة الخرافات، وإنقاذ الدين من
المبتدعين والوضاعين»(Cool، وقد درس عليه حاشية السعد التفتازاني،
والتلويح
على
التوضيح لصدر الشريعة رحمة الله عليهما. كما درس العلوم: الطبيعية،
والرياضية، والفلكية،
والتاريخية والأثرية، وما إن بلغ الثلاثين حتى أتقن
أكثر لغات الشرق مثل: التركية، الفارسية، السريانية، العبرية،
الحبشية،
العربي ـ
ة، والأمازيغية لغة أهله الأصلية، بالإضافة إلى اللغة الفرنسية
كلغة غربية(9).‏


وهذه الموهبة وهذا
النبوغ جعلاه يحظى باحترام الكثيرين. وصار يشهد له
بغزارة العلم تحصيلا وإنتاجا. يقول المؤرخ محمد كرد علي:«كان متضلعاً
في
علوم
الشريعة، وتاريخ الملل والنحل، منقطع القرين في تاريخ العرب
والإسلام، وتراجم رجاله
ومناقشات علمائه ومناظراتهم و تآليفهم ومراميهم،
وكان إماما في علوم اللغة والأدب، وهو هكذا في علوم الشريعة لاسيما
في
التفسير
والحديث والأصول، إنه خزانة علم متنقلة»(10). ولا أدل على ذلك من
الكتب الكثيرة التي تركها
والتي توزعت على مختلف العلوم الإسلامية.‏



أما عن شخصيته فجل
الذين ترجموا للشيخ طاهر الجزائري ذكروا أنه اتصف بكل
مواصفات الشخصية القوية من حدة ذكاء، وغزارة علم، ورهافة حس، وعلو
همة،
بالإضافة
إلى القوام البدني؛ فاهتموا بمختلف صفاته الخلقية والخلقية على
حد سواء؛ فعن صفاته الخلقية
فقد وصف بأنه حسن الطلعة، واسع الجبهة، معتدل
القامة، حنطي اللون، كث اللحية، أسود الشعر والعينين، سريع الحركة،
كما
أنه وصف
بعصبية المزاج، وهذه عموما صفات الفرد الجزائري، كما أنه عاش ومات
دون أن يتزوج. وقد اعتبر
مترجموه عدم ارتباطه بالأسرة هو الذي جعله يعطي
عمره كله للعلم فتفرغ له بشكل كلي، كما أنه كان يتساهل في مظهره ولا
يأبه
للتأنق،
وكان يحب السباحة والسياحة والمشي على الأقدام رياضة. و كان لا
ينام إلا قليلا فيقضي ليله
سهرا ويواصله بالنهار بحثا ودراسة وتعليما.أما
صفاته الأخلاقية فقد عرف بعفة النفس لا يأخذ شيئاً إلا بمقابل، وكانت للكتاب عنده قيمة كبيرة وما
يؤكد ذلك حرصه الشديد على الكتاب حتى إذا أراد
بيعه فلم يكن يرضى أن يبيع كتبه لأي كان، على الرغم من الظروف
القاهرة
التي
ألمت به في أواخر حياته والتي أجبرته على بيع كتبه ليعيش منها، لكنه
كان ينتقي الشخص الذي يبيع
له كتبه فكان لا يبيعها إلا لمن يقدرها قدرها
بأن ينتفع وينفع بها مهما كان الثمن الذي يدفع له. كما عرف الشيخ
طاهر
الجزائري
بالزهد فقد كان بعيداً عن مظاهر الترف والأبهة على الرغم من
صداقاته الكثيرة، وعلاقاته
الواسعة، وتنقلاته. على الرغم من ذلك لكنه كان
لا يأبه بشيء من أمور المظهر، وتجلى زهده على مستوى آخر طبع علاقاته
فكان
لا يظاهر
ظالما لغنم يصبه، ولا صاحب غنيا للانتفاع بغناه، وهذا لأن الشهرة
لم تكن تهمه.‏

وكان حريصا على اغتنام وقته
والانتفاع به، وقد اغتنم عمره في طلب العلم
ونشره وهذا ما جعله يدمن على شرب القهوة حتى يجافي النوم ما أمكنه ذلك، ومن مظاهر حرصه على طلب العلم أنه كان يحمل بعض الكتب التي تعتبر كتب جيب ليقرأ حيث تتيسر له القراءة كي لا يضيع شيء من وقته، وفي هذا يقول أحد تلامذته:«كان لا يذر مزاولة العلم في كل وقت وحين ما بين تصنيف وتنقيح، أو بحث وتنقيب، أو مذاكرة ومطالعة، وإذا استحسن كتابا يعاود مطالعته مرارا عديدة»(11) وعلى الرغم من هذا الإدمان على المطالعة أثر عنه أنه كان ينصح غيره بالإقلال من القراءة أيام العطلة والإكثار من الرياضة والتنقل في الحدائق؛ ذلك أن الانعكاف على الكتب يحبب الوحشة والانعزال إلى النفس عن الناس، فتصبح نفورا من كل جليس(12) مما اشتهر به أيضاً طيب الكلام فكان لا يتفوه بما ينبو عنه السمع أو يبادر إلى هجر أحد وهذا على الرغم من حدة طبعه كما سبقت الإشارة، فقد كان: «لا يعرف الهجر، ولا يسب سبا قبيحا، هذا مع حدة ظاهرة فيه إذا صفا ذهنه تفصح عبارته في محاضرته، و إلا فيعتريها شيء من اللكنة المغربية ممزوجة بالعامية الدمشقية، ولم يجر لسانه بجملة واحدة باللهجة المصرية مع أنه أقام في مصر أعواما كانت تكفي لتقلب فيه اللهجة الشامية إلى اللهجة المصرية، وله تعبيرات خاصة وأساليب في مصطلحاته، ونبراته لطيفة تحلو من فمه، وما أحصي عليه أن نطق يوما بفحش أو هراء أو سب، أو استعمل ما ينافي الأدب ويقدح في المروءة، ويمزح ويتندر أحيانا» (13) مما اتصف به الشيخ طاهر الجزائري صداقاته الكثيرة، فإيمانه بالعلم وضرورة تبليغه جعله يقدم العلم لطالبه مهما كان جنسه أو معتقده، وهذا الذي جعله يعقد صداقات كثيرة مع غير المسلمين بمن فيهم كبار المستشرقين في العصر الحديث من أمثال: مرغليوث، وجولدزيهر، وحتى بعض اليهود والنصارى، بالإضافة إلى علاقاته بالمسلمين من مختلف المذاهب والفرق. وقد كان لهذه المواصفات التي حباه الله بها، ثم لعلمه الغزير الأثر الجلي في مواقفه وآرائه في مسائل كثيرة، تلك الآراء التي تعتبر حكما تلخص لنا تجربة الشيخ طاهر في ميادين الحياة كلها؛ فمثلا عن سر النجاح والإخفاق في الحياة كان يقول: «إذا أردتم النجاح فلا تلقوا بآذانكم لما يقال فيكم من مدح وقدح، وسيروا إلى الهدف بخطى ثابتة تفلحوا، واتقوا إضاعة الوقت بالقال والقيل... وفي هذا عمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهى فيه عن القيل والقال، بل كان الشيخ طاهر يرى أن رضى الناس جميعا على الإنسان نقيصة وليست ميزة تحسب له؛ لأن الذي أدرك رضى الناس لا يعدو أن يكون منافقا لعوبا»، لذا كان يقول: لو بلغني أن أهل البلد كلهم راضون عني، ليس لي منهم عدو لعددت نفسي ساقطا؛ لأن من يرضى عنه كل الناس لا يكون إلا خداعا منافقا، يظهر لكل واحد بما يرضيه، والمصلح لا يخلو من أعداء وأصحاب...، وبخصوص مطابقة السر للعلانية في حياة الفرد كشرط من شروط النجاح والاتزان نجده يقول: إياكم أن تخطوا في رسائلكم إلى إخوانكم ما لا تريدون أن تقولوه جهرة، فكل ما يكتب لا يؤمن نشره، يفتضح به صاحبه فيؤذيه ولا ينفعه(14) وعن العلم وأهميته وحاجة الإنسان إليه في كل الأحوال يدعو إلى ضرورة تعلم العلم مهما كان، حتى وإن كان الإنسان لا يدرك نفعه في العاجل، ولذلك عليه أن يتعلم من العلم ما أتيح له فيقول: تعلموا ما تيسر لكم تعلمه ولو لغة مالطة، فقد يجيء زمن تحتاجون إليها وإياكم أن تقولوا: إنها لا تدخل في اختصاصنا، فالعلم كله نافع والمرء يتعلم ما حسنت به الحياة... ومما كان يحث عليه أن لا يبقى أهل العلم ينتظرون منصبا أو وظيفة يعتمدونها في معاشهم بل كان يرى أن يتعلموا إلى جانب العلم الحرف التي يحصلون بها العيش الكريم فيقول: تعلموا العلم لله ولفائدة العلم ولذته، وليكن لكل واحد منكم صناعة أو تجارة، أو زراعة تعيشون منها أحراراً حتى لا تحتاجوا إلى قرع أبواب الملوك والحكومات، فإذا احتاجوكم نادوكم، و إلا فأنتم بما لكم من أسباب المعايش لا تحتاجونهم (15). وفي مجال الإصلاح والعمل النهضوي يرسم الشيخ طاهر نظرة متميزة في كيفية الخروج من دائرة التخلف واللحاق بالأمم المتقدمة، هي ذات الطريقة التي صارت تعرف في الكتابات المعاصرة بالطريقة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة فيقول: إن أفضل الطرق في إنهاض شعب تثقيفه بثقافة العصر، وثقافة الدين، وهذه طريق طويلة ولكنها أمينة الفائدة لا تخرج عن طريق النشوء الطبيعي، أما القول بالتوارث وطرق العنف فقد تنجح، ونجاحها قليل وليست مضمونة... وكان يرى أنه من شروط نجاح العمل النهضوي الاقتباس والأخذ عن الأمم المتقدمة فيما ينفع وعدم الانغلاق على الذات فيقول: إن الاقتباس عن الأمم المترقية دليل على النباهة لا كما يظن البله من أن في الاقتباس غضاضة. ونريد بالاقتباس ما يشعر به هذا اللفظ من تلقي الأمور النافعة (16) هذه المواقف وهذه الآراء للشيخ طاهر الجزائري لا شك أنها تنم على سعة الأفق وغزارة العلم، وعمق التجربة، والتوازن في الموقف، وهذه خصائص العلماء العاملين، وهو أحدهم فكل الذين ترجموا له يوردون ذكره على أنه أحد رجالات الإصلاح في بلاد الشام في العصر الحديث. ولهذا نجد الدكتور أبو القاسم سعد الله في حديثه عن دور المهاجرين الجزائريين في النهضة العربية في بلاد الشام ويذكر إلى جانب الأمير عبد القادر وأسرته الشيخَ طاهر الجزائري فيقول:«لم تكن أسرة الأمير وحدها في الميدان، فقد ظهرت إلى جانبها أسماء لامعة من المهاجرين ساهم أصحابها في عدة ميادين تهم القضية العربية، ومن أبرزهم بلا منازع الشيخ طاهر بن صالح الجزائري المعروف بالطاهر السمعوني، فقد كان لهذا الشيخ فضل

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:16

أبرزهم بلا منازع
الشيخ
طاهر بن
صالح الجزائري المعروف بالطاهر السمعوني، فقد كان لهذا الشيخ فضل
كبير في بعث الثقافة
العربية، وتكوين جيل من الأدباء والمفكرين والسياسيين
بالإضافة إلى دوره في حزب اللامركزية وإنشائه، وإدارته لعدة مؤسسات
مثل
: المكتبة الظاهرية» (17) من
هنا ندرك أن الجهود الإصلاحية للشيخ طاهر كانت
متنوعة ولكن المجال الذي طغى على هذه الجهود هو مجال التربية
والتعليم
والذي
توزع بين التدريس، والتفتيش، وإنشاء المدارس والمكتبات، وإنشاء
الجمعيات الخيرية، وتأليف
الكتب والكتب المدرسية خاصة، و الانخراط في
المجامع العلمية، بالإضافة إلى الندوة الفكرية التي كان يعقدها في
أواخر
حياته،
والتي كان يؤمها نخبة من المفكرين والعلماء. ...وغير ذلك.أما عن
التدريس فقد تصدى له لأول
مرة في المدرسة الظاهرية الابتدائية، كما ساهم
في فتح نحو إحدى عشر مدرسة تسعة منها خصصت للذكور وانتظم في سلكها
المئات
من
الطلبة والطالبات، ولم يطل الوقت لتعيينه مفتشا عاما على المدارس
الابتدائية في المرحلة التي
كانت فيها بيروت من متصرفيات دمشق، فبذل جهدا
كبيرا في خدمة التعليم في هذه المرحلة. قال عنها الأستاذ محمد كرد
علي
: «وفي هذه الحقبة ظهر نبوغ
شيخنا وعبقريته في تأسيس المدارس واستخلاص
القديمة من غاصبيها، وحمل الآباء على تعليم أولادهم، ووضع البرامج
وتأليف
الكتب
اللازمة» (18) كما ساهم في تأسيس الجمعية الخيرية، وهي الجمعية التي
كان هدفها الرئيس مواجهة
تحدي النشاط التعليمي للإرساليات التبشيرية التي
توالت على دمشق، و حظيت هذه الجمعية التي أسسها الشيخ طاهر الجزائري
بدعم
الوالي
التركي في ذلك الوقت مدحت باشا، وقامت بفتح مدارس كثيرة لمجابهة
العمل التبشيري النصراني.
وقد تحولت هذه الجمعية في مرحلة لاحقة إلى ديوان
للمعارف، وعين الشيخ طاهر مفتشا له. و في هذه المرحلة الثانية من عمرالجمعية قام الشيخ بعدة
أعمال جليلة منها: إقناع المسلمين بتعليم أبنائهم
وبناتهم، و كان إقبالهم على التعلم أن زاد من إنعاش الحركة التعليمية
في
بلاد
الشام. كما أنشأ مطبعة حكومية قامت بطبع الكثير من الكتب المدرسية
التي اعتمدت كمقررات للطلبة،
ومن الأمور المهمة التي تحسب له في مجال
التعليم دعوته إلى تعلم العلوم جميعا دينية ودنيوية، فلم يفصل بينها،
وهذا
لأهمية
العلوم الدنيوية في العمل النهضوي، ولذلك يمكن القول أن جهوده في
ميدان التعليم لم تكن
تقليدية بحتة تعتمد على الطرق السائدة التي عرفت في
المشرق العربي. بل فيها جوانب تجديدية منها هذا الجانب ولعل ما جعل
الشيخ
يهتم
بهذا الجانب بالإضافة إلى تكوينه الإسلامي الأصيل إطلاعه على الثقافة
الغربية من خلال امتلاكه
للغة الفرنسية واحتكاكه بالمثقفين من مختلف
التيارات والمشارب بما في ذلك المستشرقين.من إنجازاته في ميدان
الإصلاح
أيضا
تأسيسه لدار الكتب الظاهرية عام1296هـ ـ /1878م، في البداية جمع فيها
مخطوطات بعض المدارس التي
كانت مبعثرة ثم اتسعت إلى أن أصبحت من أهم
المكتبات الإسلامية في المشرق العربي. وبعد مدة أنشأ في القدس مكتبة
أخرى
هي
المكتبة الخالدية نسبة إلى الشيخ راغب الخالدي التي احتوت كتبه وكتب
أسرته، ونتيجة نشاطه في
تأسيس المكتبات عهدت إليه الحكومة العثمانية سنة

1879
م بالتفتيش على خزائن الكتب في سوريا والقدس، ثم أقيل منها عام
1886م؛
أي أنه
مكث في مهمته هذه سبع سنوات. و عرضت عليه مناصب أخرى خارج مجال
التعليم لكنه رفض مخافة أن
يكون فيها تأييد للظلم أو الجهل.من أهم ما ميز
النشاط التعليمي للشيخ طاهر الجزائري تأسيسه لحلقة أو لندوة فكرية،
وهي
الندوة
التي عرفت باسمه (حلقة الشيخ طاهر) والتي كانت تعنى بمناقشة محاور
علمية كثيرة منها محور تعلم
علوم الغرب، وكان لها صداها فكانت يؤمها كبار
مثقفي سورية ومتعلميها منهم: الشيخ جمال الدين القاسمي، ومحب الدينالخطيب، والأستاذ محمد كرد
علي...وغيرهم.وفي سنة 1325هـ ـ / 1907م تعرض
الشيخ طاهر لمضايقات من طرف السلطة فهاجر إلى مصر، واستقبل بترحاب
كبير من
طرف
علمائها وأدبائها ومنهم أحمد تيمور باشا وأحمد زكي باشا، ومكث بمصر
ثلاث عشرة سنة، وعرضت عليه
مناصب هناك فرفض ولكنه اشتغل في تحرير بعض
الصحف، وتخللت إقامته بمصر زيارة إلى الجزائر حوالي سنة 1912م، وبها
نزل
ضيفاً
على الشيخ محمد السعيد بن زكري المفتي المالكي والأستاذ بالمدرسة
الثعالبية(19). وفي مصر أصيب
بمرض الربو الذي أثقله فعاد إلى دمشق سنة

1338
ه ـ /1919م وعين فور عودته مديرا عاما لدار الكتب الظاهرية وعضوا فيالمجمع العلمي العربي، ولكنه
لم يلبث بعد عودته هذه إلا أربعة أشهر، وتوفي
بعدها رحمة الله تعالى عليه وكان ذلك يوم 5 جانفي 1920م. وبوفاته
فقدت
الأمة
أحد علمائها الكبار، ورثاه أهل العلم والفكر ومنهم الأستاذ أحمد زكي
باشا بكلمة مما جاء فيها:
«كنت أرى فيه الأثر الباقي، والمثال الحي،
والصورة الناطقة لما كان عليه سلفنا الصالح من حيث الجمع بين الروايةوالدراية، في كل المعارف
الإسلامية وبين الدأب على نشرها بعد التدقيق
والتمحيص واستثارة خباياها وإبراز مفاخرها» (20).‏


من أهم ما أنجز
الشيخ الكتب الكثيرة التي ألفها والتي بقيت لأجيال
المسلمين بعد وفاته بعدما انتفع بها جيله في حياته، وقد توزعت
كتاباته على
مختلف العلوم الإسلامية فهو بذلك يذكرنا بعلماء الإسلام الأوائل
الذين
تميزوا
بالموسوعية من أمثال: الرازي والغزالي وابن تيمية وغيرهم، وقد ترك
الكثير من الكتب بعضها مطبوع
وبعضها الآخر لا يزال مخطوطا، وقد اعتبر
أسلوبه في الكتابة من الأساليب التجديدية إذا ما قورن بأساليب عصره،
وأهم
جانب
تجديدي هو تبسيط الأسلوب وتقريب العلم إلى المبتدئين فكان أسلوبه
خاليا من الحشو خاليا من
كثرة النقول والردود وغير ذلك من مظاهر الكتابة
الكلاسيكية. ومن كتبه: توجيه النظر على أصول أهل الأثر في علوم
الحديث،
ومنها
تدريب اللسان على تجويد البيان في علم التجويد، والجواهر الكلامية
في العقيدة ...وغير ذلك، وقد
أحصى مترجموه كتبه وذكروا أنها بلغت خمسة
وثلاثين كتابا توزعت على مختلف المعارف والعلوم.ثانيا نظرته إلى
تدريس علم
العقيدة
من خلال ذكر مِؤلفات الشيخ طاهر الجزائري يمكن القول إنه لم يكن
باحثا متخصصا في علم معين،
ولم يكن باحثا في علم العقيدة، وإنما كان عالما
موسوعيا على النحو الذي كان عليه علماء الإسلام في القديم فقد كتب
الفقه،
وفي أصول
الفقه، وفي الحديث، و في اللغة، وفي العقيدة...وغير ذلك من
المجالات العلمية، ومادامت
هذه الدراسة مركزة على طبيعة رؤيته لتدريس
العقيدة فينبغي الإشارة إلى أمرين: أولهما طبيعة علم العقيدة فهو علميمتاز بخصوصية وبحساسية
مواضيعه ولذلك آثر وأشاع الاهتمام بالفقه والحديث
أكثر من اهتمامهم بالبحث في العقيدة لخطورة النتائج طبعاًَ. والثاني
أن ما
كتبه
الشيخ طاهر الجزائري في باب العقيدة لم يكن تأليفا تأسيسيا ولا عرضا
لشبهات والرد عليها كما كان
يفعل علماء العقيدة في القديم، بل كان ما كتبه
في هذا الباب هو كتب مدرسية تهدف إلى تعليم التلاميذ مسائل العقيدة
وتبني
في
نفوسهم التصور الصحيح لحقائق: الألوهية والوجود والنبوة والغيب...وغير
ذلك من أصول الدين التي
تنبني عليها فروعه وأحكامه العملية. ولهذا تهتم
هذه الدراسة بنظرته إلى تدريس العقيدة. وهذا يقتضي منا العودة إلى ما
كتبه
الشيخ
طاهر كمقررات لمادة العقيدة لنستنبط منه ملامح هذه النظرة. إذا عدنا
إلى مؤلفاته في هذا الباب
فقد سبقت الإشارة إلى أنه لم يترك كتبا كثيرة في
باب العقيدة، وإنما ت ـ رك لنا كتابين اثنين: أحدهما الجواهر
الكلامية في
العقائد الإسلامية، و الثاني هو الجوهرة الوسطى في قواعد العقائد.
وكلاهما
من كتبه
المطبوعة، أما الجواهر الكلامية فقد طبع طبعات عديدة؛ منها طبعة
جزائرية صدرت عن ديوان
المطبوعات الجامعية. أما الجوهرة الوسطى فهو وإن
كان كتابا مستقلا إلا أنه في أصله إضافة إلى الجواهر الكلامية، وقد
تضمن
مسائل
مختلفة من العقيدة. من خلال هذين الكتابين يمكن الوقوف على ملامح
نظرة الشيخ طاهر الجزائري
لتدريس علم العقيدة وتتجلى معالم هذه النظرة
فيما يلي:‏



Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:18

العقيدة وتتجلى
معالم هذه النظرة

فيما يلي:‏



1 ـ
العقيدة: مسألة التعريف. حينما نعود إلى كتب العقيدة لدى علماء
الإسلام في القديم لا نجد
لديهم تعريفا اصطلاحيا للعقيدة، بل إن حتى مصطلح
العقيدة كان محدود الاستعمال ولم يكن على النحو السائد في الكتابات الحديثة والمعاصرة، وقد
تضمنت كتب القدامى تسميات متعددة لعلم العقيدة،
مثل: علم التوحيد، علم الكلام، علم أصول الدين... وغيرها.‏


وقد سادت تسمية علم
العقيدة بعلم الكلام في معظم كتب الذين كتبوا في علم
التوحيد، حتى إنهم إذا جاؤوا لتعريفه اصطلاحيا يعودون إلى تعريف
الفارابي
على أساس
أنه أقدم تعريف ورد إلينا وهو التعريف الذي قال فيه: «صناعة
الكلام ملكة يقتدر بها
الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي
صرح بها واضع الملة، وتزييف كل ما خالفها بالأقاويل»(21) وبطبيعة
الحال
على
الرغم من الجدل الدائر بين علماء الإسلام هل علم الكلام هو علم
العقيدة أم لا، لكن الذي لا
خلاف فيه بينهم هو أن تعريف العقيدة تعريفا
اصطلاحيا لم تتضمنه كتب القدامى، وإنما تضمنت التسميات الأخرى كعلم التوحيد وعلم الكلام
وتعريفاتها. أما علم العقيدة، فلم يوضع له تعريفا
اصطلاحيا، وهذا على الرغم من أن كتب بعضهم تضمنت كلمة عقيدة، كما هو
الشأن
بالنسبة
لكتاب الإمام ابن تيمية رحمة الله عليه الموسوم ب ـ : العقيدة
الواسطية، أو كتاب الإمام
الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد. لكن بالنسبة
للتعريف بعلم العقيدة اصطلاحيا لا هذا الكتاب ولا ذاك احتوى على
تعريف
العقيدة
اصطلاحيا. باستثناء إشارة ابن خلدون التي تدل على مسمى العقيدة
والتي وردت في معرض التمييز
بين العقيدة وعلم الكلام (22) باستثناء ذلك،
وبناء على ما تقدم يمكن القول أن تسمية علم العقيدة بهذه التسمية واعتمادها أكثر من غيرها على
مستويات مختلفة من المساجد إلى الكليات
الإسلامية التي تدرس هذا العلم، والتي جعلته اختصاصا من الاختصاصات الشرعية، بناء على ذلك يمكن
القول إن هذه التسمية حديثة وليست قديمة، وقد
تضمنتها كتب بعض المعاصرين فقد تطرق إلى تعريف العقيدة الدكتور عبد
المجيد
النجار
في كتابه مقتضيات منهجية لتطبيق الشريعة الإسلامية، وتطرق إليه
أيضاً الدكتور محمد الزحيلي
في كتابه تعريف عام بالعلوم الشرعية، وتطرق
إليه الدكتور عبد الرحمن حبنكه الميداني في كتابه: الوجيز في العقيدة الإسلامية.وهذه التعريفات
وغيرها تعتمد الآن على أن أصحابها سبّاقون، وإن
كانت من حيث المضمون لا تختلف كثيرا عن التعريف القديم لعلم الكلام،
ماعدا
الإضافات
التي روعيت فيها بعض إفرازات العصر كظاهرة العلمانية والتي أشار
إليها الدكتور النجار،
والنزعات الفلسفية التي أشار إليه الشيخ حبنكه
الميداني الذي تطرق إلى تعريف العقيدة بكيفية تعليمية قدم المثال قبل
طرق
المسألة
ثم قال بأن: العقيدة هي الإيمان بالشيء إلى حد أن يصبح ذلك الشيء
هو المحرك للعواطف والموجه
للسلوك (23) وقد كان الشيخ حبنكة الميداني في
تعريفه يعتمد على التمثيل أكثر من جعله التعريف مطابقا لموضوع علم العقيدة. و هذا التعريف كان
مسبوقا بتعريف آخر هو تعريف الشيخ طاهر
الجزائري، الذي يقول فيه:«العقيدة الإسلامية هي الأمور التي يعتقدها
أهل
الإسلام
أي يجزمون بصحتها» (24) إذا تأملنا هذين التعريفين بكل تأكيد
تعريف الشيخ طاهر الجزائري
أقدم من تعريف غيره، وعليه يمكن اعتباره أول من
وضع تعريفا اصطلاحيا للعقيدة في العصر الحديث.لقد بدأ الشيخ طاهر
كتابه
الجواهر
الكلامية بتعريف العقيدة، وهذا لأهمية التعريف من الناحية
المنهجية، إذ لا يمكن أن
يبدأ الإنسان الكلام في موضوع معين دونما التطرق
لتعريفه، وهذا ما صارت تركز عليه المناهج الحديثة، مما يدل على أنه
هناك
مراعاة
للجانب المنهجي عنده، وهذا إذا ما قورنت كتابات الشيخ طاهر
الجزائري بغيرها من كتب
العقيدة التي ارتبطت بالعمل الإصلاحي كرسالة
التوحيد لمحمد عبده، أو العقائد الإسلامية للشيخ عبد الحميد بن
باديس، أو
كتاب
التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب... إذ لم يرد في هذه الكتب تعريف
العقيدة.‏


2 ـ النظر
العقلي: على الرغم من النزعة الأثرية البادية في كتابات الشيخ
طاهر الجزائري، وفي طريقة
عرضه لمسائل العقيدة وعلى الرغم من إشادته بموقف
السلف واعتباره الموقف الأصح إلا أنه كان يطرح وجه الحاجة إلى العقل
وأشار
إلى
ثنائية
النقل
والعقل. وقد جاءت مقدمة كتابه الجوهرة الوسطى في تعداد
المواقف العقلية التي من خلالها وصل إلى أن العقل حليف للنقل وأنه من مسالك المعرفة ومصادرها
فالعقل عنده: «جوهرة نفيسة من جواهر الملإ الأعلى،
لا تعادلها جوهرة من جواهر الملإ الأدنى، وهبها إياه العليم الحكيم،
فضلا
منه
ومنة، ليعرف قدرها ويضعها في منزلتها التي تستحقها، و إلا كان مخلا
للحكمة، غير مجل للنعمة»
(25). و في هذا كما نجده يعرفنا بحقيقة ملكة
العقل نجده أيضا يعرفنا بوظيفتها وضرورة وضع هذه الملكة في موضعها،
ولا شك
أن
موضعها هو توظيفها في معرفة الحقائق، وأجل هذه الحقائق هي الحقائق
العقدية. ولهذا حينما نجده
يتحدث عن وسائل المعرفة يذكر بأنها ثلاثة
:
«
الحواس والعقل والخبر الصادق» (26). وقد انتقد الحس ورأى عدم
الاعتماد
عليه في
الكثير من الأمور، وبالتالي تكون محدوديته في تحصيل المعارف
وإدراك الحقائق جلية، ومن ثم
لا يعول عليه دائما وأنه لا يوثق بحكمه إذا
انفرد ولذلك ف ـ : «الحكم بمقتضى الحس كثيرا ما يكون غلطا، فإن أقوى الحواس هو البصر وهو يرى
الظل ساكنا ثم بعد حين يظهر له أنه لم يكن ساكنا،
بل متحركا، ولم تظهر حركته ابتداء لعدم حصولها ابتداء بل بالتدريج»
(27
). فيكون البديل عن الحس في هذا
هو العقل، ولهذا يميل الإنسان إلى إدراكات
العقل ويطمئن لها أكثر من المحسوسات. وقد أشار الشيخ طاهر إلى
الإنسان في
حالة
تركه للحس ولجوئه إلى العقل بأنه:«إذا نظر في العقل تراءى له نور من
عالم القدس، تسمو به النفس،
وهو يسمو على الحس، ثم إذا رأى إشراقه على كل
كلي وجزئي، ومرئي وغير مرئي، ازداد إقبالا عليه وركونا إليه»(28)
ورغم هذه
الأهمية
التي يتوفر عليها العقل إلا أنه قد لا يوثق به هو الآخر؛ لأنه إذا
لم يكن له ظابط يقيده ويوجهه
فإنه قد يؤدي إلى الخطأ، فقال عنه: «إذا أنشط
من عقاله عرف أنه غلا في مقاله، وتجاوز حده ولم يقف عنده، وأنه نظر
بعين
الهوى
فهوى فيما فيه هوى» (29). و إذا كان هذا حال العقل وأنه غير مأمون
النتيجة من جهة، ومهم في
عملية المعرفة من جهة أخرى. يرى الشيخ طاهر أن
هذا العقل لا بد له من سند يستند إليه وموجه يوجهه وهذا الموجه هو
الخبر
الصادق
المتمثل في الوحي، لهذا يقول: «أول ما يلزمه في هذا الطريق أن يكون
عنده محك للنظر، ومعيار
للعلم ليزن بالقسط، ولئلا تدخل عليه الشبهة،
فيلتبس عليه ما هو كالذهب بما هو كالشبه» (30)‏

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:20

وعن كيفية وصول
العقل وإدراكه لهذه الحقائق العقدية يشير الشيخ طاهر إلى
بعض المسالك العقلية التي اعتمدت عند علماء العقيدة في القديم مثل
مبدأ
السببية
الذي انطلق منه لإثبات خالق الموجودات وهو الله عز وجل مؤكدا
مضمون مبدأ السببية الذي
يقضي بأن حدوث شيء ما بلا سبب من المحال، ويتعلق
بهذا المبدأ العقلي أمر آخر وهو مسألة بطلان التسلسل؛ فالأسباب لا بد
أن
تنتهي
إلى مبدأ، أو كما قال إلى أول يكون عليه المعول(31). طبعا النتيجة
المتوصل إليها من وراء توظيف
هذا المسلك العقلي هي إثبات وجود الله عز وجل
بالدليل العقلي ويعلم الإنسان بذلك أن له وللموجودات جميعا موجدا
إليه
المنتهى.
وبذلك يصل العقل إلى الإيمان بالله عز وجل. وهنا يتميز الشيخ
طاهر بموقفه التوفيقي الجلي
بين العقل والنقل وأن تدريس العقيدة يحتاج إلى
امتلاك طاقة تجريدية وامتلاك المبادىء العقلية التي بها يمكن تصور
وتقديم
نمط من
الاستدلال على صحة مسائل العقيدة، وهذا ما يحتاج إليه طالب العقيدة
بشكل خاص حينما يكون مبلغا
لها وبشكل أخص في خطابه لغير المسلمين، ولذلك
يرى الشيخ طاهر تكامل النظر العقلي مع الوحي ويؤكد ذلك في قوله: اعلم
أن
العقل لا
يهتدي إلا بالشرع، و الشرع لا يتبين إلا بالعقل...ممثلا لذلك
بالأساس والبناء؛ فالعقل
كالأساس و الشرع كالبناء، ولن يغني أساس ما لم
يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أساس(32)‏


3 ـ البعد
عن التنظير: تميز الشيخ طاهر الجزائري في عرضه للعقيدة، ويعود
ذلك إلى كونه لم تكن كتاباته
في العقيدة تأليفا ابتدائيا، أو ردا على شبهة
أو إجابة على سؤال أو غير ذلك من بواعث التأليف التي عرفت عند القدامى.ومما تميزت به طريقة
الشيخ طاهر في عرضه لقضايا العقيدة عرضها
بكيفية تعليمية تربوية بعيدة عن الطابع التنظيري الذي تميزت به كتب العقيدة عند الأوائل، فلم
نجده يثير مسائل متميزة اجتهد في مناقشتها، بل
اكتفى بعرض أصول الإيمان في الجواهر الكلامية، فجاء هذا الكتاب في
شكل
سؤال
وجواب، وهذا لكون كتاباته في العقيدة كتابات مدرسية بالدرجة الأولى
وهي طريقة نادرة في الكتابة
في العقيدة على هذا النحو. ومن المعلوم أن
الكتابات المدرسية يراعى فيها الطابع البيداغوجي التربوي، وهذا ما
يقتضي
عملية
الحوار التي تكون بين المعلم والطالب، والتي أداتها الأساسية السؤال
والجواب أو الطرح الإشكالي
كما يعرف في المناهج الحديثة. وقد جاء على هذا
النحو كتابه الجواهر الكلامية؛ فهو كله سؤال وجواب.فمثلا نجده يسأل
ما
أركان
العقيدة الإسلامية؟ ويجيب أركان العقيدة الإسلامية ستة أشياء، وهي
: «الإيمان بالله تعالى،
والإيمان بملائكته، والإيمان بكتبه، والإيمان
برسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر».(33). وفي هذه
الإجابة
دليل على
بعد الشيخ طاهر عن التنظير في مسائل العقيدة؛ فمن المعلوم عند
علماء العقيدة أن مسألة
القضاء والقدر من أصعب المسائل، إذ إنها أثارت
جدلا كبيرا عند القدامى وأسفرت مجادلاتهم على بروز ثلاث نظريات في
هذا
الموضوع
هي: نظرية الجبر التي قالت بها الجهمية، ونظرية الخلق التي قالت
بها المعتزلة، ونظرية الكسب
التي قال بها الأشاعرة.إذا عدنا إلى الشيخ
طاهر فلا نجد الحديث عن هذه النظريات، ولا الإشارة إليها، ولا إلى
طرحها
من وجهة
نظر جديدة، ثم نجده في هذه المسألة يسأل مرة أخرى، كيف الاعتقاد
بالقضاء والقدر؟ ويجيب: «بأن
نعتقد أن جميع أفعال العباد، سواء كانت
اختيارية مثل القيام والقعود والأكل والشراب، أو اضطرارية مثل طول الإنسان، وقصره، وبياضه
وسواده ، كائنة بإرادة الله تعالى وتقديره في
الأزل وعلمه بها قبل وقتها» (34).‏


4 ـ
التبسيط: مما تميزت به نظرة الشيخ طاهر لتدريس العقيدة أيضا تبسيط
مسائلها، وليس هذا الأمر
خاصا بعلم العقيدة فقط بل اعتبرت هذه إحدى خواص
منهج الشيخ طاهر في تعاطيه مع مسائل العلوم بشكل عام، بل اعتبر من
أهم
أعماله
الإصلاحية فمن «أجلّ أعماله تبسيط العلوم الشرعية، وعرضها على
الناشئة بأسلوب جذاب، يدفع
العقول إلى التفكير»(35)، وإذا كانت هذه صبغة
كتاباته بشكل عام في مجال العلوم الشرعية فإنها كانت بشكل خاص في
مجال
العقيدة،
وهذا رغم صعوبة مسائل العقيدة وحساسيتها مما يدل على استيعابه
لمسائلها؛ لأن تبسيط مسألة
من مسائل العلم لا يتأتى ما لم يكن صاحبها من
المحيطين بمسائل ذلك العلم.ويأخذ الأمر أهمية خاصة إذا كان يتعلق
بعلم
بأكمله
وهو علم العقيدة بشكل خاص؛ لتكامل العلوم الشرعية من جهة ولخطورة
وصعوبة علم العقيدة من جهة
أخرى، وعن هذه الخاصية - تبسيط الكتب- التي
طبعت كتابات الشيخ طاهر بشكل عام ومنها كتاباته في مجال العقيدة عن
هذه
الخاصية
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: «إن الشيخ رحمه الله كان بارعا في
رسائله وكتبه التعليمية، ومن
حيث قدرته على تذليل صعاب العلم وتقريبه
للمبتدئين، ولا يحسن هذا كل كاتب، وكان محققا في كتبه الكبيرة ولم
يكن
كغيره
كحاطبي ليل» (36) ومن وجوه هذا التبسيط الذي تميزت به طريقة الشيخ
طاهر في عرضه لقضايا العقيدة
الابتعاد عن أساليب المتكلمين ومصطلحاتهم
التي تستدعى تخصصا نوعيا لفهمها والأخذ بإجرائيتها، لقد كان بعيدا عن
ذلك
و اكتفى
بالتركيز على أصول الإيمان وأركانه، وهذا خاصة في كتابه الجواهر
الكلامية إذ أنه لم يزد عن
أركان الإيمان التي تضمنها حديث جبريل(37) وهي
:
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره
وشره
. لقد اكتفى بهذه الأركان أما
غيرها فقد كان يرغب في الابتعاد عنه وتركه،
ولذلك حينما تحدث عن مسألة الجوهر الفرد وهي من أهم المسائل التي
ناقشها
المتكلمون
استحسن عدم الخوض في مثلها خشية القول بغير علم وذكر القاعدة
النفيسة عند أهل النظر: خذ
من زمانك ما صفا ودع ال ـ ذي فيه الك ـ در‏



5 ـ تجاوز
الخلاف: ومن ملامح نظرته أيضا تجاوز الخلاف، فقد عودتنا
الدراسات الكلامية حتى التي تقدم في الجامعات الإسلامية أنها في
عرضها لأي
مسألة من
مسائل العقيدة تتعرض إلى آراء الفرق فيها وتبرز أدلة كل فريق إلى
درجة أن القارىء يقف على عدة
آراء متضاربة لا يقف على علم متكامل، أما ما
فعله الشيخ طاهر الجزائري فقد تجاوز هذه الخلافات المذهبية وقد قدم
أصول
الاعتقاد
كما هي مستوحاة من النصوص دونما خوض في هذه الخلافات. وهذا
تماشيا مع المنحى التربوي
الإصلاحي الذي كان الإطار العام الذي جاءت فيه
كتاباته؛ فلم نجد ذكر لفرقة معينة وتصويبها وتخطئة الفرق الأخرى، ولم
نجد
ذكر
للمسائل التي شذت فيها بعض الفرق وخالفت فيها غيرها، ولم نجد أيضا
توظيف الأحكام من تفسيق، أو
تبديع، أو تكفير ... أو غير ذلك. بل كانت
نظرته لهذه المسألة تتمثل في كونه يقرر المسألة المراد طرحها ويسعى
على أن
يكون
الاستدلال عليها من الكتاب والسنة بعيدا عن الخلافات الكلامية التي
تضمنتها كتب علم الكلام.بل
كان نقده موجها لغير المسلمين؛ فمثلا حينما
تكلم عن ثنائية الوحي والعقل لم نجده يذكر طائفة من الطوائف
الإسلامية
ممجدة
للعقل وأخرى مناوئة له، بل ذكر غير المسلمين من يثير هذه الشبهة
التي تزعزع يقين المسلم ويرد
عليها فيقول: «... وطائفة قالت تتبعنا
الشرائع فوجدناها مشتملة على ما ينبو عنه العقل فعلمنا أنها ليست من
عند
الله.
والجواب على ذلك أنهم: إن أرادوا بما ينبو عنه العقل ما يدل برهان
العقل على استحالته كخلق
الله تعالى مثله والجمع بين ضدين فهذا ما لا يرد
به الشرع، وإن أرادوا به ما يقصر العقل عن إدراكه، ولا يستقل
بالإحاطة
بكنهه
فهذا لا يوجب هذا الإنكار، فليس كل ما يدركه العقل محالا في نفسه
» (38) ويلاحظ على هذا كيف
أنه يرد على غير المسلمين ولم يتطرق إلى الخلاف
الداخلي، وهذا تماشيا مع طبيعة العمل الإصلاحي الذي جاءت في إطاره المقررات الشرعية التي وضعها
الشيخ طاهر؛ لأن من أهم أهداف العمل الإصلاحي
الحفاظ على وحدة المسلمين وعلم العقيدة أول العلوم التي يعول عليها
في
ذلك‏


6 ـ ترك
التأويل: من ملامح نظرة الشيخ طاهر في تدريس العقيدة ترك التأويل،
والدعوة إلى عدم الأخذ به،
آخذا في ذلك بمذهب السلف في هذه المسألة
معتبراً مذهبهم هو المذهب الحق، وهذه المسألة أخذت بعدا جدليا عند
القدامى
بين مجيز
لها وناه عنها، وبين من وقف موقفا بين ذلك، وقد كانت من المواقف
الشهيرة عند القدامى المنكر
للتأويل موقف الإمام ابن القيم الذي أرجع كل
المشاكل التي تعرضت لها الأمة إلى مسألة التأويل (39). وعن هذا
الموقف
الذي
وقفه الشيخ طاهر قيل: «سلك إلى الحقيقة أحسن طريقة ونجا من غوائل
المجاز، وسهل عليه فهم كثير
مما يعده الخلف متشابها من آيات الكتاب المنزل
وأحاديث النبي المرسل صلى الله عليه وسلم»(40) ولذلك نجده حينما تحدث
عن
الصفات
وقف عند الصفات التي كانت محل خلاف بين مؤول لها وغير مؤول مثل صفة
الاستواء الواردة في قوله
تعالى:«الرحمان على العرش استوى»(طه/5) فبعد أن
عرض آراء المتكلمين في المسألة بين موقفه فقال: «والأصل في هذا الباب
أن
الصفات
كالذات، فكما أن ذات الحق سبحانه ثابتة حقيقة من غير أن تكون
مشابهة لذوات الخلق، كذلك
صفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون مشابهة لصفات
الخلق»(41).‏



واستدل الشيخ طاهر
على ذلك من خلال قياسه الصفات على بعضها بعضا فقال
:
«
فإن قال قائل: لا أعقل استواء ولا نزولا إلا في الأجسام بناء على ما أدركه في الشاهد، قالوا له:
كيف أدركت علما وقدرة في غير الأجسام وأنت لا
ترى في الشاهد غير الأجسام؟ فإن كنت لا تبني إلا على ما تشاهد فالحال
في
النوعين
واحد، فكيف أولت الاستواء والنزول، ولم تؤول العلم والقدرة، فإما
أن تؤول في النوعين، أو تترك
التأويل فيهما مثبتا لهما على وجه يليق بكمال
ذي الجلال وجلال ذي الكمال»(42).‏

Admin
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 5315
تاريخ التسجيل : 17/06/2008

مرحبا بك زائرنا الكريم رد: الشيخ طاهر الجزائري نموذج للمعلم المربي والداعية رائد النهضة في بلاد الشام

مُساهمة من طرف Admin في الأحد 21 ديسمبر 2008 - 20:21

والأمر نفسه حينما
تحدث عن صفتي الرحمة والغضب وعرض فيهما رأي الخلف
وانتقده ثم عرض رأي السلف ـ الرأي الذي يدعو إلى ترك التأويل ـ ورجحه واعتبر أن ذلك هو الطريق
الموصل إلى الحقيقة فقال عن طريقة السلف هذه: «من
عرف الدخول في هذه الطريقة نجا من غوائل المجاز، ووصل إلى
الحقيقة»(43
). ولذا
يعرض الشيخ طاهر موقف الذين دافعوا عن التأويل بحجة أن لا يقفوا عند
التعطيل ويتجنبوا التجسيم
ويرد عليهم بأن قولهم يؤدي إلى الاعتقاد بأن
نصوص الوحي متشابهة في معظمها فقال: «وإن ظن ـ المؤول ـ أن ظاهره ـ
أي
النص ـ
يقتضي ما يتصوره في الخلق، غير أن الدليل ألجأه إلى التأويل رعاية
لجانب الحق أوقع في النفوس
أن الشرع متشابه في أكثر المواقع، موهم لخلاف
الواقع، وفي ذلك فتح لباب من المجاز يؤدي مهامه يظل فيها القطا، ولا
ي ـ
ؤمن من
الخطا» (44) و يبدو من خلال هذا أن الشيخ طاهر في رده على المؤولة
أن التأويل يفتح أبوابا لا
يمكن أن تغلق ويضيع الهدف وتضيع الحقيقة، ولا
شك أن ذلك من الأمور غير المحمودة، خاصة إذا لم يكن التأويل منضبطا
بضوابط
معينة
تعين من يشتغل به على فهم المراد من النص أو أن هناك نصوص أخرى تؤكد
المعنى الراجح، فالأولى ترك
التأويل وأن ذلك أحسن الطرق في فهم صفات الله
عز وجل، وهذا يقتضي من البداية معرفة أن صفات الله غير صفات
المخلوقين ومن

ثم فلا تقاس عليها فيقول: «وأما من عرف من أول الأمر أن صفات الخالق
لا
تشابه
صفات الخلق، فحمل ما نسب إليه من صفات على ما يليق بكمال ذاته فقد
سلك إلى باب الحقيقة أحسن
طريقة»(45).‏




خاتمة‏


بعد الوقوف على هذه
الجوانب من حياة الشيخ طاهر الجزائري، وبعد الوقوف على
أهم الملامح التي تشكل نظرته لتدريس علم العقيدة، بعد ذلك يمكن القول
أن:‏



1 ـ الشيخ
طاهر الجزائري شخصية لها حضورها القوي في مجال العمل الإصلاحي
في العصر الحديث، ورغم ما
كتب عن هذه الشخصية فهناك جوانب منها تحتاج إلى
التعريف بها أكثر؛ فإذا كان إسهامه في تأسيس المكتبات قد تم التركيز
عليه،
فجهوده
التي تمثل نظرته للبداغوجيا لا تزال تحتاج إلى دراسة.‏



2 ـ من أهم
الجوانب التي بذل فيها الشيخ طاهر الجزائري جهدا معتبرا بل
يمكن القول أنه سخر لها
حياته كلها هو ميدان التربية والتعليم. وذلك
لأهمية التعليم في حياة الأمة وفي الظرف الذي عاش فيه الشيخ طاهر الجزائري.‏


3 ـ من أهم
إنجازات الشيخ طاهر الإصلاحية في ميدان التعليم جهوده في وضع
المقررات المدرسية. خاصة
الكتب المتعلقة بالعلوم الشرعية، وهذا ما تميز به
عن الكثير من رجال الإصلاح في العصر الحديث؛ ذلك لأن العمل الإصلاحي
يسعى
بطبيعة
الحال إلى إحياء العلوم الإسلامية.‏



4 ـ نظرة
الشيخ طاهر لتدريس العقيدة كانت في الإطار العام للعمل الإصلاحي
الذي عمد أصحابه إلى إحياء
العلوم الإسلامية باعتبارها الأداة التي يعتمد
عليها في تفعيل المرجعية الإسلامية في الواقع الإسلامي.‏


5 ـ هذه
النظرة كانت قدر روعيت فيها الجوانب الأساسية لتبليغ وتعليم مبادئ
العقيدة الإسلامية، وتجلى
ذلك من خلال تركيزه على إعطاء تعريف للعقيدة
يمكن أن يكون محل اتفاق عند جميع الفرق الإسلامية، كما يتجلى في
الجوانب
التي ركز
عليها الشيخ طاهر والتي سبقت الإشارة على أنها ملامح رؤيته والتي
منها ترك الخلاف، والتبسيط، والتركيز
على النص...إلخ.‏




6 ـ إضافات
الشيخ طاهر في مجال علم العقيدة بالإضافة إلى كونه وضع مقررات
مدرسية كانت له إضافات
متميزة كاعتماده على بعض الأدلة العلمية، وتوظيفها
في درس العقيدة.‏


وبشكل عام يمكن
القول إن نظرة الشيخ طاهر الجزائري لتدريس العقيدة، تعتبر
تجربة يمكن أن يستفاد منها
في مجال تدريس هذا العلم الجليل، خاصة عند من
يهتم بمسألة التجديد في العلوم الإسلامية بشكل عام وفي علم العقيدة
بشكل
خاص.‏
  • إرسال موضوع جديد
  • إرسال مساهمة في موضوع

الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 7 ديسمبر 2016 - 0:43